اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

رضا الغرابي القزويني – باحث و کاتب في الشؤون الإيرانية

لا يختلف أحد علی اهمية الملف العراقي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالعراق بلد ذات أهمية استراتيجية في المنطقة و جار مهم لها. تزداد هذه الأهمية عندما تكون الولايات المتحدة العدو اللدود لإيران حاضرة بكل ثقلها وقوتها وقواها السياسية والأمنية والعسكرية علی الجانب الغربي من حدودها في بلاد الرافدين.

منذ أكثر من عقد و نصف هناك صراع جلي بين الدولتين علی الساحة العراقية يحمّل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية الإخفاقات والتوترات التي تنعكس علی الساحة. بينما كلا الجانبين لهما ثقلا سياسيا كبيرا يصل إلی مرحلة رسم ملامح الحكومات العراقية المتعاقبة ورؤساءها.

بينما تم توجيه اتهام مسؤولية انتكاسات غالبية تلك الحكومات لإيران بسبب دعمها لبعض القوی والشخصیات الشيعية الفاعلة في الساحة السياسية وتوظيف الإعلام لهذا الغرض حيث ترك أثرا واضحا علی مشاعر الساحات الغاضبة التي رسم لها ان ايران وحلفاءها سبب تمام الخراب والإخفاقات في العراق متجاهلين دور المحور المقابل والجهات التي تعمل في فلكه، استطاعت الإدارة الامريكية من استخدام ورقة الخلافات الحادة والمتزايدة بين القوی السياسية الشيعية مستخدمة ورقة الشارع الغاضب لترسيم صورة الحكومة التي حلت مكان كابينة عادل عبدالمهدي رئيس الوزراء الذي لم ينال رضی الإدارة الأمريكية بسبب مواقفه تجاه الامريكيين.

أما مصطفی الكاظمي لم يصل إلی سدة الحكم في ظروف عادية. الرجل هو نتيجة مخاض عسير وماراثون مدمر ولو كانت الظروف عادية لم يطرح حتی كخيار من قبل القوی الشيعية وإيران لأسباب كثيرة منها محسوبيته علی الأمريكيين.

لكن الظروف الحرجة والمقلقة جدا رفعت الفيتو الإيراني المحتمل جدا عن الكاظمي و هكذا استطاع الأخير الوصول إلی أهم منصب تنفيذي في البلد وسط قلق ايراني حذر من تداعيات هذا الترشيح و القبول.

هناك أسباب واضحة لدی الجانب الايراني للقلق من تسنم الكاظمي منصب رئاسة مجلس الوزراء و الأهم، مايقال عنه حول قربه لدوائر القرار الامريكية و من هنا بدأت المخاوف داخل ايران من تقويض النفوذ الإيراني داخل العراق و تعزيز الوجود الأمريكي اتي تعتقد طهران ان التواجد العسكري الامريكي يضر مصالحها في العراق و يشكل خطرا علی امنها الداخلي. كما يشكل تهديدا لفصائل المقاومة العراقية المقربة لها و التي كانت قوة ضاربة ضد تنظيم داعش الإرهابي.

انتقلت تلك الهواجس إلی الإعلام الإيراني وحتی الناشطين في مواقع التواصل الإجتماعي حيث اعتقد الكثيرين و خصوصا المقربين للتيار الأصولي ان بعد تسلم الكاظمي للسلطة من الضروري أن تكون مهمته الأولی طرد القوات العسكرية الأمريكية من الأراضي العراقية، تنفيذا لقرار البرلمان العراقي وردا علی جريمة إغتيال القائدين الشهيدين سليماني والمهندس.

لكن قضية مداهمة مقر كتائب حزب الله العراقي في بغداد من قبل قوة تابعة لرئيس الوزراء بعد فترة قليلة من تسلم السلطة أثارت هواجس أكبر لدی المتابعين في ايران واعتبروا القضية بداية سريعة لتنفيذ المخطط الذي يستهدف الحشد.

وبكل وضوح اتخذت القوة الفاعلة والإعلام الرسمي والشبه رسمي في إيران موقفا هادئا وحذرا تجاه الكاظمي وحكومته مما يؤكد علی وجود قرار إيراني لعدم إضعاف رئيس الوزراء الجديد وحكومته بسبب الظروف الراهنة في العراق.

زيارة الكاظمي إلی ايران والتي كان من المقرر ان تكون محطته الثانية بعد السعودية كان لها دورا ملفتا علی النظرة الإيرانية إلی رئيس الوزراء الجديد علی الصعيد الإعلامي علی الأقل. خصوصا اللقاء الذي جمع الكاظمي بقائد الثورة الاسلامية في إيران آية الله الخامنئي الذي اعتبر “اللقاء الكاسر للبرتوكولات” الصحية الصارمة والمفروضة داخل مقر إقامة القائد بسبب جائحة الكورونا وهو أول مسؤول يلتقي به خلال الأشهر الماضية.

مفاد اللقاء كان واضحا بالنسبة للإيرانيين حيث أكد السيد الخامنئي خلال اللقاء علی ضرورة انسحاب الامريكان من العراق وان بلاده لاتنسی مقتل سليماني. كان واضحا ان طهران تتوقع من الكاظمي ان يقوم بتنفيذ خطة جديدة لإخراج الأمريكان من العراق الأمر الشائك الذي يكون محرجا للكاظمي وخصوصا ان الأخير يريد بناء علاقات متوازنة مع الطرفين وبالإضافة إلی العلاقات التي تجمع بينه وبين الأمريكيين.

المعلومات الموجودة والموقف الايراني تجاه الكاظمي حتی الآن يشير إلی دعم حذر لحكومته دون تسقيط أو وضع عراقيل لكن الأمر مرهون بشكل تعامل الكاظمي مع ملفات سياسية وامنية استراتيجية أهمها التوازن في علاقاته الخارجية وعدم تجاهل طهران وتقييد الوجود العسكري الأمريكي أو سحبهم إلی خارج العراق بالإضافة إلی طريقة التعامل مع فصائل المقاومة العراقية.

كما لايمكن ان نتجاهل ملف العلاقات الاقتصادية بين البلدين. يعول الايرانيون كثيرا علی زيادة التجارة وتصدير السلع والطاقة إلی العراق بسبب الحاجة الايرانية الملحة إلی العملة الصعبة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة لأن العراق يعتبر الشريان الاقتصادي الرئيسي لطهران بعد العقوبات الامريكية الخانقة.

يبدو ان زيارة الكاظمي الأخيرة إلی الولايات المتحدة لاتقلق طهران طالما يستطيع الرجل من الحفاظ علی علاقات متوازنة مع كلا الطرفين وعدم تجاهل هواجس الايرانيين وهذا يعود إلی قدرته علی ادارة الملف الخارجي وحتی الداخلي خصوصا تعامله مع القوی السياسية والفصائل المسلحة التي تتخذ مواقف سلبية تجاه التواجد الأمريكي.

اهتمام جميع دوائر القرار الايرانية بالتعامل مع الملف العراقي يؤكد علی ادراك ايراني جديد بأهمية الوضع العراقي الراهن و ضرورة حدوث تغييرات في شكل العلاقات وتوسيع أدوار المجلس الأعلی للأمن القومي الإيراني و الخارجية الإيرانية.

علی الرغم من كل ذلك و خلافا للإتجاه الرسمي الإيراني، يبدوا واضحا ان بعض الاطراف السياسية الشيعية العراقية تمارس ضغوطا سياسية وإعلامية كبيرة علی الكاظمي من خلال عدة ملفات وهذا الأمر يبدوا معقدا حيث لايمكن حتی الأن معرفة مدى تأثر طهران في المستقبل بهذه الضغوط والهجمة أم انها تستطيع تهدئة حلفاءها. وكما اسلفت ان الأمر يعود إلی حد كبير إلی قدرة الكاظمي في التعامل مع تلك التعقيدات.