اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF

ترجمة : حسين البياتي

في يوم الحادي عشر من شهر آب، أعلن الجيش العراقي عن مصرع اثنين من ضباطه الكبار في هجوم من قبل طائرة مسيرّة تابعة للقوات التركية. الهجوم الذي حدث في ناحية سيدكان في منطقة سوران التابعة لمحافظة أربيل نجم عنه مقتل آمر اللواء الثاني حرس الحدود العراقي العميد محمد رشيد سليمان وآمر الفوج الثالث من اللواء الثاني حرس الحدود العقيد زبير حالي تاج الدين، وجرح العقيد عبد الرحمن حسن بالإضافة إلى جندي آخر كان مرافقا ًلهم.

حسب المعلومات المتداولة، فقد تعرّضت قوات حرس الحدود العراقية إلى اعتداءات نارية من قبل منظمة حزب العمال بعد أن أقامت قوات حرس الحدود نقطتين جديدتين في ناحيتي سيدكان وحاج عمران الحدوديتين. على إثر ذلك قام الضباط المذكورون آنفاً بلقاء مسؤولين في منظمة حزب العمال في منطقة قريبة من قرية “بيرمي دينداران” من أجل تخفيف التوتر، إذ وقع الهجوم أثناء الاجتماع أو بعده.

أدانت الحكومة العراقية والأطراف السياسية الهجوم التركي الذي كان موجّها ًضد حزب العمال الكردستاني بعبارات شديدة اللهجة. إذ ذكر بيان رئاسة الجمهورية العراقية بأنّ “الاعتداءات المستمرة على الاراضي العراقية من قبل الجيش التركي هي انتهاكات خطيرة للسيادة العراقية”. من جهتها أصدرت حكومة إقليم كردستان بيانا ًتؤكد فيه “أن على حزب العمال الكردستاني وتركيا أن ينقلا معاركهما وصراعاتهما إلى خارج أراضي إقليم كوردستان والعراق لكي لا يذهب المزيد من أبناء بلدنا ضحايا لذلك الصراع”.

من جهته طالب السيد مقتدى الصدر الامم المتحدة بالتدخل لوضع حد للافعال التركية، كما طالبت كتلة الفتح المقربة من إيران والمعروفة بأنّها أكبر كتلة في البرلمان العراقي السفير التركي فاتح يلدز بمغادرة العراق، كما هدّد بيان عصائب أهل الحق المقرّبة أيضاً من إيران باللجوء إلى المواجهة في حال عدم نجاح الأساليب السلمية في إيقاف الاعتداءات التركية. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت وزارة الخارجية العراقية في بيانها، إلغاء زيارة وزير الدفاع خلوصي أكار إلى بغداد وأربيل التي كانت مقرّرة في 13 آب.

ردا ًعلى كل تلك التصريحات، أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا ذكرت فيه قيام تنظيم حزب العمال الارهابي بهجمات مستمرة منذ سنوات ضد تركيا انطلاقا من أوكارها في شمال العراق؛ وأكدت بأن وجود هذه المنظمة هو الانتهاك الفعلي لسيادة العراق وسلامة أراضيه وأمنه واستقراره.

كما أشار البيان إلى أنّ مسؤولية العراق في المقام الأول هي اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني الذي ينشط داخل أراضيه. وجاء في البيان الصادر عن وزارة الخارجية التركية أن “بلادنا مستعدة للتعاون مع العراق في هذا الشأن. ومع ذلك، إذا استمر التسامح مع وجود حزب العمال الكردستاني في العراق، فإنّ بلادنا مصممة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لأمن حدودها، أينما كانت، وندعو العراق لاتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الاتجاه ، وندعو بعض الدول والمنظمات الإقليمية الأخرى التي تنتهز الفرصة لتقديم مطالبات لا أساس لها ضد بلدنا، لتبني موقف مبدئي من خلال إنهاء نهجها الذي يشجّع الإرهابيين ويتضمّن معايير مزدوجة في مكافحة الإرهاب”. كما طالب البيان بعدم السماح لمنظمة حزب العمال بالإضرار بالعلاقات التركية العراقية.

في السابع عشر من حزيران، نفّذت الطائرات الحربية والمسيّرة التركية العديد من الضربات الجوية ضد قوات حزب العمال الكردستاني المتواجدة في مناطق تابعة لإقليم كردستان ضمن عملية “مخلب النمر”. استهداف الجيش العراقي لأول مرة منذ بدء العمليات العسكرية ضد منظمة حزب العمال يؤشر مدى الضرر الذي يسبّبه وجود هذه المنظمة في العراق.

الهيمنة المتزايدة لحزب العمال الكردستاني

في أعقاب الأحداث التي شهدتها سوريا عام 2011 وبعد المكاسب التي حصل عليها حزب العمال مع “وحدات حماية الشعب (PYD)” التي تعدّ ذراع الـ PKK في شمال سوريا، بدأ بتوسيع نطاق نشاطه في كل من سوريا والعراق من خلال الاستفادة من وجود تنظيم داعش الإرهابي. على الرغم من التطورات الإقليمية والعمليات التي تم تنفيذها في الشمال لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، إلا أن  تلك العمليات ما زالت مقيدة بشكل كبير، على الرغم من أنه من الضروري التأكيد على أن وجود حزب العمال الكردستاني في العراق فعّال للغاية.

بعد أن استولى تنظيم داعش على الموصل في حزيران / يونيو 2014، ونتيجة لعدم الاستقرار وحدوث فراغ في السلطة في العراق، وفي محاولة لزيادة فعالياته وتوسيع نطاق سيطرته، نشط حزب العمال الكردستاني على طول الخط الممتد من سنجار في الجزء الشمالي الغربي من البلاد إلى خانقين الواقعة في شرق بغداد وهي المناطق التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان.

تمركز حزب العمال الكردستاني في سنجار وكركوك ومحيطها بشكل أساسي بالإضافة إلى طوزخورماتو وخانقين بحجة محاربة داعش. كما قامت حركة “الحرية للمجتمع الكردستاني (Tevgera Azadi)”، وهي الامتداد السياسي لحزب العمال الكردستاني في العراق بتنظيم مؤتمر باسم “مؤتمر إقليم كركوك الأول”، محدِّدة بذلك خارطة طريق لإنشاء حكم ذاتي في كركوك، بل إنّها أسست مجلس حكم ذاتي لكركوك مؤلف من 25 عضواو فتحت مكتبا لها في قضاء داقوق التابع لمحافظة كركوك.

على الرغم من نشاط حزب العمال الكردستاني في العراق، لم تتخذ الحكومة العراقية والسلطات الرسمية أي إجراء ضد المنظمة. بالإضافة إلى ذلك، يقع التركمان في تلعفر وكركوك ضمن منطقة التهديد المباشر لحزب العمال الكردستاني، التي يُنظر إليها بوضوح على أنَّها تستهدف الأراضي العراقية في سنجار وكركوك. ومن المعروف بأن قوات الـ PKK قامت باستهداف المدنيين التركمان في طوزخورماتو في الفترات السابقة.

في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر 2015، تم إنقاذ سنجار من قبضة داعش من خلال العملية الجوية الأمريكية المدعومة من قبل قوات البيشمركة، كما شارك في العمليات حزب العمال الكردستاني و”وحدات مقاومة سنجار”. بعد ذلك، أعلن حزب العمال الكردستاني إنشاء حكومة محلية بحكم الواقع في المنطقة من خلال إنشاء مجلس يسمّى بمجلس بناء سنجار. وهكذا، ظهرت سلطة برأسين في قضاء سنجار، أحدهما تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني والأخرى تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني. في تشرين الأول / أكتوبر 2017، سيطرت الحكومة المركزية العراقية ومنظمة الحشد الشعبي، التي تضم مجموعات من الميليشيات الشيعية، على سنجار نتيجة العمليات المشتركة مع وحدات مقاومة سنجار.

كما أنّ مشاركة قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني الذي قتل في هجوم أمريكي في يوم 3 كانون الثاني في عمليات تحرير سنجار أعاد مثلث إيران – حزب العمال – ووحدات حماية الشعب إلى واجهة الأحداث من جديد.

بعد العمليات التي قادها الحشد الشعبي، تمّ تعيين إداريين جدد في مجلس إدارة سنجار من قبل الحكومة المركزية العراقية، وتمّ منع قائم مقام سنجار السابق الخاضع لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني من دخول المنطقة. وبدلا ً من اتخاذ الحكومة العراقية خطوات جادّة ضد حزب العمال الكردستاني، قامت بتقديم الدعم العسكري واللوجستي والمادي  لـ “وحدات حماية الشعب”. كما أنّه من المعروف بأنّ وحدات حماية الشعب باتت جزءاً من قوات الحشد الشعبي الرسمية التي تشكّلت بقرار من مجلس الوزراء العراقي.

في الحادي عشر من آذار، أصدر مجلس محافظة الموصل قراراً يطالب فيه حزب العمال الكردستاني بمغادرة سنجار. بالإضافة إلى ذلك، وجّهت الحكومة المركزية العراقية رسالة إلى حزب العمال الكردستاني تطالبه بنقل مناطق سيطرته في سنجار إلى قوات الأمن العراقية. لكن وعلى الرغم من ورود أنباء عن بدء حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من سنجار اعتباراً من مارس 2018 كما نقلتها وسائل الإعلام، الا أنّه ليس من الواقعي القول بأنّ عناصر حزب العمال الكردستاني انسحبوا تماماً من سنجار. فمن المعروف أنّ بعض عناصر حزب العمال الكردستاني لا يزالون مستقرين في سنجار وأنّ الجماعات التابعة لهم تواصل أنشطتها في سنجار. في هذه المرحلة، نستطيع القول بأن حكومة بغداد تغضّ الطرف عن هذه الأنشطة بل وتدعمها، حتى ولو بشكل غير مباشر.

بالاضافة إلى كل ما سبق، دخل التنظيم السياسي لحزب العمال الكردستاني في العراق “حركة الحرية للمجتمع الكردستاني (Tevgera Azadi)” إلى جانب حركة الجيل الجديد في السليمانية بقيادة شاسوار عبد الواحد، في الانتخابات العامة التي أجريت في العراق في 12 مايس 2018، إذ تم انتخاب السيدة يسرى رجب التي كانت تقاتل في الجبال سابقا ًفي صفوف تنظيم حزب العمال، كنائبة في البرلمان العراقي. وحسب هذه المعطيات، فمن الواضح أن حزب العمال الذي لديه وجود عسكري، يسعى أيضا ًإلى تكوين نفوذ سياسي في العراق.

 

الأضرار التي سبّبها حزب العمال الكردستاني لإقليم كردستان

حزب العمال الكردستاني، الذي يسعى لتوسيع منطقة تحركاته في شمال العراق منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، زاد من فعاليته في أجزاء كثيرة من المنطقة، لا سيما في السنوات الأخيرة. ووفقاً للبحث الذي أجرته قناة روداو الكردية المعروفة بقربها من إدارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في عام 2016، فإنّ حزب العمال الكردستاني يسيطر على 658 قرية معظمها في دهوك والباقي في أربيل والسليمانية. الهدف من إصرار حزب العمال الكردستاني من السيطرة على تلك المناطق ولا سيما في دهوك، هو تعزيز حضوره في السياسة الإقليمية، فضلاً عن مواصلة نشاطه في سنجار وتسهيل وصوله إلى سوريا.

الا أنَّ تواجد التنظيم في المنطقة لا يؤدي سوى إلى تهديد الأمن والاستقرار وتفاقم المشاكل الاقتصادية. فقد أدّى نشاط التنظيم في محافظة دهوك إلى الإضرار الشديد بالنشاط الاقتصادي وإلى هجرة السكان من مناطقهم، لا سيما أن محافظة دهوك تعدّ من أفقر محافظات الإقليم حسب وزارة التخطيط في كردستان.

من ناحية أخرى، هناك معلومات متواترة بأنّ “ضريبة جمركية” تم فرضها في بعض المناطق التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني بالإضافة إلى عدم السماح لسكان القرى بالإعمار والبناء في تلك المناطق. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن هجوم حزب العمال الكردستاني على خط أنابيب كركوك – يومورتاليك عام 2015 سبب أضرارا ً تبلغ قيمتها ما يقارب 250 مليون دولار. كما تشير تصريحات نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان التي ألمح فيها إلى أن حزب العمال الكردستاني الذي يعشش في سنجار من حين لآخر، قائلا:ً إنّ “وجود الجماعات المسلحة في تلك المنطقة يمنع أهالي سنجار من العودة ويعرقل إيصال الخدمات اليهم”، في إطار لفت الانتباه إلى الأضرار التي ألحقها التنظيم بالمنطقة.

إنّ التهديد الذي يشكله نشاط حزب العمال الكردستاني سواء في سنجار أم في مناطق أخرى من كردستان، هي التي تؤدي إلى تكثيف العمليات العسكرية التركية في شمال العراق.

الاشتباكات العنيفة التي حدثت سابقاً  بين حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لم تتكرر في الزمن القريب، الا أن العمليات العسكرية التركية المتزايدة ضد التنظيم قد تؤدي إلى تصعيد التوتر بين الطرفين.

حادثة 17 تموز سنة 2019 التي قتل فيها القنصل التركي في اربيل “عثمان كوسه” بالاضافة إلى المواطنين العراقيين “نريمان عثمان” و”بشدار رمضان” على يد تنظيم حزب العمال الكردستاني، أدى إلى وضع الحزبين في حالة المواجهة لأنّ الاغتيال أدى إلى الاضرار بسمعة كردستان الدولية وبالعلاقات التي تجمعها مع انقرة. على الرغم من أن اجراءات إدارة أربيل ليست فعالة بما يكفي ضد الأنشطة العسكرية لحزب العمال الكردستاني، إلا أنها تحاول السيطرة على حزب العمال الكردستاني في المجال السياسي. حيث تم حظر نشاطات حركة “الحرية للمجتمع الكردستاني” في السابق من قبل إدارة اربيل.

كما تم إغلاق مكاتب الحركة في السليمانية وأطرافها في تشرين الاول سنة 2018،  على أساس أنها كانت غير مرخصة وكانت تعمل دون إذن من وزارة الداخلية في كردستان. من ناحية ثانية فإن الأحزاب التي لديها علاقات أيديولوجية أو استراتيجية مع حزب العمال الكردستاني هي الاخرى غير مرتاحة لأنشطة التنظيم، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن تلك الاحزاب تعطي الأولوية للاستقرار في المنطقة. ومرة أخرى في شهر نيسان الماضي، وبعد نشر قوات البيشمركة في منطقة “زيني فيرده” في منطقة راوندوز في أربيل من قبل وزارة البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، ظهرت بعض المشاكل بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وتفاقم الوضع نتيجة مشاركة حزب العمال الكردستاني في المناقشة.

بالنظر إلى مسار التطورات والهجوم في سيديكان، نلاحظ أن حزب العمال الكردستاني، الذي تتزايد أبعاد التهديد الذي يشكله وجوده في العراق تدريجياً، قد أضر العراق وحكومة إقليم كردستان، ليس فقط من الناحية العسكرية ولكن أيضاً من حيث وحدة أراضيه وسلامة نظامه السياسي. يحاول حزب العمال الكردستاني، وهو منظمة إرهابية مسلحة، فرض نفوذه بين السكان المدنيين، لا سيما من خلال الانتشار في المناطق السكنية، وممارساته المتمثلة بالتهديد والضغط على المدنيين تشكل انتهاكاً لسيادة البلاد.

من ناحية أخرى وخلافاً للتهديد الإرهابي الذي يشكله حزب العمال على تركيا داخل حدود العراق، فإن التدريب الذي تقدمه القوات التركية لوحدات من القوات المحلية في بعشيقة ومناطق أخرى في إطار محاربة تنظيم داعش الارهابي وبموجب اتفاقيات ثنائية بين انقرة وبغداد يجب أن لا يتم تفسيره على أنه تهديد وانتهاك لسيادة العراق.

وبسبب النشاط المتزايد لتنظيم حزب العمال في شمال العراق ولا سيما في سنجار، قامت القوات التركية بشن هجمات جوية عديدة في عيد الاضحى على مراكز التنظيم في سنجار.

وفي هذا الصدد، سيكون من المناسب لجميع الأطراف المعنية المؤثرة والمتأثرة بالموضوع ، وخاصة العراق، الذي لا يزال حتى الآن لا يدرج حزب العمال الكردستاني في قائمة التنظيمات الإرهابية، أن يعملوا بشكل أكثر عقلانية وأن يتخذوا خطوات بعيدة الأمد وقابلة للاستمرار.

انقرة تعبّر دائماً عن تأكيدها على وحدة الأراضي العراقية وتدعم وحدة النظام السياسي في العراق، وتقف دائماً بشكل واضح إلى جانب العراق في حربه ضد الارهاب، لذا فإنه من المهم ضمان التنسيق والتعاون بين أنقرة و بغداد. على الرغم من أن أربيل قد بذلت المزيد من الجهود ضد حزب العمال الكردستاني مقارنة ببغداد، إلا أنه من المهم إيجاد موقف قوي ومتوافق عليه بين جميع الاطراف في هذا السياق. إن نجاح المعركة ضد حزب العمال الكردستاني سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي الذي سيعود بالفائدة على جميع الأطراف.