لتحميل المقال بصيغة pdf اضغط هنا

ترجمة وإعداد/ عصام عباس أمين

تنويه

النبش من جديد في الأوراق القديمة التي تركها الأمريكان خلفهم، يكشف لنا أشياء جديدة ما كان لنا أن ننتبه لها عندما كانوا متواجدين معنا، ربما بسبب اللغة ومشاكل الترجمة أو بسبب الفجوة الثقافية الكبيرة بيننا وبينهم والتي تنعكس في طريقة المقاربة والتفكير والتحليل لنفس المواضيع والقضايا. وكمصداق لهذه الحقيقة أقدم هذه الترجمة (بتصرف) لمحاضرة حرب الجيل الرابع التي كانت ضمن محاضرات كلية الأركان المشتركة في بدايات التأسيس بعد سقوط النظام السابق، والتي اتشرف بأنني كنت أحد اعضاء الهيئة التدريسية فيها لمدة أربع سنوات، وهي تمثل مدخلا مهماً لفهم وتعلم كيفية خوض حرب الجيل الرابع في المستوى السوقي والعملياتي والتعبوي.

المقدمة

أصبح مصطلح حرب الجيل الرابع (الحرب غير المتناظرة) متداولا بين الاستراتيجيين والمخططين العسكريين في نهاية الثمانينات كطريقة لتمييز حركة واتجاه الحرب العصرية ومستقبلها. ويفترض هؤلاء أن الحروب شهدت مراحل عديدة مميزة. فالجيل الأول من الحروب العصرية (ما بعد ويستفاليا 1648) كان مسيطرا عليها من قبل القوى البشرية الكبيرة والتي بلغت ذروتها في الحروب النابليونية. أما حرب الجيل الثاني فقد تميّزتْ بالقوّة الناريةُ والتي تَتوّجَت في الحرب العالمية الأولى، في حين شهد الجيل الثالث استخدام الألمان لطرق المناورة في الحرب العالمية الثانيةِ. بينما نجد في الجيل الرابع الاستفادة من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية منذ الحرب العالمية الثانية والتي أبرزت عدوا غير تقليدي، عدو يمكن وصفه بالعدو ألشبحي.

هذا النوع من الحروب نشهد نماذج لها في العراق وأفغانستان. حيث إن قادتها يحاولون إقناع القادة السياسيين لأعدائهم بان أهدافهم غير قابلة للتحقيق أو غالية الثمن (هذا النوع من الحروب من الصعب التغلب عليها). إنها تركز في المستوى الاستراتيجي على تغير عقول صانعي القرار من الطرف الآخر.

سياسيا يتم الزج بمنظمات وشبكات، وطنية، إقليمية، وشبكات عابرة للوطنية (انتقالية). أما عملياتيا فيتم استعمال أنواع مختلفة من الرسائل لأنواع مختلفة من المستمعين. والتي بمجموعها تستهدف تحطيم الإرادة السياسية للخصم. في حين يتم في المستوى التعبوي استخدام الموارد المحلية المتوفرة في منطقة العمليات التي تشمل المواد الكيمياوية، الغازات السائلة (غاز الطبخ) أو الأسمدة الكيمياوية (والتي أول من استعملها الجيش الجمهوري الأيرلندي السري باستغلال الأسمدة الكيمياوية التي كانت تجهزها للمزارعين بتصنيعها لتكون معدة للاستخدام في تفخيخ السيارات). أما في العراق فلا تزال الذاكرة تتذكر اسطوانات الكلور التي استخدمت على نطاق واسع في مناطق شمال وغرب بغداد.

بالرغم من إن الولايات المتحدة تعتبر القوة العظمى عالميا إلا إنها قد خسرت بعضا من حروب الجيل الرابع في (فيتنام، لبنان، والصومال) إلا إنها في ذات الوقت ومع قوى أخرى كسبت الحروب في (ملايا 1950، عمان 1970، والسلفادور 1980)، وعلى أية حال يتطلب تحقيق النصر في هذا النوع من الحروب عملا صبورا، جماعيا، متضمنا جميع الفعاليات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية كخطة متكاملة واحدة وبأقصى مدى. اليوم يتطلب من جميع الأمم تعلم كيفية خوض حروب الجيل الرابع.

الغاية من هذه الورقة هو التعرف على ماهية الحروب غير المتناظرة (حرب الجيل الرابع) بمستوياتها الثلاثة (التعبوي، ألعملياتي، السوقي) وكيفية مواجهتها.

 

حروب التمرد

تشكل العمليات الإرهابية التكتيك الأفضل في حروب التمرد (الحروب غير المتناظرة) من قبل الجانب الضعيف في مواجهة القوة العسكرية المتفوقة للطرف الآخر بغية تدمير الإرادة السياسية للعدو بدلا من استنفاذ قوته العسكرية التقليدية. ويلاحظ في هذا المجال تطويع التقدم التكنولوجي في الاتصالات ونمو الشبكات لزيادة قدرة التمرد في مهاجمة إرادة صانعي القرار للعدو مباشرة.

في الأول من أيار 2003 , أعلن الرئيس جورج بوش عن انتهاء معركة كبيرة في العراق. وبينما ابتهج اغلب الأمريكان لهذا الإعلان كان دارسي التاريخ يعرفون ببساطة شديدة بأن الجزء الأسهل قد انتهى فقط. فالسلام لم يتحقق، والقطعات لم تعد إلى البلاد. وفي الحقيقة لوحظ اندفاع المتمردون العراقيون بسرعة وبقوة. وبدلا من السلام، بدأنا نقرأ كل يوم عن موت الجنود وانفجار السيارات المفخخة المميتة مع اغتيال المدنيين، ليبدأ التململ بين العراقيين، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة شهور وتحديدا في آب حدثت سلسلة من التفجيرات ضربت حفل التخرج لأكاديمية الشرطة. والسفارة الأردنية، ومقر الأمم المتحدة في بغداد. هذه الهجمات أشرت بداية حملة ضد قوات التحالف والتي استمرت حتى بعد تسليم السلطة إلى الحكومة الانتقالية العراقية. ولسوء الحظ أصبح العراق حلبة أخرى لحرب الجيل الرابع.

 

 

التمرد العصري (صراع سياسي)

المعارضون في مختلف إنحاء العالم يعرفون بأن الجيل الرابع للقتال هو النوع الوحيد الذي خسرته الولايات المتحدة ليس لمرة واحدة فقط ولكن لثلاث مرات في فيتنام ولبنان والصومال. إن هذه الصيغة من القتال سببت أيضا هزيمة فرنسا في فيتنام والجزائر، والاتحاد السوفيتي في أفغانستان. ولازالت تسبب استمرارية نزف دماء جنود الولايات المتحدة في العراق (قبل الانسحاب)، وأفغانستان، والأماكن الأخرى المنشغلة فيها بالحرب ضد الإرهاب. هذا السجل لهزائم القوى العظمى من قبل خصوم أضعف في حروب الجيل الرابع يستدعي ضرورة فهم هذه الصيغة الجديدة من القتال والتأقلم معه.

ماوتسي تونغ (26-كانون الثاني 1893—9 ايلول1976) الذي شغل منصب رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني منذ 1945 لحين موته. تحت قيادته كان الحزب يحكم البر الرئيسي للصين بعد فوزه في حرب الصين الأهلية وتأسيسه لجمهورية الصين الشعبية في 1949)، هو أول من وصف التمرد العصري بأنه كفاح سياسي واستعمله بنجاح. الآخرين الذين ساروا على نهج (ماو) تعلموا منه ومن تجاربهم المؤلمة التي اعتمدت طريقة التجربة والخطأ وتكييف الدروس المستقاة من تجربة (ماو) ليناسب معركتهم مع إضافة بعض اللمسات الخاصة إضافة إلى الخبرة المتراكمة فاستطاعوا أن يطورا طريقة جديدة في القتال. القوات المضادة للتحالف في العراق، وطالبان في أفغانستان، والشيشانين، وشبكة القاعدة ببساطة هم أخر من استخدموا طريقة استمرت بالتطور عبر عقود من السنين.

منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت الحروب عبارة عن خليط من التمرد التقليدي وغير التقليدي. الحروب التقليدية (الحرب الكورية، الحرب بين العرب وإسرائيل 1956، 1967 و1973، حرب فوكلاند، الحرب الإيرانية العراقية، وحرب الخليج الأولى) تلك الحروب انتهت بشكل عام بالرجوع إلى الحالة التي بدأت منها بنفس البنية والتركيبة السياسة، الاقتصادية، والاجتماعية التي دخلت بها الحرب، وباختصار فان الحالة الإستراتيجية للدول المشاركة لم تتغير بصورة واضحة. وبالمقابل، أظهرت الحروب غير التقليدية مثل الثورة الشيوعية في الصين، الحرب الصينية الهندية الأولى والثانية، حرب التحرير الجزائرية، نضال ساندينيستا في نيكاراغوا، الثورة الإيرانية، الحرب الأفغانية السوفيتية في الثمانينات، الانتفاضة الأولى في فلسطين، وحملات حزب الله في جنوب لبنان نموذجا مختلفا، وانتهى كل منها بتغييرات كبيرة في البنية السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المعنية. فقد لا تكون هي الأفضل بالنسبة لشعوبها، لكنها كانت جلية، واضحة ومميزة. حتى بالنسبة لتلك الحروب غير التقليدية التي خسر فيها المتمردون (مالايا، عمان، السلفادور) فإنها أدت إلى تغييرات واضحة. هنا الرسالة واضحة لكل من يرغب بتحويل التوازن السياسي للقوة. الحروب غير التقليدية فقط هي التي تجدي نفعا ضد القوى المستقرة.

 

الجوانب الإستراتيجية

تحاول حرب الجيل الرابع تغيير عقول صانعي سياسات العدو بصورة مباشرة من خلال الطريقة التي يتم فيها توجيه رسائل معينة إلى صانعي القرار السياسي وأولئك القادرين على إحداث تأثيرات عليها. حيث أظهرت النزاعات في العراق وأفغانستان هذه الخصائص. ففي كل منهما يقوم المتمردون بإرسال رسالة واحدة إلى الفئات الداعمة لهم وأخرى للجماهير المترددة وثالثة إلى صانعي القرار السياسي لقوات التحالف، يتم إخبار المؤيدين والأنصار بأنهم إنما يدافعون عن العقيدة وعن بلدهم ضد الغزاة الأجانب. أما المواطنين غير الملتزمين أو المؤيدين لقوات التحالف فيتم إبلاغهم بالبقاء بعيدا عن المعركة بين المتمردين والغزاة الذين هم حتما سيغادرون البلاد والرسالة الأخيرة هي لقوات التحالف، خصوصا الولايات المتحدة بأنها قد نصحت بالانسحاب أو الدخول في معارك مكلفة ولا نهاية له.

المشاركون في حرب الجيل الرابع عادة لا يحتاجون إلى بناء بنية تحتية للقتال في الحرب كالتي كانت ضرورية في حروب الأجيال السابقة، وكما توضح ذلك في تفجيرات بيروت، حملة ايرلندا الشمالية، التفجيرات التي حدثت في السفارة الأمريكية في أفريقيا، هجمات 11سبتمبر، وحملات التفجير في العراق. أن ممارسي حرب الجيل الرابع يزداد استخدامهم للمواد التي يصنعها المجتمع الذي يهاجمونه، وهذا يسمح لهم باتخاذ أسلوب استراتيجي مختلف جدا، إذ أنه يعفيهم من ضرورة الدفاع عن أصول الإنتاج المركزية وإيقاف استخدامها في الدفاع والتركيز على استعمالها في الهجوم. كذلك فإنها تعفيهم من عبء تحريك ونقل المؤن مسافات طويلة. وعوضا عن ذلك فإنهم بحاجة فقط إلى تحريك الأموال والأفكار.

وسائل الإعلام

عند المستوى الاستراتيجي فان أهمية وسائل الإعلام ستستمر بالتزايد في صياغة سياسة المشاركين في حرب الجيل الرابع، ويتبين هذا بصورة خاصة عند بث صور آلاف الأطفال الصوماليين الجياع لإثارة الولايات المتحدة ودفعها للتدخل لدوافع إنسانية حيث لم تكن للولايات المتحدة مصالح حيوية في الصومال ليتم بعد ذلك إعادة بث صور الجنود الأمريكان وهم يسحلون في الشوارع لتنهي ذلك الالتزام. لذلك ستبقى وسائل الإعلام هي العامل الرئيسي في المستوى الاستراتيجي وفي المستوى التكتيكي، وفي الحقيقة فانه يمكن لوسائل الإعلام المنتشرة في مختلف بقاع العالم أعطاء تأثير استراتيجي كبير لعمل تكتيكي بسيط.

 

الأهداف ذات التأثير المالي

إضافة إلى الهجمات السياسية فان مخططو الإرهاب يمكن لهم أن يؤثروا على الجوانب الأخرى للمجتمع، فعلى سبيل المثال هم يدركون جيدا بان الحالة الأمنية لأي مجتمع يؤثرا مباشرة على إمكانية الحصول على القروض المالية من الدول أو المؤسسات المالية العالمية، وبطبيعة الحال فان هذا يوفر للمهاجمين وضعا خاصا للتأثير على الوضع المالي للدولة (للأمة) لهذا فإنهم بمجرد تلويحهم بالتهديد بشن الهجمات فإنهم قد يحصلون على فرصة التفاوض وهذا بالضبط ما قام به الثوار النيجيريون بتهديدهم بضرب المنشآت النفطية فاجبروا الحكومة النيجيرية للتفاوض معهم مستفيدين من حقيقة الأسعار العالية للنفط التي كانت تعني خسارة مالية كبيرة للحكومة عن كل يوم تأخير في الصادرات النفطية.

التقنيات التشغيلية

وتشمل على التالي:

أ.  الإعلام. حيث لم تعد القنوات الدبلوماسية التقليدية الرسمية منها وغير الرسمية هي القنوات الوحيدة للاتصال والتأثير، فقد التجأ مخططو الإرهاب إلى البحث عن قنوات أخرى لإيصال رسائلهم المختلفة فبرز دور وسائل الإعلام المتاحة لتحقيق هذه الغاية، إلا إن تنوع وسائل الإعلام وتجزئته تجعل مهمة استخدامها ليس بالأمر اليسير لإيصال نوع الرسائل المطلوبة فالخبر الواحد يمكن أن يكون له أكثر من مدلول وحسب الجهة التي تروجها والأمثلة على ذلك عديدة للغاية.

ب. الانترنت. حيث توفر شبكة الانترنيت إمكانية كبيرة لإيصال مختلف الرسائل وتحقيق التأثيرات المطلوبة سواء كانت تلك الرسائل تخص حملات إزالة الألغام أو الحملات الداعية للقاعدة في العالم. وتمتاز رسائل الانترنيت بكونها تنشر دون المرور على المحررين أو أجهزة الرقابة مما يعطيها تأثيرا خاصا فمشاهد الذبح الوحشية تملأ مواقع المجموعات التي تدعي الجهاد. ومن الممكن جدا استخدام الانترنيت لجمع الأموال وتجنيد المقاتلين وحتى الانتحاريين.

ج. الأهمية والتأثير للرسائل. العامل الأساسي في الحملات الإعلامية لحروب الجيل الرابع ينطلق من كون الجمهور ليس موحدا لهذا فهي تساهم في إحداث التمزيق والاختلافات في وجهات النظر في المجتمع الواحد وطبقا للمصالح المختلفة للمجموعات المختلفة أصلا. مما يدفع باتجاه إعادة ترتيب المواقف وهذا ما حصل في العراق وأفغانستان، الولايات المتحدة كانت بطيئة في فهم أهمية الهجمات التي كانت تنفذ ضدهم وتم وصفها من قبل العديد من العسكريين الأمريكان بالتافهة عسكريا في وقت كانت أخبار تلك العمليات تملأ الصفحة الأولى للصحف الأمريكية وكانت تلك الأخبار تصل صناع القرار في الكونغرس الأمريكي. ويمكن لنا أن نتأمل الحالات التالية:

أولا. البوسنة. في البوسنة، كانت الخطوة الأولى باحتجاز رهائن من الأمم المتحدة بواسطة القوات الصربية أثناء حملة القصف التي قامت بها قوات حلف الناتو في العام 1995، كانت وسائل الإعلام تواظب على نقل صور صانعي السلام وهم مقيدين في المبنى، ثم قام الصرب بمشاهدة التلفاز لمراقبة ردود الفعل من جانب مختلف الحكومات. كان الصربيون يلاحظون ويراقبون مختلف ردود الأفعال العالمية على أفعالهم ليقرروا ما الذي يمكن أن يقوموا به في المرة القادمة وكانت أعمالهم هذه تجري بسرعة فاقت دورة إرسال التقارير ذاتها لبيروقراطي حلف الناتو.

ثانيا. فلسطين. أثناء الانتفاضة الأولى، أصدر الفلسطينيون قرارا عملياتيا يقضي بتحديد استخدام العنف. لقد تحدوا وقاتلوا الجيش الإسرائيلي ليس بعمليات عسكرية ثقيلة لكن بمراهقين مسلحين فقط بالحجارة، وهكذا استطاعوا تحييد الدعم الأمريكي للممارسات الإسرائيلية، إنهم نجحوا بتحييد وتجميد قوات الدفاع الإسرائيلية، وأثروا على الانتخابات القومية الإسرائيلية، والتي قادت إلى اتفاق أوسلو.

ثالثا. العراق. بصورة مشابهة فان سلسلة التفجيرات بواسطة المتمردين العراقيين خلال خريف وشتاء عام 2003- 2004 استهدفت بعناية المنظمات الأكثر دعما ومساندة ومساعدة لسلطات التحالف (الشرطة، الأمم المتحدة، المنظمات غير الحكومية، شركاء التحالف، الأحزاب السياسية الكردية، ورجال الدين الشيعة). كل العمليات تم إعدادها لتنفذ بالوقت والمكان المحددين لتتناغم معا من الناحية العملية لمهاجمة الوضع الاستراتيجي الأمريكي في البلاد.

 

التقنيات العملياتية

وتشمل التالي:

أ.  الجبهات المتعددة (النمط غير المتناسق). ففي حرب الجيل الرابع، يمكن لعناصر من حرب الأجيال السابقة من الدخول في الحرب القائمة. حصل هذا للقوات الإسرائيلية في تعاملها مع الانتفاضة الأولى فبقيت على درجة عالية من الحذر الشديد تجاه القوات التقليدية الضخمة الموجودة على الحدود. ونفس الشيء حصل في فيتنام حيث توجب على قوات الولايات المتحدة ومن بعدها قوات فيتنام الجنوبية التعامل مع مقاتلي حرب العصابات وان تكون جاهزة في ذات الوقت للتعامل مع القوات التقليدية الكبيرة لفيتنام الشمالية. لهذا يمكن القول وبكل وضوح بان الجيل الجديد من الحرب، يبحث عن طرق لحشر العدو في مأزق، وهذه الطريقة في التعامل تقودنا إلى نفس الأسلوب الذي تعامل به (ماوتسي تونغ) سابقا. لهذا فان العمل في مجال واحد أو في جميع المجالات الواردة أعلاه سوف لن يكون محددا بمنطقة جغرافية معينة (إن وجدت أصلا) للمعارضة ولكن سوف يكون العالم بأجمعه ساحة لهم (من نيويورك إلى بالي إلى مدريد)، فالقاعدة والمرتبطين معها أعطت أمثلة قوية لأعدائها من خلال عملياتها الإرهابية. مع العرض بان بعض العناصر قد تكون أكثر جاذبية من غيرها كأهداف. اليوم ليس هناك من عنصر في المجتمع الأمريكي أينما كان في العالم ببعيد عن الهجمات الإرهابية. الفعل الأمريكي في أفغانستان وفي أماكن أخرى ضد شبكة القاعدة ترينا بأن المجابهات الفعالة ضد القاعدة يجب أن تشمل كافة أنحاء العالم وبالتحديد أينما وجدت تنظيمات القاعدة أو مراكز تدريباتها أو ملاذاتها الآمنة.

ب. إجراءات القيادة والسيطرة. وجدت قوات التحالف دليلا صغيرا حول التوجيه المركزي في المراحل المبكرة من التمرد. مع ذلك فان نمط الهجمات في العراق، قدمت طريقة محكمة باتجاه دفع قوات التحالف خارج العراق. السؤال الآن هو كيف تمكن المتمردون بدعم عمليات بعضهم البعض دون تنسيق مسبق؟ والجواب يكمن بان المتمردون يمكنهم تتبع كل هجمة إلى درجة ما ومعرفة قياس مدى فعاليتها بمراقبة وسائل الإعلام العراقية والأمريكية والدولية. ومن ثم القرار على أي من الهجمات يجب أن تحاكى، لهذا فقد أظهر المتمردون قدرة عالية في التنظيم الذاتي فكل هجوم يصمم لمنع الاستقرار ومنع قيام حكومة ديمقراطية من الظهور والاستمرار، وبالرغم من عدم نجاح كل الهجمات إلا إنهم نجحوا في إخراج مكاتب الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية غير الحكومية وتقليص في حجم قوات التحالف. عليه يصبح من المهم أن نتذكر أن متمردي حرب الجيل الرابع لا يحتاجون إلى نظام قيادة وسيطرة كبيرة على غرار المعمول به في الجيوش التقليدية. ففي الوقت الذي تنفق فيه الولايات المتحدة أموالا كبيرة وقوة بشرية أكثر على القيادة والسيطرة، يلاحظ ومن خلال استغلال التقنية التجارية إمكانية الحصول على أحسن الاتصالات من قبل أي شخص بوجود الكمبيوتر وبطاقات الائتمان. إضافة إلى إن أجهزة الستلايت وفرت إمكانية للحصول على معلومات شامله على تحركات القطعات الأمريكية وتحديثات فورية لكل الحوارات الوطنية والمناقشات في المنتديات العالمية. وأخيرا هناك شبكة مالية دولية مأمونة. وفي الحقيقة، فانه مع انتشار مقاهي الانترنيت فان الشخص لا يحتاج إلى الكمبيوتر أو البطاقة الائتمانية، وإنما يحتاج فقط إلى معرفة كيفية عمل البريد الإلكتروني وبذكاء بسيط وفهم لبعض الأعمال والمعلومات التجارية فانه بالإمكان القيام بتحويل الأموال والأفكار. المتمردون يحاولون إخفاء نشاطاتهم الالكترونية في ضوضاء أنشطة الفعاليات اليومية. لهذا فهم سوف يستعملون المصادر التجارية والوسائل للتمويه على حركة المواد والأموال وكأنها أعمال تجارية. إن رجال التمرد سوف يبذلون جهدهم بالاندماج في أي مجتمع مدني يتواجدون فيه. وكنتيجة لذلك فأن كشف مستوى فعالية العمليات لخصم متطور سوف يكون أمر فائق الصعوبة في المستقبل.

الاعتبارات التكتيكية

وتتضمن الاعتبارات التالية:

أ. المشهد. حيث إن حرب الجيل الرابع تقع عادة في ظروف بيئية معقدة للنزاعات الاقل حدة، وكل الخصوم المحتملين قد سبق لهم مراقبة وتقيم حرب الخليج الثانية، عملية تحرير العراق، العلميات الحربية التي جرت في أفغانستان. لهذا فأنهم يدركون بان قوات الولايات المتحدة بتواجدها الكثيف على الأرض ودورياتها المنتشرة في الشوارع المختلفة قد وفرت أهدافا واضحة، بغض النظر عن مدى تحصينها، فان تلك الأهداف قابلة للتدمير وبأسلحة متوسطة (أحيانا يتم التدمير بعبوة ناسفة أو قذيفة أر بي جي). وبالتأكيد هم قد شاهدوا ايضا ويعرفون جيدا نجاح ألصوماليين والساندينستانين في نيكاراغوا. وكذلك لاحظوا واستوعبوا الدروس المستمرة من الشيشان، والبوسنة، وأفغانستان والعراق. لهذا فهم لن يحاربوا بالوسائل التقليدية.

ب. الوسائل. في محاوله تغيير أفكار صانعي القرار الرئيسيين. الخصوم سوف يستعملون عدة طرق تكتيكية لتمرير رسائلهم إلى الرؤساء، رؤساء الوزارات، أعضاء مجالس الوزراء، وأعضاء الحكومة والنواب وحتى الناخبين. الرسائل ذات التأثير العالي ستأتي عن طريق الإعلام المرئي، فكلما كانت الصورة أكثر مأساوية ودموية كانت الرسالة أقوى. وعلى المدى الأبعد وليس الآني فان الرسائل الأكثر استفزازا سوف تمر خلال الأعمال التجارية، الدينية، الاقتصادية، الأكاديمية، والفنية وحتى شبكات الخدمات الاجتماعية. فبينما تستند الرسائل على أفكار إستراتيجية إلا إن عملا تكتيكيا مثل جولة برفقة دليل لمخيمات اللاجئين، مقابلات خاصة مع قادة المتمردين، عمليات الخطف المستهدفة، عمليات قطع الرؤوس المصورة وتفجير السيارات والاغتيالات تحقق الغاية بدرجة كبيرة من السهولة.

ج. الفاعلين. حرب الجيل الرابع تتضمن خليطا من الفاعلين الدوليين والمتخطين لحدود الدول والوطنيين. ومنذ بدايات حملات عمليات الجيل الرابع من الحرب اظهر مخططو هذا النوع من الحروب رغبة كبيرة لاستعمال كل الوسائل المتوفرة، لهذا فان المشاركين في حملات مكافحة التمرد يفترض بهم إجادة التعامل مع الفاعلين من كل تلك الميادين وصولا إلى المستوى التكتيكي أيضا. والشيء الأكثر تحديا هنا هو إن البعض من هؤلاء الفاعلين سوف يكون عنيفا والبعض الآخر يكون غير عنيفا. الفاعلين غير العنيفين والذين يعتبرون غير مقاتلين من الناحية القانونية، سوف يكونون الجزء الحاسم في العمليات التكتيكية باستعمالهم جماهير المتظاهرين المعارضين. والمقابلات الإعلامية وصفحات الانترنت، والطرق السلمية الأخرى. “مجاهدي” حرب الجيل الرابع يمكن أن يخلقوا معضلات تكتيكية لمعارضيهم. لهذا يجب استثمار الموارد التكتيكية المتاحة في الشرطة، والمخابرات والجيش ووسائل الدعاية، وجميع مجالات الأنشطة السياسية لتدمير ما تمكن الإرهابيون من بناءه.

الخطوط الزمنية الطويلة

  1. الخطوط الزمنية والمنظمات والأهداف لحرب الجيل الرابع مختلفة تماما عن تلك التي تتبع في الحرب التقليدية. وأهمها هي أن الخطوط الزمنية هنا أطول بكثير. وتجنب الفشل في فهم جوهر هذه الحقيقة يعد أمرا ضروريا لان العديد من المراقبين والمخططين لا يقدّرون مقدار التحدّي الكامن في طبيعة هذه الحروب بسبب طولها الزمني. فالدول عادة تفضل شن حروب محدودة ولفترة قصيرة.
  2. يمكن اعتبار مدة الخمس سنوات بمثابة الحرب الطويلة للولايات المتحدة باعتبارها مدة الحرب الأمريكية الرئيسية في فيتنام (1965 -1970) حيث دخلت الأمّة الحرب وكانت جارية وتركتها قبل أن تنتهي. وحتى بعد ذلك اعتقد الشعب الأمريكي إن البلاد كانت في حالة حرب لفترة طويلة جدا.
  3. من المهم ملاحظة التالي كخطوط زمنية لحرب الجيل الرابع ويلاحظ عليها المطاولة لتدمير إرادة الطرف الآخر:
    • قاتل الشيوعيون الصينيون لمدة 28 سنة.
    • الشيوعيون الفيتناميون لـمدة 30 سنة.
    • الساندينستانيين لمدة 18سنة.
    • الفلسطينيون يقاومون الاحتلال منذ سنة 1948.
    • الشيشان قاتلوا لأكثر من 10 سنوات.
    • القاعدة تكافح من أجل رؤاها للعالم لمدّة 20 سنة منذ تأسيس مكتب الخيدامار في 1984.
  4. العديد من أعمال التمرّد الأخرى في العالم دامت لعقود. وفقا لذلك، عند التورط في هذا النوع من الصراع، انه لمن الضروري التخطيط لالتزامات طويلة الأمد. وخلال ذلك قد تكون الخاصية الوحيدة الأكثر أهمية لحرب الجيل الرابع هي فترة الحرب. يجب على القيادة أن تركز الجهد خلال الانتخابات العديدة أو حتى تغيير الإدارات للانتصار في مثل هذا الجهد.
  5. منذ (ماو) ركز المتمردون على قابلية النجاح السياسي الطويل المدى للحركة بدلا من تأثيرها التكتيكي القصير الأمد. فهم لا يرون أنفسهم كمنظمات عسكرية ولكن بالأحرى كشبكات تمتلك السلطة السياسية المركزية لإدارة هذا النوع من الحرب. ولذلك، فأن تلك المنظمات موحّدة بالأفكار. إنّ القيادة والمنظمات متصلة ببعضها وبآخرين لضمان القابلية على البقاء والاستمرارية وعندما تهاجم تلك القيادات فانها تدرك بان وظيفتها الأكثر أهمية تكمن في ديمومة وبقاء الفكرة والمنظمة وليس فقط (ببساطة) الفوز في ساحة المعركة. يركّز هؤلاء الخصوم على الجوانب السياسية للنزاع لأنهم يقرون بأنّ الحرب في النهاية هي فعل سياسي. يبقى الهدف النهائي لهم هو تغيير أفكار القيادة السياسية للعدو. أما الأهداف المتوسّطة لهم فتركز على استقطاب رأي الجماهير منطلقين من مبدأ إن الزمن يعمل لصالحهم.
  6. في هذا السياق فقد لاحظ الخبير بالإستراتيجية العسكرية البارز (هاري سومرس) كيف أنّه أخبر عقيد أمريكي ضابطا فيتناميا (بأنّ الولايات المتحدة لم يسبق لها أن خسرت في ساحة المعركة). وكيف أجاب هذا الضابط الفيتنامي (قد يكون هذا صحيحا، لكنّه مع ذلك عديم الأهمية أيضا). لأنه وبسبب الخطوط الزمنية الطويلة وطبيعتها فهم يريدون تآكل الإرادة السياسية، فهم يستطيعون الفوز حتى إذا كانت القوة العسكرية للخصم سليمة بشكل كبير لأنهم يركّزون على الفوز بالحرب، وليس بالمعارك.

الرد

أن خصوم الجيل الرابع ليسوا محصنين. ويمكن هزيمتهم ولكن فقط بالفعل المتماسك والصبور الذي يشمل جميع وكالات الحكومة وعناصر القطاع الخاصّ. هذه الحروب يجب أن تشتمل كافة الميادين الدبلوماسية، الدفاع، الاستخبارات، تطبيق القانون، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. في الحرب ضدّ متمرّدي الجيل الرابع الجهود يجب أن تنظّم كشبكة بدلا من البيروقراطية العمودية التقليدية لدوائر الحكومة والدولة. هذه المرحلة للتعامل بين الوكالات (المؤسسات) يجب أن تصب تأثيرها لفترة الحرب منذ بدء التخطيط لها لحين تحقيق النصر الكامل بجانب التعامل مع الخطوط الزمنية الطويلة، أن بناء شبكات أصيلة للتواصل البناء بين الوكالات المختلفة ستكون المشكلة الأكثر صعوبة في محاربة خصوم الجيل الرابع. هذا سيتطلّب تغييرات أساسية في كيفية تدريب قيادة الأمن القومي عادة وتطويرها، وترقيتها وانتشارها، والتوظيف عبر الحكومة. إنّ النظام الحالي المستند على النظرية البيروقراطية من القرن التاسع عشر لا يستطيع دعم عمليات القرن الواحد والعشرين.

الاستنتاج

  1. لاحظ الخبير الألماني بالإستراتيجية العسكرية (كارل فون كلاوزفتز) ذات مرة (الفعل الأول والأسمى والأبعد منالا في الحكم أنه ينبغي على رجال الدولة والقادة أن يقوموا بتحديد نوع الحرب التي سوف يقصدونها. دون الوقوع في خطأ، أو تحويله إلى شيء غريب عن طبيعته).
  2. حرب الجيل الرابع كأسلافها، ستتواصل بالتطوّر بطرق تعكس المجتمع العالمي ككل. فبينما تبتعد الدول عن مجتمع أساسه صناعي هرمي، إلى مجتمع أساسه ارتباط شبكي بالمعلومات، مجتمع ستتطوّر أيضا قواعده السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والتقنية. ونتيجة لهذا التطور سوف تأتي الفرص وسوف يأتي معها الخطر ايضا.
  3. المفتاح لكسب هذه الحروب وتوفير الأمن يكمن في تمييز هذه التغييرات كما هي. وفي فهم نوع الحرب المندلعة أو التي ستندلع. الدول يجب أن لا تحاول أن تكون بشكل مختلف عن ما هي عليها.
  4. الخصوم لا يمكن أن يجبروا لخوض حرب الجيل الثالث التي تقوي الدولة.
  5. المتمردون سوف يخوضون حرب الجيل الرابع مستهدفين نقاط ضعف سلطة الدولة.
  6. نصيحة كلاوزفتز لزعماء الدول تبقى فعالة إلى الأبد، وينبغي أن توجه التخطيط للحروب المستقبلية.