اضغط هنا لتحميل المقال في صيغة PDF

محمد طارق لفته / دراسات مالية – مصارف

يشهد العراق منذ العام 2003 تطورات وتحوُّلات سياسية واقتصادية وأحداثاً أمنية وعسكرية مستمرة مما انعكس سلباً على أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والمالية، ورغم كل تلك التطورات والتحولات استطاع القطاع المصرفي العراقي الصمود والإستمرار في تعزيز ظروف العمل وتطوير أنشطته وخدماته، ومنتجاته والمساهمة بفعالية في التنمية وإعادة البناء.

الا ان هذا القطاع مازال يعاني من مشاكل هيكلية وقانونية وتنظيمية ويواجه ايضاً تحديات ومخاطر السوق بسبب عدم استقرار البيئة الإستثمارية، مما أدى إلى عدم تطوره بالشكل المطلوب، وضعف ارتباطه بالمنظومة المصرفية العالمية. وتجدر الإشارة الى أن حوالي 80 % من السكان في العراق لا يمتلكون حساباً مصرفياً، فضلاً عن تمركز اغلب فروع المصارف البالغة (910) فرع في بغداد والبصرة واربيل وفي مراكز المحافظات فقط. ووفقاً لدراسة اعدها الباحث[1]، هناك فرع مصرفي لكل (24,000) شخص، وهي نسبة منخفضة قياساً بالمؤشر العالمي الذي يبلغ فرعاً مصرفياً لكل (10) الاف نسمة.

كما، يعاني القطاع المصرفي نتيجة للظروف الأمنية والاقتصادية والصحية التي يعيشها العراق، مشكلة عدم تمكن جزء كبير من المقترضين من تسديد ديونهم بصورة منتظمة وبتواريخ استحقاقها المحددة، الامر الذي يربك عمل المصارف وينعكس سلباً على سيولتها، وقدرتها في منح الائتمان للعملاء الجدد، كما ما تزال رؤوس أموال المصارف العراقية الحكومية والأهلية محدودة، منها رؤوس أموال غير حقيقية اذ تعمد بعض المصارف الى تضخيم موجوداتها الثابتة من خلال تقيمها بأسعار مبالغ بها، كذلك فإن البيئة القانونية التي تنظم العمل المصرفي من قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004، وقانون المصارف رقم (94) لسنة 2004، خصوصاً المادة (28) منه والتي تحدد الأنشطة المحظورة على المصارف مما يقيد الإستثمارات لديها، الامر الذي يجعل مساهمة القطاع المصرفي في التنمية الاقتصادية محدودة جداً ومقتصرة على تقديم خدمات تعنى بالصيرفة والأعمال التقليدية فقط، والمشكلة الأخرى هي ان اغلب المصارف الخاصة التجارية هي مصارف حديثة وعائلية تفتقر الى الخبرة في العمل المصرفي، ومصارف أخرى تعمل وفق النظام الإسلامي تبدأ ب (100) مليار دينار على ان ترفع رأس مالها الى (250) مليار خلال ثلاثة سنوات في كل سنة (50) مليار، فضلا عن ان بعض المصارف الخاصة التجارية والإسلامية تزاول اعمالها بهدف المشاركة في نافذة بيع العملة الأجنبية فقط والانتفاع من أرباحها المضمونة.

    في الوقت الحالي يتكون النظام المصرفي العراقي من (78) مصرفاً بما في ذلك (7) مصارف حكومية منها مصرف إسلامي أنشئ حديثاً، و (24) مصرفاً تجارياً محلياً، ور(29) مصرفاً اسلامياً محلياً، و (18) فرعاً لمصارف أجنبية من ضمنها مصرفين إسلاميين فقط ، فضلاً عن ثلاثة مكاتب تمثيل لبعض المصارف الأجنبية، كما ان العديد من المؤسسات المالية الأخرى تقوم ببعض الإعمال المصرفية منها (9) شركات لخدمات الدفع الالكتروني، كما موضح في الشكل (1).

 

الشكل (1) الجهاز المصرفي العراقي

  ويعاني القطاع المصرفي من تركز تواجد المصارف العاملة لفروعها وخدماتها في (4) محافظات فقط (بغداد، البصرة، أربيل، النجف) التي تمتلك (83 %) أو753 فرعاً من اجمالي 910 فرعاً، غالبيتها في المناطق الحضرية مما يترك المناطق الريفية مستبعدة من الخدمات المالية والاستفادة منها وكما مبين في الجدول (1).

الجدول (1)  تركز فروع المصارف

    تجدر الإشارة الى ان المصارف العراقية الحكومية تدير شبكة فروع بلغت (431) فرعاً داخل العراق و(7) خارجه (نهاية العام 2018)، في المقابل، كان لدى المصارف الأهلية (433) فرعاً داخل العراق و(4) خارجه، وعليه، تدير المصارف الحكومية السبعة (49%) من شبكة الفروع، في حين تدير المصارف الأهلية الاخرى (51%)، مع الاشارة أيضاً إلى أن مصرف الرافدين يدير شبكة الفروع الأكبر في العراق والبالغة (174 فرع) يليه مصرف الرشيد (158 فرعاً). [2]

     وفي ظل التغيرات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العراق منذ عام 2003، قام البنك المركزي العراقي بأخذ العديد من السياسات والتدابير الرامية الى رفع مستوى أداء مؤسسات القطاع المصرفي في العراق، في مجال تحسين البيئة التنافسية بين وحدات القطاع المصرفي، اذ منح البنك المركزي العراقي رخص عمل لممارسة الانشطة المصرفية لعدد من المصارف العربية والأجنبية، كما عملت مصارف عربية اخرى على الدخول كمساهمين مع مصارف محلية، الامر الذي ساهم بتحسين البيئة المالية وخلق المنافسة التي من شأنها إضافة المزيد من الكفاءة في عمل المصارف.

كما عمل البنك المركزي العراقي على تأسيس مكتب للإستعلام الإئتماني الالكتروني وتنفيذ نظام تبادل المعلومات الإئتمانية،  وعدداً من الإجراءات الرامية إلى إصلاح القطاع المصرفي ومنها، قراره الخاص برفع رؤوس أموال المصارف الى (250) مليار دينار خلال مدة ثلاث سنوات من تأريخ قرار مجلس ادارة البنك المركزي في 18/2/2010، على ان يكون رأس المال المدفوع خلال السنة الأولى (100) مليار و(150) خلال السنة الثانية و(250) خلال السنة الثالثة، وبقيت المصارف الإسلامية تؤسس بـ (100) مليار دينار على ان تصل الى (250) مليار دينارخلال ثلاث سنوات وحسب قانون المصارف الإسلامية، اما بالنسبة لفروع المصارف الأجنبية فقد تم رفع رؤوس أموالها عبرمرحلتين الأولى: الوصول الى (25) مليون دولار لغاية 31/12/2016 والثانية: (50) مليون دولار لغاية 13/12/2017 ، فضلاً عن إعادة النظر بالقوانين والتشريعات المصرفية، اذ عمل على تعديل قانون البنك المركزي رقم (56) وقانون المصارف رقم (94)، وإقرار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب رقم (39) لسنة 2015، وقانون المصارف الإسلامية رقم (43) لسنة 2015، كذلك أعد مشروع قانون المدفوعات الالكترونية الوطني، وتأسيس الشركة العراقية لضمان الودائع، ومجلس المدفوعات الوطني، بالاضافة إلى تعزيز الإحتياطي النقدي الأجنبي واحتياطياته من الذهب بغية المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار العراقي وتعزيز الثقة فيه لجذب الإستثمارات الأجنبية إلى العراق.

      على الرغم من وجود عدد كبير من المصارف الخاصة العاملة في العراق، فأن حجمها ونشاطها مازالا محدودين جداً، لاسيما مع وجود طلب مرتفع على الائتمان مثل (القروض الاستهلاكية والتنموية) وتنفيذ مشروع التوطين الذي يعد من اهم الضمانات، وان المصارف الحكومية السبعة ما زالت تحظى بالنسبة الأكبر من حيث الاصول المالية والنشاط المصرفي  وعدد الفروع والانتشار في مجمل محافظات العراق، فعلى سبيل المثال، وبحسب اتحاد المصارف العربية، فأن المصارف الحكومية تدير حوالي (91%) من مجمل موجودات القطاع المصرفي في حين تدير المصارف الاهلية (8%) منها اما المصارف الاجنبية تدير (1%) فقط.[3]

مع حجم رؤوس أموال القطاع المصرفي، فقد بلغت نسبة رؤوس أموال الجهاز المصرفي الى الناتج المحلي الاجمالي 5.8 % لغاية كانون الاول 2019، كما أن المصارف الخاصة تمتلك الجزء الاكبر من اجمالي رؤوس أموال القطاع بنسبة (78.55 %) لغاية 2018 بينما تشكل المصارف الحكومية نسبة (22.45 %) من اجمالي رؤوس اموال الجهاز المصرفي، وذلك نتيجة لزيادة عدد المصارف الخاصة مقارنةً مع المصارف الحكومية، فضلاً عن التزام المصارف الخاصة برفع رؤوس أموالها الى الحد الأدنى (250) مليار دينار.

 بلغت رؤوس أموال المصارف (15,351,276)[4] تريليون دينار عراقي لغاية  كانون الاول 2019، الا ان نسبة مساهمتها في منح الائتمان للقطاع الخاص الى الناتج المحلي الإجمالي ما تزال منخفضة في العراق، سواء كانت مقاسة مع الناتج المحلي الإجمالي مع النفط أم بدون النفط ، فقد بلغت عام 2018(8.1 %) مع الناتج المحلي الإجمالي النفطي و (15.2%) مع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وهي منخفضة أيضا مقارنة مع عدد من الدول العربية، كما في عام 2017، والمبينة في الشكل (2)، إذ حل العراق في نهاية القائمة، وهذا ُّيعد مؤشرا سلبيا على مدى مساهمة القطاع المصرفي في تمويل النشاط الحقيقي، فضلاً عن استحواذ المصارف الحكومية على النسبة الأكبر من الَّائتمان النقدي، والتي بلغت (80.93%) عام 2018، في حين كانت نسبة مساهمة المصارف الخاصة (19.07%) للعام نفسه،[5] بالرغم من قلة عددها مقارنة مع عدد المصارف الخاصة، وهذه نتيجة طبيعية لشبكة فروعها المنتشرة في أنحاء العراق كافة، وسهولة الوصول إلى خدماتها، ودورها الواضح من خلال زيادة الَّائتمان الذي تقدمه مقارنة بمصارف القطاع الخاص، مما يعني ان المصارف الخاصة مازالت ذات طبيعة متحفظة في منح الائتمان على الرغم من ضخامة رؤوس أموالها وما تمنحه اللوائح التنظيمية لها من قدرة ائتمانية.

الشكل (2) نسبة الائتمان الممنوح للقطاع الخاص الى الناتج المحلي الإجمالي للعراق وعدد من الدول المختارة في العام 2017

المصدر: البنك المركزي العراقي /  تقرير الاستقرار المالي 2018 : ص 20

 

الامر الذي يستدعي قيام البنك المركزي العراقي بحزمة اجراءات وإصلاحات تضمن سيطرة اكبر وإعادة لترتيب الأوراق من خلال رفع الحد الأدنى لرأس المال وتنظيم وتعديل الية نافذة بيع العملة كربط حصص المصارف بحجم انتشارها وخدماتها ومساهمتها في المشاريع التنموية، وعلى المصارف الضعيفة ان تتبع قواعد النمو، وتندمج لتكّون مجموعة مصرفية قوية.

يُعد رأس المال بمثابة العمود الفقري الذي تقوم على أساسه الوحدات الاقتصادية عند نشأتها وعند قيامها فيما بعد بمزاولة أعمالها، وهو المحرك الأساسي لكل مشروع أو عمل استثماري يهدف لزيادة القدرة الإنتاجية لها، ويعد رأس المال عاملاً جوهرياً من عوامل النمو الاقتصادي للدول المختلفة اذ ان عدم كفاية رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار او انخفاضها يمثل احد أهم المعوقات والمحددات لهذا النمو، ولكي تقوم اي وحدة اقتصادية بممارسة نشاطها الذي ترغب من خلاله بتحقيق أهدافها، فأن عليها ان تهيئ الأموال اللازمة لذلك، لاسيما بعد الانفتاح التدريجي للقطاع المصرفي أمام المؤسسات الدولية ودخول المصارف العالمية كشركاء مع المصارف العراقية وشركات الدفع الالكتروني، الامر الذي يتطلب منها مواكبة الحداثة والمنافسة التي تشهدها الصناعة المصرفية العالمية.

حددت المادة (16) من قانون المصارف رقم (94) لسنة 2004 الحد الأدنى لمؤشر كفاية رأس المال والبالغ (12%) بينما تشير البيانات والدراسات إلى أن نسبة كفاية رأس المال لدى المصارف لاسيما الخاصة إلى أن المصارف تتفاوت في استثمار الأموال المتوفرة لديها حيث هناك مصارف تتميز بكفاءة في الاستثمار على العكس من بعض المصارف الأخرى التي لديها موارد مالية كبيرة معطلة. [6]

 

 

وتبرز ضرورة رأس المال في:

  1. يُعد الأساس الذي يعتمد عليه في تأسيس المصرف والمطلب الأول للجهات الرقابية للموافقة على التأسيس وان السلطات الرقابية ولأجل سلامة النظام المالي والمصرفي لاتمنح أية رخصة او أجازة ممارسة المهنة ما لم يتوفر لدى المصرف حد أدنى من رأس المال، وذلك لانه :

أ .  يستخدم لتمويل الاستثمارات (الموجودات الثابتة والأجهزة والمكائن) لتشغيل المصرف .

ب.  يستخدم في تمويل الانشطة الاقراضية والاستثمارية خلال الفترة الأولى لعمل المصرف. نظراً لصعوبة الحصول على الأموال من مصادر أخرى كالودائع وإيرادات من العمليات المصرفية المختلفة.          

ج.  يعزز ثقة المستثمرين والمقرضين بالمصرف.

د.  تطبيق المعايير الدولية مثل معايير لجنة بازل، والتي تلزم المصارف بحد أدنى لرأس المال  يبلغ  (8%) من مجموع الموجودات المرجحة بالمخاطر ويعد ذلك ضرورياً خاصة في التعاملات الدولية.

  1. إنّ الهدف الرئيس للمصارف هو زيادة العائد على حقوق المساهمين من خلال قيامها بالعمليات المصرفية المختلفة.
  2. في بيئة يسودها الغموض وعدم التأكد، وفي ظل تطور أعمال المصارف وعولمتها، والدخول بقوة الى السوق والمنافسة الداخلية والخارجية، فأن رأس المال يعد ضرورياً لبقاء المصارف واستمرار عملها.
  3. دعم اكبر للمصرف في الحصول على دعم اكبر من قبل البنك المركزي عند الحاجة.
  4. يعمل رأس المال كقيد تنظيمي على التوسع غير المبرر للموجودات، حيث يعمل على تنظيم القروض والاستثمارات المصرفية، لان أنشطة الإقراض والاستثمار مقيدة بمقدار رأس المال الممتلك.[7]

     ان البنك المركزي العراقي يعد الجهة القطاعية المشرفة على القطاع المالي والمصرفي في العراق  بمؤسساته الحكومية والخاصة كافة، ولذلك فأن له الحق باتخاذ كافة الاجراءات التي من شأنها تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي وتحقيق خطط التنمية الاقتصادية، وإصلاح القطاعات الاقتصادية المختلفة بما فيها القطاع المصرفي الخاص وله سلطة اتخاذ كافة القرارات التي تضمن تحقيق أهدافه هذه استنادا الى نص المادة (40) من قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004، وكان واحداً من هذه الإجراءات قرار زيادة الحد الأدنى لرأس مال المصارف الخاصة عام 2010 انسجاماً مع أهدافه وصلاحياته، ولقد استند البنك المركزي في قراره آنذاك الى مجموعة من الأسباب نرى انها ما زالت قائمة وهي:

  • قصور رؤوس أموال المصارف للقيام بالمهام المطلوبة من هذا القطاع.
  • الغاية من اصدار القرار هو توسيع شريحة المساهمين والمالكين لأسهم المصارف.
  • محدودية توزيعها جغرافياً على مناطق العراق المختلفة، حيث يلاحظ ضعف الانتشار المصرفي الخاص في العراق او في الخارج، واستحواذ القطاع العام للجزء الأكبر من النشاط المصرفي في العراق.
  • بناء قاعدة مصرفية رصينة تمكن المصارف كافة من منافسة القطاع المصرفي الأجنبي.
  • تشجيع المصارف العاملة في العراق على الاندماج فيما بينها لما لهذا من دور في تكوين كيانات مصرفية قوية.
  • بقاء المصارف في حالة ملاءة مالية للحفاظ على قوتها وقدرتها على المنافسة المحلية والخارجية، خاصة مع انفتاح السوق المصرفية المحلية أمام المصارف الاجنبية.
  • حفاظ المصارف على تصنيفها الائتماني وتعزيز الثقة الخارجية بالمصارف العراقية، لما لذلك من أهمية في التعاملات الخارجية وخاصة عندما يتعلق الأمر بفتح الاعتمادات المستندية.
  • إن أي تعثر للجهاز المصرفي سيؤدي بالتالي الى تعثر النشاط الاقتصادي في البلد، بسبب العلاقة الوثيقة التي تربط بين تطور الجهاز المصرفي واستقراره وبين التطور الاقتصادي.
  • احتفاظ المصارف بكتلة نقدية غير مستغلة وغير موجهة الى الاستثمار لأسباب عديدة، قسم منها يعود الى المصارف نفسها وقسم آخر يعود الى محددات الاستثمار في قانون المصارف ولاسيما المادة (28) من قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 والتي نصت على (لا يمارس أي مصرف يشارك كوكيل او شريك او مالك مشترك في تجارة بالجملة او بالقطاعي او في عمليات تصنيع او نقل او زراعة او مصايد اسماك او تعدين او بناء على ضمان تأمين او انشطة اعمال اخرى باستثناء الانشطة المرخص بها بموجب المادة (27) وبالرغم مما سلف يجوز لمصرف وبتفويض خطي مسبق من البنك المركزي العراقي ان يمارس مؤقتاً او يشارك في ممارسة هذه الانشطة بقدر ما يكون ضرورياً لأداء المستحقات ويجوز للبنك المركزي العراقي ان يطلب من المصرف وقف هذه الانشطة في تاريخ محدد).[8]

   ان قيام البنك المركزي بإصدار قراراً يلزم المصارف مستقبلاً برفع الحد الادنى لرؤس أموالها (رفع جديد) وفق خطة مدروسة عبر مراحل، سيحقق التوسع للمصارف وزيادة الانتشار الجغرافي لفروعها وتغطيتها لمناطق كبيرة، فضلاً عن تعزيز قدرتها على منافسة المصارف العربية والأجنبية، وكذلك ان القرار سيسمح لها بتوسيع مجالات الاستثمار، ومنح الائتمان، وتطوير أنظمتها الالكترونية، فضلاً عن ان الزيادة المطلوبة ستؤدي الى طرح عدد كبير من الأسهم  عن طريق الاكتتاب بسعر دينار واحد للسهم في حال لم تستطع المصارف تدوير جزء من الأرباح الى حساب الاحتياطيات ورسملتها لزيادة رأس المال، لاسيما وإنّ العراق بحاجة خلال الأعوام القادمة الى المزيد من أموال القطاع الخاص لتمويل المشاريع التنموية بدل من حجزها في خزائن المصارف وارصدتها.

   كما ان زيادة رأس المال سوف تمنح المصارف العاملة في العراق مرونة ائتمانية واعتمادية اكبر ومما يجعلها قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة، من خلال السماح للمصارف الخاصة بفتح الاعتمادات ذات المبالغ الكبيرة والتي تحتاج الى رؤوس أموال عالية لتمكنها من تمويل هذه الاعتمادات، وكذلك فان تركيز المصارف على منح القروض الصغيرة والاستهلاكية، والقصيرة الأجل، ناجم عن انخفاض رؤوس أموالها، وبالتالي زيادة رأس المال تمنحها الثقة في استخدام مواردها المالية للدخول في استثمارات ومشاريع كبيرة وطويلة الأجل.

   ونشير هنا ايضاً الى ان من أهم المسائل التي تسببت بعرقلة دخول الشركات الاستثمارية الأجنبية الى العراق هي عدم قدرة المصارف المحلية (ماعدا المصرف العراقي للتجارة) على فتح اعتمادات بمبالغ كبيرة، وعدم امتلاكها فروعا لها في الدول الأخرى، بل ان خطابات الضمان التي تمنحها تلك المصارف غير معترف بها من قبل دوائر الدولة بسبب تواضع رؤوس أموال المصارف العراقية، على الرغم من ان جزء من ذلك يعود الى قرارات مركزية في تركيز الاعتمادات لدى القطاع المصرفي الحكومي عن طريق المصرف العراقي للتجارة بشكل حصري، فمن المؤكد ان أي تنمية مستدامة وأي استثمارات دولية تتطلب نظامًا مصرفيًا مرنًا وله شبكات علاقات مع مختلف المصارف في العالم.

        تجدر الإشارة الى ان بنك الجزائر في عام 2018 اصدر قراراً جديداً يجبر المصارف الخاصة على ضرورة رفع رأسمالها من (10) مليار إلى (20) مليار دينار جزائري مايعادل حوالي (150) مليون دولار، والمصارف الأجنبية على دفع ما يعادل (100) مليون دولار للخزينة العمومية من أجل مواصلة نشاطها في الجزائر، خاصة وأنها المرة الثانية التي يصدر فيها بنك الجزائر هذا القرار في فترة لم تتجاوز (10) سنوات، وفي تشرين الثاني 2019، أصدر حاكم مصرف لبنان تعميماً طلب بموجبه من المصارف اللبنانية زيادة رؤوس أموالها بنسبة (20%) على مرحلتين: الأولى أي نسبة (10%) قبل نهاية العام 2019 والنسبة المتبقية في حزيران 2020، وذلك بهدف تعزيز قدرتها المالية، في مصر ايضاً  نص قانون البنك المركزي والجهـاز المصرفي المصري الجديد رقم (194) لســنة 2020 علـى ألا يقـل رأس المال المصـدر والمدفوع بالكامل للبنك عن خمسـة مليـارات جنيه مصري حوالي (319) مليون دولار،  وألا يقل رأس المال المخصص لنشـاط  فـروع البنوك الأجنبيـة في جمهورية مصر العربية عن (150) مليون دولار أو ما يعادلها بالعملات الحرة، لايعني هذا تقليد الاخرين فلكل دولة جهازها المصرفي بظروفها واقتصادها ولكن يجب مواكبة تطور البنوك المركزية في الدول المتقدمة وفي الدول المجاورة، اذ إن زيادة رؤوس أموال المصارف سيجعلها موضع ثقة لنظيراتها العالمية، الأمر الذي سينعكس بالايجاب على عملها ويثبت أنها بدأت تمارس دورها كمصارف حقيقية، فضلاً عن الإفادة من التسهيلات المقدمة من المصارف الاجنبية المراسلة في مجالات خطابات الضمان والاعتمادات المصرفية.

    فضلاً عما ذكر أعلاه سنتناول في السطور التالية اثر زيادة الحد الأدنى لرؤس الاموال على عدة جوانب وهي كالاتي:[9]

  • اثر الزيادة على الجانب الاسثماري للمصارف

 يعد الجانب الاسثماري من اهم مصادر الإيرادات للمصارف، وان قيام البنك المركزي بفتح الأبواب أمام المصارف في الايداع لديه مقابل الحصول على فوائد والسماح لها في الاشتراك بمزادات حوالات الخزينة، دفع هذه المصارف الى توجيه الجزء الأكبر من مواردها المالية للاستثمار فيهما؛ لما يمثله من استثمار آمن وخالي من المخاطر والإيراد الكبير الذي تحصل عليه، الامر الذي جعل المصارف تبتعد عن المساهمة في الاستثمارات التي يمكن ان تدعم عملية التنمية الاقتصادية في البلد، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تتبع البيانات المالية للمصارف، فعندما يقوم البنك المركزي بخفض اسعار الفائدة على هذه الاستثمارات، فضلاً عن فرض الضرائب على حوالات الخزينة يدفع بالمصارف الى البحث عن فرص استثمارية أخرى تحقق لها عوائد إضافية.

     كما ان تركز استثمارات المصارف في الاستثمار الليلي، دفع المصارف الى عدم البحث عن فرص استثمارية بديلة لاموالها، وبالتالي فأن قرار زيادة رأس المال يمكن أن يؤثر بشكل كبير في دفع المصارف الى البحث عن استثمارات تدعم النشاط الاقتصادي الحقيقي في العراق، في حال اتخذ  البنك المركزي  خطوات تحد من  الاستثمار الليلي و حوالات الخزينة .  

من هذا يتضح ان زيادة رأس المال ليست الأسلوب الوحيد لزيادة الاستثمارات، وإنما ادارة رأس المال، وكيفية توجيه ودفع المصارف للبحث عن فرص استثمارية ، لها دور كبير في استغلال الزيادة في رأس المال بالأسلوب الأمثل.

 

  • انعكاس الزيادة على جانب الائتمان الممنوح.

ان زيادة رؤوس الأموال يعمل على تعزيز تصنيف المصارف ويمنحها الثقة في منح التسهيلات المصرفية المختلفة لكونه الضامن الكبير لحقوق المودعين والمتعاملين مع المصارف، فضلاً عن زيادة قدرتها على فتح الاعتمادات بمبالغ كبيرة وتمنحها الثقة أمام المصارف الخارجية ويعزز موقفها التفاوضي مع المصارف المراسلة والتعاون معها وكذلك قدرتها على منح الائتمان النقدي لتوفر السيولة لديها وقدرتها على استخدام مواردها المتوفرة وخاصة الودائع لثقتها بتوفر الأمان من خلال رأس المال مع الالتزام بالتعليمات التي تصدرها السلطات النقدية (البنك المركزي) فيما يخص منح الائتمان .

 

  • انعكاس الزيادة على جانب الموجودات لدى المصارف

ان قيام المصارف بزيادة رؤوس أموالها يتيح لها امكانية فتح فروع جديدة وتطوير الفروع القائمة، وارتفاع حساب النقود لديها والذي له تأثير مباشر على الموجودات المتداولة للمصارف ويمكنها من استخدام التقنيات الحديثة في العمل المصرفي خاصة الأنظمة الالكترونية للربط المصرفي بين الفروع والمصارف العالمية للقيام بالتحويلات المصرفية واستخدام البطاقات الالكترونية في عمليات الدفع وتطبيقات الهاتف المحمول، وزيادة نشر منافذ التوزيع الالكترونية من أجهزة الصرافات الآلية ونقاط البيع.

 

  • انعكاس الزيادة على جانب الودائع لدى المصارف .

تعد الودائع  بأنواعها المختلفة ( الجارية والتوفير والثابتة)، من اهم مصادر الموارد المالية التي تعمل بها المصارف، فالمعروف بان المصارف من المؤسسات المالية التي تعمل بامول المودعين، اذ تستخدم هذه الودائع في منح الائتمان النقدي والتعهدي، وكذلك الاستثمارات، ويستخدم رأس المال ضامناً لهذه الاستثمارات والائتمان الممنوح، اذ يعتمد عليه بصورة كبيرة لتوفير الثقة في أعمال المصرف والحماية لأموال المودعين ،مما يؤدي الى زيادة الإيداعات لدى هذه المصارف.

  ويفترض ان هذه الزيادة في رأس المال ان لا تؤدي الى بقائها حبيسة الخزائن ورفع نسب السيولة المعطلة لدى المصارف والتركيزعلى منح الائتمان قصير الاجل والابتعاد عن الاستثمار ويفترض ان توجه الزيادة  في الاستثمارات بما يدعم خطط التنمية الاقتصادية. 

 

ختاماً

    نرى ان رفع الحد الأدنى لرأس المال لدى المصارف والفروع الأجنبية وفق هيكلية وخطط محكمة سوف يسهم في التغلب على الكثير من المشاكل والتحديات التي يواجهها هذا القطاع، الامر الذي يرفع مســتوى أداء الجهـاز المصرفى وتحديثه وتطويره ودعم قدراته التنافسية، بما يؤهله للمنافسة العالمية، وتحقيـــق تطلعات الدولة نحو التنمية والتقدم الاقتصادي، ولايجعله مقتصرأ على تقديم خدمات الصيرفة والأعمال التقليدية فقط، وحوكمة هذا الجهاز، وزيادة الكثافة المصرفية وتحقيق الشمول المالي، وتنشيط سوق الأوراق المالية، كما ويؤدي الى بناء مناخ استثماري يكون قادر على جذب الاستثمار ومحفز للمستثمر المحلي بشكل خاص حتى يستطيع امتصاص الاكتناز، مع اهمية انسحاب الدولة من القطاع المصرفي بشكل تدريجي وعليها ان تحرص على توفير عنصر المنافسة لان المنافسة كفيلة بتحسين جودة الخدمات المصرفية وانخفاض تكاليفها.

 

 

 

[1]– لفته، محمد طارق (2019)، نظام المدفوعات العراقي ودوره في تعزيز الشمول المالي في العراق (بحث تطبيقي في البنك المركزي العراقي)، بحث دبلوم عالي (المعادل للماجستير)، في الدراسات المالية- المصارف، المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية، جامعة بغداد.

[2] – النشرة الإحصائية للبنك المركزي العراقي 2018.

[3] – القطاع المصرفي العراقي متاح على موقع اتحاد المصارف العربية وعلى الرابط https://uabonline.org/ar/

[4] – البنك المركزي العراقي / الموقع الاحصائي

[5] –  تقرير الاستقرار المالي 2018

[6]   –  الساعدي، سعدون عباس محمد(2012)، تأثير قرار زيادة الحد الأدنى لرأس المال في تطوير عمل المصارف الخاصة العراقية / بحث تطبيقي على عينة من المصارف التجارية العراقية الخاصة، بحث دبلوم عالي (المعادل للماجستير) في الدراسات المالية- المصارف، المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية، جامعة بغداد.

[7] . الساعدي، مصدر سابق.

[8] . التقريرالسنوي لسوق العراق للأوراق المالية 2010، 6-8 .

[9] .  الساعدي، مصدر سابق.