اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة الـ PDF

 

د. اسامة شهاب حمد الجعفري

دعاوى الطعن بالأحكام و القرارات هي مكنة قانونية ذات طابع إجرائي قررها القانون للفرد ليطلب من القضاء إعادة النظر في الحكم الصادر ضده بقصد تعديله او ابطاله، و لكن دعاوى الطعن في النظم القانونية تكون دائماً محددة بمواعيد و آجال يجب على الخصوم ممارسة حقهم هذا في ضمن سقفه و الا تعرض حقه بالطعن للسقوط كجزاء عن عدم احترامه لهذه المواعيد القانونية، و الغاية الاجتماعية من وضع هذه المدد هو تحقيق مبدأ استقرار المعاملات و الحقوق في المجتمع فليس من الطبيعي ان تبقى المراكز القانونية مهددة لمدة غير محددة فتكون سبباً لخضوع و امتثال الخصم لرغبات صاحب المكنة القانونية، كما انها تضمن حِسن سير القضاء من خلال تقييد الخصوم بالمدد القانونية حتى لا تتراخى اجراءات الخصومة مما يؤدي الى تأبيد المنازعات.    

ان سكوت صاحب الحق عن الطعن بالقرارات او الاحكام في المواعيد و المدد الاجرائية التي قررها القانون يعطي دلالات على ان صاحب المكنة القانونية (الطعن) لم يستعملها بمحض إرادته، اما بسبب تنازله عنها، او بسبب اهماله، و القانون لا يحمي المهملين و لا تقف اجراءاته حسب رغباتهم، لكن ما الحكم القانوني في حال اذا لم يقدم الطعن بالقرارات و الاحكام ضمن المدة المقررة قانوناً بسبب خارج عن ارادة الخصم كجائحة فايروس كورونا؟ بمعنى هل تتوقف مدد الطعن بالقرارات و الاحكام بسبب جائحة فايروس كورونا؟

عندما يكون الالتزام المقرر في القانون لا يمكن تنفيذه لسبب خارج عن الارادة، فإن الباحث القانوني سوف يستحضر فوراً نظرتين قانونيتين موجودة في كل الانظمة القانونية في العالم هما (نظرية الظروف الطارئة) و (نظرة القوة القاهرة) من اجل تكييف الواقع مع هذه النظريتين و من ثم اختيار اكثرها انسجاماً مع الواقع لتطبيق الاحكام القانونية الخاصة بها. فكلا النظريتان ينشأن من حادث غير متوقع و خارج عن الارادة و لا يمكن دفعه، لكنهما يختلفان في اثر هذا الحادث على الالتزام القانوني، فاثر  الحادث غير المتوقع و الاستثنائي على الالتزام في نطاق نظرية الظروف الطارئة انه يجعل من الالتزام مرهقاً و مكلفاً من الناحية الاقتصادية و ليس بمستحيل، إذ يمكن تنفيذه و لكن بصورة مرهقة، بينما اثر نفس الحادث في نطاق نظرية القوة القاهرة هي انه يجعل الالتزام مستحيلاً و ليس فقط مرهقاً.

و من المتفق عليه ان جائحة فايرس كورونا المستجد COVID-19 هي من الحوادث التي توصف بالعمومية و بانها استثنائية و لا يمكن لاطراف الخصومة او حتى القضاء توقع هذا الحدث و لا يمكنهم ايضاً دفع هذا الحدث باعتباره وباء عالمي اجتاح الكرة الارضية فكان له التأثير المباشر على العلاقات القانونية بشكل عام و على المدد الاجرائية و منها مدد الطعن بشكل اخص , فقد امرت السلطة العامة  باتخاذ اجراءات احترازية لمواجهة هذه الجائحة و اهمها حظر التجوال  العام الاجباري، و تعطيل كل المؤسسات و منها مرفق  القضاء و أغلقت المحاكم ابوبها، و لم يعد بوسع أي شخص مراجعة هذا المرفق المهم من اجل ممارسة حق التقاضي و حق الدفاع عن النفس، فالقضاء هو الساحة الدستورية في كل الانظمة الدستورية في العالم لممارسة حقي التقاضي و الدفاع عن النفس، و بما ان هذا المرفق مغلق و معطل بسبب  جائحة كورون، و بما ان الخصم ملتزم بالعزل الاجتماعي الاجباري العام، فبات من المستحيل على الخصوم القيام بالحق الاجرائي  ومنه اقامة الدعاوى و الطعن بالاحكام و القرارات وفق الآجال و المواعيد المقرر قانوناً.

و من هنا، و بسبب  واقعة الاستحالة في تنفيذ الالتزام المقرر في القانون فاننا نجد ان الطبيعة القانونية لجائحة فايروس كورنا في نطاق قانون المرافعات هي قوة قاهرة يستحيل معها اقامة الدعاوى و الطعن بالقرارات و الاحكام و ممارسة كل متطلبات حقي التقاضي و الدفاع عن النفس، مما يؤدي الى تعطيل او وقف سريان مدد الطعن. 

فقد عرف القضاء و الفقه الفرنسيين القوة القاهرة في قانون المرافعات بانها “كل ما من شأنه ان يجعل الخصم في استحالة مطلقة تمنعه من اتخاذ الاجراء  في الميعاد المقرر له، او تمنعه من استكمال العناصر التي تكونه و تضمن صحته”، و عرفها كذلك بانها ” حادث غير متوقع Imprévisable و لا يمكن دفعه  Insurmontable يصبح الخصم في استحالة مطلقة تحول بينه و بين اللجوء الى القضاء Impossibilité absolue d’agir “، و عرفها ايضاً بانها ” حادث لا يمكن  للخصم دفعه و خارج عن ارادته يستحيل عليه بسببه اتخاذ الاجراءات اللازمة في الميعاد المقرر قانوناً”(3)، و بانها ” حادث Ěvénment او مانع  Obstacle لا يمكن للخصم ان يتوقعه و ليس في امكانه ان يدفعه Invincible  و خارج تماماً عن إرادته  Totalement independent de sa Volonté يضعه في حالة استحالة مطلقة تمنعه من الالتزام بما قرره القانون”.

و يلاحظ من التعريفات ان الشروط التي وضعها الفقه و القضاء الفرنسيين في القوة القاهرة في قانون المرافعات كلها متوفرة في جائحة فايروس كورونا COVID-19 المستجد، فهو حدث استثنائي و غير متوقع و خارج عن الارادة، ولم يكن باستطاعة الخصوم فضلاً عن السلطات العامة دفعه الا بتحقيق حظر التجوال و تعطيل كل مؤسسات الدولة و منها المحاكم، مما ادى الى استحالة قيام الخصم بالعمل الاجرائي في ميعاده المقرر قانوناً استحالة مطلقة.

و هذا الاتجاه مؤيد من قبل القضاء الفرنسي فقد أعتبرت محكمة كولمان الفرنسية ان جائحة كورونا هي قوة قاهرة بقرارها رقم 20/01098 في 12/3/2020، كونها من الظروف استثنائية و خارجة عن ارادة الخصوم، ولا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن مقاومتها، فهي تأخذ طابع القوة القاهرة التي توقف المهل القانونية الخاصة بالاحكام.

و بعد تحديد الطبيعة القانونية لجائحة فايروس كورونا COVID-19 المستجد بانه قوة قاهرة، ينهض السؤال المهم، هل توقف جائحة فايروس كورونا باعتبارها قوة قاهرة مدد الطعن وفقاً لقانون المرافعات العراقي؟

لم ينص صراحةً قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969على اعتبار القوة القاهرة احد اسباب ايقاف مدد الطعن. و انما نصت المادة (174 /1) منه على  ثلاث حالات تؤدي الى وقف هذه المدد و هي: وفاة و فقدان اهلية المحكوم عليه و زوال صفة من كان يباشر الخصومة نيابة عنه. و علة النص القانوني هذا هو ان المحكوم عليه اصبح في مركز قانوني يستحيل  معه الاستمرار في ممارسة حقه في التقاضي و الدفاع عن النفس استحالة مطلقة لاسباب خارج عن ارادته و بسبب لا يمكن توقعه و لا يمكن دفعه لذا قرر المشرع ايقاف المدد القانونية لطرق الطعن حتى يقوم مقامه آخر وفق المادة (174/2) منه، و تجدد المدة له اعتباراً من التبليغ بالحكم وفق المادة (174/3) منه بمعنى ان المدة السابقة تسقط و تبدأ المدة من جديد و هي حالة انقطاع المدة.

و ان عدم وجود نص تشريعي صريح  في قانون المرافعات المدنية العراقي يقرر اعتبار القوة القاهرة سبباً لانقطاع او لايقاف مدد الطعن بالاحكام و القرارات و التي تعد جائحة فايروس كورنا  احد تطبيقاتها، لا يعني ان المشرع العراقي لم تكن له الرغبة في تنظيمها، و انما ترك ذلك الى السلطة الاجتهادية للقاضي في منطقة محدد تسمى “منطقة الفراغ التشريعي”، و بما ان القصور التشريعي امراً مسلماً به في القانون لان الوقائع غير متناهية و النصوص القانونية متناهية، فيجب على القاضي ان يجتهد في سد منطقة الفراغ متوسلاً بطرق التفسير المتطورة للقانون مراعياً الحكمة من التشريع وفق المادة (3) من قانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979. لان الالتزام بحرفية النصوص القانونية يقود الى جمود النص القانوني و من ثم الى الظلم القانوني، فحكم القاضي برد الطعن لانقضاء المدة القانونية المحددة له متجاهلاً جائحة فايروس كورونا كقوة قاهرة توقف هذه المدد بحجة النقص التشريعي يكون بلا شك ظالماً، وهذا لا يليق بالقانون الذي يحمي الحقوق و لا يهدرها.

فيجب ان يفسر النص القانوني لا وفق إرادة واضعيه بل وفقاً للمعنى الذي يتيح له ان يحقق العدل و المصلحة الاجتماعية وقت تطبيقه، فالوقائع الاجتماعية المستجدة هي من تحرك النص القانوني و تبعث فيه الروح، روح العدل و الانصاف الذي يلتزم القاضي في تحقيقه، فيتيح للنص القانوني المرونة في تغطية الوقائع غير المنصوص على حكمها، فاذا ما تغيرت الظروف الاجتماعية تغيراً عميقاً و لم تَعُد النصوص القانونية قادرة على التوفيق بينها و بين الحاجات الجديدة امكن تحقيق هذا التوفيق عن طريق  “التفسير  المتطور” مستجيباً لمطالب العصر الجديدة دون الحاجة للتعديل القانوني. و من وسائل التفسير المتطور استنتاج الحكم من مفهوم النص و روحه و حكمته و الغاية الاجتماعية التي يسعى النص الى تحقيقها، و الذي يسمى (التفسير بطريقة مفهوم الموافقة)  و معناه اذا كانت هناك قاعدة مقررة لحالة معينة و كانت هناك حالة لم ينص على حكم  لها و لكن تتوافر  فيها نفس العلة التي ادت الى وضع النص للحالة الاولى، جاز للمفسر ان يطبق حكم الحالة الاولى على الحالة الثانية، مثال ذلك ان القانون اجاز للقاضي ان ينقص مقدار التعويض اذا ما اشترك الدائن في احداث الضرر مع خطأ المدين (210 مدني عراقي)، و لكنه لم ينص على حكم حالة ما اذا كان هناك سبب اجنبي اشترك مع خطأ المدين في احداث الضرر، و لما كانت هذه العلة المنصوص عليها  متحققة بقوة نفسها في الحالة الثانية غير المنصوص عليها، فيلزم ان تأخذ الحالة الثانية غير المنصوص عليها حكم الحالة الاولى المنصوص  عليها لاشتراكهما في  نفس العلة و الغاية و هي انقاص التعويض   

فوفاة المحكوم عليه او فقدان اهليته او زوال صفة من كان يباشر بالخصومة نيابة عنه تكون سبباً قانونياً لايقاف مدد الطعن و العلة من وراء هذا الحكم هو ان المحكوم عليه تعرض لقوة قاهرة خاصة به حالت بينه و بين ممارسة حقوقه الاجرائية في حق التقاضي و الدفاع عن مراكزه القانونية و منها مراجعة طرق الطعن، لهذا و من اجل تمكينه من ممارسة حقه في التقاضي اوقف القانون مدد الطعن لحين زوال سببه. و هذه العلة بنفس القوة موجودة عندما يستحيل على الخصم قيامه بالاعمال الاجرائية بمواعيدها المقرر قانوناً و منها مراجعة طرق الطعن بسبب قيام قوة قاهرة عامة كجائحة فايروس كورونا التي تسببت بالعزل الاجتماعي الاجباري العام وتعطيل مؤسسات الدولة ومنها القضاء تنفيذاً للتوجيهات الوقائية الصادرة من السلطة العامة، فكان من العدل ان يتم تطبيق حكم الحالة الاولى المنصوص عليها على الحالة الثانية (جائحة فايروس كورونا) غير المنصوص عليها و ايقاف مدد الطعن لحين زوال جائحة فايروس كورونا لان الحكمة و العلة مشتركة بين الحالتين  و هي (استحالة ممارسة حق التقاضي و ما يستلزمه من القيام بالأعباء الاجرائية في آجالها المحددة قانوناً بسبب القوة القاهرة).

 

 

(3)  (الميعاد المحدد لرفع الاستئناف  هو ميعاد حتمي و لا يجوز مخالفته الا في حالات استثنائية ة بشرط ان يصبح  المستأنف في حالة مطلقة ناتجة عن قوة قاهرة او واقعة لا يمكن دفعها و خارجة عن ارادته بحيث لا يمكنه رفع الاستئناف في الميعاد المقرر قانوناً ) انظر :

Limoges, 11 janv, 1951, D,  H, 1951, p.281; Crim. 24 oct. 1941, D. A. 1944. P. 11; Crim, 24 oct. 1952,  D. H. 1953.p. 37.