اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

حارث رسمي الهيتي

لم نتصوّر ونحن نقرأ دعوات أطلقها أشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، ان حدثاً مثيراً ومذهلاً سنشهده، حدثاً سنعده فيما بعد فاصلة كبرى في تاريخنا المعاصر وسنؤرخ به لأيامنا القادمة، سنقول قبل اكتوبر وبعده، وسبب عدم قدرتنا على التصوّر تعود الى جملة من العوامل منها اليأس الذي كان يدب في دواخلنا نتيجة ما عشناه ونعيشه، والسبب الآخر هو إن احداثاً قد مرت وفي سنوات متلاحقة دون أن تحدث تغييراً ملحوظاً لدى العامة على الأقل. ناهيك عن ايمان البعض بعدم جدوى أي حراك مجتمعي من حيث قدرته على احداث تغييراً يبتغوه.

في الأول من تشرين الأول من العام 2019 تجمّع المئات في مناطق دون غيرها من بغداد وفيما بعد امتدت تلك التجمعات وشملت أغلب المناطق والساحات الرئيسية في العاصمة، تبعها الأمر نفسه في محافظات الوسط والجنوب، لتتلقى تلك الحشود عنفاً حكومياً مفرطاً الا إن الجديد في اكتوبر 2019 هو استخدام الرصاص الحي ضد المحتجين، استخدامه بعد توجيه فوهات البنادق نحو صدور ورؤوس المتظاهرين، استخدم السلاح هذه المرة بصورة علنية مباشرة كانت أو غير مباشرة من سلاح حكومي رسمي، وآخر تختلف تسمياته (منفلت، طرف ثالث، خارجين على القانون) المهم انه أدى مهمته وأنهى حياة المئات من المحتجين.

وقفت تلك الحشود هذه المرة دون سابقاتها من الحركات الاحتجاجية مجردة من أي دافع سياسي/حزبي ولا خلفية أيديولوجية محرّكة، بل لا نبالغ إن قلنا انها لا يقف حتى ناشطين بارزين أو مثقفين أو مدوّنين وراءها، وقفت لتفاجئ وتباغت الجميع ، الحكومة وكل الحركات والفعاليات السياسية التي كانت تُصر على انها الوحيدة التي تمتلك القدرة على تحريك الشارع أو هكذا تتوهم، متناسيةً إن الفقر والحرمان واليأس كل هذه تُشكل خزيناً كافياً كان يعتمل في صدور الناس منتظراً شرارة تفجره، لتداري تلك الفعاليات السياسية فيما بعد موقفها وتلتحق في غمرة ذلك الحراك الذي سوف يحاسب لاحقاً كل من تخلّف عنه ولأنه ومنذ سقوط النظام الديكتاتوري في العراق جرى زج المجتمع في دوامات من الصراعات الثانوية، مذهبية تارة وقومية تارةً أخرى، ليجد نفسه بعد كل حمامات الدم تلك انه يعيش في واقعٍ يبتعد كل البعد عن التي تعيشها تلك الطبقات السياسية التي أذكت نار تلك الصراعات بحجة انها تمثل وتدافع ذلك المكوّن وتلك القومية!!

وقفت تلك الجموع لتؤكد ان موضوع الصراع الطبقي لم يزل يحتفظ براهنيته مما يجعله فاعلاً كبيراً في المجتمعات، نعم ليس هو الدافع أو المحرّك الوحيد، الا انه فاعلاً لا يمكن التغافل عنه، حاضراً في اللحظات الحاسمة والمصيرية ومغيّراً لا يمكن تجاوزه لكثير من قواعد اللعبة، قاطعة ذلك الخيط الرفيع مما يفترض إنه حبلٌ متين يربط النظام والفاعل الاجتماعي، مطلقةً بذلك كله اشارة البدء لنهاية الطاعة القديمة للـ” الرموز ” واستبدالها بالتفكير والمصلحة، بداية اشتراك المجتمع كفاعل في المجال العام. كل هذا بعد قناعتها وايمانها ان كل الشعارات الدينية والقومية والطائفية قد خربت الدولة والمجتمع في آن واحد.

في بلدٍ يعد اقتصاده احادي الجانب ويعتمد بشكل كبير على الريع النفطي ذهب قادة النظام الجديد بعد 2003 الى الابقاء على ريعية الاقتصاد، ذهبوا بهذا الاتجاه ليس جهلاً بل ايماناً منهم بقدرة هذه العائدات على خلق جيوش من المؤيدين والأنصار الذين يجري تحريكهم في كل مرة يتهدد نفوذهم ومكانتهم فيها، ناهيك عما تشكله هذه الـ” جيوش ” باعتبارها قاعدة تصويتية تمنح هؤلاء “القادة” شرعيتهم في الانتخابات. وبفضل هذا التوجه والاعتماد المفرط على الريع النفطي وما خلقه من علاقات مشوّهة قائمة على اساس الولاء دخلت التفاوتات الاقتصادية في مرحلة جديدة لم تكن معهودة في العراق، هذا التفاوت الاقتصادي الذي يبدو واضحاً حين نلاحظ الفرق المهول بين أعلى دخل وأقله!!

يمكن الحديث عن موجتين في حراك 2019، الأولى التي بدأت منذ الاول من تشرين واستمرت لأيام قبل أن تتوقف لتنطلق بعدها في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، الموجة الأولى والتي بفضل “غباء” السلطة القائمة آنذاك واختيارها للحل العنفي والقسري فقد ولدت لدى عامة الناس بعد أن أنتشرت مقاطع فيديو للحظات قمع المحتجين وقنصهم في ساحات بغداد ومشاهد دماء بعضهم التي غطت الأرصفة أقول، ولدت رغبة عارمة في مشاركة أوسع من قبل الناس وهذا ما حصل، فالموجة الثانية والتي من الممكن انها شهدت مشاركة من قبل فئات وقطاعات لا علاقة لها بالشأن السياسي أو الاحتجاجات أو غيرها ولكن ما حصل جعلهم يندفعون هذه المرة تحت خوف كبير من أن يكون مصيرهم كمصير هؤلاء في حال طالبوا بحقوقٍ لهم في يوم من الأيام. ما حصل في الموجتين الأولى والثانية والتي استمرت الى لحظة كتابة هذه الورقة تمثل الذروة/التعقيد الذي وصل اليه الحال في العراق، هذا التعقيد الناتج عن قديم غير منتج وغير قادر على القيام بما يجب عليه القيام به، وبين جديد يحاول أن يولد أو أن يجد لنفسه مكاناً على أرض الواقع، هذا الجديد الذي قدّم الآلاف بين شهيد ومعاق ومغيّب.

هذه الاحتجاجات التي لم تُخلق من فراغ، ولا تدخلت قوى وارادات فوقية بصناعتها كما يريد البعض أن يعمم، بل جاءت وليدةً ونتيجةً طبيعية عن سنوات طوال بلغت قرابة السبعة عشر عاماً، الحراك الاحتجاجي في عراق ما بعد 2003 والذي من الممكن أن نؤرخ لبدايته منذ  شباط 2011 باعتبارها أبرز حركة وكانت تعبر عن قضايا تتعلق بالدولة ككل وأخرى بالحريات وهي متأثرة بشكل أو بآخر بما كان يجري وقتها من حراكات “الربيع العربي”، الحراك الاحتجاجي في العراق والذي لم يتوقف منذ ذلك الحين وإن تباعدت فترات ارتفاعه أو هبوطه واختلاف أشكاله وطرقه ورقعته الجغرافية الا انه ظل حاضراً في المشهد الى أن أعاد طرح نفسه وبقوة مرة أخرى في تموز 2015، هذه المرة ايضاً بقى شعار اصلاح النظام السياسي هو الشعار الذي اتفق عليه المحتجين، اضافة الى المطالبة بمحاربة الفساد وتوفير الخدمات وفرص العمل، ولكن الجديد هنا هو شعار (بإسم الدين باكونا الحرامية) والذي من الممكن اعتباره رسالة بليغة من قبل المحتجين، حيث أنهم شخصوا وبدقة عنوان اللافتة التي سُرقوا من تحتها في اشارة الى من كانوا يطرحون أنفسهم للزعامة باعتبارهم ممثلين عن “مكونات” و “طوائف” دينية، هذا الشعار حَمَلَ معه محاولات المجتمع لرفض ما اعتبروه اساءةً لقيمة عليا يمثلها الدين، موجة الاحتجاجات تلك نتج عنها فيما بعد تحالف انتخابي ضم الحزب الشيوعي العراقي والتيار الصدري تحت اسم (سائرون) هذا التحالف الذي وبفضل كثير من الأسباب والظروف لم يكن قادراً على تحقيق ما وعد الناس به من أهمها عدم قناعة المتنفذين فيه باصلاح الخراب الذي كان وتورّط بعضهم فيه.

لتأتي الانتخابات البرلمانية في آيار 2018، تلك الانتخابات التي شكلت وحسب اعتقادي قفزة كبيرة في مستوى الوعي لدى الناخب العراقي ووصلت حملة مقاطعة الانتخابات ذروتها هذه المرة حيث سجلت الانتخابات أضعف نسبة مشاركة في عراق ما بعد 2003 اذ بلغت (44%) لغة الأرقام هذه والتي غابت عن أذهان قادة السلطة أو تغافلوا عنها كانت ناقوس خطر دق طويلاً دون أن ينتبهوا له، ففي أول انتخابات عام 2005 بلغت نسبة المشاركة (79%) وهي الأعلى، فيما ظلت هذه النسب تنخفض في كل مرة، فسجلت انتخابات العام 2010 نسبة (62%) فيما كانت النسبة في انتخابات 2014 (60%) .

الحصيلة أعلاه ورغم بساطتها الا انها قادرة على تبيان عمق الهوة بين الطبقة الحاكمة وجمهورها، هذه الهوة التي كانت تزداد يوماً بعد يوم دون أن تحظى بانتباه القائمين على الأمر، ارقام تدلل على فقدان الثقة بين “القادة” وجماهيرهم أو بين المجتمع وممثليه السياسيين، وهنا كانت الاحتجاجات واحدة من أهم وسائل انتقال الفعل السياسي الى الشارع، أو بعبارة أخرى كانت بمثابة تجريد النخب السياسية الحاكمة من حق امتلاك الفعل السياسي بعد أن طرح المحتجون أنفسهم لاعباً قوياً بعد أن اقتصر ذلك ولوقت طويل على الاحزاب السياسية والكتل البرلمانية وتدخلات اللاعبين الدوليين.

الفعل الاحتجاجي في العراق لم يتوقف طيلة الفترات السابقة، حتى وإن كانت بعض الاحتجاجات قطاعية في طبيعتها تحمل حقوق وتطلعات فئات وشرائح مختلفة من المجتمع، الا انها كانت تعطي صورة واضحة عن الواقع المعاش، فقبيل الأول من تشرين 2019 كانت الكثير من ساحات بغداد وشوارعها تشهد تظاهرات متعددة، فكانت تظاهرات الأطباء وخريجي معاهد النفط والاطباء البيطريين الذين كانت خيامهم مع متعاقدي الجيش والحشد الشعبي في ساحة التحرير أول الشهود على دموية السلطة في مواجهة العزّل، ناهيك عن تظاهرات حملة الشهادات العليا وما رافقها من استهجان شعبي كبير بعد الطريقة الوحشية التي جوبهت فيها وقفتهم على ابواب مجلس الوزراء.

وليس بعيدا عن هذا الوضع كانت حالة الشد والجذب التي وضعتنا بها السياسة الامريكية تجاه ايران واستخدامها الحصار الاقتصادي وتلويحها المستمر بالخيار العسكري، هذا الأمر الذي دفع بالكثير من ترتبط مصالحهم من الزعماء السياسيين مع مصالح الجارة ايران الا ان يقدموا خطاباً يراد منه تحويل العراق الى ساحة لتصفية الحساب بين امريكا القطب الأوحد والأقوى في العالم وبين جارة تحمل في يدها مفاتيح الكثير من مواطن القوة والنفوذ في الداخل العراقي، يقابل ذلك اتجاه آخر كان يدفع باتجاه تجنيب العراق مزيداً من الويلات في حال وضع نفسه في صراع المحاور هذا.

هذه الحالة وما سبقها الكثير من التدخلات والضغوط التي مارستها ايران في الشأن العراقي عن طريق الكثير من السياسيين والزعماء وأشر عليها المجتمع العراقي كثيراً، تقابلها تدخلات أمريكية واقليمية مباشرة وغير مباشرة دفعت بجيلٍ جديد هو نفسه الذي اطلق هذه الموجة من الاحتجاجات الى التفكير بالهوية الوطنية والتي فطن لافتقادها. جيل من الشباب المتعلمين يعيش عصر الثورة المعلوماتية الهائلة وجد نفسه ضحيةً لنظام سياسي لا يواكب طموحاته وتطلعاته. فبدلاً من أن يقوم من في السلطة ببناء الدولة الجديدة على اساس الهوية الوطنية الجامعة، واعاد توزيع الثروة بشكل عادل، ذهبوا باتجاه تعميق الانقسامات على اساس الهويات الفرعية، التي نمّت العلاقة الزبائنية بين من يدين بالولاء لهذه السلطة وبين من بيده المال، ليجد أغلبية من في المجتمع إنهم يعيشون خارج دائرة توزيع الريع النفطي، بعد غياب أقل صورة من صور العدالة الاجتماعية.

من هذا الجانب ممكن أن نرى عمق هذا الفعل الاحتجاجي، ومنه نعرف ايضاً مدى استمراره وراهنية أسبابه، فموضوع انطلاقه وتحديد وقت انتهائه سيبقى قائماً طالما بقيت كل الاسباب اعلاه. ولكن مرةً بعد أخرى يكبر فيها الفعل الاحتجاجي وتعلو شعاراته وسقف طموحاته الى أن يصل هدفه المنشود في (نريد وطن).

حقق هذا الحراك الاحتجاجي الكثير لغاية الآن، ولعله من المنطقي أن نلتفت اليه طالما ان نشاطاته وفعالياته ستحرك الراكد أكثر، وستعمل على زيادة نطاقه ومدياته، وانطلاقاً من البحث عن الهوية الوطنية كان هذا الحراك أعلى صوتاً وأبلغ أثراً في المناداة بحقوق العراقيين ككل، فقد أسقط فكرة تقسيم المجتمع الى طوائف وقوميات يبحث كلٌ عن مصلحته، بل جرى الحديث هذه المرة عن وطن وأمة ان صح القول، عن فقراء يزدادون فقراً استطاعوا أخيراً من تنظيم أنفسهم في ساحة الاحتجاج بوصفهم مجموعة كبيرة ان لم نقل أغلبية اذا ما أخذنا بعين الاعتبار التأييد غير المسبوق الذي حظي به الاحتجاج هذه المرة، مقابل أغنياء لم يكتفوا طالما في هذا البلد موارد تمكنهم من ازدياد ثرواتهم. هؤلاء نجحوا ومنذ 2003 من تنظيم أنفسهم في تحالفات مستمرة أدى الغرض نفسه في كل مرة.

هنا استطاع الحراك من تحقيق أهم ما عجز عنه سابقاً وهو زيادة التصدعات والتشققات داخل التحالف الطبقي الحاكم الذي استطاع أن يعيد انتاج نفسه منذ 2003 بألوان مختلف كل مرة مع احتفاظه بجوهره ذاته. هذه التشققات الكبيرة والتي قاربت من اسقاطه في لحظة من الحظات.

وارتباطاً بالمعسكريين أعلاه، فقد شهد هذا الفعل الاحتجاجي/السياسي دخول فئات وشرائح عديدة كانت غائبة عن ساحة الصراع دون أن يعني ذلك الغياب انها كانت بعيدة عن تأثيره، فكان للنقابات دوراً رائداً في زيادة زخم الحراك ودفعه الى مديات لم يكن أحداً ليتصورها، فمنذ عقود لم نشهد ما فعلته نقابة المعلمين مثلاً، حين تحدت السلطة، وخاطرت باعلانها الاضراب العام واستطاعت بذلك أن تشل القطاع التعليمي بالكامل، اضافةً الى ما قامت به نقابات المحامين والاطباء وغيرها. وليس بعيداً عن هؤلاء لعب بعض التجار دوراً رئيسياً في ادامة زخم الحراك الاحتجاجي عن طريق التبرعات بكل ما كانت تحتاجه الساحات من مواد غذائية وطبية، وهذا يعكس مدى قرب ما كان يطرحه المحتجين من تطلعات وآمال شرائح مختلفة. ناهيك عن دخول العوائل هذه المرة الى ميدان العمل الاحتجاجي/ السياسي عن طريق تواجدهم الدائم واللافت للعيان في ساحات التظاهر والاحتجاج بل حتى في أخطر المكانات من الناحية الأمنية مثلما شاهدناهم على متاريس جسري السنك والجمهورية وساحة الخلاني وكورنيش ابو نؤاس في خطوة تعكس تحدياً صارخاً وكبيراً، وتوجت تلك العوائل نشاطها حين استطاعت أن تكسر حظر التجوال الذي فرضته السلطات ولأكثر من مرة في محاولة منها الى عزل الساحات وتعجيز الناس من الالتحاق هناك.

الا إن الاغرب هذه المرة، والأجمل والاكثر تحدياً هو ما قام به الطلبة، ذوي القمصان البيضاء، فهم سجلوا أبرز ما يمكن أن يحسب للحراك الاحتجاجي هذه المرة، فقد استطاعوا أن يجمعوا أنفسهم ويؤطروا حراكهم بتجمعات أصابت الجميع بالذهول، حتى كانت لحظات دخولهم الى ساحات التظاهر بعد أن يعلنوا عن تجمع لهم قبل الانطلاق الى هناك شبيهةً بتلك الحراكات العظيمة التي كان الطلاب يقودونها قبل عقودٍ خلت، لحظات تذكرنا بما كنا قد قرأناه عن نضالاتهم العظيمة يوم وقفوا وبقمصانهم البيضاء ايضاً متحدين بريطانيا “العظمى”  وحكومة صالح جبر وتمكنوا من اسقاط معاهدة جائرة كانوا قد رفضوها. واسقطوا معها الحكومة التي ارتضت بأن تضع العراق في ذلك الموضع المذل. ناهيك عن الدور البارز التي لعبته المرأة العراقية هذه المرة، فبعد أن كان حضورها لا يتناسب مع مكانتها في الاحتجاجات السابقة الا انها سجلت حضوراً كبيراً منذ اليوم الأول من تشرين الأول. وأتت استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في 29 من تشرين الثاني 2019 لتبين واحدة من نجاحات هذ الحراك وطريقته السلمية، حيث أكدت ان الخيار السلمي قادر على تحقيق الكثير، فهو ليس طريق الضعفاء بل خياراً يتبناه الأقوى طالما أعتقد بحقانية شعاراته ووطنية أهدافه وسموها.

وارتباطاً بما جاء اعلاه، فمن الممكن أن تفضي هذه الموجة الأخيرة من الاحتجاجات الى تأسيس حركة اجتماعية كبيرة، ربما ستستمر طويلاً، طالما ان عوامل ومسببات انطلاقها باقية دون معالجات حقيقية، حركة احتجاجية تأخذ على عاتقها العمل على طرح مشاكلها وقضاياها بشكل مباشر دون الحاجة الى وساطة السياسيين في الوقت الراهن على الأقل نتيجة لغياب الثقة لدى عدد كبير إن لم نقل الغالبية من المجتمع تجاه ممثليه السياسيين من جهة، ونمو الذات الفاعلة من جهة ثانية، هذه الذات وبحسب الآن تورين هي التي (تتشكل وسط ارادة الافلات من القوى والانظمة والسلطات التي تمنعنا من أن نكون ذواتنا، هذه الانظمة والسلطات التي تعمل على تحويلنا الى مكوّنة لنظامها السياسي وسلطتها القابضة على نشاط الجميع ومقاصدهم)، هذه الذات الفاعلة التي نستطيع أن نتلمس وجودها في تطوعها لخدمة الصورة ذاتها التي تبدو لها مبرر وجودها ورجائها. ويمكن اعتبارها حركة اجتماعية جديدة طالما حافظت على عدم انطلاقها من مبدأ تغيير الاوضاع والعلاقات الاقتصادية فقط، بل تذهب الى أن تدافع عن حرية كل فرد ومسؤوليته وحيداً كان أم ضمن جماعة ضد نظام قائم يقرر ما هو سوي أو شاذ محلل او محرّم حسب تورين أيضاً.

حركة اجتماعية بدت واضحة جداً هذه المرة فاذا ذهبنا الى تعريف تشارلز تلي للحركات الاجتماعية فسنرى إن واحدة من اهم شروط تعريفها قد انطبق على الحالة العراقية، حيث  إنها تعبر عن (تنظيمات شاملة مؤلفة من جماعات متنوعة المصالح تضم حال تشكلها طبقات مهمة) ومن الواضح جداً اشتراك قطاعات واسعة وفئات متعددة من المجتمع في الحراك الاخير، جمعيات وأحزاب ونقابات واتحادات مثلت عموم الطيف العراقي يحركهم هم واحد وشعور عام بالظلم والحيف قوامه الادراك المشترك لغياب الديمقراطية في وضعية سياسية بعينها وفي وقت معين وهذه النقطة الثانية في تعريف تالي.

ستنجح هذا الموجة في التأسيس لحركة اجتماعية كلما نجحت في تجمّيع الناس القادمين من هويات مختلفة في مواقف مشتركة من أجل هدف أو مجموعة أهداف مشتركة تمس الحياة اليومية للمواطنين، وحافظت على أشكال متنوعة من الاعتراض تستخدم ادوات يبتكرها المحتجون للتعبير عن الرفض أو مقاومة الضغوط الواقعة عليهم، ستنجح في التحول الى حركة اجتماعية في حال توفر أربعة عناصر في تكوينها * :

  1. فعل الاعتراض ( الاحتجاج ).
  2. المعترض ( فئة مجتمعية أو تنظيم …. الخ )
  3. المعترض عليه ( فئة مجتمعية أو سلطة قائمة )
  4. موضوع الاعتراض ( اجتماعي، سياسي، ثقافي )

…………………………………………………………………………………………….

 

* الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي ( دراسة في متغيرات الاستقرار واللااستقرار للأنظمة السياسية ) مجموعة مؤلفين، صادر عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية في المانيا، 2019