اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF
د. أمجد حامد الهذال

يُعد مصطلح “الورقة البيضاء” (White Paper) مألوفاًلدى خبراء وصانعي السياسات في دول العالم، فهي عبارة عن تقرير أو دليل يُخبر القرّاء بإيجاز عن قضية معينة ويُقدم رؤية أو فلسفة في هذه المسألة. وللورقة البيضاء مفهوما آخر في الفقه الانتخابي، إذ أنها وسيلة للاحتجاج عندما يقوم بعض الناخبين بما يسمى بالتصويت الأبيض أو الفارغ، ويظهر في الممارسة الانتخابية كإشارة بأن الناخب غير راضٍ عن الخيارات المطروحة أو يرفض النظام السياسي برمته.

وكما هو معروف فإن الأوراق البيضاء عادة ما تُستخدم كوسيلة لعرض السياسات الحكومية قبل سنها كتشريعات؛ بالتالي فإن هذا النوع من الأوراق يُعد بمثابة “بالون اختبار” يُسهم في اختبار مناخ الرأي العام تجاه مسائل السياسات العامة والتي عادة ما تكون مثار جدل، وبهذاتكون الحكومة أمام قياس لتأثيراتها المحتملة.

تشكل الورقة البيضاء التي قدمها وزير المستعمرات البريطاني (حين ذاك) ونستن تشرشل عام 1922 واحدة من أهم وأقدم الأوراق البيضاء المقدمة من الحكومة، لذا يعدها البعض بداية نشأت مصطلح الورقة البيضاء.

في 13 من تشرين الأول من العام الحالي أعلنت الحكومة العراقية عن اطلاق (الورقة البيضاء) وهي عبارة عن مشروع إصلاح اقتصادي ومالي شامل، تحاول فيه الحكومة معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد بعد ظهور وباء كورونا وما صاحبه من ركود اقتصادي، كذلك انخفاض اسعار النفط، مما ولّد أزمة حقيقية في دفع رواتب الموظفين.

اضطرت الحكومة إلى إرسال مشروع قانون الاقتراض الداخلي والخارجي إلى مجلس النواب لتوفير الغطاء المالي لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين. صوت المجلس على مشروع القانون وأصبح نافذاً، وقد ألزمت المادة (7) من القانون مجلس الوزراء بتقديم برنامج للاصلاح الاقتصادي إلى مجلس النواب خلال فترة لا تتجاوز (60) يوما من تاريخ اقرار القانون.

وعلى ضوء ذلك، وعلى الرغم من أن الحكومة لم تلتزم بالتوقيت المحدد لتقديم الورقة الإصلاحية، جاء تقرير الورقة البيضاء. فما هي خلاصة هذا التقرير؟

تضمن تقرير الورقة البيضاء نحو 96 صفحة وانقسم إلى جزأين: الأول تناول تشخيص المشاكل التي يعاني منها العراق بواقع اكثر من 50 صفحة، والثاني تناول المعالجات. ويفترض التقرير بأن مدة تنفيذ هذه الخطة سيكون من 3-5 سنوات.

أشّر التقرير في الجزء الأول منه الأزمات المالية التي يعاني منها البلد، فقد توقّع بأن صندوق التقاعد سيعاني من العجز بحلول عام 2025.

فيما يتعلق برواتب الموظفين فإن النفقات المقدرة لها تصل إلى 74% من مجموع الإنفاق لعام 2020. كما لاحظ التقرير بأن نفقات الرواتب ارتفعت بين عامي 2004-2020 إلى ما يقرب من 400%. وفيما يتعلق بقضية البطالة والتشغيل، فقد توقّع التقرير بأنه سيدخل سوق العمل حوالي 5 مليون شخص بين عامي 2020-2030.

في ملف الكهرباء الذي يُعد من أعقد الملفات ربط التقرير بين مجانيتها أو شبه مجانيتها التي تقدمها الدولة مع سوء جودتها، وهذا يتناقض مع ما ذكره التقرير بأن دعم الدولة لقطاع الكهرباء يكلف حوالي 15 ترليون دينار سنوياً، وهذا يشير بأن المشكلة ليست في دفع فاتورة الكهرباء لوحدها، وإنما يتعلق بسلوك الفساد وسوء الإدارة لهذا الملف الحيوي. ومن المثير أن التقرير يكشف بأنه في عام 2018 انفقت الأسر العراقية نحو 4 مليارات دولار على خدمات الكهرباء من المولدات الأهلية. والحاجة ستكون متزايدة للكهرباء وللخدمات بشكل عام خصوصاً وإن التقرير يشير بأن عدد سكان العراق سيرتفع إلى 50 مليون نسمة بحلول عام 2030.

عمليات التحرير التي خاضتها القوات المسلحة العراقية ضد تنظيم داعش، والخسائر المادية بالبنية التحتية والممتلكات التي تسبب بها هذا التنظيم قدرها التقرير بنحو 46 مليار دولار، كما يُقدر التقرير كلفة إصلاح هذا الوضع يتطلب ما يقرب من 88 مليار دولار.

وكان لا بد أن يمر التقرير بواحد من أهم الملفات، وهو ملف قطاع النفط، إذ تشير التوقعات بأن أسعار النفط لخام برنت ستصل إلى 44 دولار للربع الأخير من عام 2020. و49 دولار للبرميل الواحد عام 2021. وبهذا لن تتمكن عائدات النفط لعامي 2020-2021 من تغطية مدفوعات الرواتب للموظفين والمتقاعدين. كون الإنفاق قد شهد زيادة واضحة خلال عامي 2019-2020 إذ ارتفع الإنفاق من 40.2 ترليون دينار إلى 64.2 ترليون دينار عراقي. والتي تمثّل 122% من عائدات النفط. بالنتيجة توقّع التقرير بأن موازنات السنوات المقبلة ستشهد عجزاً هائلاً. كما سينتج هذا الوضع تراكماً لديون شركات النفط الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض الانتاج.

بما أن العجز سيكون كبيرا مع عجز مبيعات النفط عن سداد فاتورة رواتب الموظفين، سيكون البنك المركزي العراقي المصدر الوحيد للتحويل النقدي غير المباشر، لأن التقرير يؤكد بأنه لا مساعدات مالية دولية بلا إصلاحات شاملة وقاسية. إلا أن الاعتماد على احتياطي البنك المركزي البالغ 71.3 ترليون دينار سيؤدي إلى أزمة حقيقية في قيمة الدينار العراقي، يصاحبها احتمال انهيار قيمته.لذا سيكون هناك حتمية بتخفيض نسبة فاتورة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 25% إلى 12.5% كما يقترح التقرير، يتزامن ذلك مع تقليل عمليات التوظيف الجديدة والاقتصار على الضرورية جداً منها، وبموافقات استثنائية من الجهات المعنية العليا.

أما في الجزء الثاني من التقرير فقد عرض رؤيته التفصيلية لحل هذه المشاكل والأزمات التي يعاني منها البلد.

فقد أشار التقرير لعدد من الإصلاحات في القطاعات المصرفية والتأمين وسوق الأوراق المالية.

وفي قطاع الصناعة وردت عدد من الإصلاحات، لكن أبرزها خصخصة بعض الشركات العامة الخاسرة، بتحويلها إلى شركات مساهمة مختلطة. أما في القطاع الزراعي والذي حث التقرير على دعمه بشكل كامل، ركّز التقرير على ضرورة إطلاق مستحقات الفلاحين وضرورة حماية المنتج المحلي. وأكد بشكل واضح على دفع المستحقات المتأخر بعد عام 2014 للمقاولين والمستثمرين والفلاحين، وأي مستحقات أخرى للقطاع الخاص.

اقترحت الورقة البيضاء في مجال اصلاح وتطوير القطاع النفطي عددا من الأفكار والمشاريع، وبرزت مسألة ضرورة التفاوض مع الشركات النفطية بما ينسجم مع تطورات الأسواق العالمية. كما أكد التقرير على ضرورة الاهتمام بقطاع الغاز لتحقيق مردودات اقتصادية عالية، ولأجل ذلك اقترحت الورقة تأسيس شركة غاز وطنية.

في مجال تنشيط القطاع الخاص أوصى التقرير بإنشاء برنامج برعاية مكتب رئيس مجلس الوزراء يهدف لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بهدف دعم الخريجين والعاطلين عن العمل، مع تبني استراتيجية وطنية للتعليم والتدريب تربط مخرجات التعليم بالحاجة المستقبلية لسوق العمل. كما سيتزامن ذلك مع تخفيض الدعم عن الشركات العامة بنسبة 30% سنويا ولغاية 2024 حتى تكون ممولة ذاتيا بشكل كامل.

ورد في مجال إصلاح قطاع الكهرباء قضية تدعو للاستغراب، ولم يتم ذكر أي توضيح لها، فقد اقترح التقرير تنفيذ خطة شاملة لـ”استقطاب أصحاب المولدات الأهلية في مشاريع الدولة في مجال إصلاح قطاع الكهرباء، وتحديداً في تشغيل محطات غازية صغيرة“. كما اكد على ضرورة اعتماد العدادات الذكية، في عموم العراق، ويشمل ذلك المناطق التي تم التجاوز عليها من قبل المواطنين. وذكر التقرير إشارات خجولة لضرورة تبني مشروع نصب الطاقة الشمسية، وكذلك تبني مشروع الطاقة النووية كخيار مستقبلي.

لعل هذه النقاط أبرز ما يمكن ذكره في التقرير، كون ما تبقى من التقرير هي إجراءات اعتاد المواطنون سماعهافي برامج الحكومات السابقة، ونودّ في هذا الصدد أن نذكر بعض الملاحظات التي نرى أهميتها. ويمكن أن نوضحها بالنقاط الآتية:

1. تضمنت الورقة البيضاء أفكار نظرية، ولا يوجد أي ذكر لآليات التنفيذ من قبل القطاعات ذات الشأن (قد نرى آليات التطبيق بعد الموافقة عليها من قبل مجلس النواب).
2. يُثار على الورقة سؤالاً حول قابليتها للتطبيق مع التفصيلات التي تحدّثت عنها.
3. الورقة تتحدث عن سقوف زمنية محددة يتجاوز السقف الزمني الذي حددته الحكومة الحالية لنفسها.. وهنا تُثار مخاوف بشأن استمرارية تنفيذيها من قبل الحكومة المقبلة.
4. لم نشهد تحليلاً وافياً لظاهرة الفساد التي يعاني منها البلد.. ولم نرَ أي معالجات لهذا الملف الحيوي الذي ينبغي أن يقف في قمة الاولويات لأي عملية إصلاح. (فلا إصلاح من غير تقويض الفساد).
5. لم يذكر التقرير ضرورة إعادة التفاوض مع أوبك للنظر بحصة العراق المصدرة من النفط.
6. لا توجد أي إشارة في التقرير لقضية الربط السككي مع (الكويت وإيران) وإمكانية أن يعود بمردودات اقتصادية على العراق.
7. هناك إشارة خجولة لميناء الفاو، رغم ما يمتلكه هذا الملف من أهمية على الاقتصاد العراقي.
8. أغفل التقرير ضرورة الحديث عن التعداد السكاني وعلاقته المباشرة بأي عملية تنمية وإصلاح اقتصاديين.
9. تجنّب التقرير الحديث عن المشاكل (المزمنة) مع الإقليم، وتحديداً ما يتعلق بواردات النفط والمنافذ الحدودية وتدقيق أسماء موظفي الإقليم، وتفعيل نظام المحاسبة وغيرها من القضايا المالية والاقتصادية.

5