اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

علي المعموري

 

يشهد العالم موجة احتجاجات طالت العديد من الدول، دول نامية ودول متقدمة، ويلاحظ المتتبع أنَّ تلك التظاهرات على اختلاف محالّها تشترك بعدد من العناصر المتطابقة، تدور بشأن الاقتصاد، والشعبوية الوطنياتية، والمطالبة بالاصلاح السياسي، الأمر الذي لم يسلم العراق منه، وكان جزءاً من هذه الموجة.

في هذه الدراسة، نحاول تقديم مقاربة تناغم العلاقة بين التظاهرات العراقية وموجة الاحتجاج العالمية، وعلى الرغم من أنَّ الاحتجاجات العراقية لها جذورها الخاصّة وعناصرها المتمايزة عن غيرها، وقد تكون سابقة للكثير من الاحتجاجات الأخرى في مناطق مختلفة من العالم، ولكنّها  بذات الوقت، وحين تفحص بعض عناصرها ستبدو على صلة بتلك الموجة العالمية، يقف خلف بعضها أسباب اقتصادية مفهومة، وبعض أسبابها يتعلّق بأمر آخر، جزء من موجة شعبوية وطنياتية جارفة، بعضها منطقي، وبعضها لا يعدو أن يكون رد فعل شعبوي.

على هذا، نلاحظ أن الاحتجاجات العراقية، وبقدر ما تستند إلى عوامل داخلية عراقية، بعضها اقتصادي وبعضها سياسي، فإنّها من جانب آخر تشترك مع موجة عالمية، قوامها التّذمُّر من الركود الاقتصادي، وتصاعد الخطاب الشعبوي الوطنياتي، بطريقة تميل إلى الانكفاء على السياسات الداخلية، والعزلة عن العالم الخارجي.

وتصاعد هذا الخطاب الشعبوي الوطنياتي يختلف من بلد لآخر، وفقا لتقاليده وثقافته، سنلاحظ أنّ الديمقراطيات الراسخة تسير باتجاه صعود قوى شعبوية يمينية عنصرية عبر صناديق الاقتراع، لأنَّ شرائح مهمة في مجتمعات تلك الدول ترى أنّ حقوقها قد هُدرت لصالح المهاجرين، أو أن سيادة دولتهم منقوصة بسبب الدخول في تكتلات سياسية واقتصادية شكّلت عبئا على تلك الدول وفائدة لغيرها ـ كما هو الحال في المملكة المتحدة ـ.

على جانب آخر، وفي المنطقة العربية، سنجد أنَّ التوجهات الشعبوية، وبالتعاضد مع العوامل الاقتصادية قد أخذت طريقها للتجلي بشكل آخر، عبر احتجاجات اتّخذت من التظاهرات العارمة وسيلة لها، وانجر بعضها للصدام مع السلطة بعنف، وكان العنصر المشترك ـ غالبا ـ في خطابها يدور حول أزمة العمل المنبثقة عن مشكلة الاقتصاد، والحقوق والمواطنة، وارتكزت على خطاب وطنياتي محلي، قوامه فكرة مركزية، مضمونها البلد بوصفه أمة، بمعزل عن انتمائه العربي.

ولو أردنا الاستدلال على العناصر المشتركة الظاهرة بين الاحتجاجات العربية والاحتجاجات العراقية، ربّما يكون في طليعة ما نشير له هو ما لاحظه المتتبعون لمواقع التواصل الاجتماعي بشأن آراء الشباب في العراق، إذ كانت هذه الشريحة تعلّق على الأخبار المتعلّقة بالاحتجاجات العربية بتساؤل مضمونه: لماذا تقوم الاحتجاجات في العالم العربي ولا نقوم في العراق بذات الشيء؟ هل نحن شعب عاجز؟

إنّ هذا الشعور بالعجز، والرغبة بالتماهي مع الآخر المحتج، ترتكز على عناصر متعدّدة، فبقدر كونها شعوراً إنسانياً نابعاً من دوافع الأنا الأعلى، والرغبة بالتميّز والظهور، فإنّها أيضا مرتبطة بالعناصر التي أشارت لها الدراسة بداية، الاقتصاد، الشعبوية الوطنياتية، الحقوق والحريات.

من هنا، تنطلق الدراسة من فرضية تذهب إلى أن المجتمع الإنساني يشهد تغيرات عاصفة، ترتكز على مجموعة من العناصر، يتخذ الاقتصاد الركن الأساس بينها، بمشاكله التي من تجلياتها البطالة، وسوء توزيع الموارد، الأمر المرتبط بدوره بالسياسات العامة للدول المعنية، وما قادت له من اختلالات اقتصادية، أو نقص في الحقوق والحريات، وأن هذا المشكل المشترك وجد الخطاب الشعبوي وسيلة تعبّر عن ذاته، وباختلاف العناصر الداخلية لكل بلد، تجلَّى التعاضد بين هذه العناصر، احتجاجات صاخبة كما هو الحال في العراق، أو انتخابات جلبت اليمين الشعبوي للحكم في الغرب.

ولتفحُّص دقة هذه الفرضية، تحاول الدراسة الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، هي:

  1. ما هي جذور الاحتجاجات في العراق؟
  2. ما هي العناصر المباشرة وغير المباشرة التي وقفت خلف احتجاجات تشرين 2019 في العراق؟
  3. ما هي مضامين احتجاجات تشرين 2019 في العراق؟

منهجية الدراسة: اعتمدت الدراسة منهج دراسة الحالة.

 

أوَّلاً: الاحتجاجات العراقية.. جذور متغيّرة

 

لم تكن احتجاجات تشرين الأول 2019 في العراق عارضة أو وليدة لحظتها، فقد سبقتها موجات احتجاجية عراقية متقطعة بين عامي 2010 و2014، ومستمرة منذ العام 2015.

وليس من اليسير تحليل الحركات الاحتجاجية في العراق دون العودة لمحاولة فهم جذورها التي ترتكز على مرحلة ما قبل العام 2003، ومن البديهي أنّ هذه الدراسة المختصرة لا تستطيع أن تلم بتلك الجذور، لهذا ستتم الإشارة إلى ما يتعلّق بها في مواضعه بشكل سريع، بقدر ما يخدم فكرة الدراسة، محيلة ما يتعلّق بالموضوع إلى غيره من الدراسات.

لو حاولنا تفحص جذور الاحتجاج بعد العام 2003، فسنجد أنّ بعض الحركات الاحتجاجية كانت ولادتها ووفاتها مبكّرتين، مثل الحراك الذي نشط خلال العام 2004 وبدايات العام 2005، قبيل انفجار الأوضاع الأمنية في العراق، ودخول البلد في لعبة ثنائية قوامها النصر والهزيمة وفق معيار إثني، الأمر الذي يستدعي التركيز على تحليل الاحتجاجات التي بدأت بالظهور عقب بدء الاستقرار الأمني في بغداد أواخر العام 2009، بما أمكن الفاعلين الاجتماعيين من الالتفات إلى مطالبة الحكومة بالإصلاح السياسي والحقوق والحريات المدنية، في ظل انتعاش أمني نسبي بدأت ملامحه بالتَّشكُّل، وصولا إلى صدمة سقوط محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل ومحافظات أخرى بيد تنظيم (داعش) في حزيران 2014.

 جذور الاحتجاج في العراق.

في منتصف العام 2010، وبعد الهدوء النسبي الذي أشرنا له آنفا، تبلورت مجموعة من المطالب المجتمعية باتجاهات مختلفة، جمع بينها عنصر أساس: أنّها موجّهة نحو الحكومة العراقية لكي تقوم بواجباتها، تنوّع خطابها بين المطالبة بالحريات العامة، أو المطالبة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل.

ويلاحظ أنّ طبيعة التظاهرات في بغداد اختلفت باختلاف المناطق التي اندلعت فيها، فالمطالبة بالخدمات تركّزت في المناطق الشعبية الأكثر فقرا([1])، وفي مدن أخرى في المحافظات العراقية، مثل الكوت والديوانية والبصرة ابتدأت الموجة الأولى ـ وفقاً لتقسيم فارس كمال نظمي لمراحل التظاهرات ـ وتحديداً في حزيران 2010 بما تطلق عليه الأدبيات الاحتجاجية اسم (انتفاضة الكهرباء)([2])، تلتها الموجة الثانية بما يطلق عليها اسم (جمعة الغضب) في 25 شباط 2011، وصولا إلى الموجة الثالثة في تموز 2015.

والاختلاف الأساس بين احتجاجات العام 2011 والعام 2015 هو آلية التحشيد للتظاهر، ففي الوقت الذي ارتكزت احتجاجات العام 2011 على دعم وسائل الإعلام التقليدية والاتصالات الحزبية والشخصية، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأهم في التحشيد لتظاهرات 2015([3]).

 

ثانياً: احتجاجات تشرين الأول 2019

بقدر ما تشكّل تظاهرات تشرين الأول 2019 امتدادا لما سبقها من تظاهرات، فإنّها في الوقت ذاته تمتلك خصائص مختلفة، سواء على مستوى المشاركين، أو التنظيم، أو الدوافع، كانت في بعض عناصرها امتداداً للتظاهرات التي سبقتها، وفي عناصر أخرى كانت مختلفة تماما، الأمر الذي سنناقشه في الفقرات الآتية:

  1. الاحتجاجات بوصفها امتداداً للحراك المدني

لا يمكن إغفال أنّ فعل الاحتجاج تحوّل منذ العام 2015 إلى ما يشبه العادة المنتظمة أسبوعيا، وصارت التظاهرات أمراً أشبه بالروتين، جزءاً من الحياة اليومية، وصار تنظيم تظاهرة لأجل مطالب متنوعة بعضها يخصّ شريحة دون أخرى أمراً معتاداً([4]).

على هذا، فإنّ تظاهرات تشرين تتواشج بما سبقها بارتباط عضوي، فهي وليدة فعل احتجاجي استمر لأكثر من عقد، بمدد مختلفة، وبتواصل منذ العام 2015.

 

  1. عوامل انفجارها

بالرغم من أنّ احتجاجات تشرين لم تخرج كثيرا عن مطالب ما سبقها، لكنّها امتلكت خصائص مختلفة، سواء على مستوى المشاركين فيها وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية، أو مستوى شعاراتها المعلنة، ولعلّ من أهمها العامل الاقتصادي، وإن لم تعلنه صراحة، ولكنّه كان الركن الأساس في الانفجار، نتيجة للسياسات الريعية التي أوقفت سوق العمل، والتخبُّط في السياسات العامة والقرارات الحكومية المتعاضدة مع العامل الاقتصادي مزيدة الطين بلة.

شهدت العاصمة بغداد مجموعة متتالية من الاعتصامات المطالبة بالتعيين، منها اعتصام خريجي كليات العلوم السياسية أمام وزارة الخارجية العراقية([5])، واعتصام حملة الشهادات العليا، أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتطوّر لينتقل إلى المرابطة أمام مجلس الوزراء ورغم مقابلة عدد من المعتصمين لبعض المسؤولين لكن لم تحدث أي استجابة حقيقية، بما قاد إلى خطوة تصعيدية من جانب المعتصمين بقطع الطريق أمام بناية المجلس، وقوبلت بقمع عنيف طال حتى الفتيات المعتصمات، بما زاد من مشاعر الاحتقان ضد الحكومة([6]).

رافق ذلك القرار الحكومي بإزالة البيوت المبنية في أراضٍ متجاوز عليها، دون وضع خطة بديلة([7]).

وكان العامل الثالث المتخبط أيضاً هو القرار الذي قضى بنقل الفريق عبد الوهاب الساعدي من موقعه إلى دائرة الإمرة في وزارة الدفاع، بما يعني تجميده، قرار جوبه باستهجان شعبي واسع على مواقع التواصل الاجتماعي؛ بسبب شعبية الساعدي([8]).

هذه العوامل تضافرت في ما بينها، وتجلّتْ بحملة استهجان على مواقع التواصل، لتنفجر تظاهرة عارمة في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر 2019، ولا يُعلم تحديدا كيف تمّ       اختيار هذا التاريخ كموعد للتظاهر، لكن وبطريقة ما تمّ الاتفاق عليه كموعد لتظاهرة كبرى في ساحة التحرير، احتجاجا على مجمل السياسات الحكومية ــ وإن لم يبدُ ذلك واضحا بشكل فعلي إبان الحملة الداعية للتظاهر ــ فشهد اليوم الأول للتظاهرات صدامات عنيفة أوقعت العشرات من الضحايا المدنيين، وفاقمت الحكومة الأزمة بقطع الانترنت، متسبِّبة بوقف مصالح الكثيرين ومعايشهم، فزادت أعداد المتظاهرين ولم تنقص([9]).

إنّ العنف الشديد الذي جوبهتْ به التظاهرات جعلها تمتد إلى بقية المحافظات، وساهمت العشوائية التي بدت عليها ـ وإن كانت عشوائية تتضمَّن نمطا معينا لا يجعلها بمعزل عن التنظيم ـ ساهمت بتمدّد التظاهرات إلى المحافظات العراقية الأخرى بشكل تصاعدي.

رافق تلك الإجراءات الحكومية الخاطئة تصعيد في الخطاب الداعم للتظاهرات من قبل المرجعية العليا في النجف، وصولا إلى خطبة كان مضمونها طلب تنحي رئيس الوزراء عن منصبه، وهو ما حدث حيث استقال رئيس الوزراء مباشرة فيما بعد([10]).

  1. مضامين الاحتجاج.. شعبوية وطنياتية تصفيرية

إنّ تتبّع مضامين الشعارات التي رفعت خلال الاحتجاجات، ناهيك عما كتب على الفيسبوك، لمحاولة تكوين فكرة عن مطالب المحتجين، فسنصل إلى المجموعة الآتية([11]):

  • اقتصادية: تتلخّص بالمطالبة بالتعيين، وتطوَّرت لاحقا للمطالبة بتشجيع المنتج المحلي، الأمر الذي رافقته حملة على مواقع التواصل لدعم الإنتاج المحلي.
  • سياسية شعبوية: لا تسير باتجاه واحد، فالأطراف المتعدّدة المشتركة في التظاهرة تحمل رؤى وأهدافاً متباينة، ولكن يمكن إيجاد نمط رابط بينها، فالشعارات التي رفعت في الساحة تصفيرية، مثل (شلع قلع كلهم حرامية) المتضمّن مطلبا تصفيريا، تطوّر لاحقا إلى (الشعب يريد إسقاط النظام)، وبعد مقتل عدد من المتظاهرين، رفعت شعارات مستوحاة من أهم ما كانوا يكتبونه على صفحاتهم، مثل صفاء السراي، الذي كان يردّد أنّه لا يريد شيء سوى الوطن، فظهر شعار (نريد وطن) وهو شعار عائم، رومانسي لا يخلو من نزعة وطنياتية شعبوية، كذلك شعارات أخرى تبدو دوافعها السياسية واضحة جدَّاً مثل شعار (إيران بره بره).
  • ثقافية اجتماعية: تتمثّل بعدّة مطالب، بعضها يتعلّق بالدعوة لإنهاء الصراع الهوياتي في العراق، والمطالبة بدولة منسجمة مع مجتمع تعدُّدي، وبعضها يتعلّق بالحريات العامّة وحرية التعبير ونقد القيم التقليدية والتشدُّد.
  • لم تخلُ أيضا من الحديث عن شخصيات صارت رموزاً، بطريقة منسجمة مع المخيال الشعبوي، مثل الفريق عبد الوهاب الساعدي، الذي أصبح مثال (النزيه المظلوم في نظام فاسد)، في حنين شعبوي للرمز العسكري المنقذ، أو اصطناع بعض الرموز الأخرى من الذين قتلوا أثناء التظاهرات، والجدل بشأنهم سلبا وإيجابا على مواقع التواصل.
  • بعض الشعارات الأخرى تتناغم مع خطاب مركّب بشأن مزدوجي الجنسية من المسؤولين في الحكومة، فمن جانب هناك مشاعر بالغبن تجاه نخبة سياسية حملت جنسيات غربية، وعادت إلى العراق دون نقل التجربة الغربية الناجحة، وأسهمت في التدهور الذي قاد إلى هذه المرحلة وأثرت بطريقة غير مشروعة، ومن جانب آخر لا تخلو الدعوة إلى تنحية مزدوجي الجنسية من نزعة وطنياتية شعبوية متناغمة مع الشعبوية العالمية؛ نزوع وطنياتي إلى الداخل، عاطفي في أحيان كثيرة وليس منطقياً بالضرورة.

 

ثالثاً: ماذا أفرزت احتجاجات تشرين الأوّل؟

 

ما الذي أفرزته الاحتجاجات على المستوى الاجتماعي والسياسي؟ في الحقيقة أنَّ الإجابة عن هذا السؤال قد تبدو مبكرة، فالتظاهرات لمّا تزل مضطرمة، والمتظاهرون يملؤون الساحات، لكن هذا لا يعني عدم إمكانية التقاط بعض الملامح التي ترتبت على التظاهرات، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو ثقافي، دون تلمس أي تغيُّر على مستوى السياسات الاقتصادية للحكومة أو طبيعة تفكير القوى السياسية المشكلة لها.

أ. على المستوى الاجتماعي الثقافي

بالاتصال مع تظاهرات العام 2015، أفرزت التظاهرات رموزا وقيادات اجتماعية فاعلة سياسيا، ولكن، إذا كانت التظاهرات السابقة أفرزت نخبا في موقع القيادة، نخبا كانت فاعلة ثقافيا، شعراء، صحفيين… الخ، فإنَّ تظاهرات تشرين 2019 أفرزت رموزا مختلفة تماما، فاعلين كانوا يعدّون ضمن طبقات اجتماعية دنيا، ولعلّ المثال الأبرز هنا هم سائقو (التكتك) الذين كانوا موضع سخط اجتماعي من قبل، لأسباب يتعلّق بعضها بأصلهم الريفي، وبعضها بسلوكهم في الشارع، ولكنّهم تحوّلوا إلى ما يسمّيه المخيال الشعبي في العراق: (خط أحمر) لا يمكن نقدهم، لا يمكن الحديث عن أخطاء قد ارتكبوها، لأنَّهم بذلوا دون مقابل كل ما يملكون ـ التكتك ـ ونقلوا الجرحى إلى المستشفيات، وكانوا يقتحمون الحرائق ونقاط الاشتباك مع القوات الأمنية دون خوف، هذه الرمزية قامت على أسس ثقافية مختلفة، في العادة تبرز الرموز ضمن إطار الثقافات التقليدية من طبقات اجتماعية معينة، كأن تكون الطبقة الدينية، أو بيوت الزعامة العشائرية أو الأسر ذات الأصول الاجتماعية الرفيعة، أو من بين من انغمروا لوقت طويل في السياسة والمعارضة، وهو ما لا ينطبق بالمجمل على رموز تظاهرات تشرين الأوّل، سواء كانوا سائقي (التكتك) أو غيرهم، فهم بالغالب من الطبقات الاجتماعية الدنيا، وليسوا من النخب.

كذلك من الرموز التي اصطُنعت في ساحة التحرير بناية المطعم التركي، التي صارت معقلا للمعتصمين، واُطْلِقَ عليها اسم (جبل أحد)، برمزية الهزيمة من جبل أحد، فالمرابطة في الجبل/الرمز المصطنع، أي المطعم التركي سوف تعني الانتصار، والنزول سيعني الهزيمة([12]).

وإذا كان قوام التظاهرات السابقة هم النخب المدنية، والناشطون في الحقل الثقافي والأدبي، أو الممهدون للتظاهرات في تشرين الأول من حملة الشهادات العليا الذين تمّ الاعتداء عليهم، فإنّ تظاهرات تشرين الأول/ اكتوبر شهدت انعتاقا من كلّ ما سبق، وكان المرتكز الأهم لها الطبقات المسحوقة، وإن اشترك الطلاب والنخب في التظاهرات، لكنّ الشعارات الحقيقية كانت تخرج من الطبقات الدنيا للتظاهرات.

ب. على المستوى السياسي

على الرغم من أنّ التظاهرات لا تزال مندلعة دون أن يحدث تغيير سياسي جذري، لكنّها قامت بالفعل بإحداث سلسلة من التغيرات، لا تزال تتفاعل تصاعديا.

إذ بيّنت التظاهرات أنّ سوء الظن بالنخبة السياسية الحاكمة لم يأتِ من فراغ، العناد، والتخوين، وعدم الاستجابة لمطالب المتظاهرين زادت من الأزمة السياسية، وعمّقت الشعور بأنّ هذه النخبة منعزلة عن الواقع الاجتماعي، ولا تفكّر بمصالح المواطنين، بدليل سلسلة القرارات التي تتالت ولم تقارب حتى مطالب المتظاهرين.

وعلى جانب آخر، بيّنت أنّ هناك جيلا جديدا أفشل الرهان على أنَّه سيمل من التظاهر، ويتراجع أمام العنف، وقاد هذا الإصرار إلى أن تحدث استجابة من قبل المرجعية الدينية العليا، التي حرصت دوما على عدم التصعيد، ولكنّها تناغمت بعقلانية مع المتظاهرين، ويلاحظ أنّ خطب الجمعة بدأت بتشديد لهجتها تباعا، حين لمست مدى الإصرار على التظاهرات، مع تأكيدها على السلمية والمؤسّساتية وحفظ المكاسب السياسية لنظام ما بعد 2003.

إزاء هذه الإصرار، قدّم رئيس الوزراء استقالته نهاية شهر تشرين الثاني 2019، بعد خطبة الجمعة التي ألقاها ممثل المرجع الأعلى في كربلاء السيد أحمد الصافي([13])، لتبدأ سلسلة ترشيحات لشغل المنصب، وقوبلت بالجملة بالرفض في ساحات الاحتجاجات، وعُدَّتْ التفافا على المطالب، وكان الرفض يتم بلغة شعبوية لم تخلُ من الشتيمة بالغالب.

ثم تطوّرت المطالبات بتوجيه من الكثير من الفاعلين والأكاديميين وغيرهم، إلى ضرورة التركيز على قانون الانتخابات، وهو ما أكده ممثل المرجعية أكثر من مرّة في خطبة الجمعة([14])، الأمر الذي أجبر الكتل السياسية على الاستجابة وسنّ قانون جديد للانتخابات، يفترض أن ينسجم مع مطالب المتظاهرين بإحداث تغيير حقيقي في القانون يمكّن من صعود نخبة سياسية جديدة تقود البلد في المرحلة القادمة.

ج ـ على المستوى الاقتصادي

لعلّ المتغيرات في الجانب الاقتصادي هي الأكثر حرجا وصعوبة في هذا الحراك، فالتظاهرات المستمرة منذ شهرين ألقت بالكثير من التداعيات الخطيرة على الوضع الاقتصادي في العراق.

قرار قطع الانترنت الذي اتخذته الحكومة عدّة مرّات في محاولة منها لوقف التنسيق للتظاهرات، سبَّب خسائر اقتصادية كبيرة للقطاع الخاص وللحكومة على حدٍّ سواء، وخسائر القطاع الخاص قادت إلى أن ينظم إلى التظاهرات من لم يرغب بها من الأول.

من جانب آخر، ونتيجة للقلق من التطورات، وعدم معرفة المسار الذي يذهب البلد باتجاهه، سجّل الرصد الميداني تراجعا كبيرا في النشاط التجاري، وصل إلى التوقف في بعض الأحيان، ناهيك عن تبعات قطع الطرق الرئيسة، ومحاصرة الميناء، وخوف التجار وإفراغهم لمحالهم التجارية من البضائع، الأمر الذي قد ينذر بكارثة اقتصادية تنتظر البلد.

 

خاتمة

 

يمكن القول إنَّ مساحة تحرك احتجاجات تشرين كانت الطبقات الأكثر فقرا، وهي الأكثر تضررا من أي اختلال اقتصادي، وحتى في الدول التي شهدت تاريخا من الاحتجاج سبق الموجة الأخيرة، يلاحظ أنّ الحامل الاجتماعي للاحتجاج قد تبدّل تماما، وهو ما ينطبق على العراق، وغيره من الدول التي اعتادت أن تقوم النخب، أو الطبقة الوسطى بعملية الاحتجاج السياسي، وهو ما تغيَّر تماما، كما سبقت الإشارة له.

وكان الخطاب الشعوبي، الوطنياتي الداخلي سمة لها، لا يهتم بالسياسات الخارجية، أو بالرؤية الكبرى للسياسة الحكومية، ولا بتفكيرها الاستراتيجي، التظاهرات ذات مطالب شعبوية آنية، تتحدّث عن إصلاح فوري وسريع لاختلالات استمرّتْ لعقود، وهو أمر مستحيل عمليا.

خطاب عاطفي، مغرق في ذاته، ذات جريحة، ساخطة لأجل حقوق مضاعة، تطلب العودة إلى صورة خيالية عن مجد قديم اختلت أركانه، هذا الخطاب ظهر بطرق مختلفة، وبدرجات متباينة إبان الاحتجاجات، وتجليها في التظاهرات.

كما أنّ من بين أهم عناصرها هو عدم وجود قيادات واضحة، الأمر الذي يعزّز الفرضية بشأن شعبوية التظاهرات والمتظاهرين.

وفي الختام، لنا أن نسأل: هل سنصل إلى النقطة التي يدرك فيها المتظاهرون في العراق أستحالة تصفير العملية السياسية؟ وإن لا حل إلا بتسوية حقيقية، تمهيدا لاستقرار البلد، وعند استقرار مؤسّساته، فإنّ لكل حادث حديثاً، ولكل حق متتبعاً يسترده بعد حين، بالتدريج.

 

 

([1]) سعد سلوم، تحت نصب الحرية: كل ما هو صلب يتحول إلى أثير، هينريش بول فاونديشن، 18 تشرين الأول 2012، تم الاطلاع على المقالة بتاريخ 18/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/vw0xWR

([2]) فارس كمال نظمي، سيكولوجيا الاحتجاج في العراق: أفول الأسلمة.. بزوغ الوطنياتية، (بغداد: سطور للنشر والتوزيع، 2017)، ص10.

([3]) علي عبد الهادي المعموري، الاحتجاجات في العراق، الجذور والفاعلون، ورقة ألقيت في مؤتمر السلوك الاحتجاجي في العراق: الديناميات الفردية والجماعية، الذي نظمته الجمعية العراقية لعلم النفس السياسي في بغداد في 22 حزيران 2019، وسعد سلوم مصدر سبق ذكره.

([4]) ينظر مثلا: في بغداد.. اعتصام مستمر لـ “المفسوخة عقودهم” في الداخلية والدفاع، جريدة طريق الشعب، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 25/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/mITAta

([5]) تظاهرات خريجي العلوم السياسية أمام الخارجية في بغداد، البغدادية، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 22/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/0jGu75

([6]) العراق: حملة الشهادات العليا يتحدون القمع ويجددون تظاهراتهم للمطالبة بفرص عمل، القدس العربي، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 22/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/XxT2bc

([7]) ينظر مثلا: بالصور.. حملة لإزالة التجاوزات غرب بغداد، السومرية، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 22/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/Q89HZp وكذلك: حملة عراقية ضد العشوائيات تثير احتجاجا في كربلاء، جريدة الشرق الأوسط، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 22/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/QqVqBP

([8]) ينظر: غضب عارم في العراق بعد عزل قائد عسكري بارز، الجزيرة، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 23/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/8gBJJO

([9]) ارتفاع حصيلة القتلى في العراق والسلطات تقطع الانترنت عن بغداد وجنوب البلاد، يورونيوز، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 23/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/30FjUo

([10]) عبد المهدي يستقيل رسميا.. والبرلمان العراقي يحدد وضع الحكومة القانوني الاحد، الحرة، تم الاطلاع على الموقع بتاريخ 23/ 12/ 2019، على الرابط: https://is.gd/fUi9iB

([11]) ترتكز هذه الاستنتاجات على رصد ميداني قام به الباحث، ميدانيا في ساحة التحرير، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو مما نشر في البيانات التي صدرت عن المحتجين في ساحة التحرير، او جريدة “تكتك”.

([12]) لعل من الأمور الغريبة التي تذكر هنا هو وجود مجموعة على الفيسبوك أُسِّستْ في الشهر الثامن من العام 2018 باسم (المطعم التركي/جبل أحد) ولم يتم إحداث أي تغيير على اسمها، بمعنى أنّها تأسَّست بهذا الاسم قبل اندلاع التظاهرات وظهور رمزية بناية المطعم التركي بعام كامل!

([13]) نص الخطبة التي ألقيت بتاريخ 29/ 11/ 2019 على موقع العتبة الحسينية: https://is.gd/CBcqfQ

([14]) ينظر مثلا نص الخطبة التي ألقيت بتاريخ 15/ 11/ 2019، على موقع العتبة الحسينية على الرابط:

https://is.gd/OWiEhI