الغياب والحضور (قراءة في ماهية الدولة)

تاريخ النشر:
2020 كانون الأول 07

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf



حارث رسمي الهيتي
1.    في التعريف العام
مقدماً، لا تدّعي هذه الورقة قدرتها على الاجابة عن مفهوم ملتبس وعويص مثل الدولة بقدر ما إنها ستناقش بعض تعريفاتها التي شغلت العاملين والباحثين في حقلي السياسة والاجتماع، وبالتأكيد ايضاً هي لا تقصد هنا حضورها وغيابها "المكاني" إن صح القول، لكنها تحاول أن تؤشر على حضورها حين تنجح، وتستدل على غيابها من مواطن الفشل والأخفاق. أي حضورها وغيابها يرتبط فعلياً بما تستطيع أن تقدمه الدولة بوصفها دولة، من هنا تأتي أهمية تعريفها، بإعتبارها ناظماً رئيسياً للأمة، ومسّيراً مهماً لحياتهم اليومية بإعتبارها جهازاً منبثقاً عن تلك الأمة/المجتمع، وهذا يدل على انها جهاز اصطناعي نتج عن مجتمع معين لا جهازاً فُرِضَ عليه من الخارج. 
رغم تعدد تعريفاتها –الدولة- ومفاهيمها التي لا يجمع من كتبوا عنها على تعريف واحد أو رؤية مشتركة، وذلك طبقاً للخلفيات والمدارس الفكرية التي تقف وراء من كتبوا، الا انهم يجمعون أو يتفقون بأقل تقدير على جملة من القضايا التي تعتبر واجبات رئيسية تقدمها الدولة. شخصياً، لا أخفي انحيازي الى تعريف فردريك أنجلس (1820-1895) والذي يؤكد على ان الدولة هي وليدة مجتمع ما في لحظة تطور و تورّط في آن واحد، والتورّط الذي يشير اليه انجلس يقصد به التضاد أو الانقسام الذي يحدث بين طبقات اجتماعية لكل منها مصلحتها الاقتصادية التي تتنافى وتتقاطع وتتقاتل مع مصلحة الطبقة الأخرى، مما يتوجب ايجاد طرفاً يقف فوق الجميع ويحتكم الجميع اليه، هذا " الفوق " الذي يستطيع أن يفرض نفسه على المتخاصمين كي لا يقضي أحدهم على الآخر أو يلتهمه، هذا الفوق الذي ينفصل تدريجياً عن المجتمع ويسمى دولة فيما بعد. وهذا التعريف لا أجده بعيداً عن تناول ابن خلدون (1332-1406) الذي كان يعتبر الحاكم هو الوازع الذي احتاجه البشر بعد أن اجتمعوا وأصبح لكل واحد منهم مصلحته الخاصة ودفعته تلك المصلحة الى أن يمد يده الى حاجته ليأخذها من يد شخص آخر مما ولد التنازع والمقاتلة بين البشر. ويشترك الأثنان- ابن خلدون وانجلس- من حيث المنطلق، فهي عند انجلس نتاج الصراع الطبقي والحاكم عند ابن خلدون هو نتيجة الصراع المحتدم بين البشر لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والاعتداء بعضهم على بعض، فالحاكم عند ابن خلدون هو الدولة وعند انجلس من ناحية وظائف كل منهما على الأقل.
وهنا نفترض إن انتاج هذه – الدولة - كان المراد منها أن تقدم وظائفاً محددة، لا فقط أن تتسيّد على المجتمع وتقف فوقه، وستحاول أن ترسمه من جديد تدريجياً بطرق مباشرة او غير مباشرة، وحيث ان سبب ظهورها الأول هي الحاجة لكبح جماح طرفاً مجتمعياً عن طرف آخر، مهمتها الحيلولة دون تمكن أحدهم من ابتلاع الآخر والقضاء عليه ومصادرة حقه في البقاء بكل ما يحمله هذه البقاء من ضرورات، وكل هذا يتطلب أن تحتكر تلك الدولة وتمتلك وحدها العنف وأدواته ووسائله، مع الأخذ بنظر الاعتبار هنا الفرق الكبير بين امتلاكها لوسائل العنف والقهر وبين استخدامها من دون رادعٍ أو ضابط. هذا الاحتكار سيدفع بالمجتمع ككل الى الانصياع الى قراراتها وسلطتها فيما بعد من دون أن تستخدمه احياناً. لكن لا تستطيع الدولة أن تواصل عملها ولا وجودها كدولة باستخدام العنف فقط، بل انها تحتاج ايضاً وبقدر احتياجها لاحتكار وسائل القهر الى قبول اجتماعي، أو شرعية يمنحها لها المجتمع الذي تحكمه وتقف هي فيما بعد فوقه، هذه الشرعية أو هذا القبول هو السبب الرئيس لوجودها وهو ما يمنح قهرها وعنفها الشرعية بعد أن يؤمن ذلك المجتمع بأن وجودها ضرورة مهمة لوجوده كمجتمع. وإن غيابها يهدد ذلك الوجود، وهذه العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع هي علاقة جد ضرورية ومهم توفرها. 
ومن وظائفها المهمة ايضاً  تمثيلها لذلك المجتمع أو الجماعة الوطنية حسب بعض التعريفات، والتي منحها شرعيتها وذلك عبر انتاجها لسياقات وتشريعات من شأنها أن تعمل على تجانس ذلك المجتمع واندماجه بروابط تربطه مع هذه الدولة حيث يتخلى طواعيةً عن روابطه القديمة القائمة على أساس القبيلة أو الدين، المذهب والطائفة والقومية، التخلي هنا بمعنى الاندماج مع الآخر سببه الانتماء لتلك الدولة والجماعة الوطنية لا بمعنى التنازل أو ترك ذلك الانتماء، بجملةٍ أدق اعتبار تلك الانتماءات شيئاً شخصياً لا تأثير لها على علاقته بالدولة أو بالآخر الذي يشاركه الرقعة الجغرافية تلك، هي وظيفة تحويل جميع من يعيشون في تلك الرقعة الجغرافية الى مواطنين بعيداً عن أي انتماء آخر، فمتى ما اعتبر ذلك المجتمع ان الدولة ببنيتها وخطابها، بقراراتها ورؤيتها لا تمثله فانه سيمتنع عن تنفيذ أوامر الدولة أو انها ستفتقد احترام المواطن لها باعتبارها ناظماً لحياته. 
حديثاً وحسب الباحث الراحل فالح عبد الجبار فإن من الوظائف الأخرى للدولة هي امكانيتها على تقديم الخدمات، وهي اضافة حديثة لوظائف الدولة حسب عبد الجبار، وهذه الخدمات تشمل التعليم والأمن والصحة. فلا يمكن لدولة ما ان تقوم أو تحقق ذاتها كدولة دون أن توفر لمواطنيها كل تلك الخدمات، على اعتبار انها المتلقي الوحيد لكل الايرادات والمداخيل سواء كانت تلك الايرادات قادمة من الضرائب أو الريوع أو أي شئ آخر. 
واذا اعتبرنا هنا، إن تلك الوظائف التي ذكرناها تمثل أبرز ما اتفق عليه كل اولئك الذين قدموا لنا تعريفات للدولة من حيث ان لها وظائف تضطلع بها لتثبت وجودها، وعكس ذلك فانها تنفيه، تنفي وجودها الحقيقي، أو يصبح وجودها شكلياً وهو بنظر مواطنيها وجوداً غير مرغوب به أو لا يعني له شيئاً، ستحاول النقطة الثانية من هذا البحث أن تسّقط تلك التعريفات والوظائف على العراق، وتحاول أن تناقش الدولة ووظائفها في فترة ما بعد 2003 الحدث المفصلي والراديكالي في تاريخ العراق المعاصر. 
2.    الدولة في عراق ما بعد 2003 
يوم وقفت تلك الآلية العسكرية الامريكية في ساحة الفردوس، كانت لحظة أن يقوم جندي أمريكي بإنزال العلم العراقي عن رأس تمثال صدام حسين، ويغطيه لاحقاً بعلم بلده هو درساً بليغاً، وسواء إن اقدام الجندي على هذه الفعلة كان مدروساً ومخططاً له أم لا، فإن الرسالة التي يجب أن نقرأها دائماً ونذّكر بها إن دولة كانت في طريقها الى الانهيار ودولة أخرى ستحل محلها، إعادة تشكيل الدولة هذه المرة أو اعادة بنائها من جديد لا يختلف كثيراً عن لحظة انبثاقها للمرة الاولى بفعل الانكليز بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة العثمانية. فمثلما كانت الدولة في حينها تعبر عن ارادة خارجية لم يشترك المجتمع في ولادتها، ولم توجد في لحظة تورطه وتطوره حسب انجلس، نجد انفسنا أمام نفس التجربة عام 2003، فبناء الدولة الجديدة لم يكن هذه المرة ايضاً نتاج لمجتمع متطوّر وصل الى قناعة أن يفوض أمره الى كيان معين ليحتكر العنف ضمن استعمال مشروع ومشروط، كما ان الدولة الوليدة هذه المرة لم تختلف ايضاً عن دولة مطلع القرن العشرين في انها لم تحصّل شرعيتها نتيجة اقتناع المحكومين بها بل جاءت نتيجة لاعتراف قوى عظمى كانت تقف خلف الدولة وتتبناها. وتتشابه ايضاً مع دولة القرن العشرين في انها كانت تضطلع ببناء الأمة او هكذا أريد لها. وفي كلتا الحالتين كانت واحدة من أهم الاعمال التي وجب على الدولة الجديدة القيام بها هي بناء الأمة، وهنا تصبح المهمة معكوسة فنحن أمام دولة تحاول بناء أمة لا أن تتورط وتتطور كي تصل الى بناء دولتها الخاصة.
ومن ملاحظة وظائف دولة ما بعد 2003 نراها قد فرطت كثيراً في حق امتلاكها لوسائل العنف والقهر، سواء كان هذا التفريط أمراً ارادوياً أم خارجياً مفروضاً، فوسائل العنف في عراق ما بعد 2003 لم تكن بيد الدولة وحدها ولن تكون طالما لا يوجد اجماع وطني/قومي حول الدولة باعتبارها ممثلاً حقيقياً للجماعة الوطنية. هذا التعدد في امتلاك وسائل القهر والقوة والعنف يرجع الى جملة كبيرة من الأسباب أهمها والذي يمكن أن نؤشره هو ذلك التاريخ الفضيع والمرير من استغلال الدولة لامتلاكها العنف وادواته في فرض ارادات لم تكن بالضرورة تمثل رأي ومصلحة الأمة –إن كان للأمة بتعريفاتها المتعددة وجود اصلاً-، وسبباً لا يقل أهمية وخطورة عن السبب السابق وهو ان امتلاك العنف وأدوات القهر من شأنه أن يمكّن مالكه من اعادة رسم أو انتاج تغييرات سياسية واقتصادية وديمغرافية تتناسب مع رؤيته ومنطلقاته الفكرية... الخ. ناهيك عن تقصير الدولة في القيام بأهم واجباتها وهي تقديم الأمن والحماية لمواطنيها نجد إن نزعة امتلاك تلك الوسائل تكون من أجل الحماية.
اما في وظيفة تمثيلها للمجتمع/ الجماعة الوطنية، ففشل الدولة في العراق ليس جديداً، فما بعد 2003 لا يختلف عن مطلع القرن العشرين ايضاً، فغياب المشروع الوطني لدى النخبة الحاكمة (ذلك المشروع الذي يحوّل كل المكونات الى مواطنين) تمتد جذوره الى قرنٍ فائت، فمنذ قيام الدولة العراقية الحديثة ومشاكل الاندماج تلقي بظلالها على الواقع العراقي، لحظة ولادة الدولة العراقية كانت وحسب بطاطو هناك مهمة ملحة تقع على عاتق النخبة الحاكمة في الدولة والانكليز معاً وهي اندماج الشيعة في هذا الكيان الجديد، فضلاً عن النزاعات الأخرى المتمثلة في نزاع العرب فيما بينهم، نزاع العشائر والمدن النهرية من جهة وبين العشائر نفسها من جهة ثانية حول الاراضي السهلية المنتجة للغذاء على ضفتي دجلة والفرات. 
بعد 2003، كانت هناك مشاكل من نوع آخر، حيث أصبح موضوع الاندماج موضوعاً عكسياً، حيث تعاني الدولة وكما في السابق من تعدد المكونات التي تجد صعوبةً في اندماجها في هذا الكيان المسمى دولة، فالسنة اليوم يشعرون انهم فقدوا تسيّدهم على المجتمع بحكم تربعهم على عرش السلطة منذ قرن من الزمان ان صح القول، وجدوا أنفسهم بعد 2003 ونتيجة سياسات الحكومات المتعاقبة وبعض خطاباتهم ومنطلقاتهم لا يشكلون وخطابهم المحور أو المركز في الدولة الجديدة، فالخطاب العروبي القومي والذي تبنته على الأقل الدولة من 1963-2003 على اختلاف الحكومات المتعاقبة هو خطاب يجد صداه عند السنة وحدهم، على اعتبار ان الكرد لا يشملهم النزوع نحو القومية العربية، اضافة الى اشارات خفية كان يتبنها القوميين والبعثيين من إن الشيعة لا يشملهم هذا الخطاب ايضاً. 
محاولة اندماج الجميع اليوم في الدولة الجديدة تتطلب من الجميع أن يعيد قراءة وضعه وتطلعاته، فعلى السنة أن يتركوا جانباً موضوع ان زعامتهم على الحكم قد كسرت في 2003 ويذهبوا باتجاه انهم مواطنون مثل بقية شركائهم في هذه الدولة وهذا لا يتحقق ما لم يترك الشيعة وقادتهم موضوع المظلومية أو ينحوها جانباً، وأن لا يتصرفوا وكأنهم قد تمكنوا أخيراً من فرض وجودهم وارادتهم على مفاصل هذه الدولة ومواقعها الحساسة، بالمقابل على الكرد ايضاً أن لا يبحثوا دائماً عن مركز ضعيف ويغذوا هذا الضعف خشية أن يلتهمهم هذا المركز في حال قوته كما في السابق. ومنعاً لأي التباس أو اتهام فالحديث عن السنة والشيعة والاكراد أقصد به تلك النخب والقيادات التي تدعي تمثيلها لكل تلك المكونات المجتمعية.
أخيراً، أجدني قريباً من رأي الباحث حيدر سعيد حول الحاجة الى نسيان، لا الى الذاكرة، في حال قررنا بناء الأمة، هذه الأمة التي من شأنها أن تبني دولة تمثل الجميع، نحن أمام خياران لا ثالث لهما، الأول يتمثل في حضور الماضي المشبع بالدم والاقصاء وفرض الارادات وهذا من شأنه أن يبقي حمام الدم الذي نعيشه وفرض الارادات ومحاولات كل طرف اقصاء من يعتقد انهم خصومه والتنازع للحصول على مراكز القرار وامتلاك ادوات القوة والقهر مما يجعلنا نعيش حالة اللادولة، والثاني هو نسيان ذلك الماضي والتعاقد من جديد على نظام يحمي الجميع ويقف فوق الجميع، أن يحميهم لا باعتباراتهم الدينية ولا القومية أو الطائفية، يحميهم باعتبارهم مواطنين ليس الا.