هجمات داعش الأخيرة (تحليل على خلفية سيناريو 2014)

تاريخ النشر:
2020 كانون الأول 08

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf


عقيل حبيب/باحث متخصّص في الجماعات المتطرفة
بين صعود التنظيم 2014 وهزيمته 2017 يأتي تصاعد الهجمات الأخيرة خلال الأشهر القليلة الماضية من عام 2020 وإلى وقت كتابة هذه الورقة، وقد جاءت هذه الهجمات على مواقع عديدة في مدن العراق كان أكثرها دموية وتعقيدا هو هجوم مكيشيفة بمدينة صلاح الدين، ووفقا للعمليات المشتركة في العراق ومراكز أبحاث أميركية (كمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) أن الهجمات تصاعدت بنسبة خطيرة، حيث نفّذ التنظيم عشرات الهجمات بأساليب متنوعة، كان آخرها اغتيال قائد اللواء 59 بالفرقة السادسة جيش عراقي، وقائد اللواء 29 فرقة المشاة السابعة جيش عراقي في منطقتي الطارمية وهيت على التوالي خلال شهر تموز 2020. وتأتي هذه الهجمات ضمن خطة سعت داعش من خلالها إلى تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية يمكن أن نقسمها إلى قسمين رئيسين: الأول؛ أهداف عسكرية قتالية أريد لها أن تكون إثبات وجود للتنظيم أمام أتباعه ومناصريه من جهة، ومن جهة أخرى أمام منافسيه من الجماعات المتطرفة الأخرى وأبرزها (القاعدة) و(جبهة النصرة)، وأمام القوات العراقية المعادية لها. أما الهدف الثاني فهو ذو طبيعة سياسية الغاية منه التمهيد لدخول داعش كلاعب أساسي في سبيل الاستفادة من التناحرات والصراعات القائمة بين أغلب الأطراف المحلية والدولية في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، وهو الدور الذي كان يجيده داعش، ولطالما استثمره لصالحه. مع العرض أن هذا التقسيم لا ينفي وجود أهداف أخرى كرغبة التنظيم بالانتقام - على سبيل المثال - فقد حمل جزءٌ من الهجمات نبرة ثأرية تمثلت بمهاجمة أشخاص محليين بعينهم وحرق لحقول ومزارع.
وفي ضوء ما تقدّم يبقى السؤال الأهم برأيي: هل نستطيع أن نؤشر خيطاً يربط بين تلك الهجمات المتفرقة على مستوى استراتيجي؟ أو بصيغة أخرى: هل تراكم الهجمات خلال هذه الفترة يشير إلى قفزة نوعية/ استراتيجية أم إن الأمر سيظل مجرد هجمات تتحكم بها الظروف الخارجة عن إرادة التنظيم؟
لبحث الهجمات من خلال موضعتها ضمن استراتيجية داعش المعروفة، نجد أنّها تأتي على خلفية إدارة داعش نفسها من واقع الهزيمة والتخلي عن (الدولة) لصالح (التنظيم)، الــــذي رافقــه – هيكليا-  إعلان العراق (ولاية) بدلا من دولة كما جاء في بيانات داعش الأخيرة. أما على مستوى الهجمات فتشير الهجمات إلى عودة لنفس الأسلوب القديم الذي يتراوح بين استهداف نقاط حراسة ومرابطة عسكرية بأسلحة خفيفة والهروب والاختفاء (هذه العمليات تقوم بها مجاميع صغيرة مؤلفة من 3 -6 أشخاص في أغلب الأحيان، وتوصف بأنها سريعة الحركة وتتمتع بالاستقلال كبير ومزودة بعناصر الدعم اللوجستي)، وبين القيام بهجمات تستغرق وقتا أطول وأعداداً وإسلحة أكثر وتكبد قواتنا المسلحة خسائر أكبر، وتتعمّد داعش القيام بمثل هذه الهجمات المركبة من وقت طويل لآخر بسبب عدم امتلاكها القدرة على مواصلة مثل هذه الهجمات، مما يدل على أنّ التنظيم في طور التشكل، فهو ليس التنظيم الذي كان عليه والذي يعمل كخلفية مشهدية في الذاكرة الجمعية، لقد انفرط عقده وفقد قرار المبادرة بالهجمات، وهذا ما يوجب على القوات الأمنية والعسكرية محاربته، وقطع الطريق عليه وإجهاض مشروعه قبل أن يجمع (حبات العقد) وتنظيمها في (خيط) تكون نتيجته أشد كارثية من نتيجة 2014. 
ووفقا لتقارير دوائر الاستخبارات الاميركية وتقارير المصادر الأمنية المنشورة عبر وسائل الاعلام فإن داعش لا يزال يحتفظ بعدد من مقاتليه يتراوح عددهم بين 3000-18000 بين سوريا والعراق، يتنقل أغلبهم في المناطق الصحراوية والحدودية والزراعية، ومن الجهة الشرقية للعراق فإن خلاياه بدأت تنشط بدءاً من تلال حمرين ومناطق العظيم والنفط خانة وجلولاء وخانقين مستفيدين من عدد من النقاط الجغرافية كابتعاد بعض تلك المناطق عن مراكز المدن ووعورة الأرض ووجود عدد من الحواضن والمعسكرات، ومستفيدين من ثروة مادية ومعنوية تعود لرأس مال رمزي، ورثوه من العهد السابق للتنظيم (طور الدولة الخليفية).
توصف هذه المناطق بكونها بيئة كلاسيكية لوجود مثل هذه التنظيمات، وقد أضيفت إلى هذه النقاط الجغرافية والدمغرافية نقاط أخرى تتمثّل بعوامل مثل عامل مخيم الهول، وعامل ظهور مرض كورونا (علاقة التنظيم بهذا المرض واستغلاله واقعيا أو إعلاميا ومحاولة ربطه مخياليا بسردية عودة الخلافة الأخروية لا يسع المجال له). 


تحليل التقارير الأمنية التي تناولت الهجمات  
من خلال الاطلاع على عدد من التقارير المحلية والعالمية لاحظنا أنّها تشير إلى عدد من النقاط، أهمها: إن أغلب المؤشرات تذهب باتجاه أن تنظيم داعش ربما بدأ بتدشين تكتيكه الجديد الذي تمتد أهدافه خارج الإطار العسكري لتشمل الإطار الأيديولوجي والاستراتيجي. ومن خلال تتبع هذا التكتيك (الجديد) نستطيع أن نلاحظ أوجه شبه عديدة مع مرحلة ما قبل 2014 (مع تطوير بعض الأساليب لتتلاءم والأهداف) من حيث التحرك بمناطق يعدّها (مؤمنة) وخبر جغرافيتها وديمغرافيتها جيدا، ومن حيث تعزيز تواجده ومصادر تمويله وتأمين عناصره لهذا جاء التأكيد على العمليات النوعية (لا سيما اغتيال قادة الجيش الكبار) والابتعاد عن تفجير العجلات على المواطنين في الأماكن العامة، وعدم مهاجمة مؤسسات حكومية ودوائر تابعة للدولة والاقتصار على اختيار أهداف عسكرية (العدو الصائل بحسب قاموس السلفية الجهادية التي ينتمي اليها داعش) أو (متعاونة) كما يعتقدون. 
تكتيكياً توصف هذه الهجمات بالتنوع فمنها ما حدث في تفجير مديرية استخبارات كركوك المحصنة من قبل انتحاري عربي (بحسب بعض المصادر الأمنية العراقية كان يلقب بالقعقاع المهاجر)، واستخدام القناص في صلاح الدين وفي اغتيال القادة، والقصف بالهاونات في مناطق متفرقة، وهجوم مكيشيفة المتعدد الأساليب، حيث قام عدد من مقاتلي التنظيم بالهجوم ثم أعقبها نصب الكمائن والعبوات التي راح ضحيتها عدد من الشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي والعشائري. ويعزو عدد من الخبراء والأمنيين هذه الهجمات إلى عدد من الأسباب منها رخاوة السيطرة الأمنية في مناطق الهجمات، وعدم التنسيق بين الأجهزة الأمنية بالشكل المطلوب، وعدم وجود مراقبة الكترونية بالكاميرات الحرارية أو الطائرات المسيرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بسبب وجود الخلايا النائمة ووجود مخازن السلاح المخبأة منذ فترة هيمنة التنظيم، وتوفر الأموال التي تركها التنظيم. هذه الأسباب - التي اتفقت عليها أغلب التقارير - هي التي مكّنت التنظيم من أن ينظم صفوفه ويوقظ خلاياه النائمة ويستهدف المناطق.
يمكن أن نضيف إلى هذه الأسباب (المادية) أسباباً فكرية تتعلق بايديولوجية تنظيم داعش بوجه خاص، وباقي التنظيمات التي على شاكلته بوجه عام، داعش وصل إلى مرحلة تنظيمية لم يسبقه اليها تنظيم متطرف إرهابي على مستوى العالم وحصل على مساحات وثروات وانضوى في صفوفه الآلاف من كل مكان في العالم مستثمرا خبراتهم، كلاً في مجاله، لهذا تنعكس هذه المكتسبات على إرادة القتال وحمل إرث الجهادية العالمية (فليس من السهولة أن يترك كل هذا الإرث التنظيمي والايديولوجي ويُسلِّم سلاحه). 
كذلك يمكن أن نضيف إلى هذه الأسباب الفكرية، سبباً مهماً آخر ظلّ خفيا على المحللين وهو إيمان أغلب قيادات داعش بعقيدة نهاية العالم أو علامات الساعة، آخر الزمان...الخ. من هذا المنظار نظر داعش مترجما الهزيمة من خلال جهازه السردي والتصورات المخيالية الكبرى للايديولوجية السلفية الجهادية لتكون الهزيمة (ابتلاء وامتحان من الله)، والذي لا يعني أن الله تخلّى عنهم، فالعلامات تحقّقت وأنّنا نعيش الزمن الذي أخبر به النبي حيث قال: (ثم خلافة على منهاج النبوة)، لذا فالخلافة (باقية) و(تتمدّد) هو الهدف الإلهي النهائي (يأبى الله الا أن يتم نوره) كما ورد في الكلمة الصوتية لأبي بكر البغدادي وعدد من إصدارات داعش التي جاءت ضمن خطاب الهزيمة، ويعود هذا التصور الخرافي إلى فكر داعش بشكل عام ولكن جرت الإشارة اليه بكثافة مع هزيمة التنظيم. وهنا تتوافق هذه الهجمات مع الخطاب في محاولة (لم يكتب لها النجاح للآن) لصنع سردية جديدة تصلح كجسر يربط واقع التنظيم (الهزيمة) بحلم الخلافة ويفيد كغذاء فكري ورمزي ومخيالي لمرحلة ما بعد الهزيمة، التي بدأت بعض ملامحها بالتشكل من خلال هذه الهجمات، ومن خارطة اصطفافات اللاعبين الإقليميين والدوليين.