اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة الـ PDF

دكتور محمد نعناع

مقدمة – التهدئة والمواجهة

“التهدئة هي الاسم الحركي للعجز العسكري” هكذا ينظر قادة كبار حسموا المعارك عن طريق المواجهة المباشرة مع من يقف في طريق تقوية حكومتهم ، هكذا كان يفكر ماركوس اوريليوس والاسكندر المقدوني وعبد الملك بن مروان وسليمان القانوني، واخرين..، لكن بابا الفاتيكان المثير للجدل الكسندر السادس بورجيا كان اكثر الذين انتصروا في معارك لم يخضها مباشرة، كدخول الجيش الفرنسي بقيادة الملك شارل الى روما محتلا لها والخروج منها خاضعا لسلطة البابا ومباركا لخوض معارك تحالفية تحت التاج البابوي، وهكذا تعامل الاب المقدس مع اغلب الممالك والامارات التي تحيط بروما ومنها التهدئة الانتهازية مع فلورنسا التي كان يديرها فعليا نيقولو ميكافيلي باسم عائلة ميديتشي، اذن لدينا نظريتان في المواجهة، احداهما : المواجهة المباشرة باستخدام السلاح لاخضاع الخصم الذي يمنع تقوية الدولة، وثانيهما : نظرية الاستنزاف التي تركز على الضربات الخاطفة تحت الحزام، وعلى العمليات النفسية المصاحبة لمتواليات دعائية تستهدف استقطاب الجماهير لمشروع الدولة ليحل محل مشروع الفاعلين غير الحكوميين الذين ايضا يتمعتون بمسار استقطابي من نوع اخر قد يكون قائم على الولاء العقائدي او الايديولوجي او النفعي.

صداع الحاضنات المزمن  

وبقدر ما للتهدئة المقترنة برفع مستوى الاحتياطات تحسبا لاختراقات بنيوية لجسد الدولة فائدة كبرى كرضا عامة الناس ورجال الاعمال على الحكومة لمنحهم الاستقرار والطمأنينة ، فان للتهدئة وجه اخر تستغله الجماعات المنفلتة لتسيير عملياتها تحت جنح الليل محمية بغطاء عقائدي وحاضنة اجتماعية مقتنعة بافعالها ومبادرة لدعمها. وهنا يتحول الاستنزاف الى استنزاف معاكس تفقد الدولة بسببه هيبتها وقدرتها وتصبح في قفص اتهام خانق وهو قفص التقصير والقصور عن تادية مهامها، وذلك سيؤدي الى استنزافها على كافة الاصعدة لا سيما خسارتها لرصيدها من الدعم الشعبي.

الردع المتذبذب

وفي مسالة مواجهة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي للجماعات المسلحة التي تنفذ مشروعها الخاص خارج اطار الدستور والقوانين النافذة، بل حتى فوق حسابات التفاهمات السياسية يبرز عنصر المبادرة المفضي الى حسم لعبة المغالبة كعنصر حاسم واحيانا “لحظي” لصياغة معادلة “التفوق المرحلي”، فهذه الجماعات المسلحة تستهدف المواقع الاجنبية الدولية التي تلتحف بغطاء المؤسسات الوطنية كمطار بغداد والقواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية، فتسعى الحكومة باجهزتها الامنية والاستخبارية الى كشف منصات الصواريخ قبل انطلاقها لتحقق هدفين :_الاول: قدرتها على مواجهة اساليب الجماعات المسلحة ميدانيا وتتفوق عليها استخباريا، والثاني: ارسال رسائل الى المعنيين بانها تواجه هذه الجماعات وهي غير ساكتة على تحركاتها مهما تعددت استهدافاتها.

ومع ان عملية ابطال اطلاق القذائف الصاروخية تصيب مرة وتخيب اخرى ، الا ان لعبة الاستنزاف في صالح الحكومة حتى الان، لانها تمثل المسار الرسمي والخيار القانوني للدولة نائية بنفسها عن الصراعات الاقليمية والدولية، وعلى الطرف الاخر تمثل الجماعات المسلحة خط التمثيل العقائدي للشعب الذي يرفض الهيمنة الخارجية الاجنبية، وتظهر هذه الجماعات تهاون الحكومة العراقية في حسم هذه الهيمنة رغم اضرارها بالسيادة الوطنية وتعكيرها لعلاقات الجوار العراقي، غير ان هذا المسار الذي تدعيه الجماعات المسلحة مخترم اصلا بلحاظ تحركات وخطابات ومواقف المرجعية الدينية في النجف الاشرف التي تركز على تقوية الدولة وانها الوحيدة التي يجب ان تدير الملفات السياسية والامنية والخدمية لانها تمثل الشعب وهي التي تصنع الاستقرار للجميع بدون صياغة تفضيلات خاصة او خلق قناعات متباينة تخدم مشاريع خارجية.

مركز قوى واحد فوق الجميع

لماذا يجب مواجهة الجماعات المسلحة؟ وهل المواجهة والصدام حتميان واقعان لا محالة؟ ام بالامكان صياغة مسار وطني يجمع الحكومة والجماعات المسلحة لتقوية الدولة وخدمة المواطنين بغض النظر عن انتمائاتهم؟

بشكل عام لابد ان تنتظم جميع الفعاليات السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية بيد الحكومة ، وفي الوقت تتعاظم الحاجة الى وجود مركز قوى واحد يتحكم في مسارات الاستقرار والاستقلال، وفي حالة وجود وسط متعدد ناقل للاختلافات بكل انواعها ، ووجود جماعات مسلحة تعمل على اصطباغ هذا الوسط بصبغة واحدة ستخلق بالضرورة فوضى متنقلة لا تستقر في مكان واحد او تعالج بنوع واحد من العلاجات العميقة او المرحلية، بمعنى اخر هذه المواجهة مع مركز القوى الذي يجب ان يتحكم في الامور ستخلق في اطار معادلة لا تختلف ولا تتخلف تتشابه مقدماتها مع نتائجها وسيكون حتميا على مركز القوى وهو الحكومة مواجهة من يريد ان يسلب قراره للتحكم بما هو حق له، وهذا ما يحدث الان ، الجماعات المسلحة تستهدف الوجود الاجنبي الذي يعول على دور حكومي لايقاف هذه الاستهدافات متهما من يقوم بها بانهم امتداد لمشروع خارجي، ومما يقوي الاتهامات الاجنبية لهذه القوى هو عدم محاولتها التنسيق مع الحكومة في عملية اجلاء واسع للوجود الاجنبي المتهم هو الاخر بانتهاك السيادة العراقية وعدم احترام خيارات الحكومة، لكن هذا الاصطدام الحتمي الذي يصفه كثير من الخبراء بانه واقع لا محاله سيفرض على الحكومة اختيار طرفها الذي تقف معه وستختار من يقوي دورها ويلبي احتياجاتها، هكذا ينظر الكاظمي لمسار الاحداث، وهكذا يدعوه فريقه الاستشاري للتفكير، لذلك تراهم يمهدون ضمن حملة اعلامية منسقة الى اعادة صياغة ادراك العراق لوجوده ضمن البيئة الاقليمية والدولية.

موقف القوى السياسية الشيعية

وبناءً على ذلك فان الحكومة والجماعات المسلحة لن يتوصلا الى انسجام او توافق على دور وطني ويجتمعان على طاولة واحدة لمواجهة التحديات الراهنة، فماذا سيكون موقف الاطراف السياسية التي ترتبط مع هذه الجماعات المسلحة؟

لقد تحولت القوى السياسية الشيعية خلال اقل من عام من داعمٍ وحامٍ لمنصب رئيس الوزراء الى منتقدٍ ومهددٍ ومبتزٍ وبالتحديد مع الكاظمي الذي شحذت كل السيوف للوقوف بوجهه بسبب موقفه من الجماعات المسلحة التي وجدت نفسها مهددة بعمليات مداهمة تستهدف تطويق تحركاتها وافشال دورها في مشروع الممانعة الدولي مما يعني حصول فجوة في الجغرافيا والديموغرافيا الممتدة من طهران الى بيروت مرورا ببغداد ودمشق.

في مسألة الانتخابات التي ينبغي ان تكون مبكرة وقعت القوى السياسية الشيعية في كماشة خلقت لها وضع محرج لا تحسد عليه، فلا هي مع اجراء الانتخابات بسبب المناخ الشعبي الناقم الذي شوه صورتها واسقط سمعتها، ولا هي مع ابقاء الكاظمي الذي يستهدف تقويض سلطتها والحط من منزلتها واظهارها امام الراي العام العراقي والدولي عبارة عن كتل فاسدة وفاشلة تخاف من فتح ملفات فسادها ومطاردة مسؤوليها الفاشلين الذين ترفع صورهم يوميا في ساحات الاحتجاج ممهورة بعلامات الاستنكار وموصوفة بشعارات الفشل والخراب، اصبحت الجماهير كالبحر امامهم والكاظمي كالسيل من خلفهم، ويبدو بسبب هذه المعادلة يفضل مصطفى الكاظمي عدم المواجهة لانه يظن ان الاستنزاف في صالحه، فهو يرى ان تغطية هذه القوى لنفسها بعباءة الحشد الشعبي المبارك لن يستمر طويلا وان ما يسمى “الاصلاح النشوئي- evolutionary security sector reform” للحشد الشعبي والمنظومة الامنية قادم لا محالة ويبدو انه مدعوما داخليا وخارجيا، فالخطوات لابد ان تسير باتجاه كسب الشارع العراقي عن طريق تلبية مطالبه وتقديم ما يلزم من الخدمات وما يتيسر من الاحتياجات الضرورية، وكذلك كسب القوى السياسية الوطنية للحفاظ على غطاء سياسي وبرلماني ان لم نقل يدعم فلا يعرقل التحركات التي تقوض سلطة وسيطرة ونفوذ الجماعات المسلحة ومشايعيها ومتابعييها والمرتبطين بها سياسيا وعقائديا.

الامتحان العسير قبيل الاستحقاق الانتخابي

ارسل الكاظمي رسالة واضحة للشعب ولمراكز القوى المختلفة بان هذه الجماعات تتحكم باقتصادكم لذلك ساوقف تحكمها بالسيطرة على المنافذ والموانئ، وسافصل بينها وبين حاضناتها العشائرية واخمد نار حراباتها، واواجهها بالبروباغاندا نفسها التي تستغل الناس من خلالها.

السؤال هنا الى اي مدى سيحقق الكاظمي نتائج متقدمة في امتحانات المواجهة العسيرة قبيل الانتخابات ليخلق مناخا داعما لقراراته الاعمق والاهم؟ قرارات تطبق بحذافيرها بسرعة البرق بدون تحريف مضامينها او تسويف تطبيق اجزاء منها على طريقة “ما يخلونه يشتغل” تلك الاسطوانة المشروخة المزعجة التي مل الناس من سماعها؟!

بيد الكاظمي اوراق قوة كثيرة للاستمرار بنفس طريقة المواجهة ، طريقة الضرب غير المباشر، وقد تكون طريقة محدودة النتائج على المستوى القريب، لكن قد تتعاظم هذه النتائج متعاضدة مع اخطاء فادحة تقوم بها هذه الجماعات المسلحة التي اصبحت اخطاؤها كثيرة وزلاتها معروفة ويعمل فريق الكاظمي الاعلامي على تضخيمها ضمن استراتيجية اظهار الجماعات المسلحة كمعتدية كما جرى في عملية استهداف قوات عراقية خلال استهدافات المقرات والارتال الامريكية، وهذا ما سيجلب الدعم او التعاطف مع حكومة الكاظمي داخليا عبر الدعوة الى منع اي استهداف للقوات العراقية ، وخارجيا بوصف حكومة الكاظمي تعاني من تهديد من جماعات خارجة عن القانون ويجب الوقوف معها وهذا ما صاغته النخب الامريكية اثناء زيارة الكاظمي لواشنطن حيث دعت الى دعم حكومة الكاظمي وعدم الضغط عليها لانها في موقف صعب وتؤدي ما تستطيع لوقف تحركات الخارجين على القانون، وتعدى هذا الموقف الى عدم الاصرار على تلقين الكاظمي حول وضع الحشد الشعبي والمطالبة بحله او نزع سلاحه بل الاكتفاء بترتيب اوضاعه بما يلائم القانون والحاجة لخدماته، وان المطلوب تحييد الجماعات التي تسيطر عليه او تستغل سمعته الحسنة ، فهو قوة متميزة كان لها شرف الانتصار على تنظيم داعش الاجرامي.

الاغتيالات والاحتجاجات والمرجعية

وبامكان الكاظمي ايضا التركيز على مطالب المرجعية بكشف المتسببين بقتل المتظاهرين والناشطين والمحللين، والاخذ بهذا المسار قانونيا وتحقيقيا سيوفر للكاظمي ضغطا مناسبا على الجماعات المسلحة، فقد تحول ملف الاغتيالات من اتهام الحكومة الى اتهام الجماعات المسلحة، فسابقا وخصوصا في فترة الصراع الطائفي ووصولا لقمع الاحتجاجات كانت السلطة هي المتهمة بالتصفيات والاغتيالات، والان اصبحت الحكومة والمقربين منها هم المستهدفون بهذه الاغتيالات السياسية، بالاضافة الى استهداف قوى الاحتجاج التي تحمل مشروعا مغايرا لمشروع الجماعات المسلحة.

قرارات دولية تؤثر على الخيارات العراقية

واخيرا.. يبقى الهاجس الاكبر والملف الاعمق الذي لا يستطيع لا الكاظمي ولا اي زعيم اخر التحكم بمساراته هو حالة الاستنزاف الدولي التي تتجاوز قدرات الكاظمي والدولة العراقية باكملها حاليا، وبالنسبة لواشنطن فان الجماعات المسلحة في العراق ليست اولوية بلحاظ الداخل العراقي،بل هي اولوية في مواجهة ايران في العراق وسوريا ولبنان من اجل استنزافها، لان امريكا تستنزف ايران عن طريق الانفاق على هذه الجماعات المسلحة، فقرار واشنطن بلحاظ طهران سيؤثر في حسابات العراق الداخلية حتما وبدون اخذ اي اذن بكيفية تطبيق هذا القرار كما جرى في حادثة استهداف سليماني والمهندس، وكذلك عمليات وتحركات طهران ضد واشنطن في العراق وسوريا ولبنان حتما لن تضع بعين الاعتبار موقف الحكومة العراقية كما جرى باستهداف قاعدة عين الاسد، ولكن يبقى ترتيب الجبهة الداخلية وانسجام القوى الوطنية وتقوية مؤسسات الدولة امرا مطلوبا بل ملحا للوصول الى مستوى من القدرة الرادعة والقوة المانعة من اجل عراق مستقل يملك قراره بيده.