اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF

د.علاء حميد

تتعدد المداخل لفهم ما مرّ به العراق من أزمات واضطرابات، منذ أن أصبح كيانا سياسيا حاز على تسمية وتعيين لحدوده الجغرافية، وقد اعتاد من له الاهتمام بالعراق إلى الميل نحو التاريخ وقراءته لعلّه يعثر على تفسير للأحداث والوقائع التي تجري فيه.

ومن ثم أخذت السياسة وعواملها تنافس التاريخ، بمحاولة العثور على معرفة أسباب هذا التكاثر في الأزمات، الذي نقصده بالحال أو الأحوال الانتقال شبه المستمر من مضمون سياسي إلى آخر، أو هو تغير الحال داخل نفس النظام.

 عمل الاستاذ حسن العلوي في كتابه “العراق الاميركي” الذي صدر العام 2005، على تصنيف أحوال العراق على ضوء القوة الفاعلة في شؤونه، ولهذا رأى العلوي أن هناك العراق البريطاني منذ 1921 – 1958، واليوم يوجد العراق الاميركي، واعتمد العلوي في تصنيفه على الفاعل الخارجي دون الالتفات إلى بنية النظام السياسي الداخلية، ربما جاء هذا التصنيف لأنّ القوى التي تحكمت بالعراق هي من كوَّنت مقومات النظام وأسهمت بشكل فعال باختيار إدارته، ولذلك نلاحظ أن ثنائية “الفاعل الخارجي وقوته – شكل النظام السياسي ومحتواه” قد حدَّدت الأطر التي صنفت الحال العراقي مع تغليب للفاعل الخارجي على حساب بنية النظام السياسي.

 تعيدنا هذه الثنائية المذكورة سابقا إلى التزاحم شبه الدائم بين الأخذ بالعامل الخارجي في تفسير الازمات العراقية أو بالعامل الداخلي، ولعل هذا التزاحم يحيلنا إلى غياب التوازن الذي ينتبه إلى الخارجي ولا يغفل الداخلي، لذا نتساءل هل فهم أحوال العراق مرتبط بالنظر إليه من الخارج والقوى المكونة له أو بالرجوع إلى داخله وقواه السياسية والاجتماعية؟

النظام الملكي: اضطراب الشرعية

 اختبر العراق شكلين من النظام السياسي “الملكي/ الجمهوري” هما من طبعا تاريخه السياسي، وأمسيا بعد ذلك موضوعا للجدال والصراع بين فئات واسعة من المجتمع، التي انحازت لأحد النظامين، كان النظام الملكي هو صياغة العامل الخارجي ومع هذا نال جزءا كبيرا من المقبولية داخل المجتمع العراقي؛ لأنَّه اعتمد على سمات الملك في النسب وأنَّه خارج سياق الصراع الاجتماعي الداخلي.

 اعتمد النظام الملكي على فئة الضبَّاط الأشراف والأعيان الذين تشابكت مصالحهم معه، وقد سعى النظام نحو تشكيل مؤسَّساته واستثمار ما تركه العثمانيون، وحين نبحث عن العوامل الثلاثة الرئيسة “السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي” التي ندرك من خلالها مدى فاعليته وشرعيته عند المجتمع العراقي نجد أن العامل السياسي كان في مرحلة البناء والتأسيس، بخلاف العامل الاقتصادي الذي لم ينل بعد قدرته وحضوره، مشكلة النظام الملكي تكمن في العامل الاجتماعي شبه المنفصل عن العاملين الباقيين.

 المفارقة أنَّ النظام الملكي أنتج أغلب الأشكال السياسية المطلوبة في بناء مؤسساته “أحزاب، جمعيات، قوى اجتماعية، دستور، انتخابات”، ولكنَّها أخفقت في تكوين نظام سياسي مستقر يأخذ بنظر الاعتبار التنوّع والاختلاف بين الأفراد والجماعات الموجودة في المجتمع، كما أعاق تحقُّق هذا الجانب المزيد في غلبة العامل الخارجي على حساب الداخلي، وهذا يجعلنا نتساءل هل كان قيام هذا النظام مثلما أراده البريطانيون بوصفهم الفاعل الخارجي المؤثر؟. لا نمتلك إجابة عن هذا السؤال، على الرغم مما تم إنشاؤه من نظام جاء نتيجة صراع العامل الداخلي مع الخارجي، الصراع بين العاملين يضع أمامنا حقيقة هي أنَّ تكوين النظام السياسي غالبا ما يأتي بعد نشوء صراع خارجي أو اضطراب داخلي يهدّد وجود الكيان، ولا يتم ضمن سياق اجتماعي طبيعي، فالكيان العراقي واجه تهديد الوجود بسبب الصراع الصفوي – العثماني، ومن ثم الاضطرابات الداخلية “القضية الكردية، أحداث الموصل 1959، انتفاضة  1991 …..الخ”، إذ عبَّرت هذه الأحداث عن خلل اجتماعي عميق بين الجماعات المكوِّنة للمجتمع والنظام، وتحوّل النظام الملكي – الملك والضبَّاط الأشراف – إلى عصبية متحالفة، جذورها خارجية وجزء منها نشأ داخليا بعد 1921، لتعبِّر عن الإمارة المتشكِّلة بفعل ترتيبات العامل الخارجي، لكنّها لم تصل هذه العصبية بحسب وصف ابن خلدون “732هـ – 808هـ” إلى مرحلة الغلبة والتحكم، إذ لم يمضِ على تكوّن النظام خمسة عشر عاما حتى حصل أول تغيير”انقلاب بكر صدقي 1936″، الذي أشّر سريان التناقض بين مؤسَّسات النظام ودخول الجيش كفاعل داخلي مؤثر على محتوى النظام، وفسرت أسباب حدوث الانقلاب بأبعاد كثيرة منها الاجتماعي والاقتصادي، ولكنَّها أثبتت عدم تكوّن عصبية تنال الشرعية يمكنها التحكم بالنظام ومؤسّساته.

وقع النظام الملكي في محنة إنتاج شرعيته من داخل المجتمع والوصول بها إلى النظام، وإنما اكتفى بسمات الملك وتمايز الفئات التي جاءت معه عن تشكيلات المجتمع، ولذلك سيّر النظام الملكي إدارة الحكم من الأعلى – عصبية النظام – دون الالتفات إلى ما يجري في الاسفل -المجتمع وتحولاته -.

 أعادت إزاحة النظام الملكي 1921 – 1958، مرة أخرى جدل فاعلية أيهما أكثر تأثيرا؛ العامل الخارجي أو الداخلي على مجريات إقامة أي نظام سياسي في العراق. وفتح المجال أمام قوى ناشئة – الشيوعيين والبعثيين – في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي لكي تشترك في سباق التأثير على مضمون النظام.

النظام الجمهوري: القوة بديل الشرعية

قام النظام الجمهوري على أساس القوة، التي تخطّى بها الحاجة إلى الشرعية من المجتمع، وهذا كان متوافقا مع السياق العام في العالم العربي آنذاك من صعود الشرعية الثورية. عبّر وجود العسكر في السلطة في العراق عن تحوّل في مضمون النظام واتجاهاته، إذ انتقل النظام مع العسكر من الجانب النوعي إلى الكمي أو بتعبير آخر إزاحة التحديث السياسي من أجل التنمية، الذي أصّل لامتلاك النظام وليس إدارته، حتى أصبح النظام طرفا في العنف، وفقد إمكانية تحويل العنف المادي – احتراب داخلي – إلى صراع على أسس قانونية وسياسية. وبذلك خسر النظام خاصية الاستقرار التي تمنحه القدرة على التراكم وتثبيت السياقات وتقاليد العمل السياسي وإدارة الصراع الذي ظلّ في مرحلة العنف.

 لقد مرّ النظام الجمهوري بعدة مراحل بدءاً من 1958 – 1963 ثم 1963 – 1968، في النظام الجمهوري بات الحزب معبِّرا عن العصبية التي تسعى للإمساك بالسلطة لكي تحقّق غلبتها، وأكد انتقال نمط العنف من السياسي إلى الاجتماعي، هذا الانتقال كرس وقوع حالة حرب الكل ضدّ الكل كما يذهب الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز” 1588 – 1679″، وما يثبت ذلك، أن أغلب القوى السياسية الفاعلة أنشأت ميليشات تحمل السلاح، من أجل كسب حالة الحرب الدائرة آنذاك، فحزب البعث كان لديه الحرس القومي، والحزب الشيوعي كانت لديه سرايا الدفاع الشعبي.

 وبغض النظر عن مبررات تكوين تلك الميليشات فإنَّها مارست عملها في المجتمع، ففي النظام الجمهوري تحقّق تحوّل كشف عن تغيّر في معادلة العامل الخارجي – الداخلي، فالتغيّر أزاح العامل الخارجي – بريطانيا -، واقترب من عامل خارجي آخر مختلف سياسيا وأيديولوجيا  -الاتحاد السوفيتي -، الا أن العامل الداخلي امتزج بالعامل الخارجي، وأخذ يمتلك عناصر قوته ونفوذه التي مكَّنته من الاستيلاء على النظام ومؤسساته، اللافت في تغيّر 1958 أن النظام ظل يتأرجح بين معنى الآمر/ order الباحث عن القوة والاخضاع، ومعنى النسق/system الذي يعمل وفق تقاليد وسياقات مستقرة، وفي نظام الآمر باتت الحيازة على القوة معيارا لامتلاكه، ولذلك دخلت أغلب التشكيلات الاجتماعية العراقية في أولوية الحصول على القوة، وأصبح تغيّر النظام ملازما لامتلاك القوة واستخدامها، لقد أوجدت معادلة العامل الخارجي والداخلي في أحوال العراق نظاما يستمد تكوينه من عوامل العنف، ولهذا أمست حالة الحرب هي الاطار الذي يتشكّل فيه النظام، ما أفقد من يريد فهم أحوال العراق القدرة على تحديد؛ أين تقع أزمته في الدولة أو النظام أو السلطة.

ما بعد 2003: الاتكاء على الشرعية التاريخية

لم يأتِ تغيّر النظام خارج عامل القوة، وأكد هذا التغيّر تأثير العامل الخارجي – الولايات المتحدة الاميركية – على حساب العامل الداخلي، ليصبح حدث 2003 بنظر حسن العلوي كما يذكر في كتابه بـ “العراق الاميركي” عامل إزاحة للميراث السابق الذي تم بناؤه منذ 1921 – 2003، وقام النظام الجديد على شرعية غير محصَّلة من المجتمع، وإنما من التاريخ “شرعية تاريخية” وما جرى قبل 2003 من ممارسات النظام طيلة اثنين وثمانين عاما، وتأُسَّس النظام على خزين الشرعية التاريخية.

 المفارقة أنَّ مقولة الشرعية التاريخية “المظلومية” قد توقفت طاقتها مع تغيّر مضمون النظام من التحكم والإقصاء إلى المشاركة والإدارة، ومع ذلك أمسى خط الازمات يتصاعد مع نفاد طاقة الشرعية التاريخية.

 ربّما أعطت الحرب الأهلية التي وقعت 2006 – 2008 زخما جديدا للشرعية التاريخية، لكنّها عززت من حالة الحرب الكل ضد الكل، ونقلت مفهوم العدو من الخارج إلى الداخل، يشخص فرنسيس فوكوياما في كتابه “أصول النظام السياسي وتطوره وانحطاطه”، بعدما راجع العديد من تجارب بناء الأنظمة السياسية في المجتمعات، أن متطلبات بناء النظام تقوم على “بناء المؤسسات، حكم القانون، المساءلة والمحاسبة/ الديمقراطية”، وحين نراجع خطوات تكوين النظام بعد 2003 على ضوء نموذج فوكوياما، نجد أن بناءه بدأ بمرحلة المساءلة والمحاسبة، وليس من بناء المؤسسات وحكم القانون، أسهم البدء بالمساءلة والمحاسبة في فقدان النظام القدرة على الردع أو ما تسميه العلوم الاجتماعية حق الإكراه، إذ كانت مرحلة البناء بحاجة إلى فترة انتقالية من أجل مراجعة الميراث السابق والتخلص منه بشكل قانوني، ولقد تحولت المساءلة والمحاسبة إلى ضد نوعي يعيق بناء المؤسسات وإحكام القانون، ولذلك تكوّنت حالة عدم الثقة من قبل المجتمع بأغلب مؤسّسات النظام التي أقيمت لاحقا، وكرست بأن النظام طرف في الصراع وليس حاكما فيه، لقد أشرت عملية بناء نظام ما بعد 2003 إلى توزّع مصادر الإكراه بين قوى داخل النظام وأخرى خارجه، ولو أخذنا متغير ظاهرة الاحتجاجات منذ انطلاقها العام 2009 إلى 2019، لكي نراجع به دوام أو انقطاع شرعية النظام، نلاحظ أن الاحتجاجات أخذت تفرغ من شرعيته وتضع اشتراطات لشرعية مختلفة، لما أقيم عليه النظام منذ 2003، وخلال هذه العملية كان صراع العاملين الخارجي – الداخلي قد انعكس سلبا على التأسيس برمته.

 مهّد هذا الصراع بإضافة عامل جديد إلى هذين العاملين، هو العامل الإقليمي الذي أخذ يحدّد مقبولية النظام داخل العالم العربي والدولي.

عقَّد دخول العامل الإقليمي من خطوات بناء النظام، ونقلها إلى مستوى الصراع التاريخي المذهبي، وهذا زاد من الاضطراب الحاصل في سير هذه العملية، فالعامل الإقليمي يحمل سمات متناقضة من قبيل “المذهبية ، القومية”، صنع دخول العامل الإقليمي اختلالا في جدوى تغيّر النظام السابق، وهذا ما أثر في النقاش الحاضر مع كل أزمة تحصل، حول قبول أو رفض تغيّر 2003.

إنَّ علة النظام الجديد تكمن في عدم صياغة شرعية بديلة عن الشرعية التاريخية، ولهذا أخذ يفقد وبشكل تدريجي لحالة الايمان به، وبات يعاني من انفصال بين الجانب الاجتماعي والسياسي، الذي كشف عن تنامٍ لمستوى التناقض بين وظيفته ومقبوليته. لقد دخل النظام في حالة الانسداد التي تعيد السؤال مرة أخرى؛ أيُّهما أنسب لمعالجة أزمة النظام؛ الإصلاح أو التغيير؟