اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF

العلاقات العراقية – المصرية: من وجهة نظر مصرية

عبدالرحمن عاطف أبوزيد

ترتبط مصر والعراق بعلاقة وثيقة على مر العصور، وقد قويت أواصر التعاون بين البلدين أكثر منذ إستقلالهما من الإحتلال البريطاني، كما أن مساندة كل من الدولتين للآخر في الأزمات على إختلاف أشكالها ومقاومة الإحتلال والإستعمار ومناصرة قضاياهما القومية المشتركة، هي دلالات تؤشر على وجود إرتباط عضوي قوي بين الشعوب العربية بشكل عام والشعب العراقي والشعب المصري بشكل خاص، وهو أمر إلى جانب الأزمات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط يستدعي النظر في شكل العلاقة بين البلدين في المراحل التالية وإستشراف مستقبلها.

وفي ذلك السياق، نستعرض في السطور التالية لمحورين رئيسيين هما، علاقة مصر والعراق في فترات الأزمات، ومستقبل العلاقات العراقية – المصرية، وذلك على النحو التالي:

أولًا – علاقة مصر والعراق في فترات الأزمات:

من الأمور المحورية في العلاقة بين مصر والعراق هو مساندة كلًا منهما للآخر خلال أوقات الأزمات، فنجد أن مصر قد قدمت دعمًا ماديًا ودبلوماسيًا قويًا للعراق، في أثناء حربها مع إيران التي بدأت في 1980، وفي عام 1983، دعى العراق إلى عودة الدور الطبيعي لمصر بين البلدان العربية، وفي يناير 1984، نجح العراق في قيادة جهود عربية لإستعادة مصر عضويتها في جامعة الدول العربية، بعد أن فقدتها عقب إتفاقية السلام مع إسرائيل 1977[i].

 إلا أن العلاقات العراقية المصرية توقفت عام 1990 بعد إنضمام مصر للتحالف الدولي لإخراج العراق من الكويت، وعلى الرغم من ذلك شهدت العلاقات تحسنًا في السنوات الأخيرة، ومع تطور العملية السياسية في العراق بدأت الثقة تتعزز لدى الأوساط السياسية المصرية تدريجيًا بشأن الوضع السياسي في العراق، كما كانت مصر من الرافضين بشدة إجراء إستفتاء كردستان العراق الذي أقيم في سبتمبر 2017، وأعلنت رفضها لإتخاذ أي إجراءات أحادية قد تزيد من تعقيد الموقف، وبشكل يؤدي إلى زعزعة إستقرار العراق وتغذية مناخ التوتر في المنطقة.[ii]

وبعد حرب الخليج الأولى، على الرغم من أن مصر ظلت حذرة من صدام حسين، لكنها دأبت على المطالبة بإلغاء العقوبات الدولية على العراق، كما بدأت في توسيع علاقتها التجارية مع النظام من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة، وبحلول عام 2001 كانت مصر ضمن أول أكبر أربع شركاء تجاريين للعراق في تلك الفترة[iii].

وبالنسبة لمساندة مصر للعراق في حربها ضد الإرهاب، فيعد الدعم المصري للعراق في مكافحة الإرهاب جزءًا لايتجزأ من الإستراتيجية المصرية لمكافحة الإرهاب وخاصة فيما يتعلق بمكافحة تنظيم داعش، كما يستند هذا الإصطفاف على أن العراق أحد الأطراف الهامة والأساسية في محيط مصر العربي والإسلامي.

هذا فضلًا عن أنه قد تبادلت الزيارات بين مسؤولي البلدين، كما عقدت اللجنة العراقية – المصرية المشتركة، والمشكلة بموجب مذكرة التفاهم للتعاون الثنائي والحوار الاستراتيجي اجتماعها الأول في القاهرة في نوفمبر 2009 برئاسة وزيري خارجية البلدين وعدد كبير من المسؤولين من البلدين، وفي 2010 قامت مصر بفتح قنصليتين مصريتين، الأولى في أربيل والثانية في البصرة ليكون أول تمثيل قنصلي لدولة عربية خارج العاصمة بغداد؛ هذا فضلًا عن إلتقاء رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في يناير 2015، بالرئيس عبد الفتاح السيسي بمصر، حيث أكد الرئيس السيسي على أهمية تعزيز الجهود المشتركة لمكافحة ظاهرة الإرهاب، مثمنًا جهود العبادي للوفاق بين كافة أطياف الشعب العراقي للتصدي لخطر داعش والجماعات المتطرفة[iv].

وفي ديسمبر 2020، أكد وزير الإنتاج الحربي المصري محمد مرسي خلال لقائه وزير الصناعة والمعادن العراقي منهل عزيز، أنه تم استعراض الإمكانيات التصنيعية والتكنولوجية والفنية والبشرية المتوفرة بشركات الإنتاج الحربي المصري للجانب العراقي، وكذا المنتجات التي تقوم بإنتاجها وأبرز المشروعات القومية التي تشارك في تنفيذها، ويأتي ذلك في إطار اهتمام وزارة الإنتاج الحربي المصري بالتعاون مع الجانب العراقي وتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين شركات الإنتاج الحربي والشركات العراقية، واستعداد الوزارة للمساعدة في تأهيل المصانع الحربية العراقية ورفع كفاءة خطوط الإنتاج بها[v].

ثانيًا – مستقبل العلاقات العراقية – المصرية:

في هذا الإطار نوضح مستقبل العلاقات الإقتصادية ثم العلاقات السياسية والإستراتيجية بين مصر والعراق، وذلك على النحو التالي:

أ- مستقبل العلاقات الإقتصادية بين العراق ومصر:

إن إتفاقية النفط مقابل الإعمار الموقعة بين مصر والعراق ستدخل حيز التنفيذ الثنائي بمجرد إكمال الإجراءات الدستورية، والتي تنص على قيام الشركات المصرية بتنفيذ مشروعات تنموية بالعراق مقابل كميات البترول التي تستوردها مصر؛ وفي هذا الصدد فقد أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن مصر مستعدة لتقديم أي مواد أولية أو إمدادات ومعدات للجانب العراقي، وأوضح حرص مصر على تجاوز أي إجراءات روتينية قد تعيق الإتفاقية، إلى جانب إعداد توجيه رئاسي لتشكيل لجنة متابعة دائمة للمشاريع، وأيضًا أكد وزير التخطيط العراقي خالد بتال، أن العراق حريص على الوصول إلى قائمة محددة لمشاريع التنمية التي سيتم تنفيذها بالتعاون مع الجانب المصري[vi].

بعد توقيع إتفاق الشام بين العراق ومصر والأردن بتاريخ 25 أغسطس 2020، من المتوقع تفعيل خط نفط من البصرة إلى الأراضي المصرية ممتدًا عبر الأراضي الأردنية، وتحصل مصر والأردن على تخفيضات تصل إلى 16 دولار على البرميل، بينما تستورد العراق الكهرباء من مصر والأردن، بالإضافة إلى استقطاب الاستثمارات بين الدول الثلاث، وتطوير المناطق الصناعية المشتركة من خلال التعاون في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى توسيع الشراكات الاستراتيجية المتعددة وتشكيل لجنة فنية مشتركة، كما يمكن أن تقوم العراق بتكرير نفطها في معامل التكرير المصرية بما يحقق قيمة مضاعفة إلى مصر، ويؤمن جزءًا من صادرات النفط العراقي بعيدًا عن المضايقات الإيرانية بمضيق هرمز، حيث أن مرور النفط العراقي والخليجي مستقبلُا عن طريق مصر سيعزز من اقتصاد تلك الدول ويساعد على تحقيق شراكات استراتيجية وإضعاف النفوذ الإيراني[vii].

كما أن الأوضاع الحالية في العراق توفر الفرصة لمصر وللدول العربية الأخرى لإيجاد مدخل لها للمشاركة في بناء العراق من جديد، فالشرعية العربية والدعم المصري هو أمر مهم بالنسبة لأي حكومة عراقية، والذي يتضح في هذا الشأن دعم مصر لأي حكومة شرعية تتمتع بقاعدة إنتخابية وشعبية واسعة في العراق؛ وكانت مصر قد اشتركت مع العراق بعلاقات تجارية على إثر الإتفاق الذي حصل بينهما في عام 2001 لإقامة منطقة تجارية حرة، وحصل تقدم في هذا الجانب وتم عقد صفقات تجارية مهمة، وهذه التجربة العملية يمكن تطويرها في مجالات أخري لتشمل كافة المرافق الإقتصادية لتوسيع قاعدة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، وتعزيز التكامل الإقتصادي ودعم التنمية والتقدم بين البلدين[viii].

في 15 أكتوبر 2020، وقعت مصر والعراق إتفاقية ومذكرة تفاهم وبروتوكولات تعاون لتعزيز التعاون الثنائي المصري العراقي في مجالات مثل التدريب القضائي وموارد النفط والمياه والبورصة وحماية البيئة، كما وقع البلدان مذكرات تفاهم في مجالات الصحة والأدوية والخدمات اللوجستية والبحرية وتطوير الطرق والجسور والإسكان والبناء وتنظيم المعارض والتعاون الصناعي وحماية المستهلك والإستثمار[ix].

وخلال إجتماع مع وزير الصناعة والمعادن العراقي منهل الخباز أضافت وزيرة التجارة والصناعة المصرية نيفين جامع أنها اتفقت مع الجانب العراقي على إرسال فريق فني من بعض الوزارات والجهات ذات العلاقة إلى بغداد في الفترة المقبلة للتعرف على إحتياجات السوق العراقية، معربة عن حرص عدد من رجال الأعمال المصريين على المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار في العراق، وأضافت أن الوزارة تسعى لتوفير كافة الكوادر المطلوبة لنقل التكنولوجيا والخبرة المصرية إلى العراق خاصة في مجال إنشاء المجمعات الصناعية، وعلى الجانب الآخر أكد خباز أن العراق حريص على تفعيل مذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين مؤكدًا اهتمام العراق بالإستفادة من خبرة مصر الواسعة في تنفيذ الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالقوانين الإقتصادية بهدف خلق بيئة مشجعة على الإستثمار[x].

ب- مستقبل العلاقات السياسية والإستراتيجية بين العراق ومصر:

منذ تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، يمثل كل من مصر والعراق حجري أساس لتحقيق التوازن في المنطقة، على الرغم من تعرض البلدين لبعض الأزمات في السابق إلا أنه سرعان مايعود البلدان للعب دورًا إقليميًا مهمًا، خصوصُا في ظل إتفاقهما على عدة أجندات وملفات مشتركة مثل تحقيق الإستقرار في المنطقة العربية و القضية الفلسطينية ورفض الوجود الإسرائيلي ومعارضة أي تغلغل لقوى إقليمية أو دولية في السيادة المحلية.

وفي ذلك السياق فإن تزايد النفوذ التركي في العراق سياسيًا واقتصاديًا وأيضًا الوجود العسكري في شمال العراق بحجة محاربة الإرهاب لايروق لمصر أبدًا، حيث تسعي القاهرة إلي إحكام الخناق علي أنقرة في جميع المجالات، ويأتي ترحيب مصر بالإتفاق بين الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان بشأن منطقة سنجار كجزء من سياسة القاهرة تلك، حيث سيلغي الإتفاق جزء من العذر التركي للوجود في شمال العراق؛ وعنصر آخر يؤثر على علاقات مصر والعراق الثنائية هو التحالف السعودي الإماراتي ودعمه للعلاقة العراقية المصرية المتنامية، بهدف إبعاد العراق عن إيران وقطع موطيء قدم تركيا في العراق[xi].

والجدير بالذكر أنه بعد تهاوي التوازن الإقليمي بين العراق وإيران بإسقاط نظام صدام حسين وماتلاه من تداعيات، أصبحت الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية في موقع القلق المستمر من تعاظم قوة إيران، وبالنظر إلى فشل السياسة الأمريكية حتى الأن في إيجاد حل للأزمة، لابد من الإعتراف بأهمية الأنشطة الدبلوماسية للدول العربية ودعمها أمريكيًا، ففي حال نجاح المساعي الدبلوماسية العربية فإنها تحمل إمكانية فعلية لإستعادة شيء من التوازن المفقود، وربما تساهم في الحد من الوجود العسكري الأمريكي واسع المدى بكل مايرتبه من كلفة مالية باهظة وتداعيات سياسية سلبية في المنطقة.[xii]