اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

 

محمد كريم الخاقاني. اكاديمي وباحث في الشأن السياسي.

تعد مواضيع الأمن المائي من المواضيع الإستراتيجية ولها علاقة مباشرة بالأمن القومي بصورة عامة، واصبح مفهوم الأمن المائي يستأثر بأهمية خاصة في الفكر الإستراتيجي وهناك ثمة علاقة مترابطة بين الأمن المائي وبين إستقلال الدول من الناحية السياسية والإقتصادية، ومن هنا نرى بإن الأمن المائي للعراق جزءا لا يتجزأ من الأمن المائي العربي وكذا الحال بالنسبة للأمن المائي في حوض نهر النيل. فمعطيات واقع بناء سدي النهضة الاثيوبي واليسو التركي تتشابه مع بعضها البعض من حيث تحكم  تركيا منبع نهر دجلة واثيوبيا منبع نهر النيل بكميات المياه الواصلة لدول المصب اسفل النهرين، فتركيا بنت سد اليسو على مقربة من حدودها مع العراق لاسباب سياسية وإستخدام ملف المياه كوسيلة ضغط على العراق وتدعي بإن نهري دجلة والفرات هي انهار وطنية داخلية وليست دولية وبالتالي لها الحق في إقامة السدود متى شاءت ومن دون تدخل من قبل اي دولة وعليه فهي ترى بإن بناء سد اليسو وهو ضمن مشروع (الغاب) العملاق شرق الاناضول يتضمن إنشاء اكثر من ٢٢ سدا على نهري دجلة والفرات وروافدهما وهذا ما يتسبب بجفاف متعمد لعدد من الانهار والروافد كما في حالة نهر خابور الفرات او ما يعرف بنهر خابور الحسكة(١)، هو حق داخلي تركي ولا يخضع للقوانين الدولية التي تنضم العلاقة بين الدول حول الانهار المشتركة وهذا ما لا ينطبق على حالة نهر دجلة بالذات، فنهر دجلة نهر ينبع داخل تركيا ويجري فيها لمسافة طويلة ولها حرية الإستفادة من  الثروة المائية وتصديرها للخارج وهي بذلك تعد المياه سلعة إستراتيجية تجارية تباع وتشترى كأي سلعة اخرى(٢)، وعليه فإن النظرة التركية لحوض نهري دجلة والفرات هي حوضا مائيا واحدا وإن الماء الموجود فيهما يعد كافيا لسد إحتياحات الدول المشتركة معها وهي العراق وسوريا وبالتالي تعتقد تركيا بإن عليها إستثمار الماء بصورة يحقق لها اكبر الفوائد المرجوة من بناء السدود، فوجهة النظر التركية الرسمية تعد نهري دجلة والفرات “ثروة قومية خاضعة للسيادة التركية وحدها” فهما نهرين عابرين للحدود وبالتالي ليس هناك قانون يجبرهم على إقتسام ما يسمونه مجاري المياه العابرة للحدود (٣)، ونرى بإن مياه نهر دجلة هي دولية وتشترك ثلاثة دول فيها، وبالتالي فإن اي مشروع مستقبلي لإقامة السدود ومشاريع الموارد المائية ينبغي اخذ موافقة كل الدول المشتركة بمياه النهر وليس لدولة المنبع الإستئثار بمياه النهر دون موافقة بقية الاطراف المشتركة معها، ونفس الحالة كذلك تنطبق على مياه نهر النيل والتعنت الأثيوبي إزاء مياهه الواصلة لدول المصب وهي مصر والسودان، على الرغم من الإتفاقيات الدولية السابقة الموقعة منذ عهد الإستعمار والتي اعطت الحق لمصر في الإستفادة من مياه نهر النيل إلا إن المتابع لتطورات قضية بناء سد النهضة يلحظ بإن اثيوبيا لا تعترف بكل الإتفاقيات الدولية والتي تنظم حقوق دول المصب بالمياه المشتركة، فضلا عن عدم إبلاغ مصر بنية اثيوبيا ببناء السد الذي من دون شك سيؤثر على حصة مصر المائية من نهر النيل الذي سيؤدي الى بوار مساحات كبيرة جدا من الاراضي الصالحة للزراعة فضلا عن تشريد الساكنين على ضفتي النهر وزيادة نسبة التلوث البيئي  فضلا عن تأثر اراضيه الزراعية (٤).

إن بناء السدود الكبيرة على الانهار ليست غاية بل وسيلة وهي بالتأكيد تستلزم تطوير تنمية مستدامة لكل من الإنسان بإعتماده على الموارد المائية وتنمية الزراعة وكذلك للبيئة بالحفاظ عليها ومكافحة آثارها السلبية فضلا عن تكاليفها الباهضة سواء من الناحية الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والتي من دون شك اكبر من منافعها(٥).

وتبرز مشكلات وتحديات إقتصادية عدة تواجه العراق ومصر نتيجة قيام كل من تركيا واثيوبيا ببناء السدود على نهري دجلة والنيل والتي بمجملها تشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي في كلا الدولتين، ومن ابرز تلك المشكلات والتحديات التي تواجه الأمن المائي العربي:

اولاً: مشكلة وتحدي العجز المائي:

يعتمد كل من العراق ومصر  بشكل كلي على المياه المتأتية من خارج حدودهما، وهذا يمثل خطرا حقيقيا بالنسبة لكل منهما، فالعراق يعتمد في تلبية حاجاته من المياه على نهري دجلة والفرات ولكون منابعهما تقع خارج حدوده فهذا يعني عدم إستطاعته التحكم بكميات المياه الواصلة اليه، وتتجلى المشكلة بشكلها الأكبر بعدم توزيع المياه بصورة عادلة نتيجة السياسات المائية التركية المستمرة التي اعطت لنفسها الحق في بناء السدود دون أخذ موافقة العراق على ذلك الأمر خلافا لكل القوانين والاعراف الدولية المتعلقة بطبيعة الانهار الدولية  وهذا ما ادى الى إنخفاض الوراد السنوي لمياه النهر فضلا عن رداءة نوعيته وإزدياد نسبة الاملاح فيه، وكذلك الى تعرض سكانه على جانبي النهر  الذين يعتمدون بشكل رئيس على مياه نهر دجلة في انشطتهم الزراعية وغيرها ناهيك عن مخاطر التلوث البيئي التي تؤثر في نوعية المياه الواصلة وكل ذلك بسبب التوسع التركي بإنشاء المشاريع المائية على نهر دجلة(٦)، وهذه المشاريع العملاقة لإنشاء السدود من قبل تركيا على نهري دجلة والفرات قد تركت آثارها السلبية وتسببت بإحداث خللاً كبيراً في تدفق المياه الى العراق وسوريا مما ادى الى إنخفاض في نسب المياه في الجزء الاسفل من حوض دجلة والفرات وبدوره اسهم ذلك الى هجر اجزاء كبيرة من الاراضي الزراعية فيهما (٧).

ونفس الحال ينسحب على مياه نهر النيل وسعي اثيوبيا الحثيث لبناء سد النهضة دون النظر لحجم الاضرار المتوقعة التي ستصيب مصر جراء ذلك، إذ ستنخفض كمية المياه الواصلة لمصر من نهر النيل بشكل كبير جدا، وتبلغ حصة مصر من مياه نهر النيل  ٥٥.٥مليار متر مكعب سنويا وهي فعليا بحاجة الى ما يقارب ٧٧ مليار متر مكعب سنويا وهو مالا  يتناسب مع الزيادة السكانية وبالتالي ستتعرض الاراضي الزراعية الى الجفاف بسبب النقص في المياه الواردة لمصر(٨).

ثانياً:مشكلة إدارة الموارد المائية:

تنصرف المهام الرئيسة لإدارة الموارد المائية في :تحقيق الموازنة المائية عبر الإعتماد على العرض والطلب على المياه، ودرء الخطر المتوقع عن المياه الفائضة اثناء موسم الامطار والعمل على تخزينها في وقت الجفاف، والعمل على الحفاظ على نوعية المياه من الثلوث، وخلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، شهد العراق تحولا ًفي إدارة موارده المائية، ولقد تمثل هذا التحول في إنشاء العديد من المشاريع الاروائية وترميم المشاريع القديمة من اجل تحقيق إستثمار افضل لمياه نهري دجلة والفرات، ومن اجل تحقيق ذلك الهدف وتأمين حاجات العراق المائية، فقد شرع العراق في إقامة السدود ومنها سدود الهندية والرمادي والقادسية فضلا عن مشاريع الحبانية وقناة الثرثار وسد الموصل(٩).وكان العراق وتركيا قد وقعا معاهدة صداقة وحسن جوار في عام ١٩٤٦ والتي نظمت الإنتفاع من المياه بين الدولتين في إختيار مكان الإنشاءات التي تقام في تركيا والتشاور ونقل المعلومات الخاصة بها وان تخبر تركيا العراق عن مشاريعها التي تنوي القيام بها كالسدود (١٠)، وهو ما ينسحب بالتأكيد على حالة نهر النيل، إذ تعد الإدارة التكاملية من المداخل الرئيسة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية في حوض نهر النيل، وذلك بسبب تنامي الإدراك بعدم تحقيق تلك التنمية من خلال العمل العسكري او اللجوء لإستخدام القوة، بل يتأتى من خلال دعم جهود العمل المشترك والسيطرة على الموارد المائية (١١).

 

ثالثاً:التحديات السياسية للأمن المائي العربي:

إذ ادرك صانع القرار السياسي التركي بإن مستقبل تركيا يكمن في لعب دور سياسي بناءً على مصالحها مع دول الشرق الاوسط وليس مع دول الغرب، فلم تقبل دول الإتحاد الاوربي إنضمام تركيا اليها بحجج كثيرة ولهذا عملت تركيا على تغليب الطابع السياسي في تمرير مشاريعها المائية، فهي لا تريد فقط بناء السدود من اجل توفير الطاقة الكهربائية وري الاراضي الزراعية فحسب، وإنما لأهمية إستخدام ورقة المياه في تحقيق اهدافها مع العراق في هذا الجانب وبالتالي إستخدام تلك الورقة في اي وقت وصولا الى تحقيق الهيمنة في تلك المنطقة المهمة عبر الإستخدام الواعي للأداة المائية (١٢).

اما بخصوص نهر النيل، فقد ادركت اثيوبيا التي تسيطر على ٨٥٪ من مصادر مياه النهر كونها تشكل المنبع الاساسي له بإن بناء سد النهضة على نهر النيل  يعني إيصال رسالة الى مصر مفادها بإنها رافضة لمسألة زيادة حصة مصر المائية من مياه نهر النيل في ضوء الاحصاءات التي تشير الى تزايد حاجة مصر من المياه بمقدار ٢٠ مليار متر مكعب سنوياً، فضلا عن حصتها المقررة اصلاً لها طبقاً للإتفاقية الموقعة بين مصر والسودان عام ١٩٥٩ والتي نسبتها٥، ٥٥ مليار متر مكعب (١٣).

رابعاً: الإتفاقيات والمعاهدات:

تتمسك تركيا بمبدأ السيادة المطلقة على مياه نهري دجلة والفرات التي تجري في اراضيها وتعتقد بإن ما تمررع من مياه النهرين الى العراق وسوريا هو تضحية منها وليس واجباً عليها وبذلك هي ترفض مبدأ القسمة العادلة الخاص بتوزيع المياه وتتمسك بفكرة الإستخدام الأمثل لموارد المياه (١٤)، فعلى الرغم من المعاهدات والإتفاقيات الموقعة بين العراق وتركيا  إلا إننا نلحظ بإن الجانب التركي لم يلتزم بها كما هو الحال في إتفاق عام ١٩٤٧ والمتضمن موافقة تركيا بمراقبة النهرين وتقاسم البيانات ذات الصلة مع العراق، وكذلك الإتفاق بشأن إنشاء لجنة فنية مشتركة بين الطرفين معنية بالمياه الإقليمية عام ١٩٨٠ (١٥)، فلم تعتمد تركيا مبدأ التعاون المشترك بشأن الإستفادة العادلة من مصادر المياه، بل عملت على تحقيق مصالحها الخاصة والإضرار بمناطق اسفل النهر وهي ما اسفرت عن ازمات متكررة تهدد الأمن الغذائي وزيادة هجرة السكان في جانبي النهر فضلاً عن تدهور البيئة والتلوث في تلك المناطق (١٦)، ومن ابرز المعاهدات الموقعة مع الجانب التركي بخصوص نهري دجلة والفرات، معاهدة لوزان في عام ١٩٢٣ والتي الزمت تركيا بوجوب إخطار كل من العراق وسوريا إذا ما رغبت تركيا القيام بأعمال إنشائية على نهري دجلة والفرات، وكذلك المعاهدة العراقية التركية الموقعة عام ١٩٤٦ والتي تنص على إلزام تركيا بإطلاع العراق على خططها بشأن إقامة المنشأت وصيانتها على النهرين (١٧).

وبخصوص سد النهضة، فهنا الحالة تتلخص بإنه على الرغم من المعاهدات والإتفاقيات الموقعة بخصوص تنظيم الإستفادة من نهر النيل وحصة مصر منه ومنها إتفاقية ١٩٢٩،وإتفاقية ١٩٥٩ التي تعطي حصة لمصر بموجبها، إلا إن الجانب الاثيوبي لا يقر بها ويعدها قد وقعت اثناء عهد الإستعمار وبالتالي لا تلزمه بشيء ولابد من تعديل الإتفاق بما يضمن تحكم اثيوبي لمياه نهر النيل كونها تعد دولة منبع له، وهي تعتمد على مبدأ سابق وهو مبدأ هارمون التي تعطي الحق لدولة المنبع  في إستثمار المياه التي تجري في اراضي الدولة دون اي إعتبار للأضرار الناجمة عن ذلك لبقية الدول (١٨).

الهوامش:

١_إسماعيل داود، المفاوض العراقي، سد اليسو وقراءة في إتفاقية إستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام ١٩٩٧،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط١، ٢٠١٧،ص ٢٠.

٢_حامد عبيد حداد، تحديات الأمن المائي للعراق(لحوضي دجلة والفرات)، مجلة دراسات دولية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد ٥١،ص ٩٤.

٣_سطام حسين علوان، توجهات السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية حيال العراق، مجلة دراسات دولية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد ٥١، ٢٠١٧، ص ٨٢.

٤_عصام عبد الشافي، سد النهضة وقضية المياه والأمن القومي المصري، المعهد المصري للدراسات، متوافر على الرابط الإلكتروني الآتي:

الرئيسية

٥_إسماعيل داود، مصدر سبق ذكره، ص ٣٧.

٦_حامد عبيد حداد، مصدر سبق ذكره، ص ٩٩.

٧_مريم طهماسبي، آثار السياسة المائية التركية على نهري دجلة والفرات الحدوديين، مركز البيان للدراسات والتخطيط، حصاد البيان، سلسلة إصدارات مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، ٢٠١٧،ص ١٠٠.

٨_محمد كريم الخاقاني، تأثير سد النهضة على الأمن القومي المصري، مركز البيان للدراسات والتخطيط، سلسلة إصدادات مركز البيان للدراسات والتخطيط ، بغداد، ٢٠٢٠،ص ٤.

٩_حامد عبيد حداد، مصدر سبق ذكره، ص ص ١٠١_١٠٢.

١٠_محمد صبري إبراهيم، الإدارة المتكاملة للموارد المائية المشتركة بين التجارب الدولية وإمكانية التطبيق في حوضي دجلة والفرات، مجلة دراسات سياسية وإستراتيجية، بيت الحكمة، بغداد، العدد ٣٧، ٢٠١٨،ص ١١١.

١١_ ميس سمير صبري، مشكلة المياه في مصر ودول حوض النيل: دراسة حالة سد النهضة، وزارة الخارجية، معهد الخدمة الخارجية، بغداد، ٢٠١٩،ص ٩٢.

١٢_حامدعبيد حداد، مصدر سبق ذكره، ص ص٨٩_٩٠.

١٣_نادية سعد الدين، التغلغل الإقتصادي الإسرائيلي في شرق افريقيا وإنعكاساته على الأمن القومي العربي، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد٢٩٢، ٢٠٠٣،ص ص٤٩_٥٠.

١٤_ حامد عبيد حداد، مصدر سبق ذكره، ص ١٠٢.

١٥_ايمن عبد الكريم الفيصل، شراكة المياه في المجاري المائية الدولية في ضوء القانون الدولي، مركز البيان للدراسات والتخطيط، سلسلة إصدادات مركز البيان للدراسات والتخطيط ، حصاد البيان، بغداد، ٢٠١٨،ص ١٦٦.

١٦_مريم طهماسبي، مصدر سبق ذكره، ص ١٠١.

١٧_حامد عبيد حداد، مصدر سبق ذكره، ص ١٠٣.

١٨_محمد كريم الخاقاني، مصدر سبق ذكره، ص ٤.