د. عدنان صبيح / باحث متخصص في انثروبولوجيا الخطاب

أسهمت التحولات التي طرأت على الدراسات الانثروبولوجية في تحقيق قفزات مهمة في هذا الميدان ، ومنها تحول تلك الدراسات من تفضيل الجماعة لأهدافها الى العمل على التكامل والتنسيق والاستمرارية فيما يخص الجماعة ، وبدلا من الصراع والتشتت الذي يمثل استمرارا للجماعة أيضا كما كان سائدا في الدراسات فترة غير قصيرة من الزمن ، والدخول الى المدينة الكبيرة للعمل على مفهوم (اللعبة السياسية)، اخذت بعض الدراسات الانثروبولوجية تتجه نحو (العملية السياسية) بدلا من التنظيم السياسي ، وبذلك إشارة شوارتز الى أن دراسة العمليات التي تؤثر في تحقيق الأهداف العامة واكتساب القوة واستخدامها من قبل أعضاء الجماعة الذين تهمهم هذه الاهداف (الانثروبولوجيا، سليمان خلف). وبذلك فان الانثروبولوجية بعد دخولها الى دراسة السياسات الحديثة بقيت ملتزمة بالارتباط بين الجماعة بأهدافها العامة والتي تحدد من خلالها انتماء تلك السياسات للجماعة وانفصالها عنها (Salverda, 2013).

ومن خلال تلك المنطلقات تحاول هذه الورقة الوقوف على خطاب تيار الحكمة المتشكل في 2017، وابراز مفاهيم ذلك الخطاب لمعرفة ظروف تكوينه، ودرجة قربه وابتعاده عن الجماعة الأم التي تأسس في كنفها.

تأسس تيار الحكمة عام 2017 بأعضاء بارزين من تشكيل سياسي سابق وهو (المجلس الأعلى الإسلامي العراقي)، مثلت مرحلة تأسيسه نهاية للصراع بين جيلين داخل المجلس الأعلى (جيل المحاربين القدامى) وهو جيل من المقاتلين لنظام البعث، ويملكون علاقات دينية وسياسية لا يمكن تهميشها، وجيل جديد تمثل برئيس المجلس السيد عمار الحكيم وعدد من الشباب الملتفين حوله، كان تقريبهم على حساب الجيل السابق، فضلا عن التوجهات المختلفة بين الجيلين في النظر الى الدولة والعلاقة بين التشكيل والجماعة الشيعية، فكانت لحظة الانفصال بابا لفهم التوجهات وتوضيحها بدلا من الرؤى المختلفة التي أربكت خطابهم في الفترة السابقة. اذ كان هناك خطابان: خطاب الشباب الذي يدعمه رئيس المجلس، وخطاب المشكلين القدامى المتمثل بقيادات الصف الأول من معممين وسياسيين يرغبون بخطاب ممثل للجماعة الشيعية متحرك داخل العملية السياسية، وكانت تلك المقدمة بوابة لفهم الظروف الاجتماعية والسياسية لتأسيس تيار الحكمة الوطني قبل الدخول في خطابه.

خطاب الجماعة

يتمتع الخطاب السياسي للجماعات والتيارات الشيعية في العراق بعدد من العلامات والرموز، التي تعبر عن العلاقة الرابطة بين الحزب والجماعة الام، تمثل تذكيراً للجمهور بتلك العلاقة، كأن يكون اختيار الوان معبرة عند الجماعة، أو وجود صور وأحاديث وأيقونات تؤكد الهوية التاريخية للشيعة، واختيار أيقونة خاصة او رمز خاص هو امتداد وارتباط في الوقت نفسه للجماعة، يساعد على تكوين سياقات بين الجمهور وصنع علاقتهم بالحزب او أي تشكيل مكون. فضلا عن استخدام عدد من المفردات التي تعني التمسك بذلك التراث، ويمثل ذلك أبرز ملامح الخطاب السياسي الشيعي، ويتم التعامل مع تلك المعطيات كسياق خطابي متحكم به ويعمل على إعادة رسم العلاقة بين الجمهور وصاحب الخطاب.

السياق الشيعي

يأخذ السياق دورا كبيراً في انتاج الخطاب، ويرسم حدود العلاقة بين المخاطَب والمخاطِب.  فالسياق هو محرك المتلقي للوصول الى نية المتكلم وقدرته على انتاج الجمل وعلى الحكم بصحة او خطأ ما يسمع، والوصول الى معرفة المتكلم بلغته معرفة ضمنية، ليتمكن من الوصول الى دلالة النص او الخطاب (كنوش، 2007).

وكلما ابتعد الخطاب عن السياق الاجتماعي واللغوي للجماعة يصبح المعنى بعيداً عن الجمهور، مما يضطر صاحب الخطاب غالبا الى زيادة كلمات خطابه، وإرساء مزيد من التبريرات لتعويض السياق المحذوف او المستبدل داخل الخطاب سعيا للوصول الى الجمهور.

بالضبط هو يشبه الشخص المتواجد في مجتمع غريب عنه لغويا واجتماعيا، اذ يعمل على تعويض نقص فرص الوصول الى المعنى بالكلام الكثير لإفهام مبتغاه.

يحتوي سياق الخطاب للجماعة الشيعية على عدد من التكرارات التي تنمط عليها الجمهور، ومثلت وعيهم تجاه الاحداث والمنطلقات كون الجماعة الشيعية تملك سياقا تاريخيا تفسر من خلاله أسلوب حياة الأفراد وتحكم على علاقاتهم بالأخرين من خلاله، يترجم ذلك السياق بعدد من الايقونات والرموز والألوان، فضلا عن مفردات معينة تشكلت لديهم كمعبر عن ذلك السياق وهي مكونة من تطور علاقاتهم مع الحوادث التاريخية المعبرة عن انتمائهم لتلك الجماعة. وتعد تلك المفاهيم والايقونات سياقا اجتماعيا وسياسيا للخطاب الشيعي، تستعين بها الأحزاب الشيعية لتعزز علاقتها بالجمهور، وتحقق الشرعية للتعبير عنهم.

ليكون السؤال الذي نسير عليه في هذا الموضوع: هل مثل خطاب تيار الحكمة الوطني سياق الجماعة الشيعية؟ وكيف رسم علاقته مع الجمهور؟

خطاب تيار الحكمة الوطني

في الملاحظة الأولى لخطاب تيار الحكمة الوطني في ذكرى تأسيسه عام 2017، انه لم يحمل أي إشارة تعزز وجوده داخل الجماعة الشيعية، غير العمامة التي يرتديها زعيم التيار، فلم يتم ادراج أي صورة تمثل الوجود الشيعي وتعبر عن العلاقة الرابطة بين الطرفين، اذ تمثل الايقونات الشيعية كصور الائمة او رمزيات تعبر عن السلسلة التاريخية للتراث الشيعي، وتستعين اغلب الأحزاب والتيارات الشيعية في خطابها بعدد من تلك الرمزيات وتختار أحدها، ما يميزها عن الأحزاب الأخرى داخل الجماعة نفسها، وتساعد تلك الرموز على انتاج معنى للخطاب الموجه للجمهور، وتعيد انتاج نفسها وفقا لتلك الرموز. بالمقابل لم يستعمل تيار الحكمة أياً من الرموز والشعارات الممثلة للتراث الشيعي في خطابه، واستعمل صور آل (الحكيم) التي تعبر عن سياق عائلي اكثر منه سياقا للجماعة؛ وذلك لان صور المرجع السيد محسن الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم والسيد عبد العزيز الحكيم لم تكن امتدادا طبيعيا للعلاقة مع الجمهور، بل هي معبرة عن علاقة غير دائمية مع الجمهور الشيعي، كون العلاقة المرجعية تمثل سياقا نخبويا، تتحول بمجرد وفاته الى مرجع آخر ليس بالضرورة ان يكون هناك امتداد دموي، والجمهور لم يتنمط على الوراثة القائمة على القرابة بالتعامل مع قضية المرجعية الدينية، سوى الحالات الفردية التي مثلت ارتباطا عاطفيا خصوصا مع المراجع الذين ارتبطوا مباشرة بالجمهور، وصنعوا رابطة عاطفية تطلبت تحول الجمهور الى أولادهم كما هي الحالة مع مرجعية السيد (محمد الصدر)، ولا يمكن سحب تلك الحالة على جميع مراجع الدين. وبذلك فان الاستعانة بسياق صور عائلة الحكيم، لم تحقق العلاقة الجماهيرية التي أساسها النمط الرابط مع الجماعة الأم، وتحقق سياقا عائليا، لا تتجاوز تعزيز احقية وجود مؤسس تيار الحكمة كونه ضمن هذه السلالة.

اكتفى احتفال تأسيس التيار بالإضافة الى صور ال (الحكيم)، بالأعلام العراقية، والشعار الجديد ذي اللون الجديد، وهو اللون الأزرق، الذي لم يحمل أي دلالة معروفة تنمط عليها الجمهور الشيعي (كاللون الأخضر المعبر عن الانتماء للدين الإسلامي، او الأحمر المعبر عن دلالات ثورة الامام الحسين(ع)، وحتى حديثا عن اللون الأصفر الذي برز كمعبر عن المعاداة لإسرائيل واستعملته كثير من القوى. حيث تخلى عنه تيار الحكمة في تأسيسه الجديد بعد ان كان موجودا في شعار المجلس الأعلى منذ تزعم الرئيس الحالي للحكمة السيد عمار الحكيم عام 2009.

وما يخص خطبة التأسيس التي القاها السيد عمار الحكيم الحامل لتراث آل (الحكيم)، بالصور التي خلفه عند القاء الكلمة (صور المرجع السيد محسن الحكيم، والسيد محمد باقر الحكيم، والسيد عبد العزيز الحكيم)، واسم التيار المشتق من دلالة اسم الحكيم، (الحكيم، الحكمة). بل وابتدأ الخطبة بـ (يا أبناء تيار شهيد المحراب وعزيز العراق ومحبيهم)، وما دلالة ذلك الا لمخاطبة جمهور معين داخل الجماعة، ولا يخاطب الجماعة الشيعية وجمهورها.

واشارته بان الاستراتيجيات السابقة بالعمل السياسي والتي واجهت معوقات هي استراتيجيات (شهيد المحراب وعزيز العراق). ولم يشر الخطاب بأكمله الى سياقات الجماعة الشيعية، فلم يذكر معركة الطف ومدلولات الثورة، وقضايا الغيبة، بل لم يتطرق الى القضايا المشتركة مع الجمهور الشيعي، لتكون مفتاحا لرسم العلاقة مع ذلك الجمهور، او رسم الهوية لذلك على وفق ذلك المنظور للتشكيل الجديد.

ربما كانت تلك السياقات التي يسير عليها الخطاب السياسي الشيعي مكبلة للأحزاب والتيارات، وتكون محددة لخطابهم لم يستطيعوا الانزياح عنها، الا انها بالمقابل تمثل وجودهم داخل الجماعة ومصدر قربهم من الجمهور، وبالتالي قوتهم السياسية.

رسمت التيارات الشيعية صوراً خاصة بها تميزها عن غيرها داخل الجماعة، لا تفارق السياق التاريخي، بل هي جزء منه. صور لا تحتاج الى تفسير تمثل المشترك بين تلك الأحزاب والجمهور، وتخاطب جمهورها من خلال تلك الرموز، وتمرر رسائلها، بل هي لا تبذل جهدا في إيصال رسائلها؛ لان الوسيلة جاهزة ومهيأة لتمرير الرسائل.

فخطاب الحكمة الذي يفارق كل تلك الرموز والألوان والشعارات والصور الخاصة بالجماعة الشيعية، ويخلو الخطاب من أي إشارة لها، فهو يحتاج الى عدد من الطرق لإيصال رسائله. وكانت احدى تلك الطرق هو الاتجاه نحو التوضيح على كل فقرة يقصدها، والتبرير على أي مشروع يطلقه. ولذلك يلاحظ على الغالب في خطاب رئيس التيار هو الاطالة؛ لأنها تحمل في طياتها عددا من (التوضيحات والتبريرات).

فعندما أراد ان يبين طبيعة التشكيل الجديد (تيار الحكمة)، قال (يتحدث عن الحاضر بواقعية، ويتطلع الى المستقبل، ويتعامل مع المشاكل المعقدة، ينظر الى المستقبل) وقال أيضا (روح سياسية جديدة، إطار كبير يحتوي كل تضاريس العراق) وقال (يعتمد الاصالة والتجديد، العشق الوطني الخالص).

وعندما أراد ان يوضح اهداف التشكيل الجديد أشار (مشاريع الانطلاق لبناء موطن الآباء والاجداد) و(تحسين أسس الدولة العصرية العادلة) (إعادة الثقة، ردم الهوة، إشاعة روح العدالة، اقتصاد حر، فرص مشاريع، الخ).

الا انه لا يحتاج كل تلك التوضيحات لو ضمن وجود سياق يربط خطابه بالجماعة، بل هو يعرف بانه يحتاج الى ان يصنع سياقاً جديداً، وذلك يتطلب عدداً من الآليات ومزيداً من الوقت لكي يحققها.

آليات الحكمة للعلاقة مع الجمهور

منذ تسنم السيد عمار الحكيم رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي بعد وفاة والده السيد عبد العزيز الحكيم عام (2009) وهو يقوم بتجربة عدد من الآليات التي تعد ناجحة عن القادة الشيعة الاخرين، منها دعوة الجمهور الى مكان موحد للتظاهر، ليصبح تجمعاً مليونيا، وكذلك مزج خطابه بعدد من الالفاظ من اللهجة العامية العراقية، محاكاة لأسلوب زعيم التيار الصدري، بل انه اختار ان يروج لتلك الكلمات الشعبية في إعلامه كلفظة (احنه كدها)، التي روّج لها اعلامه بشكل كبير، لكنها اختفت بعد فترة قصيرة.

واستعمل أيضا تجربة مخاطبة الجمهور عبر الشاشات التي يتجمهر امامها الناس في (10) محافظات عراقية، وهي مشابهة لطريقة تعاطي السيد (حسن نصر الله في لبنان) الا انها استبدلت بعد ذلك بتجارب أخرى.

والنتيجة ان تلك التجارب كانت ناجحة مع الزعماء الاخرين الا انها لم تأخذ حيزاً مع السيد عمار الحكيم؛ والسبب في ذلك لأنها تنتمي الى سياقات أخرى كانت سبباً في نجاحها في مكان واخفاقها في آخر. أهمها وجود مشتركات بين الجمهور وزعيمهم، الذي يؤطر خطابه بسياق ثورة الامام الحسين كـ (نصر الله)، والارث الصدري المرتبط بالأب المرجع وعلاقته بالجمهور، ورمزية الامام المهدي التي اتخذها التيار الصدري سياقا لعمله. تلك الفروقات بين التجربة الحكيمية والتجارب الأخرى باءت بالفشل خلال محاولاتها الاتصال بالجمهور وفق تلك الاليات. مما اضطر السيد الحكيم للتوجه الى اليات أخرى، ولذلك كان التغيير المستمر لاستعمال التواصل مع الجمهور هي السمة الغالبة، والتغيرات المستمرة اتاحها له فقدان السياق الاجتماعي من جهة، وفرضها عليه الفقدان نفسه (للسياق) من جهة أخرى. حتى اتجه في نهاية المطاف الى أسلوب التنظيمات لتكون نقطة قوته بدلا من القواعد الجماهيرية التي تتطلب الارتباط بتراث الجماعة وسياقها (الاجتماعي).

وانسحب ذلك التغيير على المشاريع التي كانت ثيمات أساسية في خطاب، وتتغير في خطاب اخر، فقد اشار في خطاب تأسيس تيار الحكمة عام (2017)، كمشاريع عمل (الاتجاه الى السوق الحر الملتزم بقوانين الحماية الاجتماعية، والتعليم، وتمكين المرأة)، بينما يركز في مقال منشور في ذكرى التأسيس عام (2020) على مفاهيم أخرى مثل (الدولة واللادولة)، وكذلك تم تغيير الارتباط الخطابي بمرجعية السيد السيستاني التي كان ذكرها من الأساسيات في السنوات السابقة، قد استبدلت بـ (استراتيجيات شهيد المحراب وعزيز العراق) منذ (2017 الى 2020).

الخلاصة

كل ما تقدم يعني بان السيد الحكيم وتيار الحكمة قد استبدل القاعدة الجماهيرية الشعبية بجمهور التنظيمات، وسبب ذلك التحول هو فقدان الامل بالحصول على قوة الجمهور الباحث عن سياق الوجود ضمن الجماعة، وعلى الرغم من النجاح الذي حققته تلك التجربة في انتخابات 2018، الا انه لا يوجد ضامن باستمرار تلك الآلية بالنجاح نفسه خصوصا وأنها مرتبطة بآليات تنظيمية بمجرد حصول طارئ كحل لتلك التنظيمات نتيجة أي أزمة يمر بها تيار الحكمة فإنه سيواجه فقدان القوة التي بذل جهدا تنظيميا كبيرا للحصول عليها.

مما يتطلب من الحكمة الرجوع الى الوراء قليلا والتفكير بجمهور القاعدة الشعبية وكيفية استقطابهم، لا على أساس الاليات الاحتفالية التي تنتهي بانتهاء الاحتفال نفسه، بل على أساس اختيار رمزية من تراث الجماعة تسير عليها لا تشابه تلك المتخذة عند التيارات الأخرى. والثبات عليها، كون الجمهور يتعامل مع رموزه بثبات، وتغييرها يعني ميلان كفة الرمز على مستعمليه، فيتجه للبحث عنها في أماكن أخرى.

ولا يكتفي ذلك المنطلق بالمشاركة في المشهد الطقسي للجماعة، بل لا بدّ من اتخاذه أسلوب حياة، كونه موجودا في أماكن أخرى، بينما البحث عن عنصر مائز بين بقية التشكيلات. فعملية استبدال الرمز في كل خطاب احتفال، تجعل الجمهور يغادر باحثا عن رموز تمثله وتميزه عن التشكيلات الأخرى داخل الجماعة نفسها يتباها بها، ويعيش معها، ويسير تحت عنوانها.

 

المراجع

Jon Abbink and Tijo Salverda. (2013). The Anthropology of elites.

السياسية الانثروبولوجيا. (سليمان خلف). منهج العملية السياسية. الامارات: قسم علم   الاجتماع_جامعة الامارات العربية.

عواطف كنوش. (2007). الدلالة السياقية عند اللغويين. مكة المكرمة: دار السياب.