اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

عبدالرحمن عاطف أبوزيد / باحث في الشأن السياسي

 

أثرت الهجمات الإرهابية علي مصادر النفط والغاز في سوريا بشكل كبير، وعلي الرغم من طرد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من معظم مناطق وسط وشمال العراق وشمال سوريا منتصف عام 2017، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة قام التنظيم بتبني استراتيجيات جديدة ويتم شن سلسلة من الهجمات الإرهابية علي العديد من المناطق الحيوية للنظام السوري وخاصة قطاع النفط، والتي قد يكون لها تداعياتها وتأثيرها علي مستقبل الصراع في سوريا.

أولًا- وضع الإنتاج النفطي في سوريا:

كان قطاع النفط والغاز مساهماً أساسياً في إيرادات الحكومة السورية، وذلك على الرغم من ضآلة إحتياطياتها مقارنةً بإحتياطيات دول أخرى في الشرق الأوسط، وفي عام 2018 ، كان لدى سوريا ما يقدر بنحو 2.5 مليار برميل من احتياطيات النفط ، مقارنة بـ 297 مليارًا في السعودية ، و 155 مليارًا في إيران ، و 147 مليار برميل في العراق، وتتركز حقول النفط في محافظة دير الزور شرقي سوريا قرب الحدود العراقية والحسكة شمال شرقي سوريا، لكن إنتاج البلاد من النفط انهار منذ بدء الصراع في عام 2011، وفي عام 2008 ، أنتجت سوريا 406 آلاف برميل يوميًا ، وفقًا للمراجعة الإحصائية للبترول البريطانية للطاقة العالمية لعام 2019. وفي عام 2011 ، انخفض الإنتاج إلى 353 ألف برميل يوميًا، وأخيرًا انخفض إلى 24000 برميل في اليوم فقط بحلول عام 2018، بانخفاض يزيد عن 90٪.[i]

ومع بداية المواجهات العسكرية بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة عام 2012، بدأت القوات الحكومية تفقد السيطرة على معظم حقول النفط في البلاد؛ حيث سيطرت فصائل «الجيش الحر» آنذاك ومن ثم «جبهة النصرة» على بعض الحقول شرقي البلاد؛ بعد مغادرة معظم الشركات العاملة لسوريا، وبدأت تلك الفصائل باستخراج النفط بشكل بدائي، إلى أن جاء تنظيم «داعش» عام 2013 لينتزع السيطرة على حقول النفط، وتأمين موارد مالية له، وبحلول عام 2014 سيطر داعش على معظم حقول النفط؛ وبعد عامين تم طرد تنظيم «داعش» من معظم المناطق الشرقية، واستولت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» المدعومة من واشنطن على حقول النفط، غير أن هذه الحقول كانت قد تعرضت لأضرار كبيرة؛ جرّاء استهدافها بغارات جوية أمريكية؛ لقطع موارد الدخل الرئيسية عن تنظيم «داعش»، الذي بدوره دمّر جانباً كبيراً من البنية التحتية النفطية قبل أن يفرّ منها.[ii]

ثانيًا- تكتيكات “داعش” في سوريا:

ابتداءً من أكتوبر 2017 ظهرت مؤشرات علي أن تنظيم الدولة الإسلامية قد بدأ بتغيير استراتيجيته في المناطق التي كانت تعرف بأنها معاقله الرئيسية، وهي وادي نهر الفرات، الممتد من دير الزور في شرق سوريا إلي الأنبار في غرب العراق، وأكد مسؤولون ومصادر محلية علي تركز داعش في المناطق الحدودية؛[iii] ومنذ الجهود الدولية لإخراج لتنظيم داعش من سوريا، وبدأ يستخدم مقاتلي داعش في سوريا تكتيكات تتضمن الاغتيالات المستهدفة والكمائن والتفجيرات الإنتحارية في الأماكن العامة وحرق حقول المحاصيل لإجبار السكان علي الفرار، لكنهم لم ينفذوا هجمات تقليدية واسعة النطاق أو محاولة للاستيلاء علي الأراضي والاحتفاظ بها لفترات طويلة.[iv]

وشهد عام 2020 سلسلة من التفجيرات في سوريا، حيث وقع في شهر إبريل ما يقرب من 55 عمليةً إرهابيةً، مقابل حوالي 44 عمليةً إرهابيةً خلال شهر مارس، وقد تركزت تلك العمليات في مناطق دير الزور، والحسكة، ودرعا، والرقة، وحمص، واستهدف التنظيم قوات الجيش السوري، وقوات قسد الديمقراطية، وتُشير تلك المعطيات إلى تصاعد وتيرة عمليات التنظيم في معاقله الرئيسية، نجح من خلال تبني استراتيجية  ساعدته علي إعادة تشكيل قدراته وتكتيكاته بأساليب تتماشى مع طبيعة المرحلة الحالية، فضلًا عن عن احتفاظه بخلايا نائمة عَمِلَ على توظيفها في الآونة الأخيرة تمهيدًا لتصعيد وتيرة عملياته الإرهابية في مناطق نفوذه التقليدية، سواء في سوريا أو العراق.[v]

ثالثًا – مسار الهجمات الإرهابية في سوريا التي تستهدف قطاعات النفط:

يشن تنظيم الدولة الإسلامية بين الحين والآخر هجمات ضد مواقع قوات النظام ومحطات وحقول النفط في وسط سوريا، ومنذ بدء النزاع في سوريا في عام 2011، مُني قطاع النفط والغاز بخسائر كبري، جراء المعارك وفقدان الحكومة السيطرة علي حقول كبري، ناهيك عن العقوبات الاقتصادية المشدّدة عليها؛ وفي العام 2017، وإثر استعادة قوات النظام السيطرة علي حقول حمص بعدما كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ارتفع الإنتاج بشكل محدود، إلا أنه لايسدّ حتي الآن حاجة سوريا؛ وتتقاسم اليوم قوات النظام وقوات سوريا الديموقراطية بشكل أساسي ثروات النفط والغاز، إذ يقع أبرز حقول النفط وأكبرها تحت سيطرة الأكراد بينما تسيطر دمشق علي حقول الغاز الواقعة في محافظة حمص.[vi]

وفي ديسمبر 2019 استهدفت هجمات إرهابية ثلاث منشآت نفطية في محافظة حمص في وسط البلاد، وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن  إنه جرى استهداف المنشآت بطائرات مسيرة. ورجح أن يكون تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يتوارى مقاتلوه في البادية السورية، خلف الاعتداء. حيث انه قبل ساعات من الهجوم على منشأت حمص الثلاثة، أفاد المرصد السوري عن هجوم عنيف شنّه عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية على موقع لقوات النظام في إحدى محطات الغاز التابعة لحقل الهيل في البادية شرق حمص.[vii]

ويعد الانفجارالذي وقع في “خط الغاز العربي” في 24 اغسطس 2020، هو الأحدث ضمن سلسلة حوادث تعزوها الحكومة إلى “هجمات إرهابية” تستهدف قطاعات النفط والطاقة وغيرها من القطاعات الخدمية الحيوية؛ حيث تعرضت منشآت نفطية في محافظة حمص في فبراير لإعتداءات بقذائف أدت إلى أضرار مادية ونشوب حرائق، وأعلنت الحكومة السورية في 27 يناير الماضي أنّ منشآت نفطية بحرية تابعة لمصفاة بانياس تعرّضت للتخريب بواسطة عبوات ناسفة زرعها غطّاسون، وفي 23 يونيو 2019، تعرّضت المنشآت النفطية البحرية لمصفاة بانياس أيضاً لعملية تخريبية، وفق السلطات، ما تسبب بتسرّب نفطي في منطقة المصب البحري وتوقف بعضها عن العمل.[viii]

ويُمثّل استهداف الإنتاج النفطي والغازي جزءاً من أدوات الحرب المستمرّة منذ تسع سنوات، وقد بدا ذلك واضحاً في استماتة تنظيم «داعش» للسيطرة على حقول تدمر، في معارك كرّ وفر استمرّت لعامين، قبل أن يُحكِم الجيش السوري سيطرته على الآبار التي أسهمت نسبياً في تحسين وضع الطاقة في سوريا، غير أن الثقل اليوم يتركّز في آبار المناطق الشرقية التي كان يسيطر عليها «داعش»، قبل أن تصبح في عهدة المسلّحين الأكراد الذين استمرّوا في استخراج نفطها وبيعه. وتمثّل آخر تجلّيات هذا الواقع في الاتفاق الموقّع بين «قسد» وشركة أميركية في بداية اغسطس 2020.[ix]

 

 رابعًا – طبيعة الهجمات الإرهابية في سوريا:

  • أسباب العمليات الإرهابية:

قبل قيام القوات الدولية بمواجهة تنظيم داعش ومحاولة القضاء علي نفوذه داخل سوريا، كان يعيش علي الأراضي التي يسيطر عليها داعش نحو 8 مليون شخص، وهم بحاجة ماسة إلي الوقود وإمدادات الطاقة، وكانت تنتج المجموعة نحو 70 ألف برميل يوميًا في العراق وسوريا معًا، مما يعني أن السكان كانوا بمثابة قاعدة عملاء داعش الأولي.[x] وبالتالي فإن داعش يسعي لاستعادة نفوذه أو علي الأقل تكبيد النظام السوري خسائر فادحة، عن طريق استخدام الاسلوب الغير مباشر وضرب مصادر النفط التي تعتبر حيوية بالنسبة للنظام السوري، وفي الوقت نفسه فإن الجماعات الإرهابية تسعي لإستعادة سيطرتها علي مناطق النفط والغاز في سوريا، حيث أن عائدات النفط تساهم بشكل كبير في توسيع عمليات التجنيد في المجموعات الإرهابية، ويأتي حوالي 10 بالمئة من هؤلاء المتطرفين من الدول الغربية، وبالتالي يمكنهم أن يهددوا الأمن الوطني في حال عادوا إلي بلادهم كخلايا نائمة.

ومايفسر اتجاه داعش إلي القيام بالتفجيرات الإرهابية حتي بعد طرده من أماكن نفوذه القديمة، هو أن الجماعات الإرهابية تتبني العمليات الإرهابية كأداة وظيفية في الصراع  تساعدها علي تحقيق أهداف لها لاتستطيع الوصول إليها بالمواجهة المباشرة مع النظام؛ أو بكون تلك التفجيرات نتاج عن وجود تنظيمات إرهابية طفت علي السطح مرة أخري وتستطيع أن تقوم بعمليات نوعية قد تؤثر علي خريطة الصراع ومستقبله وإعادة توصيفه وتفسيره داخل سوريا.

  • أثر الهجمات الإرهابية في تعميق الأزمة الاقتصادية السورية:

 من شأن العمليات الإرهابية التي تستهدف قطاع النفط في سوريا أن تؤثر علي تراجع المعروض من المشتقات النفطية وبالتالي تعميق الركود الاقتصادي في سوريا وإعاقة جهود إعادة الإعمار التي اتخذها النظام وإيران في مناطق استعادتها مثل حلب وحمص وضواحي دمشق؛ وفي سبيل الحفاظ علي عائدات النفط الإجمالية وبالنظر إلي انخفاض كمية المشتقات النفطية المتاحة، من المرجح أن يرفع النظام السوري الأسعار، ومن المحتمل أن تكون الزيادة طفيفة لأن الناس لايستطيعون تحمل الزيادات الحادة في الأسعار، الأمر الذي سيدفع إلي خفض الإيرادات الحكومية، وسيدفع كلًا من الزيادة في الطلب وارتفاع الأسعار إلي جعل الأمر أكثر جاذبية للمسؤولين الفاسدين لبيع المشتقات النفطية في السوق السوداء، مما يزيد من حدة الغضب العام ضد النظام.[xi]

وأوضحت د. تقي النجار، الخبيرة والباحثة في شؤون الإرهاب بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أنه في ضوء الخسائر التي تعرضت لها التنظيمات الإرهابية في سوريا، فإنها تسعي إلي التنافس الجهادي في مناطق النفوذ المشترك رغبةً منها في تعزيز صورتهما الجهادية، وسعيا إلي تأكيد نفوذهما واجتذاب المقاتلين، وسيشهد هذا الطرح بالصراع الذي شهدته الساحة السورية بين “داعش” و”جبهة النصرة”(فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، حيث كان الصراع علي النفوذ.[1] وبالتالي من المحتمل أن تتزايد الهجمات بالتدريج، بحيث يحاول كل تنظيم أن يثبت بأنه يمتلك القدرات والكفاءة اللازمة لتنفيذ تلك التفجيرات في سوريا.

وفي الوقت ذاته، فإن التفجيرات من شأنها أن تدفع القوى الغربية إلى مزيد من الحذر تجاه الوضع في سوريا،. كما أنها تدعم حجج دول حليفة لسوريا في مقدمتها روسيا والصين اللتان تتحدثان في بعض الأحيان عن “أعمال إرهابية” تقترفها المعارضة، مما يزيد من فرص التدخل والتغلغل من قِبَل القوي الخارجية في الشأن السوري.

 

المراجع:

 

[1] تقي النجار. “مستقبل ساحة الجهاد العالمي”.سيناريوهات أربعة”، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، 24 أكتوبر 2019.

متاح علي الرابط التالي:

https://marsad.ecsstudies.com/11792/

 

[i] BBC. “Syria war: Who benefits from its oil production?”, 21 November 2019.

Available at:

https://www.bbc.com/news/50464561

 

[ii] مركز الخليج للدراسات. “النفط السوري بين المطامع الخارجية والحرب علي الإرهاب”، 26 ديسمبر 2019.

متاح علي الرابط التالي:

http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/152d568f-0fef-4e3a-bbf4-4edbc46222ca

 

[iii] Hassan Hassan “Out of the Dessert: ISIS Strategy for a long War”, Middle East Institute, September 2018 P: 8-9

 

Available at:

https://www.mei.edu/sites/default/files/2018-11/PP10_Hassan_ISISCT.pdf

 

[iv] Anthony H. Cordesman and Abdullah Toukan. “The Return of ISIS in Iraq, Syria, and the Middle East”, Center for Strategic and International Studies, September 3 , 2019. P: 8.

 

[v] تقي النجار ” داعش ومرحلة إعادة ترتيب الأوراق”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 22 مايو 2020

متاح علي الرابط التالي:

https://www.ecsstudies.com/9323/

[vi] فرانس 24. ” هجمات إرهابيية” تستهدف ثلاث منشآت نفطية في وسط سوريا(وزارة النفط)، 21 ديسمبر 2019.

متاح علي الرابط التالي:

https://www.france24.com/ar/20191221-هجمات-إرهابية-تستهدف-ثلاث-منشآت-نفطية-في-وسط-سوريا-وزارة-النفط

[vii]  المرجع السابق.

[viii] دويتشه فيله. ” انقطاع الكهرباء عن كل سوريا نتيجة انفجار قد يكون إرهابيًا”، 24 اغسطس 2020.

متاح علي الرابط التالي:

https://www.dw.com/ar/انقطاع-الكهرباء-عن-كل-سوريا-نتيجة-انفجار-قد-يكون-إرهابيا/a-54670348

 

[ix] طارق علي. “تفجير خط الغاز العربي: سوريا تغرق في العتمة”, جريدة الأخبار, 25 اغسطس 2020.

متاح علي الرابط التالي:

https://www.al-akhbar.com/Syria/293037/تفجير-خط-الغاز-العربي-سوريا-تغرق-في-العتم

[x] لؤي الخطيب. ” كيف تستخدم داعش النفط لتمويل الإرهاب”، بروكينجز، 27 سبتمبر 2014.

متاح علي الرابط التالي:

https://www.brookings.edu/ar/on-the-record/كيف-تستخدم-داعش-النفط-لتمويل-الإرهاب/

 

[xi] Karam Shaar. “The Syrian Oil Crisis: Causes, Possible Responses, and Implications”, Middle East Institute, August 27, 2019.

Available at:

https://www.mei.edu/publications/syrian-oil-crisis-causes-possible-responses-and-implications