مآلات الكيانات السياسية على ضوء قانون الانتخابات الجديد: التيار الصدري

يشير محتوى التيار الصدري، الى عدة مكونات، بعضها تمثل المركز في فعلهِ وحركته، وأخرى هي أجزاء منفعلة بهذا المركز.

ويأتي في مقدمة هذه المكونات ، مكانة السيد مقتدى الصدر الذي يتحكم بمواقف التيار وتوجهاته، إذ أستمد هذه القدرة من مرجعية والده السيد محمد صادق الصدر، والتي صِيغت من خلالها توجه اجتماعي شعبي، يمتد من وسط العراق الى جنوبه، لقد برز حضور السيد مقتدى وتياره بعد 2003 كطرف يمتلك الأتباع والقوة المسلحة، كما  يمثل جناحه العسكري الركيزة الثانية في مكونات التيار، حيث بات ينتج وجوهاً دخلت العمل السياسي، اذ جاء اشتراكهم فيه  بسبب ما كسبوه من رصيدٍ معنوي، خلال عملهم في الجانب العسكري، ولذلك زاد من أحقيتهم  في المساهمة بالانتخابات البرلمانيّة.

ربما نحتاج الى أن نتأمل دلالة التيار سياسياً واجتماعياً، إذ معنى التيار يقاربُ الدلالة اللغويّة للنزعة التي تظهر ضمن مرحلة معينة، ثم تتحول الى شيءٍ آخر، وهذا لا ينطبق على التيار الصدري، لأنهُ أمتلك الاستمراريّة والتأثير على مجملِ الوضعِ السياسي، ولذلك ينطبقُ عليه وصف الحركة الاجتماعيّة التي لها تمثيلٌ سياسي، ولكن هذه الحركة لا تقوم على قواعدِ عملٍ سياسيٍّ مكتوبة، بل هي تعتمد على مبدأ التعبئة المرتبطة بالسيد مقتدى وما ينتجهُ من فعلٍ وقول، إن خطابَ السيد مقتدى يحوي مفردات اِستمدها من مرحلةِ مرجعيّةِ السيد الصدر الثاني، بعد ذلك أضاف لها تغيير 2003 بعض المفردات “المحتل ، الفساد ، الظالم …..الخ” ، اعتمد التيار الصدري على تراتبيّةٍ شبهِ دائمةٍ هي زعامة السيد مقتدى الصدر ومكتبهِ الخاص ثم الهيأة السياسيّة، ويأتي من بعدهما الكتلة البرلمانية، كيف يمكن لنا أن نُشخصَ قوة التيار وقدرتهِ على الفعل والمشاركة في أغلب أزمات التي ظهرت بعد 2003 ؟ ، يذهب من يلاحظ حركة التيار أن منبعَ قوتهِ يأتي من سعةِ جماهيره، والتزام أتباعهِ بما يحددهُ السيد مقتدى الصدر، أعطت هاتان السِّمتان للتيارِ زخماً كبيراً.

وحين نضع معيار الربح والخسارة، لما مرَّ بهِ التيار الصدري منذ 2003 ولغاية الآن، نجدُ أن تحولات التيار وإعادة تشكيل معالمهِ عن طريق حركة السيد مقتدى الصدر، قد قللت من عوامل الخسارة لحسابِ الربح، استخدام معيار الربح والخسارة لا يخضع هنا لضوابط قيميّة، وإنما لما يجري في الواقع السياسي، يبقى عامل الخسارة مرتبطاً بعلاقةِ التيار بالمجتمع العراقي ورؤيتهِ للتيار وما يقومُ بهِ من دورٍ اجتماعيٍّ وسياسي، إن مفتاح فهم ما يسعى إليهِ التيار، يبقى متعلقاً بشخصيةِ قائدهِ وكيف يتعامل مع النظام السياسي مشاركاً ومعارضاً، ولذلك الجمع بين اثنين من معنيّين متناقضين “المشاركة – المعارضة ” حولتْ  التيار الى ظاهرةٍ سياسيّةٍ يتفردُ بهذه الميزة.

دخل التيار الصدري العملية السياسية منذ 2006 ، وتوالت بعد ذلك مشاركاتِه بها ليكون محوراً واضحاً في أغلب الترتيبات الحكومية بعد كل الانتخابات التي جرت منذ 2006 ولغاية الآن، التعرف على التيار الصدري باعتبارهِ كيان السياسي، ابتداءً من 2003 ولغاية الآن، يجعلنا ننتبه الى  ثبات هذا الكيان، ، وينبع ثبات التيار الصدري من عدة سمات، منها رمزية من يديرهُ والأرث الذي حصل عليه من مرجعية السيد محمد صادق الصدر، سنحاول في هذه الورقة البحثيّة، التعرف على التيار الصدري باعتبارهِ كيان سياسي، يمتلكُ مقوماتٍ تميزهُ، ابتداءً من 2003 ولغاية الآن،  إذ نلاحظ ثبات هذا الكيان، لا بل نموه، فقد ازداد عدد مؤيديه، وبالتالي عدد ممثليهِ في مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية، فعلى الرغم من تشظي  بقيّة الكيانات السياسية الأخرى الى عدةِ كيانات، يمتازُ التيار الصدري بالثبات والتماسك، ولإثباتِ هذا الاستنتاج سنستعرضُ مشاركات التيار في الانتخابات النيابية التي عُقدت في العراق في السنوات 2006 و 2010 و 2014 و 2018 على التوالي وكما يلي: –

اولاً: انتخابات 2006 – 2010

شارك التيار الصدري في هذه الانتخابات، بعنوان الكتلة الصدرية ضمن الائتلاف العراقي الموحد، وحصل على (28) مقعداً، من عدد المقاعد الكلي التي حصل عليها الائتلاف البالغة (128) مقعداً، بالإضافة الى (2) مقعد، حصلت عليها كتلة رساليون، ليصبح عدد أعضاء التيار الصدري في مجلس النواب (30) مقعداً، وكان العدد الكلي لمقاعد مجلس النواب (275)، أي انه حصل على ما نسبته (22.66) من مقاعد الائتلاف،  وبنسبة (10.91%) من العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب، وقد اعتمد في هذه الانتخابات نظام التمثيل النسبي بدوائر متعددة على مستوى المحافظة وبقوائم مغلقة، مع جواز الترشح الفردي، وتم توزيع المقاعد التي حصل عليها الائتلاف بحسب الاتفاق بين الأحزاب على عدد المرشحين وترتيبهم في القائمة، لذا لم يكن بالإمكان معرفة حجم كل حزب من الأصوات على نحو الدقة أو الاحتمال.

ثانياً: – انتخابات 2010 – 2014

في هذه الانتخابات، دخل التيار الصدري تحت عنوان تيار الأحرار، وضمن الائتلاف الوطني العراقي، وحصل في هذه الانتخابات على (35) مقعداً، من أصل عدد مقاعد مجلس النواب البالغة (325) مقعداً، أي حصل على ما نسبته (10.77%) من العدد الكلي لمقاعد المجلس، وحصل على أصوات تقدر بحدودِ (550000) ناخب، في عموم العراق، يتضحُ من هذه النسبة وعدد الأصوات التي حصل عليها التيار الصدري، إنه حافظَ على تمثيلهِ في مجلس النواب، ولكن بفارقٍ بسيطٍ أقل عن الدورة النيابية السابقة، والتي لا يمكن قياس قوة التيار بها، لأننا قلنا أنها لم تعتمد على القاعدة الجماهيرية، وأنما كانت نتيجة اتفاق بين الكتل، التي شكلتْ الائتلاف العراقي الموحد. وقد اعتمد في هذه الانتخابات أيضاً نظام التمثيل النسبي بدوائر متعددة على مستوى المحافظة، ولكن هذه المرة بقائمةٍ مفتوحة، تتيحُ للناخبين الاختيار بين المرشحين، وبسببِ تماسكِ التيار، استطاع توزيع ناخبيهِ على مرشحيهِ بشكلٍ ممتاز، مكّنهُ من حصدِ أكبرِ عددٍ ممكن، من المقاعد التي حصل عليها الائتلاف، وبما يعادل نصف عدد مقاعده، ورغم مشاركة سبعة كيانات حزبية.

 

ثالثا: – انتخابات مجالس المحافظات 2013 – 2019

ذكرنا أعلاه، إننا سنتكلم عن مشاركات التيار الصدري في الانتخابات النيابية، ولكن لأهمية هذه الانتخابات المحلية، كونها المرة الأولى التي سيدخل فيها التيار الصدري الإنتخابات منفرداً، أي دون الانخراطِ في قوائم ائتلافية، فقد دخل الانتخابات مفرداً في عشرة محافظات، ومؤتلفاً في محافظتين فقط، هما ديالى وصلاح الدين، وتأتي أهمية هذه الانتخابات لأنها كشفت عن الوجود الحقيقي للتيار الصدري، حيث شارك بثلاث قوائم هي، ائتلاف الاحرار والنخب الوطنية المستقلة وتجمع الشراكة الوطنية، وحصل على (56) مقعداً في عموم المحافظات، التي شارك فيها من أصل (447) مقعداً في أربعة عشرة محافظة فقط، أي ما عدا محافظة كركوك ومحافظات إقليم كردستان، وحصل على أصوات تقدر بـ (900000) صوت، اعتمد في هذه الانتخابات نظام التمثيل النسبي بقائمة مفتوحة واعتمدت المحافظة دائرة انتخابية واحدة.

رابعاً: – انتخابات 2014 – 2018

دخل التيار الصدري هذه الانتخابات تحت عنوان ائتلاف الأحرار، وبشكلٍ منفرد، أي أنهُ لم يأتلف مع أي قائمة أخرى، كانت هذه الانتخابات مهمة جداً، كونها كانت الكاشف الحقيقي عن قدرةِ وحجمِ التيار الصدري الانتخابي، في هذه الانتخابات حصل إئتلاف الاحرار على (34) مقعداً نيابياً، من أصل (328) نائباً، أي حصل على ما نسبته (10.37%) من العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب، وكان عدد أصوات ناخبيه تقدر بـ (1150000) صوت، أكدت هذه الأرقام ما أثارتهُ الكتل السياسية بشأن استحواذ التيار على اغلب مقاعد الائتلاف الوطني العراقي في الانتخابات النيابية في 2010 ، بسبب قدرتهِ الكبيرة في السيطرةِ على قاعدتهِ الجماهيرية، وتوجيهها بالطريقة التي تنسجم مع آلية توزيع المقاعد في الانتخابات، وبالتالي حصوله على أكثر من استحقاقهِ الانتخابي، على الرغم من تضاعف عدد ناخبيه، في هذه الدورة مقارنةً بالدورة النيابية السابقة.

خامساً: – انتخابات 2018 – 2022

دخل التيار الصدري في هذه الانتخابات، ضمن ” تحالف سائرون نحو الإصلاح ” وضم هذا التحالف، حزب الاستقامة الوطني الذي يمثل التيار الصدري والحزب الشيوعي، بالإضافة الى أحزابٍ أخرى ذات صبغة مدنية علمانية، حصل تحالف سائرون في هذه الانتخابات على (54) مقعداً نيابياً من اصل (329) مقعد، وحصل الحزب الشيوعي على مقعدين فقط، أي أن حصة التيار الصدري كانت (52) مقعداً، وحصل على (1500000) صوت، وبذلك تكون نسبة ما حصل عليه التيار من العدد الكلي لمقاعد المجلس النيابي هي (15.8%) أي بزيادة (5.47%) عن انتخابات الدورة السابقة (2014 – 2018)، وفي الحقيقة هذه زيادة كبيرة جداً في عدد المقاعد، وفي عدد الأصوات التي زادتْ بحدودِ النصف مليون ناخب، هذه النتائج تفصحُ بشكلٍ قاطعٍ لا يقبلُ التأويل، أن التيار الصدري أصبح جماعةً متماسكةً جداً، أعدادها قابلةً للزيادة، بشكلٍ كبير، كون أتباعها ينتشرون في المناطق الفقيرة ذات النمو السكاني الكبير، مما يعني أن التيار الصدري ما زال في تطورٍ وتقدمٍ على المستوى السياسي، ولهُ القدرة على حصدِ العددِ الأكبرِ من مقاعد المجلس النيابي، ليصبح الكيان السياسي الأكبر وبلا منازع، كما نستطيع القول نتيجةً لتماسك هذا التيار ولانصياع الجماهير لقادتها، فأنه قادرٌ على النجاح حتى لو تم تغيير النظام الانتخابي، من النظام النسبي الى نظام الأغلبية، واعتماد الدوائر أحادية التمثيل، بدلاً عن المحافظة.

من أين تنبع عوامل قوة التيار الصدري؟

البحث عن أسباب قوة التيار، يدفعنا الى مراجعة العلاقة بين زعامته “السيد مقتدى الصدر” واتباعه، فهي قائمة على مستوى من الخطاب الشعبوي الذي يصاغ من الخطاب اليومي لتلك الجماهير التي تتبعه، فالخطاب الذي ينتجه السيد مقتدى لا يقوم على مضامين مفارقة لتصورات من يتبعه، كما لا يحتاج ممن يسمعهُ الى تفسيرٍ وتأويل، كما أضاف الجانب الشعبوي للتيار قوةً ميدانيةً وعاملاً للردع، لمن يواجهه، كما أن الميراث الذي حصل من مرحلة تسعينيات القرن الماضي، أسهم بشكلٍ ملموس في نفوذِ التيار بين المجتمع ، اذ مثل السيد محمد صادق الصدر رمزاً معبئاً للمؤيدين، وكذلك أضافت شبكة العلاقات التي اُقيمت منذ مرجعيتهِ رصيداً لزخمِ التيار، كذلك توفر بنيّة التيار إمكانيّة الانضمام إليهِ بسهولة،  دون تعقيداتٍ حزبيّة تشترطُ التدرج الحزبي وغيرها، من الأدبيات المتبعة في الأحزاب، حيث عملتْ هذه على تغييرِ شبهٍ مستمرٍ لوجوهِ التيار السياسية وحتى القيادية فيه.

ربما استثمر التيار بشكلٍ غير مباشر، ثنائية عراقيي الداخل والخارج، إذ جل أعضائه، هم من الداخل مع عددٍ بسيط هم من الخارج، أو كانوا من التيار وغادروا العراق ثم عادوا اليه، وهذا يعطي التيار سمةً أنهُ تنظيم داخلي وغير مفارق للمجتمع، وحين نتساءل من أين هذا التزايد الكمي في أتباع التيار؟ نلاحظ عدة مقاربات لتحليلِ هذا الجانب، منها التوالد الداخلي في الأُسر التي تتبع التيار، والذي ينشأ معهُ الولاء للمواليد الجدد حين يكبرون، نفوذ التيار داخل المناطق ذات السمات الشعبية والتي تمتاز بكثافة سكانية ملحوظة، يُظهر التيار الصدري وزعيمهُ نمطاً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق، يحملُ سماتٍ يتداخل فيها القرب والبعد من المجتمع والسلطة، ولكن تبقى نظرة المجتمع العراقي للتيار ودورهِ وما ينتجهُ من مواقف، هي من تحدد مستقبل وجودهِ وفاعليته، على الرغم من أن بنية المجتمع العراقي بعد 2003 تحمل سمات مشتركة، مع بُنية التيار، وهذا ما يزيد من فرصِ استمرارِ التيار.

قانون انتخابات مجلس النواب الجديد

شرَّعَ مجلس النواب، يوم الثلاثاء المصادف 24/12/2019 قانون انتخابات مجلس النواب العراقي، وألغى قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (45) لسنة 2013، وكان جوهر الاختلاف، بين القانون الملغي والقانون الجديد، هو مغادرة نظام التمثيل النسبي واعتماد نظام الأغلبية (الفائز الأول) والدوائر المتعددة، على مستوى القضاء، أي أن الفائز هو من يحصل على أعلى الأصوات، ولإتمام الفائدة من هذا البحث ارتأينا تطبيق القانون الجديد على نتائج انتخابات مجلس النواب السابقة في 2018، على ثلاث محافظات، هي بغداد والبصرة وميسان، لتتضح الصورة أكثر للمهتمين بالشأنِ السياسي، نعم نحنُ ندرك أن نتائج الانتخابات، تتأثرُ بعوامل كثيرة، منها نسبة المشاركة، قوة الأحزاب المتنافسة، نزاهة الانتخابات، والكيانات التي ستظهر نتيجة الاحتجاجات الأخيرة، إذا ما حصلت على دعمٍ وتأييد المحتجين. ونستطيع القول أن الأحزاب التي تستطيع تحقيق نتائج جيدة، هي تلك التي تحظى بقاعدةٍ انتخابية جيدة، معلومة العدد، لديها ولو بصورةٍ اِجمالية، استناداً الى التجارب السابقة والتنظيم الحزبي، ولهذه الأحزاب القدرة على توجيهِ جماهيرها، بانتخاب مرشحين محددين، مما يترتبُ على ذلك وضوح الصورة لدى تلك الأحزاب، بوزنها الحقيقي، وبالتالي التنافس طبقاً لهذه الحقيقة وتجنب ضياع الأصوات.

 

  1. محافظة ميسان
الكتلة او الحزب النتائج طبقا للقانون القديم النتائج طبقا للقانون الجديد
سائرون 5 6
الفتح 2 2
تيار الحكمة 1 0
النصر 1 2
دولة القانون 1 0

 

  1. محافظة بغداد
الكتلة او الحزب النتائج طبقا للقانون القديم النتائج طبقا للقانون الجديد
سائرون 17 23
الفتح 10 11
النصر 8 8
دولة القانون 9 5
تيار الحكمة 4 1
إئتلاف الوطنية 8 8
القرار 4 3
تحالف بغداد 3 4
بيارق الخير 2 1
تمدن 1 1
التحالف المدني الديمقراطي 1 2
الحزب المدني 1 1
إرادة 1 1

 

  1. محافظة البصرة
الكتلة او الحزب النتائج طبقا للقانون القديم النتائج طبقا للقانون الجديد
سائرون 5 8
الفتح 6 6
النصر 5 4
دولة القانون 4 3
تيار الحكمة 2 0
تجمع رجال العراق 1 1
حركة إرادة 1 1
ائتلاف الوطنية 1 0
البناء والإصلاح 0 1
حزب ثأر الله 0 1