اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF

 

د. علاء حميد إدريس

يقارن عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران بين معنى الازمة عند اليونان والتي تشير إلى دلالة اللحظة التي تسهم في تشخيص المرض، ودلالة تلك اللحظة اليوم تدل على صعوبة التشخيص. لذلك يربط موران بين الازمة وفقدان اليقين في التمكن من ضبط الانحراف سواء كان سياسي او أجتماعي وحتى أمني ، تكشف العلاقة بين الازمة وتعين الانحراف إلى أهمية أتخاذ القرار الذي تعالج به، وما يثبت هذا الامر معنى الازمة عند الاغريق Krino / القرار الحاسم ،ولهذا طورها اليونانيين الى kip vew” ” لتصبح بمعنى تقرر، كما ان اللغة الصينية تعاملت معها ضمن معنيين هما ” wit-ji ” حيث ان مفردة wit  تعطي دلالة الخطر، ومفردة ji تشير الى الفرصة وبالتالي تصبح دلالة الاثنين فرصة لدرء الخطر، بعد هذا الاطلاع الاولي على هذه النماذج من معاني الازمة كيف يمكن معاينة الازمات العراقية اليوم ؟ لا سيما وهي باتت حاضرة وتدفع العراقيين الى التبرم من امورهم المعيشية.

ويتفق أغلب العراقيون على أن بلدهم واقع تحت طائل مجموعة من الأزمات تتعدد جوانبها، ولا تقف عند جانب معين، فمرة تكون الازمة سياسية واخرى أقتصادية فضلا عن ذلك تصبح اجتماعية ، ربما يفسر هذا التعدد في أشكال الأزمات ؛ بأن العراق وما يواجه زاد من تعقيد فهم أزماته وتحليلها.

ينقسم العراقيون حول تحديد أنواع الازمات التي لها التأثير الاكبر على بلدهم ، ومنهم من يرى ان هناك قصدية في ان يظل العراق يعيش محنة تلك الازمات، وهذا برأيهم نابع من أهمية العراق وموقعه الجغرافي وما يمتلك من ثروات وأرث الحضاري، يبين الاختلاف حول هذا التحديد عمق حيرة العراقيين ازاء العوامل المسببة للأزمات وأثرها على أعاق أستقرار دولتهم ومجتمعهم.

ولذلك يميل العراقيون؛ إلى أن سبب أزمات بلدهم هي السياسة وادارة السلطة، ويرون ان ما مروا به من محن يقع على عاتق من حكمهم، وكأنهم يجملون كل أسباب أزماتهم على عاتق من امتهن السياسة، وسعى للوصول الى السلطة، ولذلك نرى ان السياسة ومتعلقاتها حاضرة في أحاديثهم اليومية ويستهلكونها بشكل واسع لانهم يظنون هي العلة والمرض الذي أصاب حياتهم، ولكن هذا الامر لم يجعلهم يجدون فهما ملموسا يوصلهم الى حل يغنيهم عن كل هذا الذي يواجهونه في بلادهم من أزمات ومشاكل أشغلتهم عن الكثير من تلمس خيراتهم وتنعم بها. وبعد 2003 أخذ تمسك العراقيون بعامل السياسة ينزاح الى عوامل وأسباب أخرى، لمحاولة معرفة دوام أزماتهم، ولهذا اخذ جزء منهم يرى ليس السياسة فقط هي سبب ما وصل اليه بلدهم، بل هناك عوامل أخرى، يأتي في مقدمتها المجتمع وما يحمل من قيم وتقاليد وسلوكيات، اذ لم يخطر على بالهم ان احد أسباب أزماتهم هم أنفسهم جماعات وأفراد، لقد وضعهم تغير 2003 امام تحدي التمييز بين ما هو ذاتي وخارجي أتجاه الاسباب التي أدامت الوضع الذي هم فيه.

يعترف العراقيون، حين تواجهم بحقيقة بما هم عليه من فقدان لمتطلبات الحياة الاساسية، انهم يتحملون الجزء الاكبر من الاسباب التي اوصلتهم الى هذا الحال، ومع هذا الاعتراف يختلط عندهم معنى العمل والعجز، من أجل أزاحة ثقل تلك الازمات عن كاهلهم، أذ يكاد العمل ينحصر عندهم في رفض ما هم عليه لفظيا ولهذا تزداد عندهم نسبة  الكلام على حساب الفعل، ويتكرس العجز عندهم انهم حين يشرعون بالعمل من أجل التغيير، ولكنهم بالمحصلة يختلفون حول قطف ثماره وتظهر عندهم أغلب المحددات التي تمنعهم عن الاتفاق على نتائج أي تغيير ينجزونه ، الغريب أن تاريخهم السياسي يثبت أستمرار الاختلاط بين العمل والعجز، حين أنتهت ثورة العشرين وشرع الانكليز يتفاوضون مع  قاد الثورة حول تحديد مطلباهم والتي دارت حول ترشيح ملك يحكم العراق، اجتمعوا في مضيف الشيخ وحيد آل سكر من أجل اختيار ملك ، ما الذي حصل رشح الحاضرين أنفسهم لينالوا منصب الملك، حينها أطلق الشيخ وحيد آل سكر مقولته المعروفة ” تساوت الرؤوس ” ، أن مقولة الشيخ آل السكر تحيلنا الى سؤالا كامن في ثنايا بحث العراقيون عن حلا لأزماتهم، وهو هل يؤمن العراقيون بالتفاوت فيما بينهم بالقدرات والقابليات أو أنهم لا يؤمن ويرون انفسهم متساوون فيها؟.