اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

توبي دوج / تشاتام هاوس 16\6\2020

ترجمة د. عذراء ناصر

يهدف الحوار الستراتيجي الجديد بين الحكومتين الأمريكية والعراقية إلى وضع العلاقات الثنائية بينهما على أساس مستدام، لكن السياسة الأمريكية الحالية في المنطقة ستحول دون تحقيق ذلك.

بعد إغتيالات الطائرات المسيرة عن بعد للسياسي العراقي البارز أبو مهدي المهندس والجنرال الإيراني قاسم سليماني، تأمل واشنطن أن يؤدي الاتفاق على القضايا ذات الاهتمام الاقتصادي المشترك إلى نهاية الدعوات العراقية لإنسحاب القوات الأمريكية الفوري من العراق.

لكن الضجة التي تحيط بهذه المحادثات تتجاهل المشاكل العميقة في العلاقة. السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب غير متماسكة بصراحة، وبعيدًا عن التبجح، ركزت على تقليص التزامات الولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض سريع في الوجود الدبلوماسي الأمريكي في بغداد.

يضاف إلى ذلك أن إيران زادت بشكل مطرد من نفوذها على النخبة الحاكمة في العراق إلى درجة أن هناك نقصًا واضحًا في حرية التصرف. إن إيجاد طريقة ذات مغزى لإعادة تنشيط العلاقات العراقية الأمريكية سيكون صعباً في أحسن الأحوال، وقد يكون مستحيلاً.

ورغم العقبات، بدأ الحوار بهدف تحديث اتفاقية الإطار الاستراتيجي  (الموقعة برئاسة نوري المالكي والرئيس جورج دبليو بوش عام 2008) وكذلك التفاوض على اتفاقية جديدة يمكن بموجبها للقوات الأمريكية الاحتفاظ بشكل ما من الوجود في البلاد.

الحاجة الملحة لعلاقة جديدة

حاول اتفاق عام 2008 (جنبًا إلى جنب اتفاقية وضع القوات التي تم إنهاؤها الآن) وضع العلاقات الأمريكية العراقية بعد الاحتلال على أساس مستدام للمضي قدمًا. لكن الحاجة الملحة لإيجاد أساس جديد للعلاقات أبرزها القرار الذي أقره البرلمان العراقي في يناير كانون الثاني والذي دعا إلى سحب جميع القوات الأجنبية.

كان هذا، في الواقع، رد فعل غاضب على مقتل المهندس وسليماني قبل يومين. لكن رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي أشار إلى حجم الأزمة، حيث أوصى بهذا الإجراء إلى البرلمان، ثم قال بعد التصويت إنه سيضع وثيقة قانونية لتنفيذ القرار بسرعة.

كانت الاغتيالات نتيجة لزيادة التوتر بين إيران والولايات المتحدة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 وتنفيذا لسياسة “الضغط الأقصى” تجاه طهران.

مع سعي إيران للرد وتصاعد القلق في جميع أنحاء المنطقة، أصبح العراق محور تركيز رئيسي لهدف طهران للحد من النفوذ الأمريكي، وأصبح حلفاؤها من الميليشيات الأداة الرئيسية لإجبار الولايات المتحدة على الخروج من العراق.

 

باستخدام صواريخ قصيرة المدى منخفضة التقنية ، قامت الميليشيات المتحالفة مع إيران بمضايقة السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد والقواعد العسكرية في جميع أنحاء البلاد المعروف عنها أنها تضم تجمعات كبيرة من القوات الأمريكية.

تصاعدت وتيرة الهجمات بشكل مطرد، وبلغت ذروتها في كانون الأول 2019، عندما أدى هجوم على قاعدة K1 العسكرية في كركوك إلى مقتل مواطن أمريكي وإصابة عدد آخر. وردا على ذلك، هاجم سلاح الجو الأمريكي خمس قواعد لكتائب حزب الله، ثلاثة في العراق واثنان في سوريا. وكانت الاغتيالات تصعيدًا أمريكيًا إضافيًا، محاولة للإشارة إلى عزمها ورفع كلفة ضربات إيران وحلفائها في العراق ضد القوات الأمريكية.

ومع ذلك، فإن استخدام الطائرات المسيرة عن بعد لإغتيال كبار المسؤولين الحكوميين الأجانب أمر غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث ولم يستطع إستعادة الردع الاستراتيجي الذي كانت تأمله إدارة ترامب. استمرت الهجمات على القوات الأمريكية والسفارة (وإن كان ذلك بوتيرة منخفضة) والأمر الأكثر ضررًا هو أن الاغتيالات صرفت انتباه الرأي العام عن حركة الاحتجاج المدني الأكثر استدامة في تاريخ تغيير النظام في العراق.

كانت الحركة، المعادية بشكل علني لإيران وللولايات المتحدة على حد سواء، تحاول حشد القومية العراقية العلمانية ضد الفساد والطائفية في جوهر النظام السياسي العراقي. سمحت عمليات قتل المهندس وسليماني للميليشيات الموالية لإيران، التي تعرضت شرعيتها للتهديد المباشر من الاحتجاجات، بإعادة تجميع صفوفها والتأكيد مرة أخرى على خطابها المعادي لأمريكا والادعاء بأنهم يمثلون الأمة العراقية ويحميونها.

يعني نهج إدارة ترامب “أمريكا أولاً” للسياسة الخارجية أن البصمة الدبلوماسية الأمريكية في العراق قد تقلصت بشكل كبير إلى جانب تقلص قدرتها على التأثير على سياسة البلاد.

في مواجهة الهجمات الصاروخية على السفارة والقواعد العسكرية، قام الجيش الأمريكي “بإعادة تمركز” عدد كبير من قواته، ودمج قواته في عدد أقل من القواعد التي يسهل الدفاع عنها.

في هذا السياق، تبدو فكرة أن الحوار الاستراتيجي المتجدد سيعزز بطريقة ما نفوذ أمريكا في العراق، أو يضعه على أساس مستدام، فكرة متفائلة. وإذا استمرت إدارة ترامب في اتباع سياسة الضغط الأقصى تجاه إيران، فسوف يلعب كلا البلدين دورًا رئيسيًا في زعزعة استقرار العراق.

سيخلق هذا الوضع، المبرر للميليشيات المتحالفة مع إيران لمواصلة العمل مع الإفلات من العقاب في مواجهة دولة عراقية ضعيفة يقوضها صراع إقليمي على السلطة بما يتجاوز قدرتها على التأثير.

تستند السياسة الأمريكية الحالية تجاه العراق إلى فكرة أن كبار السياسيين العراقيين يجب أن يختاروا بين طهران أو واشنطن وهذا يتغاضى عن التأثير متعدد الأوجه الذي بنته إيران في جميع أنحاء العراق منذ عام 2003، وما يمكن أن يجلبه بسهولة على السياسيين في البلاد.

إعادة التوازن للعلاقة بين الولايات المتحدة والعراق، بعيداً عن الجيش ونحو العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، هدف معقول للحوار الاستراتيجي. لكن قدرة المفاوضات الدبلوماسية على تحقيق ذلك تقوضها الدعائم المزدوجة للسياسة الأمريكية الحالية تجاه المنطقة – وهما الضغط الأقصى وأمريكا أولاً.