Reading Starting Points In Cultural Development Book

Date of publication:
2020 December 25

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf


عدنان عبد الحسين
تأسست الدولة العراقية الحديثة في 1921 على يد الانكَليز بعد إخراجهم الدولة العثمانية من العراق التي كانت محتلة له قرابة اربعة قرون، كان ذلك التأسيس مشوه ومنحاز ومحكوم بمسبقات مذهبية، مما انتج دولة غير مستقرة، زُوي فيها الشيعة قرابة الثمانية عقود، وعندما أسقط الامريكان نظام البعث في 2003 كان الشعب العراقي على موعد مع إعادة تأسيس الدولة العراقية، والتي كنا نأمل ان يتم تأسيسها على أسسٍ متينة وراسخة تمتد بعمق حضارة وعراقة هذا البلد الكبير، ولكن للاسف كان هناك بعض الخلل والوهن رغم مشاركة جميع اطياف الشعب في تأسيس هذه الدولة الحديثة، كنا نأمل ان تكون 2003 بداية حقيقية لمغادرة الماضي بكل ما فيه من آهات ومآسي والبدء بصفحة جديدة يشترك فيها جميع ابناء الشعب في بناء بلدهم على اساس المواطنة الصالحة لا يميز فيه بين عربيهم وكرديهم وتركمانيهم، ومسلمهم ومسيحيهم، بين شيعيهم وسنيهم، بعد سبعة عشر عاما من التغيير ينبغي لنا ان نقف وقفة جادة لمراجعة ما حدث، وتحليل ما مر به البلد من نكسات، وتصور الحلول والمعالجات، واعتقد ان العقبة الكأداء هو غياب المشروع الموحد والجامعة الوطنية والشعور بالانتماء الوطني عند اغلب اطياف الشعب من سياسيين ومواطنين، وفي هذا الصدد وجدت ان من افضل من أَصّل ونَظّر لهذا الموضوع هو الاستاذ جواد كسار في كتابه منطلقات في التنمية الثقافية، واهمية هذا الكتاب تاتي من محاولته التأصيل لمفهوم الامة العراقية بدل الشعب.
طبع الكتبا في 2013 ويتكون من700 صفحة تقريبا، ويتألف الكتاب من مدخل الكتاب وجسم الكتاب كما اسماه المؤلف.
تناول المدخل ابرز تحولات العراق والمنطقة في العقد الاخير، اما جسم الكتاب فتكون من مائة مقالة قصيرة للمؤلف كتبها على مدار ربع قرن تقريبا، يعتقد انها تمثل ركائز منطلقات للتنمية الثقافية والمعرفية:
1.    منطلقات في الفكر والثقافة والمنهج.
2.    منطلقات في الوقت والعمل والثروة.
3.    منطلقات في الرد والمناقشة.
4.    منطلقات في الدراسات الاسلامية والقرآنية.
5.    منطلقات في التحليل السياسي.
6.    منطلقات في قضايا الانسان والنهضة.

ولكي تتضح اهمية ان يكون للعراق والعراقيين مشروعهم الخاص بهم، سلط الكاتب الضوء على المشروع الايراني والتركي في العراق، اللذين كانا نتيجة غياب المشروع العراقي، والتعامل بالعواطف الجياشة الفارغة من اي مضمون معرفي، الفاقدة للمعيار الاستراتيجي بما يمليه من اخذ مصلحة العراق بالحسبان اولا وآخراً، ويعتقد ان في السياسة نحتاج ان نفهم إستراتيجات الآخرين كما يرسموها لانفسهم، ومنطلقات سياستهم كما يحددوها هم، لا كما تتخيلها عقولنا، وترتاح إليها رغباتنا، وبعيدا عن ثقافة عروبية عنصرية تستخف بما سواها من الاقوام، ذاك صفوي وهذا عثماني. وتاتي اهمية الحديث عن المشروع الايراني والتركي كونهما جاران فاعلان بشكل كبير في العراق، دينيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، بالاضافة الى نجاح تجربتهما في بناء دولتهما بشكل عام وبالخصوص تركيا، مما يمكن ان يشكل حافز لنا كعراقيين للاستفادة من تجارب الشعوب والامم لاسيما جوارنا الاقليمي.
 قصة المشروع الايراني
يعتقد الكاتب انه لكي يُفهم المشروع الايراني فلابد من معرفة قضيتين محوريتين في ايران، الاولى هي المؤثرات المتحكمة في العقل الايراني، والثانية هي معرفة القوى الداخلية الثلاث في ايران.
اولاً: المؤثرات المتحكمة في العقل الايراني:
1.    الارث الفارسي الامبراطوري.
2.    الارث الاسلامي بشقيه الشيعي والسني.
3.    مؤثر الثقافة الاوربية – الغربية.
الاستراتيجية المتحكمة بالسياسة الخارجية الايرانية
يصفها الكاتب بانها براكَماتية بامتياز ولا تختلف عن سياسة اي دولة اخرى علمانية، ويستشهد لذلك بقول للسيد الخامنئي يلخص فيه ركائز السياسة الخارجية في معايير ثلاثة هي (العزة والحكمة والمصلحة) وحيث لا قيمة للعزة والحكمة كونها شعارات، تبقى المصلحة هي معيار سياسة ايران الخارجية.
ولذا نجد لايران علاقات مفتوحة مع القاعدة ومع الاحزاب الشيعية، وتواصل مع الرياض الوهابية وبغداد الشيعية ودمشق العلوية والقاهرة الاخوانية، مع المسلمين والمسيحيين.
المصلحة تضع يد ايران بيد بغداد في التسعينات فترة حصار نظام صدام، لتُهرِب له النفط وتمده بالاموال رغم بطشه بشيعة العراق.
والمصلحة تجعل المخابرات الايرانية تنبه المخابرات العراقية عن اجتماع كربلاء الشهير ونوايا ضباط القوة الجوية بتنفيذ انقلاب على النظام الصدامي، ولماذا فعلت ذلك ايران؟ فعلته ليس حباً بصدام بل لانها ترى في نظام ضعيف افضل من المجهول.
وهكذا فان منطق المصلحة يريد للعراق الان ان يبقى في الحد الادنى من امكانات القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية.
 فعراق قوي سينهي احتكار ايران النطق باسم الشيعة في العالم ويمنح العراق ذا الاكثرية الشيعية دوراً حاسماً في عالم عربي مفتوح امامه، وهكذا بالنسبة لحوزة النجف الاشرف وعودتها لمركز استقطاب شيعة العالم اجمع بما فيهم شيعة ايران، ومن هنا تأتي خشية  ايران من النجف الاشرف.
ثانياً: القوى الداخلية الثلاث في ايران:_
1.    الحوزة العملية.
2.    السلطة السياسية.
3.    البازار.
ولهذه القوى الثلاث اثر كبير في بناء ايران المعاصرة منذ تأسيسها على يد الصفويين عام 1501م ولغاية اليوم.
يختم الكاتب رؤيته، ان ايران تتحرك بمعيار المصلحة، وتبحث في العراق كما في المنطقة عن كل ما يمكن ان يحقق لها تلك المصلحة، بصرف النظر عن التوصيف الاسلامي او الشيعي. فإيران مجردة عن  التوصيف الديني والمذهبي والايديولوجي والتأريخي (لكن غير منفصلة عن هذه التوصيفات، ومستفيدة منها جميعا حيث ما تستدعي المصلحة ذلك)، ايران هذه تتحرى مصالحها، والمصالح هي البوصلة التي تحددّ لها الاتجاهات وتدفعها الى تبني ما تتبناه من خيارات.
قصة المشروع التركي:_
للاسف لم يكن الكاتب محيطا بالمشروع التركي بشكل مماثل لاحاطته بالمشروع الايراني، وذلك بسبب عمق التجربة التي عاشها في ايران، هو يرى ان الحديث عن المشروع التركي يكتسب حساسية مضاعفة في الواقع العراقي الحاضر، لاسيما بشأن الطبقة السياسية الحاكمة التي باتت مستقطبة بين مؤيد دون قيد للسياسات التركية إزاء العراق والمنطقة، وبين معارض لها بالمطلق دون ان نلمس ظهور رؤية تقوم على المعرفة الدقيقة، ومن ثم تتعامل بواقعية مع هذه السياسة، فتميز بين الايجابي والسلبي، النافع والضار وهكذا. 
يستعين الكاتب في تقديم تصوره عن السياسة التركية او المشروع التركي في العراق والمنطقة باحد منظريها، هو احمد داود اوغلو الاكاديمي واستاذ العلاقات الدولية، والمستشار في اول حكومات حزب العدالة والتنمية منذ 2002، ووزير خارجية تركيا في 2009، ورئيسا لحزب العدالة والتنمية في 2014، ورئيسا للوزراء في 2014، ومؤخرا انشق عن حزب العدالة والتنمية ليؤسس حزب المستقبل. مستندا المؤلف في تقديم تصوره الى كتاب داود الموسوم "العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، يقسم الكاتب بحسب تصوره المشروع التركي الى مرحلتين، الاولى أطلق عليها مرحلة التفكير والمراجعة والتأمل وبناء التصور العام للإطار الاستراتيجي. والثانية، مرحلة تطوير هذا الإطار والانطلاق صوب الواقع والانهماك بالعمل المباشر.
المرحلة الاولى: بناء الإطار
تتميز هذه المرحلة بالتركيز على عناصر التفكير والمراجعة والتامل، تمهيدا لتكوين التصور وبناء الإطار الاستراتيجي، وتبرز في هذا السياق النقاط التالية:_
1.    ينطلق الاطار الاستراتيجي الجديد من نظرية التركيز على التاريخ والجغرافيا، ويتحرك عبر تجسير القطيعة التي احدثها اتاتورك وتجاوز لحظتها.
2.    تؤكد هذه الرؤية، اهمية الدور المتميز للاقتصاد، والابتعاد عن الاستعراضية المؤذية والتبجح الفارغ.
3.    من ركائز الاستراتيجية الحاضرة، عملية اعادة التجديد الشاملة للهوية، بحيث يحل التكامل بين جميع تكوينات تركيا وتنويعهاتها الأثنية والدينية والمذهبية والمناطقية.
4.    واحد من عناصر الاستراتيجية النهوض عبر تحويل الميراث العثماني الى منصة انطلاق في الدور التركي الجديد.
5.    البحث عن استراتيجية بديلة تتخطى تلك الفجوة او الازمة والقطيعة بين تركيا الاسلامية الشرقية وتركيا الاوربية الغربية.
6.    تحويل عناصر الضعف الناتجة عن كون المجتمع التركي مؤلف من تقاطعات عديدة اثنية ودينية ومذهبية، الى مصادر قوة جديدة، والتعامل مع مصادر الازمة على انها مصادر قوة مضافة.

المرحلة الثانية: مرحلة الانطلاق والعمل
يرى الكاتب ان انهيار الاتحاد السوفيتي، واحداث الحادي عشر من سبتمبر ادى الى تحول السياسة التركية الى مرحلة جديدة، هي مرحلة تطوير الإطار الاستراتيجي والانطلاق والانهماك بالعمل المباشر، ويمكن المرور على خطوطها العريضة عبر النقاط التالية:
1.    يعتقد الاتراك ان الحفاظ على التعددية العرقية والمذهبية هو الاساس في استقرار العراق، لكن بشرط ان لا يمثل العراق تهديداً لتركيا، وان يمنح الاقتصاد التركي فرصة للتطور داخل فضائه الاستثماري الضخم. وهذا ما حصل على ارض الواقع حيث يُقدر حجم التبادل التجاري بين البلدين بـ 16 مليار دولار.
2.    تصنف الدول بحسب اهميتها الى خمسة اصناف، الدولة المركز، الدولة القارية، الدولة الجزيرة، دولة العبور، واخيرا دولة الجناح او الدولة الهامشية الطرفية. ويعتقد الاتراك ان تركيا من حيث التموضع الجغرافي والتاريخي، هي دولة مركز، بل وفي طليعة الدول التي تحمل مواصفات الدولة المركز، فهي تتصف بالعمق الجغرافي والاستمرارية التاريخية والقدرة على التاثير الثقافي المتبادل واخيرا الترابط الاقتصادي المتبادل.
3.    ان تركيا تسعى الى تعزيز موقعها في اوربا من خلال دورها في آسيا، وفي منطقتها، ومن خلال الهوية الشرقية الآسيوية والموروث العثماني، وليس بالانفصال عنها والتنكر لها.
4.    تطمع تركيا ان تصبح بوضوح وصراحة قوة عالمية ولاعباً دولياً، وهو ما تفكر ببلوغه عمليا على تخوم العام (2023).

أين مشروع العراقيين؟
المشروع الايراني او التركي، هو حركة وسط الفراغ الموجود في العراق، ولو كان الداخل ممتلئاً فلا مجال لحركة مشاريع الخارج، وفي هذا الصدد يحدد الكاتب ثلاث ركائز لقيام المشروع العراقي:
اولاً: من منطق الضرورة العربية الى الضرورة العراقية
لطالما كنا نسمع التغني بالعراق "حامي البوابة الشرقية"، هذا الشعار وقيادته الدكتاتورية وما تلاها من احداث كانت سبب خراب هذا البلد ووصوله الى الحضيض في كل مجالات الحياة، حيث يذكر الكاتب ان العراق في استراتيجية النظام البعثي، على الاقل في المدة 1980 – 2003 كان يتحرك بمنطق الضرورة العربية، وبمنطق هذه الضرورة دخل العراق حرباً مع ايران لمدة ثمان سنوات بوصفه البوابة الشرقية للعالم العربي خسر فيها حياة مئات الالاف من شبابه، واهدر ما يقارب (400) مليار دولار من ثرواته في تلك المدة، بمنطق هذه الضرورة ازدهر العالم العربي وتخلف العراق، فتحول الى حاضنة لملايين العاملين فيه من مصر والسودان وفلسطين والاردن ودول المغرب العربي.
يرى الكاتب ان من اهم مقومات العراق هو ان يكون ضرورة عراقية وليست عربية، يعني ان يتعامل العراق مع العرب بالقَدَر وبالمثل تماما وبمعيار الحاجة والضرورة والجدوى دون عواطف فارغة وإنشائيات جوفاء، وفي ذات السياق لا ينبغي ان يكون العراق ضرورة اسلامية او أمريكية او إيرانية او تركية او شيعية او سنية، لان كل هذه الضرورات ليست حلا، انما هي اعادة انتاج للمشكلة بنحو آخر.
الحل ان يتحول العراق الى ضرورة عراقية، يكون للعراقيين شيعة وسنة، عربا وكردا وتركمان، مسلمين ومسيحيين وصابئة.
ثانياً: من الشعب الى الامة العراقية
يعتقد الكاتب ان منطق العراق ضرورة عراقية يتطلب الانتقال من مفهوم الشعب العراقي الى إطار اصلب هو الامة العراقية، في مفهوم الامة يكون احساس الشيعي والسني متساويا بالانتماء الى العراق (دون حساب للاقلية والاكثرية) والفخر والعيش فيه وحمل رايته وهويته والدفاع عنه ببسالة لا ان يعيش الشيعي إحساس الغربة فيه لهيمنة السنة او ان يعيش السني احساس الغربة فيه لهيمنة الشيعة.
مفهوم الامة مفهوم ناهض في البلدان جميعا التي تعيش تنوعا في الاديان والمذاهب والاثنيات، ففي ايران وتركيا من حولنا، وفي الهند والصين، وفي امريكا وكندا وكثير من بلدان اوربا ، في كل هذه البلدان تنوعات اكبر من الموجودة في بلدنا لكن تلك البلدان نجحت في بناء مفهوم الامة، ونحن لسنا بدعاً من الامم.
هل نتحول الى الامة العراقية بقرار؟ بالتأكيد لا، فليس بمقدور مؤسسة دينية كانت ام سياسية ان تفرض هذا التحول بقرار، لكن بمقدورها ان تشارك بصناعة مقدماته.
يؤكد الاستاذ كسار، ان التحول الى الامة العراقية، يحتاج في جانبه النظري، الى تسويات كبرى لكي يخرج الوعي العراقي من ثقافة الى ثقافة، ونحتاج الى تنازلات من الجميع للجميع، لكي نستفيد من كل مكونات البلد وعراقته التأريخية.
ولتحقيق مبدأ الامة العراقية نحن بحاجة الى الدمج الاجتماعي وصناعة الاطار النظري لمفهوم الامة العراقية، بحاجة الى استنفار الدين والسياسة، والفكر والثقافة، والآداب والفنون، وتحشيد التاريخ والجفرافيا، وبالتالي هو بحاجة الى الاقتصاد والتنمية الملموسة.
ثالثاً: من استهلاكية الهدر الى اقتصاد التنمية
يتحدث الكاتب عن النزعة الاستهلاكية التي تولدت عند المواطن العراقي بعد التغيير في 2003، حتى اصبح كل ما موجود في السوق العراقية مستورد، حتى وصلنا الى الحد الذي يمكن اعتبار العراق مكب نفايات لردائة الكثير من هذه السلع المستوردة او عدم صلاحية الغذائية منها للاستهلاك البشري.
يتسائل الكاتب، هل انحدر اقتصادنا المحلي الى درجة من الفشل والعجز والهوان ووصلنا الى حد اننا نعجز عن انتاج او زراعة ما نحتاج اليه من ضرورات الحياة، حتى تعطلت همة الانسان العراقي عن الانتاج والعمل معاً؟
ويرى ضرورة ادراك، ان تعطيل التنمية يعطل الكثير من المسارات في التحول السياسي والاقتصادي والديمقراطي والاجتماعي والمدني وفي بلوغ الامن والاستقرار، ومن دون تنمية شاملة حقيقية وواقعية بمعنى تنمية تكثّر فرص العمل وتقلل البطالة وتعيد تدوير رؤوس الاموال وتحافظ على الثروات الوطنية من الهدر وترفع الناتج القومي العام وتزيد من نمو الدخل السنوي للمواطن وتعالج الفقر وتؤسس للأنتاج وتقلل من الاستهلاك وتدفع الى تعدد موارد الموازنة بتنشيط الزراعة والسياحة وإستثمار بقية الثروات الى جانب النفط ولاسيما الغاز، بدون ذلك كله لن يكون حديث الامة العراقية والوطنية العراقية الجامعة حديثا ذا جدوى.