اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

م.م.سيماء علي مهدي

المقدمة:

  التظاهر و الاعتصام هي من الحقوق الدستورية في التعبير عن الرأي، وهي جزء من حقوق الإنسان إذا كانت سلمية ومجازة مسبقاً من الجهات المختصة ولا يجوز الحرمان منها او تقييدها إلا وفقاً للقانون كما أكدته (المادة 15 و38 من الدستور العراقي لعام 2005)، لا ديمقراطية بلا معارضة، ولا ديمقراطية بلا تداول سلمي للسلطة ولن تدوم السلطة لشخص ما مهما كانت قوته. ولهذا شهدت عدد من المحافظات والمدن العراقية في الجنوب والوسط مظاهرات واحتجاجات متتالية تطالب بتوفير الخدمات العامة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مطالب سياسية في بعض المدن، وتطورت بعدها إلى صدام بين المحتجين والقوات الأمنية أوقع عدداً من القتلى والجرحى، وصارت عناوينها الرئيسية جزءاً من السباق السياسي الراهن المتخم بالانقسام والخلافات العميقة في الساحة العراقية، لكن سرعان ما تطورت احداث التظاهرات بعد أن خفت حدتها في الوسط والجنوب وانتقالها الى المناطق الشمالية إذ شهدت مدينة السليمانية، ثاني أكبر محافظات إقليم كردستان العراق، تظاهرات واسعة في عدة مناطق، تخللها اقتحام مقرات لأحزاب سياسية، شارك فيها مئات المواطنين احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وتأخر دفع المرتبات منذ نحو 3 أشهر وسيتم ذكر مسبباتها لاحقاً.

المحور الاول: جذور الازمة

    وتُعزى جذور الأزمة الحالية إلى النهج المتّبع من الحزبَين الكرديَّين الحاكمَين: «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (بزعامة مسعود بارزاني) و«الاتحاد الوطني الكردستاني» (أبناء الراحل جلال طالباني ورفاقه) في حكم «الإقليم»، واعتمادهما مبدأ تقاسم «كعكة» المراكز. أحكم الحزبان قبضتهما على موارد «الإقليم» الطبيعية وعوائدها المالية لتمويل توسعة نفوذهما. كما احتكرا الوظائف العامة ذات الدخل المرتفع لقواعدهما الشعبية الناخبة، فضلاً عن سيطرتهما الكاملة على المشاريع الاستثمارية في القطاعين العام والخاص. ونتيجةً لهذه الاستراتيجية، تدهورت أوضاع «الإقليم» مع أول خلاف سياسي بين حكومته وحكومة بغداد عام 2014، حول حدود صلاحيات «كردستان» الداخلية والخارجية في إطار الدولة العراقية (يمكن القول إن العلاقة بين المركز و«الإقليم» مرّت بثلاث مراحل؛ بدءاً من تأجيل تنفيذ المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها عام 2007، ثمّ نقض اتفاقية أربيل عام 2010، فسقوط مدينة الموصل بيد تنظيم «داعش» عام 2014، ومحاولة «الإقليم» الانفصال بعد مجيء (حيدر العبادي). أمّا أبرز صور التوتر فكانت عام 2014، حيث انهارت الترتيبات بين الطرفين، وخاصة الترتيب الاقتصادي المتمثّل في حصة «الإقليم» من الموازنة)([1]).

   ونالت محافظة السليمانية النصيب الأكبر من تداعيات تلك الاضطرابات؛ نتيجة تعدّد الأحزاب فيها، والمعارضة القوية لنفوذ «الاتحاد الوطني»، إضافة إلى استفحال الفساد بفارق كبير عن باقي محافظات «الإقليم»، بسبب «المافيات» التي تفرض الإتاوات على المستثمرين ورجال الأعمال، وتطالبهم بنسبة من أرباحهم، وهذا ما لم ينفه الرئيس المشترك للحزب (بافيل طالباني)، حين أعلن في نهاية تشرين الثاني الماضي تشكيل لجنة للتحقيق في ضلوع عدد كبير من «رجال المافيا» في أعمال «قذرة»، على حدّ وصفه، متعهّداً باعتقالهم ومحاسبتهم لإنهاء هذه الظاهرة ([2]).

  ويعاني إقليم كردستان من أزمة اقتصادية منذ عام 2016، بسبب تراجع سعر النفط والحرب مع داعش، لاسيما في ظل استثنائه من ميزانية الحكومة الاتحادية عام 2004 بقرار من رئيس الوزراء الأسبق، (حيدر العبادي)([3]).

  أما في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق (عادل عبد المهدي) (2018-2020) فقد شهدت العلاقة بين اربيل وبغداد هدوءاً نسبياً، إذ أجبرت التحالفاتُ السياسية التي قادت إلى تشكيل تلك الحكومة تراجعَ قوى شيعية عن انتقاداتها لإقليم كردستان، وأبرزها تحالف “الفتح” بزعامة (هادي العامري) الذي تقارب بشكل كبير مع رئيس إقليم كردستان السابق (مسعود بارزاني). من جانبها لم تُخفِ أربيل سعادتها بحكومة عبد المهدي التي أبرمت اتفاقاً يقضي بدفع بغداد جميع رواتب إقليم كردستان للمرة الأولى منذ العام 2014 مقابل قيام أربيل بتسليم واردات 250 ألف برميل نفط من بين نحو 500 ألف برميل تصدّرها كردستان بشكل مستقل. وعندما لم تلتزم أربيل بهذا الاتفاق بشكل شبه كامل تغاضت حكومة عبد المهدي عن ذلك، ولم يتم الكشف عن خرق الاتفاق حتى استقالته وتسلم الكاظمي مقاليد الأمور([4]).

   وغالباً ما تتراجع حدة الخلافات بين الطرفين في أوقات الوفرة المالية، ولكن مع ظهور أزمة جائحة كورونا وما تبعها من أزمة اقتصادية خانقة تعرضت لها بغداد بالتزامن مع انهيار أسعار النفط منذ نيسان، إذ خسرت بغداد نحو 60% من وارداتها الثابتة، وجدت حكومة رئيس الوزراء الجديد (مصطفى الكاظمي) نفسها أمام خيارات صعبة. ففي أيار 2020 قرر الكاظمي إيقاف دفع رواتب موظفي الإقليم البالغة نحو نصف مليار دولار شهرياً، بسبب الأزمة المالية التي جعلته أمام خطر صعوبة دفع مرتبات الموظفين في الوزارات والمؤسسات الاتحادية، وعلى ضوء ذلك بدأت سلسلة مفاوضات مكثفة تمثلت في زيارات كبار مسؤولي الإقليم إلى بغداد شملت رئيس الإقليم (نيجرفان بارزاني) ونائب رئيس الحكومة (قوباد طالباني)، وأخفقت جميعها في التوصل إلى اتفاق.  رغم أن الكاظمي أبلغهم صراحةً بصعوبة دفع مستحقات الإقليم المالية بالكامل بسبب عمق الأزمة المالية التي تضرب البلاد، وجعلتها قريبة من الإفلاس، إذ اضطرت حكومة الكاظمي إلى الاقتراض الخارجي بقيمة 5 مليارات دولار، والاستدانة من المصارف المحلية لتوفير رواتب أشهر حزيران وتموز وأب، وإذا استمرت أسعار النفط على حالها دون 50 دولاراً، فإن العراق ينتظر أزمة اقتصادية في الربع الأخير من هذا العام، ستكون الأكبر بعد العام 2003([5]). لكن في الاتفاق الجديد بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية التي يرأسها “مصطفى الكاظمي”، تقرَّر إرسال 320 مليار دينار إلى الأكراد مقابل دفع 50 في المائة من عائدات الجمارك على الحدود التجارية الرسمية مع إيران وتركيا، و لقد أرسلت بغداد ميزانية شهر واحد إلى أربيل، وبعد هذا الحادث، يحتج المواطنون بشدة على أن الحكومة لم يعد لديها أي عذر لدفع رواتبهم،  وأن تأثيرات كورونا على المجتمع والاقتصاد انخفضت بشكل كبير، كما ويعتقدون أيضاً أن الأسعار العالمية للنفط قد ارتفعت، وأن صافي دخل أربيل يصل إلى 300 مليار دينار شهرياً بعد خفض التكاليف والنفقات. هذا بالإضافة لاعتقادهم أن دفع ثلث الرواتب من قبل الحكومة يعتبر ظلمًا واضحًا، ويجب حل هذه المسألة في أسرع وقت ممكن([6]).

  وصعّدت تلك الأزمة حدة الخلافات الداخلية بين “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الحاكم في الإقليم، وغريمه “الاتحاد الوطني الكردستاني” وبعض القوى الأخرى المعارضة، وعلق الرئيس المشترك لحزب “الاتحاد الوطني الكردستاني”، (لاهور شيخ جنكي)، على تصاعد حدة الخطاب القومي من قيادات الحزب “الديمقراطي الكردستاني”، قائلاً إن “دغدغة المشاعر القومية لن تعالج الأزمة المالية” ([7]).

المحور الثاني: احتجاجات السليمانية-روح تشرين تسري بالجبل

 ربيع كردي في الشتاء نتيجة الازمة المالية والاخطاء السياسية المتراكمة وراء غضب الشارع الكردي، وأن حكومة (عبد المهدي سابقاً والكاظمي حالياً) تساهلت مع الاقليم في تحويل الرواتب لكنها لم توزع بانتظام، بالرغم من انه لم تلتزم حكومة إقليم كردستان ما يتوجب عليها من تسديد قيمة مبيعات ما لا يقل عن 250 ألف برميل من النفط يوميا لشركة النفط الوطنية العراقية (سومو)، ويعود ذلك لكونه (الاقليم) مكبل باتفاقيات مع شركات تركية لمدة (50 سنة) وبه التزامات مالية ضخمة ([8]).

     في 15 أيار، نشرت المحافَظة بياناً على صفحتها على “فيسبوك” تقول فيه إنها علمت بـ “الدعاية السياسية والدعوة إلى المظاهرات”، ولكن ليست هناك موافقة على تنظيم المظاهرة، وهددت “بعواقب قانونية” في حال المضي بها. وفي 16 أيار، أقامت القوى الأمنية نقاط تفتيش وعوائق لإغلاق الساحة المنوي التظاهر فيها واعتقلت عشرات المحتجين، منهم ثمانية صحفيين  لكنها أفرجت عليهم لاحقا في 19 أيار، اعترف (ديندار زيباري)، المسؤول عن التواصل مع المنظمات الدولية، بأن الاعتقالات كانت بسبب “تنظيم مظاهرات غير مرخصة”، وبرر الاعتقالات بالقول إن الاحتجاجات قد انتهكت تدابير الوقاية من فيروس كورونا، مع أن السلطات المحلية كانت قد رفعت تقريباً كل القيود على الحركة ولم تذكر أي قيود على التجمع في حينها([9]).

    حركة احتجاجات عارمة واستياء شعبي واضح في اقليم كردستان خاصة في السليمانية منذ  2كانون الأول، تطالب بصرف رواتب الموظفين، مما لجأت حكومة اربيل الى الاقتراض الداخلي لصرف رواتبهم  لكن “هل يتحمل أي موظف في العالم أنّ يأخذ أربع رواتب خلال 12 شهراً”  ولهذا سرعان ما تخللت التظاهرات اشتباكات بين المحتجين والقوات الأمنية، وصولاً إلى حرق مقرات حزبية وتهديد بالتصعيد. هذا ما عدا اتهامات السليمانية لحكومة اربيل بعدم الشفافية في إدارة الملفات منها( ماهي بنود الاتفاق مع الشركات التركية؟ اين تذهب ايرادات النفط؟ كم عدد موظفين أربيل؟ وهل يعانون نفس موظفي السليمانية؟…) جملة من التساؤلات والإتهامات منها الرواتب المزدوجة في أربيل اضعاف حجمها عن باقي مدن الإقليم وحكومة (مسرور برزاني) ترفض تقديم قوائم صحيحة الى وزارة المالية في بغداد لحل مشكلة الرواتب وبشكل نهائي([10]).

  و كانت من ضمن الحلول المطروحة لحل هذه المشكلة هو تسليم نفط اقليم كردستان بالتزاماته دفعة واحدة لبغداد؛ لكن بغداد ترفضه كون التزامات الاقليم باهضة والتشكيك بنوعية النفط المستخرج وما خفي عن بنود الاتفاقيات مع الشركات الاجنبية ومن الظلم أن تتحمل تبعاتها([11]). ملفات غامضة وحلول ترقيعية ومن المؤكد أن تزيد هذه الازمة إن لم تحلها حكومة الاقليم باسرع وقت ممكن.

الخاتمة:

  الوضع المعيشي سيء، ومن الطبيعي خروج المتظاهرون والتعبير عن احتجاجهم بشكل قوي وصارخ، كما أن استمرار عمليات الفساد بشكل واسع في العراق عامة والإقليم خاصة، ولم يشعر المواطن والموظف الكردستاني بأن قانون الاصلاحات حقق نجاحاً أو قطع شوطاً في اتجاهه الصحيح، هذا علاوة على إجراءات الحكومة التي أدت إلى اقتطاع جزء من مرتبات موظفي الإقليم والتي تصل إلى 20 في المئة والدرجات الخاصة 50 بالمئة،  والمفاوضات مع الحكومة الاتحادية لم تتوصل لحلول نهائية، مما أجج الشارع الكردي كنوع من الضغط المدني على الأحزاب السياسية المشاركة في حكومة الإقليم.

 

)1) انس جرجيس, انفجار أزمة الرواتب: غضب متنقّل في «كردستان», جريدة الاخبار, نشر بتاريخ  الأربعاء 9 كانون الأول 2020, على الرابط: https://al-akhbar.com/Iraq/297447

(2) المصدر نفسه.

(3)  “بين أنقرة وطهران”.. تظاهرات السليمانية تهدد وحدة إقليم كردستان العراق, الحرة, نشر بتاريخ8كانون الاول2020, على الرابط: https://www.alhurra.com/iraq

 

(4) الخلافات بين بغداد وأربيل: التبعات الاقتصادية والسياسية والانتخابات المبكرة, نشر بتاريخ 18أب 2020, على الرابط: https://epc.ae/ar/topic/differences-between-baghdad-and-erbil-economic-and-political-consequences-and-early-elections

(5) المصدر نفسه.

(6) جولة جديدة من الاحتجاجات في إقليم كردستان… الأسباب والأهداف, وكالة أنباء فارس, نشر بتاريخ 25أب2020, على الرابط: https://ar.farsnews.ir/viewpoint/news/13990604000574

(7) احمد السهيل, قانون الاقتراض يصعد حدة الخلافات بين بغداد وأربيل,  نشر بتاريخ 15تشرين الثاني2020, على الرابط: https://www.independentarabia.com/node/168646              

(8) عدنان الطائي,  السليمانية تنتفض.. روح تشرين تسري في الجبل, برنامج الحق يقال –قناةUtv, نشر بتاريخ 7-12-2020, على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=RhDYQvf7qqE

 

(9) بلقيس والي, السلطات الكردية تلجأ إلى القمع عشية المظاهرات- سلطة إقليم كردستان العراق تسحق الاحتجاجات، وتقوم باعتقالات استباقية, نشر بتاريخ 19أيار2020, على الرابط: https://www.hrw.org/ar/news/2020/05/19/375084

(10) عدنان الطائي,  السليمانية على خطى بغداد..غضب وحرائق واتهام مندسين وسوريين بالتأجيج , برنامج الحق يقال-قناة Utv, نشر بتاريخ 9-12-2020, على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=59lqz22kXe8

(11) المصدر نفسه.