اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

د. جعفر نجم نصر

أستاذ أنثروبولوجيا الدين /الجامعة المستنصرية

    قبل المضي قُدماً في بيان مسوغات سؤالنا الجوهري (من نحن)، وجدالاته التي نفترض وجودها كما سنبين لاحقاً، ينبغي التوقف قليلاً عند المدخل الاصطلاحي الجوهري لما نريده بـ(الهوية الثقافية) الذي هو على تواشج تام مع السؤال اعلاه. إذ يرى احد الباحثين ان الهوية لا تخرج عن نطاق الوهم ولا يمكن ان تحصر في دلالات مفاهيمية او نظرية معينة، لكونها وليدة صراع سياسات مختلفة.

    وهذا ما ذهب اليه الباحث الفرنسي جان فرانسوا بايار في كتابه (أوهام الهوية)، فهو يعتقد ان الهوية في اقصى احوالها أي ما يسمى بـ(الهوية الاصلية) لا تخرج من الاطار السياسي، فهناك علاقة معقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك السياسي والخيال السياسي. ويُضيف بعد ان يصف النزاعات التي عرفها العالم في حروب يوغسلافيا والقوقاز والجزائر ومنطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا، وقد انعقدت تلك النزاعات حول مفهوم الهوية، وهي تستمد قوتها المهلكة من افتراض يزعم ان الهوية الثقافية تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو هي أيضاً في الواقع من طابعها الوهمي. والحق ان كلاً من هاتين الهويتين تكون في احسن الاحوال بناءً ثقافياً او سياسياً او ايديولوجياً، أي بناءً تاريخياً أصلاً، فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع، ولا توجد حسب رأيه هويات أصلية او سكان أصليون فطريون إذ ليس (هناك سوى استراتيجيات للهوية يتبعها بشكل رشيد محركون يمكن التعرف عليهم) يعدد منهم بايار محترفي السياسية الشيوعيين الصرب الذين تحولوا إلى قوميين متعصبين وغلاة الهوتو في رواندا ([1]).

  من الواضح ان بايار يعتقد بعدم وجود هوية ثابتة ومحددة المعالم والخصائص وهو في الوقت ذاته يرى ان الهوية وليدة الرغبات السياسية من جهة والصراعات السياسية من جهة أخرى، لكن ما مدى مصداقية اطروحات بايار تلك؟ ما دام إنه لا توجد هوية ثابتة خاصة بأمة او جماعة او مجتمع او حضارة معينة، فلماذا هذا التمايز والمغايرة بين الامم والشعوب والحضارات؟ ولماذا بعض الشعوب تدافع فكرياً وفي كثير من الاحيان عسكرياً عن خصوصيتها الثقافية؟ أي تحصن (هويتها) اتجاه الآخرين (جماعات، أمم، حضارات).

   في هذا المجال نجد إن علي حرب يجعل من البديهي القول ان لكل حضارة عالمية خصائصها وفرادتها، وإن لكل جماعة إنسانية كبرى هويتها الثقافية التي تتماسك وتتميز عن غيرها من الجماعات الأخرى إذ يذهب مؤكداً على الخصوصية والفرادة لتلك الهوية قائلاً: ولا شك ان هذه الهوية تصدر عن رؤية أساسية وشاملة تكونها كل جماعة لنفسها عن العالم والطبيعة والإنسان وتتضمن سلماً من القيم ينظم الوجود الفردي والمجتمعي لهذهِ الجماعة([2]).

  فلهذا نجد ان الهوية الثقافية مثلاً مبنية على خصائص تجريبية خاصة بجماعة دون سواها، وبالتالي يتولد من رحم تلك الهوية أيديولوجية معينة تصنع بها تلك الجماعة هويتها السياسية، وذلك لأن تلك الهوية المصنوعة تستند على قيم ومعايير هوية الجماعة الثقافية التي تحدد (جذور السلطة ومن ثم أشكالها وإيديولوجيتها)، وبالتأكيد ان هذا الامر برمته مبني على صيرورة تاريخية تعدل بها الهوية الثقافية ويضاف لها عناصر جديدة، وبالتالي ينعكس ذلك على الهوية السياسية.

فالهوية هي بالأصل المغايرة والخصوصية وكما يقول حرب: صحيح ان الهوية في أول أمرها لا تبنى الا على ضرب من النفي للآخر كما يقول هيغل: غير ان الهوية لا تتحقق في النهاية الا عبر المغايرة كما يؤكد هيغل نفسه، فالهوية إطار للتعرف وأصل للانتساب من دون ان يعني ذلك الانغلاق التام، المفضي إلى نفي الاخر في الداخل والخارج([3]).

إذن الهوية الثقافية كيان يتّصير، يتطور، وليست معطى جاهزاً ونهائياً، هي تصيّر وتتطور، أما في اتجاه الانكماش، وأما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، انتصاراتهم، وتطلعاتهم، وأيضاً باحتكاكها سلباً او ايجاباً مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها  في تغاير من نوع ما([4]).

ولكن الأمر المهم الذي ينبغي الاشارة اليه هنا هو: ان الهوية الثقافية بمثابة الام لسائر الهوية الاخرى (الدينية، السياسية، القومية، …الخ)، لكونها المعين او المصدر الذي تُنهل منهُ سائر تلك الهويات وتحدد خصائصها وعناصرها الاساسية الممايزة لها.

أمام هذا التأطير الاصطلاحي الاساسي ننظر إلى المشهدية الثقافية العامة في العراق، تلك المشهدية التي هيمنت عليها الصدامات والصراعات السياسية الداخلية والخارجية (الاقليمية) وحتى العالمية منها، وغاب عنها سؤال جوهري (من نحن؟)، كسؤال ثقافي، ما هي مرجعيتنا الثقافية التي ينتمي لها العراقيون المتنافرون  والمتقاربون في الحياة العامة.

إذ لم يخطر على بالهم تصنيف أنفسهم ثقافياً وهم  يقدمون هويتهم الدينية (الطائفية) التي تسيدت المشهد منذُ عام 2003، فضلاً عن تقديم هويتهم الاثنية (العرقية)، التي خطت لنفسها مجال جغرافي، سياسي واضح المعالم؟ ولعل السؤال الوحيد الذي  برز في كل هذهِ الاجواء والى يومنا هذا ليس سؤال (من نحن؟) بل سؤال (من هم؟) والسؤال موجه للساسة وللطوائف وللأقليات وللاخر الاقليمي أو العالمي؟ والسؤال دائماً يأتي من زاوية سياسية حصرية إلى حدٍ كبير.

ان سؤال من نحن في هذه اللحظة الراهنة موجه إلى ابناء الجيل المعاصر (الشباب)، فإذا كانت الهوية الدينية واضحة المعالم والهوية السياسية مخلوطة بألوان متعددة نعرف توجهاتها عبر خارطة مصالحها، ولكن سؤال من نحن بالمستوى الثقافي قياساً بالتوجهات الثقافية العالمية في ظل تصارع منظومتي (الحداثة وقيمها) و( ما بعد الحداثة وفقدانها البوصلة الاخلاقية المركزية) وفقدان المركزية المعيارية للحقائق والاخلاق، نتساءل عن موضعنا وثقافتنا وقيمنا الخاصة بنا وقيم هذا الجيل من كل ذلك.

إذ بين الحداثة وما بعدها تمتد أذرعة التقنيات (وسائل الاتصال الحديثة) وتهيمن (الاسواق العالمية) اللذان لا يضخان نزعة استهلاكية او رموز ثقافية صورية فحسب، بل يقدمان أنموذجاً قيمياً، أخلاقياً، ثقافياً يفرض نفسه، في ظل تسيّد ثقافة الصورة التي انهت عصر ثقافة الكلمة التي ينتمي لها حراس القيم التقليدية امام جيل ثقافة الصورة الذي لا يملك الا الصور الاخلاقية المتسارعة التي تبثها او تولدها الفضاءات التواصلية الالكترونية العالمية.

إن ثقافة الصورة تلك تسهم في صناعة هوية ثقافية منقطعة الصلة تماماً عن إرث الثقافة العراقية الام وقيمها، في ظل التركيز على (الجسد) اهتماماته الحسية فحسب، ونشر ثقافة ( التملك والربح السريع) والاغواء المبطن بالسخرية من كل شيء عبر هدم كل النماذج القيمية والروحية؛ إن ثقافة الصورة انتجت في العالم كله والعراق جزءٌ من ذلك، انتجت جيل الكتروني متشابه/ مستنسخ في الاذواق والميول والاهتمامات والاستهلاك والقيم ونمط التفكير السطحي.

   وفي العودة إلى سؤال من نحن؟ ربما كان العنوان الديني الاسلامي هو الصوت الصادح بالإجابة، وان الاسلام عموماً هو الموجه لتلك الهوية الثقافية وصناعة القيم الروحية، وهو المعني بالدرجة الاولى في مواجهة المد الحضاري الجديد، وللعل هذا الامر هو ما أؤمن به وما ادعوا له، ولكن هل يوجد لدينا نموذج ثقافي/اسلامي يمكن له مواجهة هذهِ التحديات الجسام.

في البحث بنحوٍ اكثر عمقاً عن النموذج الثقافي/ المتكامل الذي صيغ في العراق نجد انموذجين اسلاميين هما: نموذج (الاسلام السياسي) الذي فشل فشلاً ذريعاً لأن رجالاته سقطوا على المتاع والمغانم السريعة وذهبت كل الاحبار التي سالت في بناء نموذج ثقافي/ متكامل ادراج الرياح، بل وذهبت معهُ مع الاسف الدماء النفيسة للكثر من المصلحين والاصلاحيين وصناع الهوية الثقافية.

   فأين النموذج الذي قدمه الاسلام السياسي ولماذا تخلى عنه اتباعه، او لنقل باعوه بثمن بخس مقاعد ووزارات محدودات بعد عام 2003، وتم (أمركة) النموذج كلياً عبر (اللعبة السياسية)، وإذ نذكر هذا النموذج فأننا نتحدث عنه من باب الارث الثقافي/الاسلامي الابرز وليس تأسفاً او تباكياً عليه او على سواه.

النموذج الآخر الموغل بالقدم والذي قدم وظائف دينية معتد بها ومهمة لقطاعات جماهيرية عريضة وهو (انموذج الحوزة الدينية) نتساءل هل يمتلك الادوات والمناهج والرؤى لصناعة (هوية ثقافية) في ظل هذا الطوفان القيمي الهادر، ام انه يحتاج إلى الاصلاح والتحديث كيما يلائم هذهِ المتغيرات العالمية التي عصفت وتعصف بنا، ولماذا فشلت مشاريع اصلاح هذا النموذج على الرغم من جهود (السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهما)، فلماذا ما زال منطقه يركز على الطقوسيات والممارسات التقليدية اكثر من صناعة وعي ثقافي/ حضاري يستوعب جملة هذه المتغيرات الحاصلة، لماذا يعيش في دورة زمانية/ ساكنة تتأبى على الكسر عبر رؤية دينية/ أبوانية تنتمي لمرحلة القرون الاولى لتأسيس المذهب فقهياً وتنظيمياً، لماذا خطابها لا يصل الا الى ابناء الجيل الملتزم دينياً؟ أما سائر افراد هذا الجيل فهم يرفضون خطابها الذي لا يعبر عن مشكلاتهم الفعلية او تطلعاتهم الحياتية.

  بعبارة مكثفة لماذا انموذج الحوزة لايمتلك المعالجات الحاسمة للمتغيرات الثقافية المتسارعة، ويظل راكنا الى خطاباته ومناهجه الكلاسيكية التي تخطاها الزمن منذ عشرات السنيين؟.

  واذا كانت هي النموذج الاوحد فلماذا لاتوجد هوية ثقافية غير الملامح الطائفية والطقوسية التي تعزز( الهوية الدينية) فحسب وغيرمهتمة بـ (الهوية الثقافية)؟ فما هو موقفها من المد الحضاري الغربي الذي صنع جيل عالمي متشابه في كل مكان عبر ثقافة الصورة او تقنيات التواصل التي اصبحت وثنه العاكف عليه الى جانب وثن (الاستهلاك والتسليع والتسطيح)، فما هي الرؤية الثقافية للحوزة ازاء ذلك ، وماذا جوابها عن سؤال (من نحن ؟) بعيدا عن الاجابات التقليدية بوصفنا (مسلمين) او نحو ذلك ، وماهو دورها في ظل (المجال القيمي ) الذي اصبح مستباحا في ظل جيل معاصر لاينتمي لاية منظمومة قيمية.

   اما على مستوى المفكرين الاسلامين او الباحثين الاسلاميين ان وجدوا في العراق ، فنرى انعدام وجود نموذج حضاري / ثقافي منهجي لديهم سوى اللغة الادبية / الدينية التي تهيمن على خطاباتهم بلا منهج علمي رصين يسير خطاباتهم ومشاريعهم فضلا عن كون بعضهم مجرد حديقة خلفية لمدارس فكرية معينة، وبالوجه العام لايمكن له ان يقدم بديل عن المد الثقافي الغربي الجارف.

    أما بالنسبة للأكاديمية العراقية فهي تعيش حالة من الموت السريري/ المعرفي، فالنسبة الكبيرة من الاكاديميين لا هم لهم سوى  المعاش والالقاب العلمية وكتابة الابحاث الرقيعة لأجل عالم الجودة والرصانة الجامعية/ الهزيلة، أما ان يوجد حراك ثقافي او تيارات ثقافية تعبر عن موقف لمواجهة هذهِ التحديات او صناعة انموذج ثقافي، فلا يوجد أي تنفس معرفي/ ثقافي حقيق سوى اجواء المحاضرات البائسة والرطانة الاصلاحية الفارغة والبحث او اللهاث خلف المناصب الادارية لا اكثر ولا اقل، فضلا عن ان الكثير منهم يكتفي بالنقد السياسي ازاء السلطة فحسب  وهو جهد العاجز ان صح التعبير، فالثقافي الحقيقي أشبه بالمقبرة الآن.

ولقد فشل مثقفو العراق وبأعداد هائلة في تحديد الاجابة عن سؤال (من نحن؟) بل كانوا هم جزءً من اشاعة الفوضى الثقافية، إذ تميز سلوك نسبة كبيرة منهم بالانتهازية والسلوك الثقافي/ المفضي لاستعارات ايديولوجية ونماذج ثقافية واستصحاب قيمها/ السلوكية المنافية لمنظومتنا الثقافية، ولعل في مقدمتهم (الشيوعيين) وفي آخرهم (الليبراليين/ او التيار المدني)، فمرة تحت عنوان الانفتاح الثقافي على الآخر، ومرةً تحت عنوان مواجهة المفكرين المسلمين والاسلمة والاسلاموية (الحركية) اسهموا في صياغة النحن بنحو فج عبر الحصول على امتيازات ثقافية (صناعة النخبة وعضويتها) وبوصفهم عقلانيين العراق وحداثويه، ومرة أخرى حصلوا على امتيازات ثقافية عبر دغدغة مشاعر المؤسسات الغربية/ الثقافية لأجل منافع شخصية.

وكل هؤلاء الببغاوات من المثقفين العراقيين لا يمتلكون أي نموذج ثقافي/ بديل من عندياتهم او من توليدهم المعرفي/ الذاتي، الذي يتلاءم والمنظومة القيمية الدينية التي ارى فيها شرطاً وجودياً وأساسياً بل وأنثروبولوجيا لا يمكن القفز عليه او به نحو دوائر ثقافية، غربية تحد من دوره او تعلمنه بنحوٍ اقصائي عبر فرض نموذج أخلاقي جديد استطيع تسميته بـ (الاسلام الأمريكي) أو (الاسلام الناعم) الذي يقطع مع الوحي والارث الديني والمنظومة القيمية في سبيل تحقيق (الرفاه الاقتصادي) الموعود و(الانفتاح التقني اللامحدود) من غير (عُقد دينية)!!؟.

   وأمام هذا كله أرى ان الساحة العراقية تخلو من نموذج ثقافي/ قيمي يعيد تشكيل هذا الجيل الجديد ليس عبر الوصاية او بقوالب ايديولوجية/ موجهّة او مهيمنة، بل عبر ايجاد خطاب ثقافي/ انساني/ معرفي يعيد لهذا الجيل روابطه مع جذوره القيمية التي منبعها او مصدرها الرئيس هو (القيم الروحية).

ان الهوية الثقافية هي بوتقة الصهر الرئيسة التي تجمع سائر الهويات وتعيد تشكيلها مرة أخرى عبر منظومة قيمية توازن بين الجوانب المادية (للأقتصاد) والجوانب المعنوية لـ (القيم الروحية والاخلاقية) أي توازن بين الجسد واهتماماته والجانب الروحي/ المعنوي/ الانساني/ الوجودي.

والا سيكون الطوفان القادم هو هذا الجيل المعاصر الذي لا يمتلك أية بوصلة اخلاقية، والذي يقع الان فريسة ثقافة الصورة التي اعادت تشكيله بنحوٍ كبير، وفي الحقيقة ان هنالك صراع محتدم بين (جيل الكلمة) ابناء الستينات والسبعينات وبين (جيل الصورة) ابناء تسعينيات القرن الماضي وابناء الالفينات، ولكنهُ صراع خفي/ مستتر، وهو يفتقر إلى النموذج الروحي الاخلاقي الذي يجب ان يتسيّد المشهدية الثقافية الراهنة.

 

 

 

المصادر

 

([1]) ينظر: جان فرانسوا بايار، أوهام الهوية، ت: حليم طوسون، دار العالم الثالث، القاهرة، 1998، ص7-8.

([2]) علي حرب، التأويل والحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1985، ص189.

([3]) المصدر نفسه، ص94.

([4]) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر اطروحات، دراسة ضمن اعمال ندوة (العرب والعولمة)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 2000، ص298.