اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF

تصطف التحليلات الامنية مع بعضها متراصة ومتضامنة معلنة مسبقا حقيقتين لا يمكن تجاهلهما، الحقيقة الاولى هي ان لا عدو للعراق والعراقيين يمكن ان يرسل انتحاريين ليفجروا انفسهم بالاحزمة الناسفة وسط الناس الا جماعات داعش الارهابية، مما يجعل هذه الطريقة الانتحارية علامة مسجلة باسم الجماعات الارهابية المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش الارهابي. اما الحقيقة الثانية فهي ان الاجهزة الامنية والاستخبارية العراقية مهما تقدمت بكشف الخلايا النائمة واعتقلت من قيادات تنظيم داعش وعناصره ستبقى عاجزة عن كشف هجمات انتحارية اخرى يُخطط لها بنفس عميق ويتم التحضير لها في بيئة مريحة غير متوقعة استخباريا، او تكون متوقعة استخباريا ولكن ما يتوفر من معلومات عنها ما تزال في اطار المعلومة الخام غير المحللة مما يعني تاخر المعالجة ووقوع التفجير الذي يخلف بالضرورة ارتدادات كبييرة كما حصل في تفجير ساحة الطيران.

تاخر داعش عن اعلان مسؤوليته عن التفجير

ولكن الامر المفزع في تفجير ساحة الطيران هو تاخر داعش في اعلان المسؤولية عن التفجير، مما فتح المجال واسعا لمدة عشر ساعات تقريبا لنسج حكايا خيالية عن الجهة المنفذة، وكانت هذه الساعات كافية لخلط الاوراق وتصدير خطاب طائفي مقيت يتقاطع مع الحملة الوطنية للقضاء على داعش وتاثيراته الفكرية والسياسية، ورغم ذلك اعلن داعش عن مسؤوليته عن التفجير الارهابي متخليا عن فائدة كبرى لاستمرار الخلاف حول التفجير، ومن خلط الاوراق والتصعيد الطائفي، وهذا يعني ان داعش تخلى عن كل ذلك مفضلا اعلان مسؤوليته لاثبات وجوده، لقد حرص التنظيم الارهابي على اثبات وجوده متجاوزا مكاسب واسعة محتملة من الممكن ان يحققها عبر اخفاء هوية الجهة التي قامت بالتفجير، وهذا يثبت حاجة التنظيم بقيادة ابو ابراهيم الهاشمي وجهازه العسكري وفريقه التنظيمي الجديد لانتصارات سريعة تثبت قدرة التنظيم على التخطيط لعمليات نوعية وتنفيذها بدقة فائقة وبسيناريوهات مخيفة في ظل تحركات سياسية واحتقانات اجتماعية وبيئة فكرية مربكة تساعد في تعكير الاوضاع العامة.

وبموازاة هذا المؤشر الداعشي لاثبات الوجود وبملازمة تاخر الاعلان عن المسؤولية يبرز مؤشر اخر وهو ان التنظيم عاد من جديد للعمل بمخطط “لا مركزية التنفيذ” الذي مارسه خلال الاعوام ما قبل 2014 والذي يرتكز على قيام المفارز الامنية المكونة من اربعة اشخاص او خمسة (قائد ومجهز وجندي وناقل) بالتخطيط والتنفيذ بدون الرجوع للقيادة العليا في التنظيم، ولذلك يتاخر الاعلان عن المسؤولية المركزية لحين التأكد من صحة العملية لان القيادات العليا التي ترسم الاستراتيجيات الارهابية لا تعرف بتفاصيل العملية.

وهذا الاسلوب سيصعب ملاحقة المفارز وايقاف عملياتها من قبل الاجهزة الامنية والاستخبارية بسبب عدم معرفة المفارز الاخرى وحتى القيادات العليا بعمل المفارز المحفزة او النشطة، ويبقى الرابط الوحيد بين قيادة التنظيم والمفرزة الداعشية هو الدفعة المالية التي تسلم قبل اشهر من التخطيط والتنفيذ لتجهيز العملية وفي غضون ذلك تكون المفرزة قد ضيعت الاثر بين الممول والمنفذ وبدأت باعداد العملية الانتحارية في بيئة مريحة، وخلال مدة زمنية طويلة.

لكن قلة عدد التفجيرات الانتحارية، بل انعدامها في بغداد على مدى العامين الماضيين تقريبا، يوحي بان عدد المفارز الداعشية المكلفة بالهجمات الانتحارية قليل جدا، وبعضها يلقى القبض عليه قبل تنفيذه الهجمة الانتحارية، وهذا ما يدعو الى تكثيف الجهد الاستخباري لقطع الطريق تماما على اي هجمات جديدة.

قتل واعتقال قيادات كبيرة

منذ اشهر صرحت قيادات في الوزارات الامنية بان العاصمة بغداد أمنة ولن يطالها الارهاب من جديد، وبالخصوص تنفيذ هجمات بالاحزمة الناسفة، رغم تهديد قيادات داعش من خلال اصدارات جديدة كاصدار “ضرب الرقاب” بضرب اهداف جديدة تاكيدا لاسلوب القيادة الجديدة برئاسة ابو ابراهيم الهاشمي الذي يسعى الى اثبات وجوده والرد على العمليات الناجحة للقوات الامنية خلال المواجهات المباشرة في ديالى وصلاح الدين وكركوك، ومع ان التنظيم الارهابي قام بعدة تعرضات ضد القوات الامنية والحشد الشعبي الا ان ذلك لم يكن كافيا لرد اعتبار التنظيم الذي يفقد باستمرار جهود قياداته العليا فقد خسر التنظيم على الاقل اربع قيادات بينهم “ابو نبأ” المسؤول الاداري والمالي الذي اعتقلته القوات الامنية في مطار بغداد، ومقتل مفتي التنظيم في بغداد، لقد ادرك التنظيم الارهابي بان مقتل واعتقال القيادات العليا وامراء ومسؤولي القواطع وعرقلة عمل المفارز الامنية سيؤدي الى اضمحلال التنظيم وتشرذمه وربما الى اعلان انشقاقات جديدة وبروز حالات عصيان على خلفية ضعف القيادة، لذلك جاءت عملية ساحة الطيران لتنعش امال التنظيم وتؤكد عدم خلو جعبة داعش من المفاجأت، ومن طبيعة التفجير المحكم يبدو ان فرضية “التسهيل” لهذه العملية النوعية المخيفة فرضية مقبولة بقوة، فالاجهزة الامنية بمختلف صنوفها تؤكد باستمرار بعدم امكانية داعش من القيام بعمليات نوعية كتفجير الاحزمة الناسفة، مما يعني ان التنظيم الارهابي قد وظف كل امكانياته المالية وعلاقاته الداخلية والخارجية ليضرب ضربته الكبرى متوخيا ايقاع اكبر قدر ممكن من الضحايا ليستفيد من حالة الارباك التي ستتركها العملية المفجعة وليولد ضغطا على الحكومة العراقية التي تعلن بين فترة واخرى عن قتل واعتقال قيادات مهمة من داعش وتحرز تقدما في كشف الخلايا النائمة وعرقلة المفارز الامنية واحباط هجمات في مناطق مختلفة.

خلل كبير في الاجهزة الامنية

يعلم الكثير من المراقبين الامنيين بان خللا مزمنا مستقرا في بنية الاجهزة الامنية يتملص دائما ليعطل تنفيذ الخطط الامنية، وهذا الخلل يتمظهر باشكال مختلفة الا ان مصدر واحد وهو الخلل الطائفي والفئوي، فالمسؤول الامني السني تؤثر على قراراته وتحركاته الجماعات الارهابية او القيادات المتطرفة في الاحزاب السياسية وحتى بعض الزعامات العشائرية، اما المسؤول الامني الشيعي فتؤثر في قراراته وخياراته المجموعات المليشياوية، وهذا الخضوع من قبل المسؤولين الامنيين يوقع الاجهزة الامنية في اخطاء كارثية حيث يعمل المسؤول الامني الكبير تحت تاثيرات تتنافى مع الاوامر التي يتلقاها من مرجعياته الامنية، وهذا ما جعل الكاظمي يقوم بالتغييرات الامنية والاستخبارية بعد تفجير ساحة الطيران، لانه كان مطلعا على هذه الحقيقة المزعجة التي تسهل مهمة الارهابيين وتجعل امن المواطنين لعبة بيد اصحاب الاجندات الطائفية والفئوية، وهذا المسار سيقوي بالضرورة التزاحم الاقليمي والدولي مما يعطي الضوء الاخضر لاستغلال الثغرة الامنية للتدخل بالشؤون العراقية.

ان التدخل في قرارات الكاظمي التي قام بها لعزل بعض القيادات الامنية وتعيين قيادات امنية اخرى كان سببها هذا الخلل المزمن، بل وحتى اعلان بعض الجهات المسلحة عن استراتيجية الردع سببه الخلل المزمن المتقوقع في المنظومة الامنية، بل حتى ازمة الخلل الاستخباري والفراغ المعلوماتي سببها ليس تفوق اساليب داعش الهجومية بل سببها خضوع المسؤولين الامنيين للاجندات الطائفية والفئوية والانبطاح امام التهديدات المليشياوية والمشاركة بتنضيج مسارات التزاحمات الاقليمية والدولية.

خلاصة

ان الجهد العسكري والامني الذي قامت به القوات المسلحة بشقيها العسكري والامني خلال الاشهر الماضية، والتعاون الذي ابداه التحالف الدولي من خلال الضربات الجوية، حقق نتائج ايجابية ومكاسب ميدانية كبيرة، فمعارك وادي الشاي في كركوك والتي قتل فيها القيادي الداعشي والارهابي الكبير ابو ياسر العيساوي كانت ضربة قاصمة للتنظيم، وحققت هدفين مهمين ، الاول : تصفية القيادات والعناصر التي تسيطر على مسارات تمويل العمليات المفرزية المسؤولة عن الانتحاريين، والثاني : تحرير اماكن من سيطرة التنظيم الارهابي، واستتبع هذا الجهد الكبير القضاء على الارهابي العتي ابو حسن الغريباوي (جبار علي فياض) حيث كان هذا الارهابي بالاضافة الى مهامه القيادية مسؤولاً عن المخابئ التي يستقر فيها عناصر المفارز الامنية التي تخطط وتنفذ الهجمات الانتحارية، واذا صح بان الغريباوي هو عراب عملية ساحة الطيران فان مقتله مكسب كبير لاستقرار الوضع الامني.

وفي ما يخص التغييرات الامنية التي اجراها القائد العام للقوات المسلحة فان تاثيرها سيكون محدودا خلال الاشهر القليلة القادمة بسبب عدم وضوح النوايا والاهداف الحقيقية من التغييرات فيما عدا الاسلوب الروتيني المتعلق بمحاسبة المقصرين وهو امر يحتاج الى المزيد من التحقيق.