للحصول على المقالة بنسخة PDF اضغط هنا

د. محمد نعناع

الميثاق بديلا عن الشريعة السمحاء

يظن الكثير من الناس – بل حتى عدد كبير جدا من المفكرين والباحثين – بان الارتباط الروحي عن طريق آيات القران وأحاديث السنة النبوية وسيرة العلماء هي المرتكزات الاساسية التي ترتكز عليها الدعوة الارهابية، ويتصور الكثيرون ان هذه المرتكزات هي التي تمدهم بقوتهم الفائقة وهي التي تصنع اصرارهم على القيام باعمالهم الوحشية!!

كلا.. هذه المرتكزات هي التي تصنع المسلم المعتدل والمتسامح، لاسيما إذا تعامل معها بواقعية وموضوعية، بدون ممارسة الاجتزاء والاقتطاع المقصود لتحريف الكلم عن مواضعه، وبدون استخدام الاية والرواية خارج سياقهما التاريخي والموضوعي.

ما يميز الجماعة الارهابية المتطرفة هو ((المــــيــــثــــاق)) المنعقد بدقة وبقوة بين اعضاء هذه الجماعة التي تُطوعُ المرتكزات الشرعية لتحقيق الميثاق، وليس العكس كما يظن الكثير من الناس، فهم لا يتفقون على اعلاء كلمة الله، بل يستغلونها لتنفيذ الاتفاق المبرم بينهم، وهنا تتشكل الاخوية الارهابية الميثاقية، وهذا الميثاق هو اقوى ارتباط بينهم بحيث لا يمكن ان يخرقه اي احد منهم، ومن اجلى مظاهر اعتبار الميثاق فوق القران والسنة تسالمهم على القيام باعمال وممارسات تخرج عن الشريعة وتخرق متطلبات الفطرة السليمة وتبتعد كل البعد عن الانسانية ولا تراعي الظروف الراهنة والعلاقات القائمة بين المجتمعات والجماعات التي تحكمها الاتفاقيات الواقعية والعقود القانونية.

ولانهم جماعة متماسكة لديهم لكل شيء تبرير، وفي جعبتهم دليل لكل شبهة تعترض طريقهم او تعتور افكارهم، وهذا امر خطير، سيبدو واضحا انهم جاؤوا مستعدين ولم يتركوا فراغا الا وملئوه، وهم في معركة الافكار والاحكام والنصح والالتزام اقوى من معركة السلاح والرجال والاليات والعدة والعتاد، فتبريراتهم ترافق كل افعالهم، وادلتهم المحورة تسير جنبا الى جنب مع جميع خطواتهم.

ومن يظن ان معركتهم فقط بالسيارات المفخخة والعبوات والاحزمة الناسفة والاشتباكات المسلحة فقد ارتكب خطأ كبيرا ومكن عدوه من نفسه وخسر مبكرا جولة الاساس الفكري التي تبنى على اساسها كافة التكتيكات الاخرى.

مكاسب استراتيجية الاستنجاد

في اصدار (ملحمة الجهاد) يصرح الناطق السابق باسم خلافة داعش ابي محمد العدناني بخطة (الاستعداد من اجل تلبية الاستنجاد) ويقول: قمع اهل السنة سيؤدي بهم الى اللجوء الينا.

ويشاركه في تنفيذ هذه الخطة القادة الكبار في قواطع العمليات، مثلا القائد العسكري ابو مهند السويداوي وهو قيادي كبير قد جهز معسكر الشيخين ومعسكر الشيخ ابي ابراهيم لتلبية نداء نصرة المظلومين.

ومن اجل تنفيذ خطة (الاستنجاد) يجب القيام بنوعين من التجهيزات:

  • الجهوزية الفكرية والنفسية: وذلك بضخ أكبر قدر ممكن من المفاهيم الشرعية التي تشوه صورة كل من يتعاون مع الحكومة في مكافحة الارهاب.
  • الجهوزية العسكرية: كتحديد العقد الاستراتيجية ونشر المفارز الامنية وايقاظ الخلايا النائمة في الوقت المناسب.

وبموازاة هذه التجهيزات العملياتية يجري على قدم وساق تلميع صورة الرموز القيادية في التنظيم وخصوصا القادة الانتحاريون والمقاتلون الانغماسيون من اجل تحبيب المتلقي بالجهاد، كما في الجزء المخصص للاستقطاب من غزوة ابو مهند السويداوي.

إمتداد دعوة التوحيد

(Extension To Dawah Of Tawhid) هذا هو التعبير الذي خاطب به اصدار (اوار الانتقام) العرب والاجانب لتعريف دعوته واهداف قيام دولته، وقد استند التنظيم الارهابي في صياغة هذا التعبير على كتاب (كشف الشبهات) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي قال: (الدولة الاسلامية وجهادها امتداد لدعوة التوحيد التي جاء بها الرسول).

ومع التأكيد على ان اصل الاستنباط الشرعي بلا دليل اصلا، فان عملية الاستصحاب التي اجراها التنظيم تعترضها الكثير من الموانع المصداقية، وعملية القياس تكتنفها العديد من العراقيل الموضوعية، فاذا تسامحنا في كل هذه الامور يبقى العائق قائما امام هذا المدعى الداعشي (إمتداداً لدعوة التوحيد) لان التوحيد موجود بين الناس والدواعش يقتلون موحدين، ثم ان الرسول (ص) اغلق باب الاكراه في الدين بآية صريحة من بينات القران الكريم (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) كما ان اكمال الدين يفترض انتهاء الممارسات التي اكتمل الدين عبرها والانتقال الى ممارسات اقناعية حضارية، (وآية لا اكراه، وآية اكمال الدين) تؤسسان لوعي حضاري بالرسالة وتجعلان الدين الاسلامي دين عالمي قائم على الركائز الانسانية.

سؤال مشروع لوضع النقاط على الحروف

إذا كان التنظيم المتطرف الاجرامي لا يدير دفة العمل الارهابي، ولا يبدأ بهجماته المتسلسلة ومن ثم يعلن حربه الشاملة، الا بعد ان يعقد ميثاقا جديدا، ويعد خطة اعلامية متكاملة، ويستشرف التطورات السياسية، ويتحسس الظروف الاجتماعية، وينسق المواقف الاقليمية والدولية، فهل ثمة مؤشرات حقيقية على قيامه بهذه الخطوات الاستراتيجية؟ بمعنى اخر: هل العمليات النوعية المتكررة خلال الشهرين الاخيرين كانت عمليات منسقة ضمن حملة منهجية لإحياء العقيدة القتالية؟

نعم هو كذلك، هناك مؤشرات مقنعة، ومعلومات مقبولة، وتحليلات رصينة، تدل على ان تحركات داعش الاخيرة وعملياته في مناطق معينة ضمن استراتيجية محددة، والمؤشرات الفكرية من خلال الاصدارات والبيانات الاخير تنبأ بان ابو ابراهيم الهاشمي اختار فريقه الشرعي والعسكري والامني والمالي وعين جهاز العلاقات العامة، والمؤشر الاعلامي بالرد على الحكومة العراقية بعد كل اعلان تعلنه عن مداهماتها واعتقالاتها وتصفياتها للارهابيين بالقيام بعمليات ارهابية حتى ولو كانت بسيطة هذا يعني ان التنظيم اعد خطة للمقارعة والتناوب مع الحكومة على اعلان الانجازات والنجاحات من اجل ادخال عناصر التنظيم في حالة استعداد دائمة.

وبموازاة عدد الهجمات الكبير الذي قام به داعش خلال الشهرين الماضيين، فان هناك رسالة موجهة الى الخارج مفادها فتح الابواب للانضمام للتنظيم من جديد في الوقت الذي تتخلى فيه جماعة طالبان عن الجهاد وتعقد اتفاقا تاريخيا مع واشنطن برعاية قطرية، وكذلك مع بدء العد التنازلي لتقهقر المليشيات الارهابية في ليبيا بعد الضربات التي تلقتها في درنة واماكن اخرى وانشاء تحالف بين قوات حفتر والمخابرات المصرية نتج عنه تسليم عدد كبير من الارهابيين للسلطات المصرية من بينهم قائد جماعة (المرابطون) هشام عشماوي، وكذلك بعد قطع التمويل على جماعة بوكو حرام في افريقيا، وبموازاة ذلك تحكم كلا من امريكا واسرائيل وروسيا وتركيا قبضتها على الممرات الرئيسية التي تستخدمها الجماعات الارهابية في سوريا، كل هذه المتغيرات الدولية والاقليمية تشجع الارهابيين والمتشددين للمجيء للعراق، وهذا يعني احياء الهيكل العام للخلافة الداعشية من جديد، لكن يبقى السؤال الاهم هنا: الى اي مدى يستطيع داعش في العراق استقطاب القيادات والعناصر المهزومة في دول اخرى من اجل احياء التنظيم في العراق، وهل سيكون سهلا اخذ البيعة من جديد من جماعات وقيادات وعناصر نقضتها سابقا؟!

يضاف الى تلك الخلطة من العوامل الاستغلالية في عقلية قيادات داعش الجديدة، سوء العلاقة بين طهران وواشنطن لا سيما حول نفوذهما في العراق مما سينتج التضييق على قادة الحشد الشعبي وعدم حضورهم في جبهات مواجهة داعش خوفا من الاستهدافات الامريكية وذلك ضمن سياسة (Gray Zones) التي تمنع قوات التحالف من خلالها اي تحركات جديدة للفصائل او للقوات الامنية الرسمية التي تلتحق بها الوية من الحشد الشعبي بحجة الحفاظ على الديمغرافيا السكانية الاجتماعية، مما يعنى استحالة الوصول الى مقاربة امرييكية ايرانية حول العراق في المرحلة الحالية.

نقطة البداية الداعشية

لقد اختار التنظيم الارهابي خمسة مناطق للمواجهة وهي (المنطقة مابين ديالى وصلاح الدين، والمناطق المحيطة بسامراء، وجنوب كركوك، وشمال الرمادي، وجنوب الموصل) وقد تكررت الهجمات مؤخرا في هذه المناطق، ومنذ الهجمتين المتتابعتين في 27 و 28 من اذار الماضي وحتى مطلع حزيران الحالي شن داعش 24 هجمة منسقة واهمها اعتداءات مكيشيفة النوعية التي احدثت ضجة اعلامية كبيرة، ومجموع الضحايا جراء هذه العمليات ما يقارب 500 شهيد وجريح بين القوات الامنية والمدنيين بينهم اطفال ونساء، وسبب اختياره لهذه المنطاق يعود الى انها لم تتحرر بالكامل واكدت المعلومات الاستخبارية ان التنظيم احتفظ بشبكات ثابتة في هذه المناطق منذ منتصف 2017، كما ان هذه المناطق تمثل بيئة مناسبة لاحياء التنظيم لسببين، الاول: العوامل الجغرافية كالتلال والبساتين والجداول المائية، والثاني: حالة الفقر المدقع التي يعيشها الناس هناك، والسبب الثاني سيعزز اقناع داعش لعناصر من هذه المناطق بالعمل معه.

ومما يدل على ان التنظيم الارهابي شرع بنقطة البداية لحملته المقبلة هو تعدد الجهد القتالي وتنوع اساليبه ومن ذلك ادخال سلاح الاستطلاع الجوي المتمثل بالطائرات المسيرة حيز العمل بعد فترة طويلة من توقفه، حيث أسقط الحشد الشعبي طائرات مسيرة مؤخرا في ديالى وصلاح الدين.

ومع ان الحكومة واجهزتها الامنية توعز اسباب التردي الامني الاخير الى خروقات محدودة وتسميها محاولات يائسة، وهو امر غير صحيح، إلا ان العمليات الاخيرة لداعش لم تحقق اي انتصارات تذكر فهي لم تحقق الاهداف الثلاثة المطلوبة وهي:

  • قضم مناطق الاطراف وهي الاماكن الخمسة التي ذكرناها، واماكن اخرى..
  • ولم تحدث اضرارا اقتصادية لإنهاك الحكومة ماليا من خلال استهداف شبكات الكهرباء، رغم الشكوى المتكررة من وزارة الكهرباء
  • ولم تلقى الحملة الاعلامية المضخمة اي صدى يناسب التحضيرات التي قام بها التنظيم

ولكن ذلك لا يعني بان الاوضاع مستتبة وقد ابتعدنا عن دائرة الخطر، فخليفة داعش الجديد عازم على احياء الهيكل التنظيمي وهذا الاجراء يتطلب وجود عمليات نوعية بعضها يجب ان يكون فتاكا يقنع الممولين والعناصر المتشددة التي يسعى التنظيم الى استقطابها، فهذه العمليات إذا استمرت ستخلق بيئة جاهزة لاحتضان التنظيم الارهابي.

وفي خضم هذه الاعتداءات المنسقة فان الاجهزة الامنية استطاعت ان تُفشل ثلاثة هجمات نوعية كبيرة ضمن المخطط الذي أعده التنظيم لاسترجاع قوته، اثنين من هذه الهجمات في صلاح الدين والثالث في ديالى، واحد هذه الهجمات أعلن عنه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بعد القاء القبض على الارهابي طه عبد الرحيم الغساني.

 

 

اولويات استراتيجية المواجهة

  • كما ان التنظيم الارهابي داعش يبدأ في عملية المواجهة من الجوانب الفكرية والتنظيمية فعلى الحكومة ان تبدأ من هذه النقطة بتحصين المجتمع من الافكار المتطرفة وعدم التهاون مع الخارجين على القانون بحجج المداراة والملاينة، وكما ان قيادة داعش تجمع نفسها وتنظم امورها في إطار اسلوب تعاوني نفسي يجب ان تقوم الحكومة بردع الاختلافات بين القوات العسكرية والامنية بكافة صنوفها وادامة التنسيق في المناطق المستهدفة.
  • ينبغي كشف اسباب اختلاف اساليب الاعتداءات بين محافظة واخرى، فلماذا يتكرر اسلوب الهجمات المسلحة المباشرة والاختطاف في ديالى، بينما يتكرر اسلوب الهجمات الانتحارية الفردية في كركوك، في حين يتم التركيز على الهجمات المنسقة الواسعة بعدة انتحاريين وانغماسيين في صلاح الدين، بينما تقتصر العمليات الارهابية في الموصل واللانبار على الاغتيالات.
  • قطع الطريق على اي اسلوب لادامة الاعتداءات الداعشية عبر نمطية المفارز الامنية الغادرة في المناطق المستهدفة.
  • عدم السماح بانشاء روابط جديدة بين القيادات الجديدة لداعش وشخصيات مؤثرة في المناطق المستهدفة كالاتصال برجال الدين ورجال العشائر لاستمالتهم او ترهيبهم.
  • تحسين ادارة الخيارات الاقتصادية والمعيشية في المناطق المستهدفة من اجل ضمان عدم انزلاق ابنائها لحضن التنظيم الارهابي.
  • تثبيت النقاط الاستخباراتية على طول الطرق الرابطة بين المحافظات كطريق حديثة – الصينية – جنوب الموصل، حيث تمت الملاحظة ان هذا الطريق يتعرض للغزوات الداعشية باستمرار دون معرفة نقاط التفتيش والحراسة مسبقا بهذه الغزوات الخاطفة، بالاضافة الى استهداف مقر الاستخبارات في كركوك بهجوم انتحاري.

وتبقى كل الاحتمالات قائمة فيما يتعلق بتصاعد هجمات داعش من عدمها وذلك لقدرة هذا التنظيم الارهابي على الضرب في اماكن غير متوقعة، لذلك يبدو ملحا حد الضرورة القصوى استمرار البحث عن مقرات تنفيذ العمليات والتعرف على اساليب الاعتداءات حتى ولو كانت عشوائية، ففي باطن العشوائية ايضا يوجد نظام يمكن رصده وتحليل مساراته.

 

#رواق_بغداد #سياسات_عامة #العراق #اخبارالعراق#ابحاث #بغداد