اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

محمد كريم الخاقاني. اكاديمي وباحث في الشأن السياسي.

منذ ٣ كانون الأول ٢٠١٥ دخلت القوات العسكرية التركية الى عمق (١١٠) كم في الأراضي العراقية من دون حصولها على موافقة الحكومة العراقية بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، ويقدر عدد تلك القوات بمئات الجنود والسيارات المدرعة والدبابات والمدفعية، بل ان عددهم قد وصل بحدود ٢٠٠٠ جندي تركي لغاية ١١ تشرين الأول ٢٠١٦ (١)، وهذا يعني بإن تركيا قد انتقلت الى مرحلة متقدمة جدا في إدارة معاركها العسكرية من إستخدام الوكلاء الى مرحلة التدخل العسكري المباشر ولأول مرة داخل اراضي دولة اخرى، وفيما عدا الحالة القبرصية، لم تكن القوات التركية تقوم بعمليات عسكرية خارج الحدود إلا في ظروف محددة ومؤقتة، كما كانت تفعل في مطادرة عناصر حزب العمال الكردستاني الذي يتواجد في العراق ولمسافات برية قد تصل الى عمق (٥٠) كم ولكنها كانت تعود الى قواعدها التي تشغلها داخل الأراضي التركية، ولأول مرة تستخدم تركيا جيشها في عمليات عسكرية خارج حدودها، ليس بقصد عودة تلك القوات بعد تنفيذ مهام محدودة لها، بل لتقيم في الخارج على نحو مستمر ومن دون تحديد جدول زمني لعملياتها، وهذا ما حصل فعلاً بدخول القوات التركية في عام ٢٠١٥ الى منطقة بعشيقة في شمال غرب الموصل واقامت معسكراً لها ورفضت مغادرته على الرغم من مطالبة الحكومة العراقية لها (٢)، ولا يقتصر التواجد التركي فقط على مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، بل تتواجد فعلياً في الأراضي العراقية وبشكل قواعد عسكرية(٣).

هناك إشكاليات عدة يثيرها تدخل القوات العسكرية التركية في شمال العراق، فمنها من يعد هذا العمل العسكري وفقاً لمبادئ القانون الدولي بإنه تدخل، والآخر يعد التدخل التركي العسكري بمثابة تهديد للسلم والأمن الدولي.

وفيما يتعلق بالموقف الرسمي العراقي من تدخل القوات التركية في اراضيه، فيمكن الإشارة الى ذلك بطلب رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي الذي طالب بالسحب الفوري لتلك القوات من الأراضي العراقية واعتبر توغلها خرق خطير للسيادة العراقية (٤)، معتبراً بإن الحكومة العراقية لم تطلب تدخل قوات تركية مطلقاً وهو ما يتعارض مع سيادة البلد (٥)، ولخص بيان لمجلس الوزراء برئاسة السيد حيدر العبادي، الموقف العراقي الرسمي، إذ جاء فيه “ان السيادة الوطنية وحدود البلاد الجغرافية خط احمر لايسمح بالنيل منها وتجاوزها على الإطلاق، ولاسيما بإن الحكومة العراقية لم توقع إتفاقاً، او ان تسمح للجارة تركيا بتجاوز حدود بلدنا تحت اي ذريعة” وهذا دليل على عدم توقيع اي إتفاقية بين الدولتين وهو ما يفند المزاعم التركية بتوقيع إتفاق مع حكومة السيد نوري المالكي بالسماح لتركيا بإدخال قواتها العسكرية (٦)، وتقدم العراق بشكوى رسمية لمجلس الأمن ضد التوغل العسكري التركي عن طريق بعثته الدائمة لدى الأمم المتحدة في ١٤ كانون الأول ٢٠١٥ طالباً من المجلس بإنسحاب القوات التركية فوراً وان يضمن المجلس بكل الوسائل المتوفرة له إنسحاب القوات فوراً ومن دون شروط الى الحدود المعترف بها دولياً بين الدولتين، وان يأمر مجلس الأمن تركيا بعدم تكرار خرق السيادة العراقية لإنها تشكل تهديداً للسلم الدولي والإقليمي (٧)،  وعقد مجلس الأمن إجتماعاً في ١٨ كانون الأول ٢٠١٥ للنظر في الشكوى العراقية(٨).

هناك العديد من المسارات القانونية التي من الممكن ان يتبعها العراق في مواجهة تلك التدخلات العسكرية التركية، إذ يكفل القانون الدولي للدول الحق في السيادة على إقليمها، ويوجب ميثاق الأمم المتحدة  على الدول الإلتزام بمبادئ تحكم العلاقات فيما بينها وهي بالتأكيد مبادئ ملزمة، ومن ابرز تلك المبادئ، مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وكذلك مبدأ إحترام السيادة الإقليمية (٩).

ان تدخل القوات التركية يشكل خرقاً خطيراً لسيادة العراق ومبادئ حسن الجوار والإحترام المتبادل بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لها  وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، فالقصف التركي المستمر على مناطق عراقية يخالف ماجاء في المواد ٣،٢،١ منه، التي اوجبت على كل دولة إحترام سيادة الدول الاخرى، ولا يمكن لتركيا ان تتحجج بإنها قد وقعت إتفاقية مع النظام السابق، وذلك بسبب كونها لم تجدد تلك الإتفاقية ولم يتم إيداع نسخة منها في الأمم المتحدة حسب المادة ١٠٢ من الميثاق (١٠)، إذ ان هذه التدخلات العسكرية التركية في شمال العراق لا تدعمها إتفاقية التعاون الأمني بين البلدين والتي تم تطبيقها منذ عام ١٩٨٤ وسميت بإتفاقية المطادرة الحثيثة، لغرض مكافحة الإرهاب في مناطق الحدود المشتركة، إذ سمحت الإتفاقية لكل من العراق وتركيا بالقيام بعمليات متابعة للعناصر التخريبية داخل أراضي الطرف الآخر في حالة الضرورة القصوى ولعمق لا يتعدى ٥ كيلو متر وبمدة زمنية لا تتجاوز ثلاثة أيام (١١).

ان تدخل القوات العسكرية التركية في العراق قد حصل من دون موافقة رسمية من قبل الحكومة العراقية ومن دون دعوة منها، لذا فإنها تعد وجود تلك القوات غير قانوني ويشكل خرقاً للسيادة العراقية الإقليمية وللقانون الدولي. فمبدأ عدم التدخل يعد من المبادئ التقليدية التي ترسخ العمل بها في القانون الدولي وقد انبثق عن فكرة السيادة التي ترتب عليها منع اي دولة من التدخل في الشؤون الداخلية لدولة اخرى بسبب ان تدخلها في شؤون غيرها يعد إنتهاكاً لسيادتها ويعرض النظام الدولي للخطر، وقد جعل فقهاء القانون الدولي من مبدأ عدم التدخل مبدأ مطلقاً إلا في حالة كون الدولة في دفاع شرعي وهذا ما اعتمدته لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة في مشروعها المتعلق بحقوق وواجبات الدول لعام ١٩٤٧، وذلك بنص المادة الثالثة “يجب الإمتناع عن اي تدخل في الشؤون الداخلية والخارجية لدولة أخرى” (١٢).

ان مفهوم التدخل في القانون الدولي ينصرف الى معنى خاص، فالدول حسب رأي ابوبهايم تستعمل هذا المفهوم بشكل غير دقيق لوصف بعض القضايا، مثل إنتقاد تصرفات دولة ما، بينما التدخل في القانون الدولي يعني التدخل بالقوة او قهرياً بطريقة اخرى من قبل دولة ما في شؤون دولة اخرى، الغاية منه فرض تصرف معين من قبلها او الحصول على نتائج منها (١٣)، ومن هنا لايمكن ان تعتمد على ما جاء بالمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة والتي تتيح للدول الحق في إستخدام القوة لمحاربة الإرهاب وحق الدفاع المشروع لتأمين الحدود (١٤)، وتستند تركيا في هذا الصدد على ما يمكن ان يشكله تنظيم داعش الإرهابي وعناصر حزب العمال الكردستاني من تهديدات اكبر لسلامة وأمن تركيا من مناطق لا تستطيع الحكومة العراقية الوصول إليها وبالتالي لها الحق في الدفاع عن نفسها حسب المادة ٥١، وفي هذه الحالة اي التدخل العسكري التركي، فإن ممارسة حق الدفاع عن النفس يجب ان يكون هناك اولاً هجوم مسلح ضد الدولة المعتدى عليها، وهذا التدخل العسكري لم يكن رد فعل لهجوم شنته القوات العراقية ضد الأراضي التركية او قواتها العسكرية، ولم يكن تهديداً من قبل العراق بإستخدام القوة العسكرية ولم تقم تركيا بإبلاغ مجلس الأمن بحصول هجوم اوتهديد بالهجوم على تركيا من قبل العراق ولذلك لا يمكن الإعتداد بالإدعاءات التركية بهذا الخصوص(١٥)، ولم تقدم تركيا اي دليل يثبت تعرضها لتهديدات من التنظيمات الإرهابية في الأراضي العراقية، ذلك لإن المادة ٥١ لا تسمح بإستخدام القوة لحماية المصالح الأمنية المتصورة خارج نطاق الحدود (١٦)، وكعادتها لم تكن الحكومة التركية تهتم بإحتجاجات العراق المستمرة على تلك التدخلات العسكرية لإنها تعد تدخلاً سافراً في شؤون العراق الداخلية، وإنتهاكاً صارخاً لحرمة العراق وسلامته الإقليمية، فضلاً عن إنها تتناقض مع علاقات حسن الجوار ومعاهدة الحدود العراقية التركية لعام ١٩٢٦ (١٧)، ان توغل القوات العسكرية التركية في العراق لكي يكتسب الشرعية الدولية يجب ان يتم ذلك بموافقة الحكومة العراقية وبالتالي فإن الموقف التركي غير قانوني لعدم وجود اي إطار قانوني او مسوغ يعطي شرعية لتواجد تلك القوات العسكرية في العراق(١٨)، وعلى الرغم من الإحتجاجات العراقية الرسمية على التدخل العسكري التركي في شمال العراق، فإن الاتراك مستمرين بتجاهل كل الدعوات السلمية التي اطلقها المسؤولين العراقيين، بل وصل الأمر الى الى إنشاء منفذ لعبور قواتهم العسكرية دون إبلاغ الحكومة العراقية وهو منفذ سرزير، وإنشأت قاعدة مؤقتة لإدارة العمليات العسكرية من هناك(١٩).

وعليه نرى بإن التدخل العسكري التركي في شمال العراق يعد خرقاً للقانون الدولي وللسيادة الإقليمية ويشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدولي، ولايمكن لتركيا ان تعتمد على ما جاء بالمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، إذ لم يكن هناك اي هجوم عسكري او تهديد للأراضي التركية او قواتها العسكرية المتواجدة في العراق.

الهوامش:

١_سامي شبر، توغل القوات العسكرية التركية داخل الاراضي العراقية، الموقف في القانون الدولي، مجلة دراسات سياسية وإستراتيجية، بيت الحكمة، بغداد، العدد٣٤، ٢٠١٧،ص ١٧.

٢_محمد نور الدين، تركيا بين تحولات الداخل وتقاطعات الخارج، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد ٤٥٦، ٢٠١٧،ص ص٢٩_٣٠.

٣_محمد كريم الخاقاني، التدخل العسكري التركي في شمال العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

التدخل العسكري التركي في شمال العراق

٤_ سامي شبر، مصدر سبق ذكره، ص ١٧.

٥_الاسباب الخفية وراء توغل الجيش التركي في شمال العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

https://www.tasnimnews.com/ar/news/2016/10/10/1209494

٦_خالد علي عبود، التدخل التركي.. وتعدد المصالح على حساب العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي:

https://annabaa.org/arabic/authorsarticles/4531

٧_https://www.securitycouncilreport.org/un-documents/document/s2015963.php

٨_سامي شبر، مصدر سبق ذكره، ص ١٧.

٩_ امجد عرار، تدخلات تركيا.. إنتهاك السيادة الوطنية ومخالفة القانون الدولي، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

https://www.albayan.ae/one-world/overseas/2019-02-11-1.3484450

١٠_للمزيد يُنظر: https://www.almaalomah.com/2020/06/20/480802/

١١_رحاب الزيادي، ماذا يحدث في شمال العراق، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

ماذا يحدث في شمال العراق؟

١٢_عادل حمزة البزوني، مفهوم التدخل الإنساني في العلاقات الدولية_ رؤية قانونية، مجلة دراسات سياسية، بيت الحكمة، بغداد، العدد ٢٩،٢٠١٤،ص ١٦.

١٣_ سامي شبر، مصدر سبق ذكره، ص ٢٣.

١٤_شيماء معروف فرحان، خيارات تركيا نحو العراق بعد تحرير الموصل، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، الجامعة المستنصرية، بغداد، العدد ٥٧،٢٠١٧، ص ١٤.

١٥_ سامي شبر، مصدر سبق ذكره، ص ٣٦.

١٦_المصدر نفسه، ص ٣٧.

١٧_إبراهيم خليل العلاف، السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق بعد ٩ نيسان ٢٠٠٣،مجلة دراسات إقليمية، مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل، العدد ٥، ٢٠٠٦، ص٦.

١٨_عادل عبد الحمزة ثجيل وإيلاف راجح، دوافع وأهداف التوغل التركي وأثره في خيارات العلاقات العراقية _ التركية، مجلة قضايا سياسية، جامعة النهرين، العدد ٤٣و٤٤، ٢٠١٦،ص ٢٥٠.

١٩_محمد كريم الخاقاني، التدخل العسكري التركي في شمال العراق، مركز البيان للدراسات والتخطيط، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي :

0 ttps://www.bayancenter.org/2020/06/6160