اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

 

د. محمد نعناع

كشفت العمليات المشتركة يوم الثامن من اب الجاري عن اسلوب جديد لتعقب المجموعات الداعشية ، معلنة ان الاسلوب الجديد تم تطبيقه بالتنسيق مع جهاز المخابرات العراقية ، واعتبرت تطبيق هذا الاسلوب اعطى القوات العراقية قدرات امنية عالية.

القاء القبض على خمسة انتحاريين اعدوا انفسهم للقيام بعملية نوعية في بغداد ، كان الوكر الذي خططوا فيه للعملية وجهزوا فيه انفسهم للغزوة يبعد ثلاثة كيلومترات فقط عن مطار بغداد حيث مازالت مناطق الزيدان والعناز وابو غريب تحتضن خلايا داعش الارهابي ، وعلى نفس المنوال على الاقل احبطت القوات العراقية وفقا لمعلومات استخبارية دقيقة 17 هجوما منسقا او نوعيا في اطراف بغداد خلال الاربعة اشهر الاخيرة.

 في مساحة بعيدة عن العاصمة بغداد تمكنت القوات العراقية بمشاركة كافة تشكيلاتها وبينها الحشد الشعبي من الرد على هجمات انطلقت من مخابئ في جبال حمرين ومناطق العظيم في ديالى ، وبموازاة ذلك استطاعت الاستخبارات العسكرية وخلية الصقور تفكيك خلايا ارهابية  ومجموعات صغيرة كالذئاب المنفردة في كركوك والموصل.

هذا الجهد العسكري القتالي والاستخباري يصنفه مراقبون على انه تطور ايجابي ويذهب اخرون متفائلون بعيدا فيضعون هذا الجهد العسكري والامني والاستخباري في اطار عملية ستسحق الارهاب بالكامل وتصنع مناخا مثاليا لدعم العملية السياسية واهم استحقاقاتها المقبلة وهو استحقاق الانتخابات المبكرة.

على الطرف الاخر يتساءل خبراء ومراقبون ، الم نحرر حمرين والعظيم ومكحول واطراف العاصمة، لماذا تستمر المجموعات الارهابية بالهجوم منها على القوات الامنية والمواطنين، خصوصا تلك الهجمات النوعية التي يحاصر من خلالها التنظيم الارهابي مواقع عسكرية وتستمر المواجهة فيها اكثر من ساعتين؟ بالفعل هذه اسئلة مشروعة، خصوصا مع قيام التنظيم الارهابي بعمليات خطيرة كما حدث في سامراء.    

كان يوما ساكنا لا يوحي باي نوع من الدراماتيكية، وكان الاطمئنان يسود المكان، وكل ذلك نتيجة السيطرة الكاملة لقوات سرايا السلام على ممرات منطقة (الزورة) في سامراء، تلك المنطقة التي مازالت تضم اعدادا غير قليلة من عناصر داعش الارهابي، الا ان اول النهار ليس  كأخره، فالنقاط المتقدمة رصدت اتصالات بين الدواعش يطلبون سلاح متوسط لمهاجمة نقاط الواجب الامامي، لم تاخذ قوات سرايا السلام هذه الاتصالات على محمل الجد، وبموازاة ذلك كانت مجموعة من عناصر داعش تخطط لضربة نوعية في قاطع سامراء ، وبالفعل هجمت هذه المجموعة على نقطة الواجب المتقدم من منطقة الزورة وقامت بتصفية جميع مقاتلي سرايا السلام في هذه النقطة واحراقهم وتصويرهم ليكونوا مادة دعائية في اصدار (ضرب الرقاب) كل ذلك حصل بسبب عدم ادراك استراتيجية داعش في هذه المناطق، واهم ابعاد هذه الاستراتيجية هي استنزاف القوات الامنية وعدم السماح لها بالتوغل الى ما يسميه داعش مناطق الرباط التي تحمي مناطق التمكين حيث يخطط القادة للعمليات ويجهزون المقاتلين.

اول ملامح المواجهة

كان التنظيم الارهابي يعد للمزيد من هذه العمليات النوعية بعد العمليات الاخيرة في صلاح الدين وديالى ، وعلى طول خط التماس مع مناطق الرباط والتمكين للحفاظ على هيكلية متناسقة تؤمن ساحة مواجهة مفتوحة بتحركات غير متوقعة، الا ان جهود التنظيم الاحيائية في المجالين التنظيمي والعملياتي تعرضت لضربات قاصمة، وتكتيكاته الغير متوقعة منيت بخسائر فادحة، عبر تنفيذ القوات الامنية مجموعة عمليات استباقية قتالية او عمليات تفتيش وسيطرة شاملة كعمليات ابطال العراق التي تكونت من عدة صفحات واحرزت نتائج متقدمة لوأد الجهود الاحيائية لداعش ووضع التنظيم في وضع الكماشة، خصوصا بعد ان تزامنت هذه العمليات مع افشال جهود التنظيم الارهابي لنشر العقيدة القتالية الجديدة بعد قطف رؤؤس مهمة كان هدفها بث الروح العقائدية من جديد لاعادة الاستقطاب والتجنيد مرة اخرى لصياغة نموذج جديد للخلافة المزعومة، وفي هذه العمليات تم اعتقال جميع افراد (خلية العلم اللوجستية) التي تمول العمليات الارهابية ضد القوات الامنية في صلاح الدين، واعتقال جميع افراد (خلية الحويجة) المسؤولة عن تخزين السلاح وحماية اكداس العتاد.

 

ضرب مقرات السيطرة الداعشية

ورغم الاعداد المتقن والتفكير المستوعب لكافة التحديات الذي عمل عليه داعش خلال ثمانية او سبعة اشهر ماضية وكان هدفه اولا قضم مناطق الاطراف من خلال تفعيل الخلايا النائمة وثانيا انعاش البؤر المتفجرة لتشكل خط الصد لحماية الاماكن المسيطر عليها، الا ان هذه الاستراتيجية الداعشية تحتضر الان بعد ان تمت معالجة فواعلها بصورة مباشرة من خلال العمل العسكري الشامل بالتعاون مع قدرات التحالف الدولي من جهة ومن خلال تفعيل العمل الاستخباري من جهة اخرى ، وخلال هذه المرحلة تم التركيز على ضرب اماكن السيطرة لداعش كمناطق الكهوف والتلال في حمرين ومكحول وخلال هذه الضربات قتل العشرات من القادة الميدانيين مما افقد التنظيم عملية الاستمرار بالعمليات المعدة مسبقا ، وبينما تتقدم قوات الجيش وجهاز مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي لوأد اي تحركات داعشية هدفها تطبيق اسلوب الاستنزاف بادر طيران التحالف الدولي والقوة الجوية العراقية بضرب المعاقل الرئيسية في ديالى وكركوك وصلاح الدين، وهذه العمليات ساهمت بقطع جسم التنظيم الى نصفين متباعدين يصعب معه بعد ذلك التنسيق لشن هجمات منسقة.

وابرز ما استطاعت القوات الامنية ووكالة الاستخبارات والتحقيقات تحقيقه تفكيك خطوط التنظيم الارهابي بكافة تخصصاتها ومسؤولياتها في نينوى حيث تم القاء القبض على الانغماسي الشرعي (ابو خطاب) والمسؤول العسكري (ابو مصعب) والمسؤول اللوجستي (ابو سفيان) وتعد هذه العمليات معرقلة لاي جهود سريعة لتنشيط التنظيم مرة اخرى.

كما تم القاء القبض على الامير الاداري لولاية الجزيرة والبادية في زمار خلال شهر اب الجاري ، ويدل هذا السقوط المدوي للقادة الداعشيين ان القيادة الداعشية تعين قيادات بشكل سريع وبدون خبرة كافية لتعويض النقص في الهيكل العام للتنظيم.  

خسائر داعش

تكبد التنظيم الارهابي خسائر كبيرة تبدأ بخسارته المبادرة بالكامل وانفلات زمام الامور من بين يدي قادته في مناطق الرباط وفقا للتسمية الايديولوجية للتنظيم، مما سيولد ضغطا كبيرا على المخططين الاستراتيجيين للتنظيم في مناطق التمكين التي هي الاخرى تتعرض لضربات جوية ومتابعة استخباراتية، اما على المستوى الميداني والقتالي واللوجستي فقد كانت خسائر التنظيم الارهابي قبيل عمليات ابطال العراق وخلالها وعلى امتداد صفحاتها المتعددة كالتالي:

1.    سيطرة القوات الامنية على مساحات واسعة كانت خاضعة لداعش ومنها 17,600 كم مربع في ديالى، كان التنظيم الارهابي يستغلها للانطلاق منها لتنفيذ هجماته.

2.    من ضمن المناطق السيطر عليها في ديالى وكركوك مناطق التماس مع البيشمركة مما يعني سد الثغرات بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة.

3.     تمكنت القوات الامنية من تدمير مقرات للقيادة في خمسة مناطق حيوية منها المنطقة المتوترة بين ديالى وصلاح الدين.

4.    تدمير اكثر من 30 وكرا ومضافة ومقرات ايواء ومعالجة للاصابات.

5.    تصفية اكثر من 20 انتحاريا كانوا يشكلون نخبة الانغماسيين المعدين لتنفيذ الغزوات ضمن الاستراتيجية الجديدة.

6.    السيطرة على عدد كبير من الاسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة بالاضافة الى اليات وسيارات مختلفة الانواع والموديلات.

ومع ان هذه الخسائر كبيرة ومؤثرة على مسيرة داعش الارهابية خلال الاشهر المقبلة، الا ان اساليب داعش القتالية في العمليات الاخيرة تسببت باستشهاد عدد من خبراء المتفجرات اثناء محاولات ابطالهم للعبوات الناسفة، ويبدو ان التنظيم يبتكر طرق جديدة لصناعة العبوات وخطط مبتكرة لزراعتها، وهذا مؤشر على ان التقنيين الداعشيين يعملون في بيئة مريحة وفي اماكن غير مكشوفة.

  وبناءً على هذه المعطيات :

1.    فقد التنظيم الارهابي القدرة على السير قدما في تنفيذ استراتيجيته الاحيائية، وهذا يعني فشل (امير محمد الصلبي المولى) خليفة التنظيم ابو ابراهيم الهاشمي سريعا بالنجاح باول عملية عميقة استراتيجية سخر لها كل الجهود الممكنة واجبر على تطبيقها كافة اللجان العليا في التنظيم مما سيجعله في موقف صعب امام القيادات العليا للتنظيم وسيصعب عمليا منحه الثقة قريبا من اجل القيام بعمليات مماثلة.

2.    فشل التنظيم في فرض اسلوب المباغتة والهجمات غير المتوقعة التي كان هدفها قضم مناطق الاطراف واضافتها الى حضن التنظيم للانطلاق منها نحو مواجهة مفتوحة.

3.    قبيل واثناء العمليات الاخيرة للقوات الامنية في ديالى واطراف بغداد ومنها الطارمية لم يؤشر اي تعاون بين مجموعات داعش وعناصر تستغلهم للتجسس والرصد والايواء مما يعني ان التنظيم يفقد قدرته على تهديد شيوخ العشائر ورجال الدين ، وهذا الامر اضطره الى القيام بعمليات وحشية كقتل احد شيوخ العشائر وعائلته بالكامل في منطقة الطارمية.

4.    لم يستطع التنظيم الارهابي الاستفادة اعلاميا من العمليات التي قام بها وصورها لان القوات العراقية كانت تحقق يوميا انتصارات حقيقية على ارض الواقع غطت على اخبار ومواد التنظيم التي نشرها مجتمعة مؤخرا باصدارين فقيرين لم يحققا الضجة الاعلامية المطلوبة.

5.    كشف القوات الامنية لاسلوب المشاغلة العملياتية والنجاح في معرفة من هو الهدف الحقيقي لداعش لمعالجته بالقوة الكافية خلق حالة احباط مضاعف لعناصر التنظيم الارهابي واخضعه لايقاف بعض العمليات التي كان من المتوقع القيام بها بناءً على معلومات استخبارية مؤكدة.

وشكلت عمليات ردم الاوكار البعيدة على الحدود في محافظة ديالى كوكر (خر الوحش) الذي يأوي الارهابيين الاجانب شكلت دعما لاستراتيجية التدمير العميق، حيث يتواجد الاجانب في هذه الاوكار من اجل ان يبتعدوا عن الاحتكاك مع المواطنين فيتم التعرف عليهم.

وبعد هذه الضربات الساحقة والعمليات الناجحة اتجه التنظيم الارهابي الى الحدود العراقية السورية فحاول ادخال عناصره الانتحارية ففوجئ باعتقال العشرات منهم، كان ذلك يوم الرابع عشر من شهر اب الجاري وتزامنا مع تحقيق عمليات ابطال العراق تقدما كبيرا في كافة المواجهات.  

 

 

التسلسل الزمني للمواجهة

وينبغي ان نذكر بان ما ذكرناه من ملامح الاستراتيجية الجديدة في مقال (هل كشفت الحكومة استراتيجية داعش الجديدة) ودوافع التنظيم لتكثيف عملياته في خمسة مناطق متقاربة، وعمليات الحسم التي قامت بها القوات العراقية، والنتائج والمعطيات والتحليلات الاستشرافية في هذا المقال، مرهونة بتسلسل زمني محدد بدأ منذ نوفمبر 2019 باعلان داعش عن عمليات جديدة قام بها في ديالى وصلاح الدين، مرورا بتكثيف هذه العمليات خلال شهري فبراير ومارس الماضيين حيث بدى واضحا اسلوب الاستنزاف وقضم الاطراف، ووصولا الى عمليات الرد والحسم التي قامت بها القوات العراقية خلال شهري حزيران الماضي وتموز الجاري، ولحد هذه اللحظة تمكنت الحكومة العراقية من ادارة المعركة مع داعش بشكل مهني حقق نتائج ايجابية على المستوى الميداني وعلى المستوى الاستراتيجي، فقد افشلت الحكومة مراهنة داعش على استغلال البيئة الدولية واصطفافاتها وتمحوراتها وتخلصت من عملية تفريغ متوقعة للارهابيين في العراق بعد اتفاق طالبان مع واشنطن، وتراجع المجموعات الارهابية في ليبيا وتعرضها لهزائم على يد المليشيات المسلحة، كما استطاعت الحكومة توفير الاجواء المناسبة للقوات الامنية من خلال ابعاد تاثيرات الصراع الامريكي الايراني الى حد كبير، والاستفادة من كلا الطرفين وخصوصا من الجهود الحيوية للقدرة الجوية الامريكية والبريطانية والفرنسية، وعلى الجانب الاخر التزمت ايران بعدم المغامرة داخل مناطق (GRAY ZONES) لاسباب احتياطية، مما سهل كثيرا المضي قدما بمكافحة التنظيم الارهابي في هذه المناطق، ولكن كل ذلك لا يعني الاسترخاء وعدم الاستمرار بتفعيل اولويات استراتيجية المواجهة، بل على العكس تماما فان التنظيم الارهابي ومستغليه الاقليميين والدوليين يدركون بان التخلي عن اولويات المواجهة وعدم تحديث اساليب الردع يعني استتمرار التهديد الامني مما يشكل ضغطا مزمنا على الدولة العراقية ومصالح الشعب العليا.