Will The Al-Kazemi Government Get Rid Of The Tripartite Crisis?

Date of publication:
2020 December 01

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf

أ.د ميثم العيبي - أكاديمي وباحث اقتصادي
الجامعة المستنصرية/ كلية الادارة والاقتصاد

اخترت هذا السؤال، لأنَّ إجابته بدت محسومة أول وهلة، لكنَّ مثل هذه الأسئلة عادة ما تتوالد عنها في العقول أسئلة أخرى تحتاج لإجابات، لذا فإنَّ تضييق نطاق الأسئلة تطلَّب أنْ يتم تأطير حدودها ضمن افتراضين: الأول، إنّنا أمام حكومة انتقالية، ذات أجل قصير، جاءت نتيجة اتفاق سياسي، وبدأت أعمالها في السابع من أيار 2020، وتنتهي بإجراء انتخابات مبكرة. أمّا الافتراض الثاني، فيتعلق بتأطير خيارات الأزمة الاقتصادية كونها تقع بين حدين، الأول بوصف الأزمة عدم يقين بسبب تركة من اختلال التوازن، والثاني كونها فرصة لتغيير مستقبلي. من هنا فإنَّه مِن المناسب الاستعانة بتشبيه (إدغار موران)  لهذين الحدين بالإله يانوس أو جانوس Janus ، إله البوابات والطرق والمداخل والمخارج ذي الوجهين، وجه ينظر للمستقبل ووجه للماضي، وحسب الميثولوجيا الرومانية فإنَّه مثير للحروب وصانع للسلام، في ذات الوقت.
متاهة جانوس
تزامنا مع جائحة كورونا، وما نجم عنها من انخفاض أسعار النفط عالميا، استهل رئيس مجلس وزراء العراق الكاظمي منصبه بواحد من أوائل التصريحات المتعلقة بالشأن الاقتصادي: "استلِم المسؤولية بخزينة شبه خاوية" ، ليدخل بذلك (متاهة جانوس) من بوابة الاقتصاد، المتاهة التي تاه قبله فيها كثيرون.
وعند هذه النقطة لا بد من تسجيل الفرضية التي نحاول إثباتها وهي "أنَّ متاهة جانوس أخذت بالاتساع والتشعب منذ 17 عاما، ففي حين أنَّ الأزمات الاقتصادية التي مرت بها البلاد ذات معالم تصاعدية فإنّ الحلول التي تم/ ويتم طرحها (وتنفيذها) لمعالجة مجمل هذه الأزمات هي حلول سلبية". فالمتابع لمسار الأزمات الثلاث التي مرّ بها العراق (2008، 2014، 2019) يرى أنَّها ذات طابع تصاعدي، أكثر تعقيدا الواحدة عن التي تسبقها، مقابل حلول ذات طبيعة تقليدية (رجعية - سلبية)، وليست ابتكارية (إيجابية - تغييرية).
حلول رجعية لأزمات أكثر تعقيداً
فالأزمة المالية العالمية 2007- 2008، التي امتد أثرها من السوق العقارية الاميركية إلى ركود عالمي طال أغلب بقاع العالم، كان معلمها الابرز في الاقتصاد العراقي ذا بعد أحادي One-Dimension Crisis (1D)  امتد عبر بوابة انخفاض أسعار النفط (مالية)، وإنَّ أكبر آثارها امتدت من قطاع النفط إلى حصول عجز موازناتي حقيقي، إذ صُمّمت موازنة 2008 على أساس 57 دولاراً للبرميل الواحد ، وانخفض ليصل إلى 40 دولاراً في كانون الثاني 2009. كما أثّرت في تراجع معدلات الاستثمار العام والخاص، وتوقف النمو الايجابي للاحتياطيات الاجنبية، وافتراق سعر الصرف السوقي (الموازي) عن الرسمي بواقع مراتب عشرية، إذ ارتفع بمعدل 2% عام 2009 عن العام الذي سبقه ، لكن ورغم الإحساس بفداحة عبء أزمة 2008 في حينها الا أنَّ إعادة قراءتها في الوقت الراهن تبدو أقلّ حدّة (نتذكّر استخدام المختصين عبارات مثل: أفول الرأسمالية، انعدام الثقة بأسواق المال، انهيار الدولار الاميركي، وغيرها...) وذلك مقارنة بأزمة 2014 المزدوجة، التي شُخِّصَتْ كونها أزمة ثنائية الابعاد(2D)  Two-Dimension Crisis  والمتمثلة بانخفاض أسعار النفط (مالية) + سيطرة تنظيم داعش على أراض عراقية (سياسية)، مما أدى إلى ظهور آثار واضحة على متغيرات متعددة، إذ هبط سعر برميل النفط إلى ما دون 50 دولاراً في حزيران 2014، وقفز معدل التضخم إلى أكثر من نقطتين، كما تفاقم العجز في الموازنة إلى حدّ أوقَف معه معظم الموازنة الاستثمارية والمشاريع قيد التنفيذ، فضلا عن بروز مشكلة الدين العام الداخلي والخارجي الذي أخذ يتصاعد وصولاً إلى نسبة 51% من الناتج المحلي الاجمالي، الأمر الذي انعكس على تراجع الاحتياطيات الاجنبية إلى 44.56 مليار دولار عام 2015 ، وأمام هذه المؤشرات السلبية لم تكن الحلول التي تم طرحها على المستوى المالي الا امتدادا وتكرارا لمعالجات الأزمة السابقة، كما لم تنجح المحاولات النقدية غير التقليدية التي قام بها البنك المركزي العراقي الا لحدود ضيقة جدّاً، كمبادرة 6 ترليونات دينار لتمويل مشاريع القطاع الخاص.
أدت جائحة (كوفيد 19) إلى انهيار أسعار النفط بشكل حاد، إذ انخفض سعر النفط الخفيف من حدود الـ75 دولارا للبرميل في 6 كانون الثاني 2020 إلى 20.6 دولارا في يوم الاثنين 20 نيسان 2020، كما شهدت عقود النفط الآجلة فيه ولأول مرة في التاريخ انهياراً لأسعار الخام الاميركي إلى المستوى الذي جرى معه تداول عقود شهر أيار في مستوى دون الصفر .
إنَّ الأزمة الثلاثية(3D) Three-Dimension Crisis  المتمثلة بانخفاض أسعار النفط عالميا (مالية) + كوفيد19 (صحية) + الحراك الشعبي (سياسية)، وما نتج عنه من حكومة انتقالية نتيجة الصراع السياسي، انعكست على الاقتصاد العراقي بموجات ارتدادية أكثر حدّة، فحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي سيشهد الاقتصاد العراقي انكماشاً بنسبة (4.7%، 9.7%) على التوالي نهاية عام 2020 ، كما يتوقع أنْ ينكمش الناتج المحلي الاجمالي، حسب التقديرات المحلية لوزارة التخطيط إلى حدود 20% لعام 2020 عن العام السابق 2019  .
وبالتأكيد فإنَّ أدبيات "الأزمة" تتحدّث عن أنَّها حدث مفاجئ وطارئ، وهو ما تتّفق فرضيتنا معه؛ لكن بشكل جزئي، فجزء من الأزمة الاقتصادية الثلاثية أمسى مشخّصا كما يُفترض، وذلك بالاستدلال بالأزمات السابقة، وهو الجزء المتعلق بانخفاض أسعار النفط، بل إنَّه يمثّل أزمة الاقتصاد العراقي منذ إصابته بداء النفط، وافتراضنا أنَّها أتت بشكل متفاقم ومركّب مقارنة بسابقتها، مقابل وصفات جاهزة يجري تنفيذها لا تعالج لب الأزمة، بل تعالج أعراضها المؤقتة، وبعض هذه الوصفات لا تعدو أنْ تكون أهدافا اقتصادية عامّة تسعى أي سياسة لتحقيقها، من دون توضيح الآلية لبلوغها (مثل زيادة التنويع الاقتصادي، او تنويع الصادرات، او زيادة الضرائب غير النفطية...).
وبالعودة إلى افتراضنا الأول، المتعلق بحكومة الكاظمي الانتقالية ذات الأجل القصير، فإنَّ هذا يتطلب ابتداء تمييزها عن حكومات الدورات الانتخابية التامة (ذات الأربع سنوات مثلا)، التي تسعى في الغالب إلى تنفيذ برامجها المحدّدة بعمر حكوماتها، ما يفرض عليها الدخول في مراحل إعداد وإقرار موازنات سنوية لأربعة أعوام أو أكثر، ما يترتب عليه تحقيق جزء من برامجها، أو في أقل تقدير بروز بعض ملامح نجاح/ فشل ما وعدت به جمهورها، ومن ثم استمرار انتخابها لدورة لاحقة أم لا، وهو ما يمكن أنْ تتجنبه حكومة الكاظمي، ما عدا مطب موازنة العام القادم 2021، الذي سيمثّل تحديا حقيقيا أمامها، لأنّها ستكون قد دخلت حينها الفترة ما قبل الانتخابات، وهي في العادة واحدة من تحديات أي حكومة، إذ إنَّها من جهة ستكون عرضة للمساومات السياسية، وإنتزاع التنازلات بين القوى المتصارعة، ومن جهة ثانية فإنَّ الفترة ما قبل الانتخابات تكون عادة تحت مرمى الرقابة سواء البرلمانية أم الشعبية، وتواجه عادة بمساءلة شديدة للحكومات خوفا من استغلال المال العام لغايات انتخابية، رغم أنَّه من المفترض أنْ لا يعيد الكاظمي ترشيح نفسه انتخابيا، وهو أمر نشكّ فيه.
من ذلك فإنَّ خطورة الأزمة الثلاثية التي تواجه حكومة الكاظمي؛ في حال استمرار معالمها الثلاث (المالية، الصحية، السياسية) للعام 2021، وهو عام الانتخابات المبكرة، إنَّها ستكون حكومة عاجزة اقتصاديا بشكل أكبر، كونها ستواجه بعجز مالي أشد في الموازنة، مع عدم مقدرتها على الاستمرار في سياسات اقتراض ذات آثار غير محسوسة من قبل الجمهور، ما يعني عدم مقدرة حتمية على تأمين الجانب الاستهلاكي من الموازنة، لا سيما أبواب الاجور والرواتب. وإنْ تمّ في موازنة 2020 إلغاء الكثير من النفقات الاستثمارية والمشاريع غير الضرورية، فإنَّ المتوقع أنْ تكون الموازنة الاستثمارية لعام 2021 صفرية، وتبدأ المشاريع القائمة بالتآكل نتيجة توقفها وبالتالي (اندثار الاستثمارات قيد الإنشاء)، وعلى حين كانت التوقعات قد أشارت إلى أنَّ 2020 هو (عام موازنة الطوارئ) فإنَّ التوقعات أنْ يكون عام 2021 (عام اللاموازنة)، ومع تراجع حاد في الاحتياطيات الاجنبية، والتجاوز على استقلال البنك المركزي العراقي بالعلاقة مع الحكومة التي مارست عليه هيمنة مالية برزت واشتدت مع الأزمات السابقة، فإنَّ الأزمة الثلاثية يمكن أنْ تشهد انهيار جدار الاستقلال بحيث يتوقع أنْ يُصار إلى تمويل الموازنة من مبيعات البنك المركزي من دون مقابل دولاري من الحكومة (تمويل حكومي بالآجل)، ما يعني تجاوز خط أحمر جديد وهو استخدام مزدوج للاحتياطيات الاجنبية من قبل الحكومة.
كل ذلك، يمكن أنْ يؤدي إلى شن حملة اقتصادية ضد حكومة الكاظمي، وإغراقه أكثر في متاهة جانوس، التي تشعّبت خيوطها نتيجة تراكم نتائج الأزمات المتعددة منذ 2003، ومن ثم تحميل وزرها لتلك الحكومة، لتقف باقي الأحزاب والكتل والتيارات السياسية متفرجة عليه داخل متاهة قامت بنسج حبائلها هي.
ورغم إيماننا بالاتجاهات النظرية بأنَّ معالجة الأزمة الاقتصادية يكمن؛ كما هو شائع في الاقتصادات المتقدمة، في الذهاب باتجاه السياسات التوسعية المعاكسة للاتجاهات الانكماشية للدورة الاقتصادية ، سواء المالية او النقدية، الا أنَّه من الضروري التنويه، أنَّ ثمة خصوصية للاقتصاد العراقي، ففقرات الانفاق العام خاصة الاستهلاكي، لم يجرِ المساس بها بشكل كبير حتى يقال إنَّ الحكومة بحاجة إلى سياسة مضادة للدورة الاقتصادية، بل إنَّنا نعلم أنَّ هناك إفراطاً في الانفاق العام أساساً، في حين أنَّ الركود يحدث عادة في الاقتصادات المتقدمة بسبب انكماش القطاع الخاص وتوقف الجهاز الإنتاجي لديه وما يصاحبه من ارتفاع في معدلات البطالة، ما يستدعي تدخلات مالية ونقدية توسعية من أجل تحريك الركود، لكن الذي يحدث لدينا، أنَّ الركود ينتج بشكل أساس بسبب التوقعات التشاؤمية التي تؤدي إلى بروز مظاهر الاكتناز الفردي كدافع للاحتفاظ بالنقود وكبح الانفاق الجاري المدعوم بجزئه الأكبر من الأجور والرواتب التي تستلمها فئة الموظفين الحكوميين، والتي تعد القاطرة الاساسية التي تدفع الطلب الكلي، وهذا ما يؤثر في تراجع نمو الطلب ومن ثم الركود. كما أنَّ الاتجاهات الانكماشية تقاد بشكل جزئي من خلال توقف الشق الاستثماري من الموازنة، وهو شق وإنْ كانت آثاره ليست مضاعفة بشكل ملحوظ وتشوبه تسربات كثيرة على شكل فساد وهروب أموال للخارج وسوء تنفيذ، الا أنَّه يبقى مؤثرا في حجب جزء مهم من الطلب الكلي، وبالتالي المساهمة في الركود، بالرغم من أنَّ نسبته منخفضة مقارنة بالانفاق الجاري.
لا حلول أوقات الأزمات
أُؤمِن تماما أنَّ الحلول في حالة البلدان شديدة الريعية تأتي أوقات الفرج وليس الشدة، فالسنبلات يتم الاحتفاظ بها للسنوات العجاف، وأغلب الدول الريعية التي خففت عبء آثار انتقال أزمات الاقتصاد العالمي لديها ذهبت باتجاه إيجاد "مصدات أزمة"، كصناديق التحوط والصناديق السيادية التي تستثمر فيها فوائضها النفطية، بحيث تعود لضخ جزء من عوائد هذه الصناديق أوقات الأزمات، كسياسة مضادة للدورة الانكماشية.
إنَّ توقع إيجاد حلول إيجابية للأزمة الثلاثية 2019-2020 من قبل حكومة الكاظمي أو مستشاريه أمر مستبعد بشكل كبير. ويبدو أنَّ حكومته لا تريد أنْ تجازف بإي حلول خارج إطار الوصفات الجاهزة للأزمات السابقة، التي انحسرت في عدم المساس بأغلب فقرات الانفاق الجاري خاصة الجزء المتعلق بالاجور والرواتب، مقابل التضحية بالشق الاستثماري من الموازنة، والذهاب إلى تمويل عجز الموازنة بالاقتراض الداخلي والخارجي من دون آثار سلبية ظاهرة للجمهور، وذلك بناءً على العمر الزمني القصير لحكومته، كما أنَّ البدائل الجدية التي يتم تداولها تنطوي على كلف اقتصادية لا يريد الكاظمي أنْ يحمل حكومته ووزراءه وزرها، لا سيما أنَّ هذه الحلول تحتاج لعمر زمني طويل هو أكبر من عمر حكومته المفترضة، ما يمكن أنْ يؤدي إلى جني ثمار مرة ولاذعة قبل أنْ تنضج، لا سيما أنَّ التحليلات تشير إلى أنَّ هناك بواعث سياسية تتعلق باحتمالات خوضه للانتخابات القادمة تمنعه من خسارة رصيده الانتخابي في الشارع. كما نعتقد أنَّ خلفيات الرجل البعيدة عن حقل المعرفة الاقتصادية أتاحت له الا يقترب من متاهات هذا الحقل، واكتفى ببعض الاشارات الاقتصادية العامة، ويبدو أنَّ بعض البدائل الاقتصادية التي تطرح أمامه الآن هي من النوع ذات الكلف التي يستشعر خطرها عليه، ما يجعله يتجنبها خصوصاً أنّ حكومته يمكن أنْ تعد "حكومة تصريف أعمال بصلاحيات واسعة" وهو ما يتيح لهذا النوع من الحكومات الهجينة استخدام (سياسة قف- إمشي)، وذلك وفقا لمدى الامكانات المتاحة لتحقيق أهداف بعينها وغض الطرف عن حلول يتوقع أنْ تفضي لنتائج غير محبذة.
حلول محايدة من صميم الأزمة
إنَّ أفضل ما يمكن أنْ تقوم به حكومة الكاظمي وهي في صدد تخطي الأزمة الثلاثية أنْ تخط لنفسها طريقاً برؤية جديدة تنطلق من ثلاثة محاور رئيسة، الاول، هو تصميم برنامج عمل حكومي مصغر وقصير الأمد ذي أولويات محدّثة، الثاني، الاستفادة من الاتجاهات العامة الداخلية والخارجية التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية الثلاثية، وثالثها: طرح حزمة معالجات محايدة وغير تقليدية.
وعلى سبيل المثال، فإنَّ ثمة اتجاهات قوية من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين في إدارة ملف الديون المتلكئة، وتأجيل السداد، نتيجة الجائحة؛ خاصة أنَّه يمكن استثمار الدعم الدولي الذي تحظى به حكومة الكاظمي في هذا الصدد، فأمام الأزمة الثلاثية وما ألحقته من اتساع دائرة الفئات الهشة في العراق وارتفاع خط الفقر ، يمكن تعزيز موقف المطالبة بتأجيل سداد الديون وتعليق فوائدها المترتبة على العراق، ما يمكن أنْ يخفف بعض العبء عن عجز الموازنة العامة، وفي نفس هذا السياق فإنَّه يمكن بذل جهود حثيثة في الداخل في مجال المزيد من المساءلة والشفافية في قضايا إدارة الديون، وهو مسعى إصلاحي يمكن أنْ يؤتي ثماره في الأجلين المتوسط والطويل، ومن دون تكلفة حالية، ما يمكن أنْ يعبد الطريق للمزيد من الموثوقية في هذا الملف ومن ثم فتح مجالات لجذب استثمارات أجنبية عالية المستوى.
وفي نفس هذا السياق فإن حكومة الكاظمي يمكن أنْ تستفيد من الاتجاهات العالمية حول المساعدة في تمويل التنمية للبلدان النامية أثر جائحة كورونا، حيث هناك تخصيص لموارد مالية ضخمة من قبل البنك وصندوق النقد الدوليين لهذا الغرض .
وأيضا يمكن الاستفادة من تداعيات (كوفيد19) وما فرضته من تباعد اجتماعي، بالسعي الجاد نحو تعزيز التواصل الرقمي والتوجه نحو الحكومة الالكترونية، وهو إنجاز يستحق أنْ توجه نحوه بعض جهود حكومة الكاظمي، وإدخاله ضمن برنامجها الحكومي، ما يمكن أنْ يحقق نتائج مرضية على مستوى الوزارات والجمهور وذلك بجهود وتكلفة معقولة، يمكن أنْ تخفف العبء عن الموازنة العامة. ويمكن بهذا الصدد الاستفادة من منظمات الامم المتحدة كاليونسيف، التي ترعى برامج التعلم الرقمي، خاصة للمدارس والاطفال، ويمكن بذلك لحكومته أنْ تشرع في بناء أسس سليمة لمجتمع معرفة مبني على التعلم عن بعد، فضلا عن الاستفادة من تجربة الجامعات العراقية للعام الحالي 2019-2020 التي إتسمت بالشكلية وشابتها الكثير من العيوب، وذلك باتجاه تطوير هذا النوع من التعليم بشكل أكثر جدية وصرامة.
ونفس الحال بالنسبة لقطاع الصحة الذي يمكن للحكومة من خلاله تعزيز برنامجها الحكومي وإنجازاتها، بتقديم رؤية خاصة عن هذا القطاع، إذ إنَّ الفرصة مؤاتية لإعادة هيكلته وإيجاد بدائل تمويلية قائمة على أنظمة الرعاية والضمان الصحي بشكل يتم معه محاولة سد الثغرات التي عرَّت نظامنا الصحي خلال الجائحة، فضلا عن إيجاد وسائل يتم من خلالها تغطية فجوة التمويل التي أصبح من الصعب ملؤها من خلال الموازنة المعتمدة على النفط ومستويات الفساد العالية، كما يمكن بهذا الصدد الذهاب باتجاه المنظمات الدولية كالبنك الدولي للحصول على دفعات تمويل صحي طارئة من أجل دعم البنية التحتية لهذا القطاع .
وأخيرا فإنَّ الفئة الأكثر حيوية والأجدر بالرعاية، هم فئة الشباب، فأمام ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، كون المجتمع العراقي مجتمعاً فتياً دخل مرحلة الهبة الديموغرافية، حيث بلغت بطالة الشباب  (من 15-29 سنة) ما يقارب نسبة 22.6% عام 2018 ، فإنَّ هذه الفئة هي سلاح ذو حدين، فقد كانوا وقود حركة احتجاج تشرين الأول 2019 وأحد أسباب اشتعالها، التي يمكن أنْ تستأنف حراكها في إي لحظة، وبذلك فإنَّهم يمثلون جزءاً مهماً من الأزمة الثلاثية، وهنا يمكن لحكومة الكاظمي استثمار هذه الفئة، وتحويلها لقوة داعمة، كونها المحرك الاساس والشرط الضروري لنجاح عملية التنمية في العراق المستقبلي، وذلك في مجالات عديدة كبرامج دعم أنشطة الأعمال، والوظائف الخاصة والبنى التحتية الرقمية ومشاريع الطاقة الشمسية...
ومن المؤسف أنْ أختم ما بدأته بمحور اضطر إلى التوقف عنده، الذي يمثل جزءاً رئيساً من متاهة أزمة العراق الاقتصادية، وهو محور الفساد، أحد أسباب انبثاق حراك تشرين، ومن أحد أكثر الملفات الشائكة التي لم يستطع أي من رؤساء الوزراء السابقين التعامل معها بشكل سليم، رغم أنَّه مقياس حاسم للعنة هؤلاء الرؤساء أو تخليدهم.
إنَّ الفساد في العراق دخل عمق المنظومة الاقتصادية والسياسية وأحزابها وشخوصها، وأصبح يمثل قضية وجود، لا سيما أنَّ أغلب موارد البلد النفطية تدار بطريقة مركزية رهينة بهذه المنظومة، يتم فلترة جزء مهم من هذه الموارد لصالح هذه المنظومة. وهنا علينا القول إنَّ حكومة الكاظمي يمكن أنْ تستمر في منهجها المتمثل بسياسة (قضم الشركاء/الخصوم) كبديل عن سياسة المواجهة المفتوحة، وهو خيار مرحلي يتلاءم مع العمر القصير لحكومته الملغومة، وذلك بإحلال شخصيات وطنية كفوءة محل رؤوس الفساد العليا الذين يمثلون واجهات تعمل كسماسرة لتمويل الأحزاب والتيارات والكتل، خاصة ما يتعلق بوزارات وهيئات ذات طبيعة اقتصادية واستراتيجية، كوزارة النفط والمالية والتخطيط والتجارة والبنك المركزي... التي كانت عرضة لسوء الادارة والفساد وهدر المال العام وتمويل الاحزاب ومشاريع الحروب الاهلية والارهاب ودعم الدول الاخرى.

المصادر باللغة العربية:
1.    أسعار النفط  وعقود النفط الآجلة حسب الموقع الرسمي لأسعار النفط. 
https://oilprice.com/
2.    البنك المركزي العراقي، النشرات الإحصائية لأعوام مختلفة، والمنشورة على الموقع الرسمي للبنك المركزي.
  https://www.cbi.iq/
3.    التقرير الاقتصادي السنوي للبنك المركزي العراقي 2009، البنك المركزي العراقي، المديرية العامة للابحاث والاحصاء.
4.    تقديرات البنك الدولي حول العراق.
 https://www.worldbank.org/en/country/iraq
5.    تقرير آفاق الاقتصاد العالمي اكتوبر 2018، صندوق النقد الدولي، دراسات استقصائية لأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، التحديات أمام النمو المطرد، الطبعة العربية.
6.    تقرير آفاق الاقتصاد العالمي 2020 الصادر عن صندوق النقد الدولي.
 https://www.imf.org/ar/Publications/WEO
7.    الجهاز المركزي للاحصاء، وزارة التخطيط العراقية، حسابات الدخل والناتج القومي. 
http://cosit.gov.iq/ar/national-accounts/income
8.    الجهاز المركزي للاحصاء، وزارة التخطيط العراقية، مؤشرات التشغيل والبطالة في العراق.
 http://www.cosit.gov.iq/ar/2013-01-31-08-48-55
9.    ديفيد مالباس (2020) تمويل التنمية في عصر فيروس كورونا المستجد (كوفيد19) وما بعده. الموقع الرسمي لمجموعة البنك الدولي. 
https://www.albankaldawli.org/ar/news/speech/2020/05/28/world-bank-group-president-david-malpass-remarks-at-high-level-event-on-financing-for-development-in-the-era-of-covid-19-and-beyond
10.    مصطفى الكاظمي (19- ايار -2020)، العراق أكبر من التحديات، مقال منشور على الصفحة الرسمية لرئيس مجلس وزراء العراق مصطفى الكاظمي.
 https://pmo.iq/press2020/18-5-202003.htm
11.    موران إدغار (2018)،  في مفهوم الأزمة، ترجمة بديعة بوليله، دار الساقي للنشر والتوزيع.
12.    وزارة التخطيط  العراقية، الموقع الرسمي. 
https://mop.gov.iq/activities_minister/view/details?id=1216
13.    وزارة المالية، جمهورية العراق، قانون الموازنة التكميلية العامة الاتحادية للسنة المالية /2008 رقم (34) لسنة 2008، المنشور على الصفحة الرسمية لمجلس النواب العراقي.
https://arb.parliament.iq/archive/
14.    وزارة المالية، جمهورية العراق، قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية/ 2008 رقم (20) لسنة 2008، المنشور على الموقع الرسمي لوزارة المالية العراقية.
http://mof.gov.iq/pages/ar/FederalBudgetLaw.aspx


المصادر باللغة الانكليزية
1.    Feeney D., (2007) Caesar’s Calendar: Ancient Time and the Beginnings of History (1st Edition). University of California Press, pp. 138-166.