الحدود البحرية العراقية الكويتية في خور عبد الله

تاريخ النشر:
2020 كانون الأول 14

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf



الكابتن البحري كريم جبار السوداني
يمتاز خور عبد الله بأهمية كبيرة للعراق، فهو الممر المائي المؤدي إلى ميناء أم قصر وميناء خور الزبير، وهما أكبر الموانئ الحالية في العراق، ويمتاز خور عبد الله بعمق قناته الملاحية حيث ترسو في ميناء أم قصر سفن ذات غاطس 11 متراً، ومن المؤمل بناء ميناء الفاو الكبير الذي يقع في بداية خور عبد الله باتجاه البحر مما يجعل من خور عبد الله ممرا استراتيجيا مهما وبوابة اقتصادية تربط آسيا باوروبا. وبما أن الموانئ بطبيعتها تعمل وفق المعايير الدولية للسلامة والأمن وحماية البيئة البحرية نجد أن العراق متخلّفٌ عن المجتمع الدولي بتطبيق تلك المعايير ويحتاج إلى جهد كبير للوصول بمقاييس عمل لتنافس موانئه الموانئ الإقليمية والعالمية.
ومن الأمور المهمة التي يفتقدها العراق هو عدم وجود ملامح واضحة للبحر الاقليمي العراقي، إذ تمتد السيادة إلى مسافة 12 ميلاً بحرياً عن خط الأساس وإلى الحيّز الجوي فوق البحر الاقليمي وإلى قاع البحر وباطنه، وهذا ماحدّدته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS 82 . وتهدف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 لإقامة نظام قانوني دولي عادل مع مراعاة لسيادة كل الدول، وتسهم الاتفاقية في تعزيز السلم والأمن والعلاقات الودية بين جميع الدول طبقا لمبادئ العدل والمساواة في الحقوق.
بعد قرار مجلس الامن 833 وتبني الامم المتحدة مسألة ترسيم الحدود البحرية في خور عبد الله استخدمت المادة 15 من الاتفاقية التي تنصّ ((حيث تكون سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة، لا يحق لأي من الدولتين في حالة عدم وجود اتفاق بينهما على خلاف ذلك، أن تمد بحرها الإقليمي إلى أبعد من الخط الوسط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين. غير أن هذا الحكم لا ينطبق حين يكون من الضروري بسبب سند تاريخي أو ظروف خاصة أخرى تعيين البحر الإقليمي لكل من الدولتين بطريقة تخالف هذا الحكم)).                                                                                             
هنا تجاوزت لجنة ترسيم الحدود الأممية على العراق تجاوزا خطيرا حين اعتمدت خط المنتصف كقاعدة لترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت، وأهملت اللجنة الأممية الحق التأريخي للعراق في خور عبد الله، إذ تمّ حفر القناة من قبل العراق وتثبيت العوامات البحرية وصيانتها ولا وجود للجانب الكويتي في هذه القناة لغاية عام 2003. بالإضافة إلى الظروف الخاصة والجغرافية للمنطقة التي تؤشر الدلائل العلمية على أن ترسيبات الطمي غرب شبه جزيرة الفاو أصلها أرض الفاو وبالتالي فإنَّ خط التالوك كان هو الحل المثالي لترسيم الممر المائي في خور عبد الله لغاية الدعامة 162، بدلا من خط المنتصف الذي حرم العراق من سيادته على القناة الملاحية التي حفرها وكان له الحق التاريخي بها منذ أمد بعيد. وأكدت اللجنة الاممية تجاوزها وظلمها للعراق إذ توقّفت عن ترسيم قناة خور عبد الله عند الدعامة 162 التي تنتهي عندها إطلالة جزيرة بوبيان باتجاه البحر ويميل البحر الإقليمي الكويتي جنوبا بينما يحصل العراق على مساحة مياه إقليمية أكبر حسب قاعدة خط المنتصف، لأنّ ساحل العراق يمتد باتجاه البحر بصورة موازية للمر الملاحي لقناة خور عبد الله. 
عند التدقيق في تلك التصرفات نستدل على المؤامرة التي تهدف لتضييق الخناق على العراق وحرمانه من الاطلالة البحرية وتأكد ذلك بعد إبرام اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، إذ استدرج العراق لتوقيع تلك الاتفاقية ليتم الاعتراف الكامل بقرارات ترسيم الحدود. بعدها أنشأت الكويت منصة ثابتة في منطقة ينحسر عنها الماء عند الجزر (تظهر فقط عند انخفاض منسوب المياه) وهذه المناطق عرّفتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وحدّدت لها نصاً قانونياً في المادة 7 الفقرة 4 من الاتفاقية ((لا ترسّم خطوط الأساس المستقيمة من المرتفعات التي تنحسر عنها المياه عند الجزر وإليها ما لم تكن قد بنيت عليها منائر أو منشآت مماثلة تعلو دائما سطح البحر أو إلا في الحالات التي يكون فيها مد خطوط الأساس من هذه المرتفعات وإليها حظي باعتراف دولي عام)). وتمّ استخدام تلك المنطقة كخط أساس للبحر الإقليمي الكويتي وأودعت الكويت لدى الأمم المتحدة قانون بحرها الاقليمي الرقم 317 لسنة 2014 وأدّعت سيادتها على باقي قناة خور عبد الله غير المرسّمة وتجاوزت سيادتها إلى مدخل ميناء الفاو الكبير، ويعدّ هذا الامر تصرفا عدوانيا وانتهاكا لحقوق العراق، لا سيما أنّ هذه المنطقة التي بنيت عليها المنصة تكون ضمن المياه الإقليمية العراقية لو أن الترسيم وفق قاعدة خط المنتصف اكتمل لغاية 12 ميلاً بحرياً عن خط الاساس العراقي والكويتي حسب قرار مجلس الامن 833.
كل ذلك يحصل والجانب العراقي ملتزم الصمت ولم يجرؤ على المطالبة بحقوقه، ما عدا مذكرة الاحتجاج الخجولة التي أودعها في أيلول 2019 ضد بناء المنصة فقط دون توضيح أو مطالبة بأن المنصة تقع ضمن المياه الإقليمية العراقية.
على الجهات الرسمية أن تعي حجم التجاوز والتهديدات التي يواجهها العراق في تحديد حدوده البحرية والمطلوب هو إيداع قانون البحر الإقليمي العراقي مرفقا بالخريطة لدى الأمم المتحدة، كي لا يكتسب القانون الكويتي الشرعية ويكون القانون العراقي حجة لتفنيد المزاعم الكويتية وورقة للتفاوض فيما بعد.