قراءة في كتاب بناء الدولة  (النظام العالمي ومشكلة الحكم والادارة في القرن الحادي والعشرين)  فرانسيس فوكوياما 

تاريخ النشر:
2020 شباط 17

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf


المهندس علي حسون
يتناول فوكوياما في هذا الكتاب اشكالية بناء الدولة والتحديات التي تواجه هذا البناء ويطرح اطاراً تحليلياً لفهم الابعاد المتعددة لطبيعة الدولة اي وظائفها وقدراتها والارضية التي تنبني عليها شرعية حكوماتها المختلفة، ويستعرض فوكوياما في مقدمة هذا الكتاب تجارب ومقاربات لنموذجي بناء الدولة ما بعد الغزو الامريكي للعراق وافغانستان ومهام سلطة الاحتلال في التأسيس للإدارة ومراحل انتقال السلطة لهذين البلدين وكذلك الهدف السياسي والاقتصادي للإدارة الامريكية في إيجاد تجربة ديمقراطية في افغانستان والعراق حيث يشير الى محدودية الهدف في التجربة الافغانية والاهداف البعيدة المدى في التجربة العراقية وكذلك يستعرض ما رافق تلك التجربتين من إخفاق ونجاح محدود حتى على مستوى الاعمار واشراك القوى المحلية في صنع الدولة الحديثة ما بعد الاحتلال. 
ثم يتناول فوكوياما في مدخل الكتاب اهمية بناء الدولة باعتبارها اهم قضايا المجتمع العالمي، لان الدولة الفاشلة اصبحت مصدر لكثير من مشاكل العالم التي تتعلق بالفقر والامراض والمخدرات والارهاب، وكمثال على ذلك يذكر فوكوياما ضعف القدرة المؤسساتية لبعض الدول الافريقية لمواجهة مرض الايدز، ويبين ان هذا الضعف في البلدان الفقيرة والفاشلة وخصوصا بعد نهاية الحرب الباردة ادى الى كوارث إنسانية لم تقتصر على البعد المحلي فقط بل تجاوزت لتأخذ بعداً دوليا بعد احداث ايلول عام 2001، وعلى هذا الاساس قسم المؤلف الكتاب الى ثلاثة اقسام، القسم الاول تناول تحليلاً لفهم ابعاد طبيعة الدولة ووظائفها المفقودة، وفي القسم الثاني اشار الى اسباب ضعف الدولة عموماً، واستحالة وجود علم ادارة عامة على وجه التحديد، وفي القسم الثالث ناقش الابعاد العالمية لضعف الدولة وعدم استقرارها وتآكل مبدأ السيادة الوطنية والنظام العالمي المعاصر. 
          يتناول فوكوياما في القسم الاول تاريخ الدولة كمؤسسة انسانية قديمة ترجع للحضارات الاولى في بلاد ما بين النهرين والصين، اما الدولة الحديثة فظهرت في اوروبا وقامت على توفير (النظام – الامن – حكم القانون – حماية حقوق الملكية – الصحة العامة والتعليم)، وتمتعت هذه الدولة عموماً بمدى واسع من الوظائف المختلفة تسخرها لخدمة اغراض سلبية وإيجابية على حدٍ سواء، ولم تقتصر هذه السلطة على المستوى المحلي بل تعدى لأن يكون سببا للنزاعات الدولية، وان مفهوم الدولة الحديثة وبناءها انبثق في اوربا ولاحقا تشكل اسمياً في دول اسيا وافريقيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وان ضعف هذه الدول المتشكلة حديثا وعدم اكتمال بناءها سبب الانتباه الى وجود مشكلة جوهرية تمثلت في احد تجلياتها في اللاجئين الراغبين بالحصول على مغريات الغرب والتي جمعت بين الرخاء والحرية السياسية وصارت بعيدة المنال في اوطانهم الاصلية حيث جادل فيها صموئيل هنتغتون باعتبار ما تحقق في اوربا يرجع الى عادات ثقافية سائدة لهذا الجزء من العالم واشار فوكوياما الى فشل حكومات الغرب في جعل القيم الاوربية قابلة للتطبيق في الدول النامية. 
        وناقش الكاتب في النزاع حول محوري دور الدولة التي تتمثل في مداها وقوة قدراتها المؤسساتية، وبيَن النزاع والتفاوت بين هذين المحورين والمشاكل التي تواجهها الدول في حال ارتفاع القوة وانخفاض المدى او العكس، وانعكاس كل ذلك على التطور الاقتصادي والخدمي واشار الى احتفاظ النموذج الاوربي بالتوازن بين المدى والقوة للدولة على عكس النموذج الامريكي الذي غلَب القوة والقدرة على المدى وانشطة الدولة مع العلم ان بعدي القوة والمدى قابلين للتغيير حسب المعطيات السياسية التي تواجهها البلدان والتي تتعلق بتغيير الانظمة السياسية وما يطرأ عليها من تحولات اقتصادية وقانونية تُحجِم من دور الدولة وقوتها او تزيد مدى انشطتها وسيطرتها على الانشطة الصناعية والاقتصادية الاخرى.
       عنون فوكوياما القسم الثاني بالدول الضعيفة وثقب الادارة العامة الاسود مستخلصاً حقيقة عدم وجود قواعد ثابتة وصالحة عالمياً للتعميم التنظيمي والتي عنت بالضرورة ان الادارة العامة هي فن اكثر منه علم، اضافة الى اهمية ان تكون الحلول الفاعلة لمشاكل الادارة محلية الطابع وان هذه الفكرة هي ليست فكرة طارئة في ميادين الادارة، وان علماء الاقتصاد او الاقتصاديين جادلوا كثيرا في فعاليات وتفسير المنافع العقلانية لبعث الحافز عند العاملين في الشركات والمؤسسات، ودخول النظريات الاجتماعية كمرجع لوضع الاسس التنظيمية في كثير من جوانب الادارة العامة بعد هيمنة الاقتصاديين في توليد نظريات وتقديم حلول في مجال الادارة. وتناول كذلك في هذا الفصل النظريات الاقتصادية للمؤسسات كنظرية الشركة التي وضعها رونالد كوس والتي اقامت التمييز الاساس بين الاسواق وبين التراتبيات المختلفة، وبين ان هذه النظرية لم تكن نظرية في المؤسسات بحد ذاتها بل هي في الاسباب التي جعلت الحدود القائمة بين الاسواق والمؤسسات على ما هي عليه، ان قصور ومحدودية العقلانية تعني عدم امكانية طرفي عقد توقع كل الظروف المستقبلية الطارئة وبالتالي تتيح عقود الاستخدام المفتوحة وعلاقات السلطة ضمن المؤسسات التراتبية قدرا اكبر في التكيف مع المستقبل والتقلبات المتوقعة، وان النظريات التنظيمية التي يستعرضها فوكوياما وعلاقة مُلَاك ورؤساء الشركات والافراد داخل هذه المؤسسات قد تكون هي مجموعة عقود عمل فردية، واسهب فوكوياما في استعرض الآراء لعلماء ومنظري الاقتصاد والادارة في العلاقة التنظيمية بين الرؤساء والوكلاء وكيفية مراقبة واخضاع الوكلاء (ويقصد بالوكلاء هنا هم المفوضين لإدارة المؤسسات من قبل الرؤساء والذين هم الملاك الحقيقين المفوضين بتخويل الوكلاء بالإدارة وفق اسلوب تراتبي).
تطرق الكاتب الى نظرية الخيار العام والتي تنطلق من الافتراضات بان لوكلاء المؤسسات في القطاع العام اجندات مختلفة جدا عن اجندات رؤسائهم وبذلك هم لا يختلفون عن اي عميل او وكيل اقتصادي في تحقيق الحد الاقصى من منفعته الذاتية. 
ان اساليب الادارة وحوافز موظفي القطاع العام وانظمة المراقبة والتوازن بين المنفعة الفردانية وهوية الجماعة والعلاقة بين الرؤساء والوكلاء كل هذه المفاهيم والاصطلاحات سببت استحالة صياغة تنظيم مؤسساتي أمثل والاسباب كثيرة منها: - 
الاهداف، نظم المراقبة والمحاسبة، الدرجة المناسبة للسلطة، والصلاحيات. 
مشكلة الاهداف في عدم وضوحها او تناقضها وخضوع اعضاء المؤسسات لأعراف وتقاليد هذه المؤسسة مما يعيق المدراء التنفيذين (البيروقراطية)، اما مشكلة المراقبة واخضاع الوكلاء للمحاسبة واعتماد الشفافية فهي صعبة التطبيق في مؤسسات القطاع العام.
تطرق فوكوياما لقضية جدا مهمة وهي قضية المركزية في الصلاحيات والسلطة، كذلك اشار الى موضوع مهم وهو توجه الاقتصاديين في طرح فرضياتهم في هذا المجال حيث يركزون على نمذجة بنية نظام الحوافز في العمل المؤسسي وابتكار استراتيجيات معقدة لبلوغ مرحلة الكمال. 
        تطرق الكاتب في القسم الثالث الى موضوع الشرعية الدولية وانتهاك السيادة للدول الضعيفة حيث شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة كثير من الازمات حول الدول الضعيفة وتدخل المجتمع الدولي في حل هذه الازمات.
ويهمنا هنا ما اشار اليه فوكوياما الى تهديد اخر للمجتمع الدولي غير الدول الفاشلة وهي الدول الدكتاتورية والتي تشكلت وتمركزت كثيرا في البلاد العربية وبرعاية في بعض الاحيان من قبل امريكا وبواعث ذلك مازالت محل نقاش كما يطرح المؤلف عقيدة الحرب الاستباقية او الحرب الوقائية التي تبنتها الادارة الامريكية بعد احداث أيلول 2001، حيث ويعود المؤلف ليستعرض ما حدث في افغانستان والعراق كدليل على تطبيق هذه العقيدة.
         ان تآكل السيادة وضعف الحكم اشار اليه المؤلف ووضح نقطة غاية في الاهمية في هذا السياق وهي ان كلمة الضعف المعني بها ضعف قوة الدولة لا مداها، اي ضعف القدرة المؤسساتية لتنفيذ وفرض السياسات جراء إفتقار النظام السياسي في احيان كثيرة الى اساس شرعي، واشار الى ان اتفاقية ويستفاليا لم تعد تشكل الإطار المناسب للعلاقات الدولية المعاصرة على ضوء غموض مسالة السيادة وما حدث في التسعينات من القرن الماضي من تدخلات تحت مسمى انساني ادى الى توسيع سلطة ما أصبح بحكم الواقع امبريالية دولية على الدول الفاشلة في العالم.
هذه الدول الفاشلة التي يتحدث فوكوياما عن تعزيز حكمها وتقوية مؤسساتها يجب ان تكون مكتفية ذاتيا باعتبارها محور المشروع المركزي في علم السياسة الدولية المعاصر، وهذا التوجه عُرف باسم بناء الامة في الولايات المتحدة وهو على خلاف الفهم الاوربي للعلاقة بين مفهوم بناء الامة ومفهوم بناء الدولة، حيث بين الكاتب ان بناء الامة له مظاهر ثلاث، الاول يتعلق بإعادة الاعمار في فترة ما بعد النزاع المسلح والثاني يتعلق بإعادة مؤسسات حكومية قادرة على البقاء في حال انسحاب قوى التدخل الخارجي، اما الثالث فيرتبط بتقوية الدول الضعيفة التي لا تزال سلطة الدولة قائمة فيها وهو مرتبط بشكل او بآخر بالمظهر الثاني.
وبالعود على تجربتي افغانستان والعراق تبرز التجربة الافغانية التي لم تشهد في تاريخها الحديث قيام دولة حديثة لذا كان لابد ان يبدأ بناء الدولة فيها بعد الاطاحة بنظام طالبان من القاعدة صعودا، على عكس التجربة العراقية التي كانت لها مؤسسات عاملة وموارد بشرية جدية إلا انها انهارت وجرى تفكيكها بعد انتهاء الحرب وتعرقلت عملية بناء الدولة في العراق نتيجة منع اعضاء النظام السابق من الظهور مجددا (بحسب رأي المؤلف) ويعتقد فوكوياما ان الشرعية الديمقراطية التي نادى بها الامريكان كانت في بعض محاورها محل خلاف مع الحلفاء الاوربيين في فهمهم للشرعية الديمقراطية والشرعية الدولية وكذا النظرة تجاه الدولة ومبدأ السيادة بالإضافة الى مواضيع اخرى استعرضها في نهاية الفصل الثالث.
       يختم المؤلف كتابه متطرقاً الى رؤى وافكار بناء الدولة ووظائفها، والتي دعت في مرحلة من مراحلها الى تحجيم الدولة وقطاعاتها وابراز المجتمع كقائد لحركة السوق وراس المال وان التأثيرات التي القت بظلالها على تلك الافكار بسبب التطور في النظم المعلوماتية ساعد على ذلك ويبقى تقليص مدى الدولة مدار بحث ونقاش بالنظر الى ما تواجهه دول العالم في القرن الحادي والعشرين.
في ظل هذا النظام العالمي تبقى الحاجة الى ايجاد توازن في مقدار القوة والمدى للدولة ويبقى مفهوم الدولة معرض الى كثير من التحديات ويبقى على الدول المتقدمة ان تتقن مهمة دعم اعادة بناء الدولة في البلدان الضعيفة لضمان الامن العالمي، الا ان مبررات استخدام القوة في هذا الميدان اكيد يحتاج الى مراجعة. 
القراءة كانت في النسخة العربية، ترجمة مجيب الامام، منشورات العبيكان، عام 2007.