العراق – الناتو سياسة ملئ الفراغ
2021 June 09

Card image cap

العراق – الناتو

سياسة ملئ الفراغ

 

لتحميل المقال اضغط هنا

 

أ.م.د أثير ناظم الجاسور.

كلية العلوم السياسية – الجامعة المستنصرية.

مع انتهاء الحرب الباردة في ديسمبر 1989 وانهيار الكتلة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي كان لابد للكتلة المنتصرة ان تُغير في مفاهيمها في التعامل مع الوضع الدولي الجديد وان تبدل في ديناميكية تفكيرها الاستراتيجي، خصوصاً وان الخطر او التحدي الحقيقي لأمن القارة الأوروبية اولاً وللمصالح الامريكية ثانياً قد اختفى بكل ما يحمله من أفكار وتوجهات التي بالضرورة كانت مؤثرة على الادراك الامني الغربي، مع هذا الحدث الكبير انقسم التفكير الغربي بالبيئة الجديدة إلى قسمين هما:

  •  الأول تبنته الدول الأوروبية المتضرر الأكبر من الاحداث فهي عانت الانقسام بعد ان جزئها جدار برلين إلى غربية وشرقية وعانت من كونها ساحة الحرب التقليدية المحتملة، وعاشت شبح الحرب النووية التي لوحت بها القوى العظمى، فما كان من هذه الدول إلا ان تنظر بعين وعقل إلى بيئة جديدة ملؤها سلام وطمأنينة مبنية على التعايش والوئام، والخلاص من هذه الصراعات والتحديات التي تهدد امن القارة.
  • الثاني التفكير الأمريكي الذي بات متربعاً على هرم السلطة الدولية ويمتلك كل مفاتيح القرار السياسي، إلى جانب طموح الهيمنة والسيطرة على النقاط الأساسية في هذا الكوكب، بالتالي فإنها دأبت في البحث عن عدو جديد يشكل ذات الخطر في قياسات القوة المهيمنة قد يختلف في الفكرة والايديولوجيا.

بالمحصلة كانت لحلف الناتو مهمات جديدة بالإضافة لمهماته العسكرية التقليدية وعمل جديد خارج إطار الرقعة الجغرافية التي عمل بها طيلة مرحلة الحرب الباردة، فجاء تكتيك تغير توجهات الحلف مبنية على أساس التفكير الاستراتيجي الأمريكي بعد ان واجه الحلف جدلاً محتدماً حول مبررات وجوده واستمراره خصوصاً السؤال الذي تم طرحه حول ما الجدوى من استمرارية الحلف؟ وبُني هذا السؤال على أساس ان الاحلاف تنتهي بانتهاء مسببات تشكيلها، وبما ان الحرب انهت حلف وارشو فمن الضروري ان ينتهي حلف الناتو، إلا ان ما حدث غير ذلك لا بل جاء مخالف لكل التوقعات والأفكار والتبصيرات حول مستقبل الحلف.

البعض يرى ان ما حدث من تقلبات واحداث بنيت على أساسها توجهات الحلف، وجاءت متماشية مع ضمان استمرارية التأثير والسيطرة الامريكية على الساحة الأوروبية وقدرتها على التدخل في شؤون دولها([1])، لذلك راح الباحثين والدارسين والمعنين بهذا الشأن التأكيد على قيام الولايات المتحدة باحياء استراتيجياتها التي دأبت على تنفيذها في مرحلة الحرب الباردة وتنفيذها لما بعد هذه المرحلة مثل استراتيجية الاحتواء التي اصطبغت بمفهوم توسع الحلف*)[2]( بالدرجة الأساس بالرغم من انها إعادة ذات فكرة التطويق التي مورست في اربعينيات وخمسينات القرن العشرين الذي استند على مبدا "هاري ترومان" القاضي بوقف المد الشيوعي واحتوائه بسياسة الاحلاف العسكرية والمعونات الاقتصادية، والتي على أساسها تم تأسيس حلف شمال الأطلسي ولم تكتف بذلك بل استمرت لتأسس حلف السنتو والسيتو ومنومات عسكرية متعددة)[3](، على الرغم ايضاً من حصول جدل كبير حول هذا المفهوم والياته وادواته على أساس ان توجهات الحلف قد تختلف عن تلك التوجهات ابان مرحلة الحرب الباردة إلا ان الاستراتيجية باتت واضحة وموجهة.

لم يحدد التفكير الاستراتيجي للحلف منطقة محددة تكون هي مركز اهتمامه لان التوجهات المبنية على معطيات الواقع الدولي تجعل من الحلفاء ان يحددوا توجهاتهم من خلال التركيز على مصالحهم بالدرجة الأساس وهذا بدوره يجعل من حلف الناتو يتصدر الواجهة في التحركات سواء كانت العسكرية او السياسية كما حصل في ليبيا بعد ان وجدت مجموعة من الدول ان بقاء "معمر القذافي" سيسبب مشكلة اقتصادية كبيرة لدول أوروبية بالإضافة إلى مبررات ومسببات التدخل، لكن هذا لا يمنع من ان مصالح الحلفاء والتقائها في هذه النقطة او تلك تجعل من الحلف راس الحربة في هذا الصراع وذاك التدخل سواء بقرار اممي او من خلال ما يجيز له التدخل وفق مواد ميثاقه، وحتى قضية محاربة القرصنة كما اسماها الحلف او مجلس الحلف بعمليات "درع المحيط" والتي انتشرت في خليج عدن والمحيط الهندي الغرض منها حماية السفن من القراصنة الصوماليين، نجد ان هذه النقاط باتت حاضرة في استراتيجية الحلف التي تحولت من الدفاع إلى الهجوم في اغلب الاحيان.

 

الحرب على الإرهاب.

مع طلوع فجر اليوم الأول الذي تلا احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والناتو قد عقد العزم على تنفيذ المادة الخامسة من ميثاقه*)[4](، يرى البعض ان الحرب على الإرهاب وتصنيف الدول بين عدو وصديق هو من تبنيات وأفكار التفكير الأمريكي الذي وجد في هذه الهجمات الفرصة في تحديد العدو الجديد الأكثر عنفاً وشراسة من العدو السابق، وهذا يتناسب مع المنطلقات الفكرية وفلسفة السياسة الامريكية التي تم تحديدها من قبل الكتاب والباحثين ومراكز التفكير التي نظرت باتجاه القوة الامريكية، لكن السؤال هنا، ما دور الحلف في تعزيز هذه القوة والهيمنة التي تنادي بها الأوساط الفكرية والسياسية الامريكية؟،  في اب/ أغسطس من عام 2003 تولى الناتو قيادة (ايساف) (قوة المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان) التي تشكلت بموجب قرار الامم المتحدة المرقم (1386) في 20 كانون الاول / ديسمبر من عام 2001 وهذه الخطوة تعد من اهميتها لاعتبارات ان الحلف خرج من اطاره الاوربي متجهاً نحو مناطق اكثر حساسية وتعقيد، فبالرغم من المشاركة في العمليات الحربية في افغانستان ومحاربة طالبان وتنظيم القاعدة هناك إلا ان الحلف اراد ان يبين الجانب الآخر من مهامه هناك، حيث كان دور حلف الناتو في أفغانستان هو توفير مناخ آمن يسمح للمنظمات المدنية بالمشاركة في إعادة بناء البلاد التي مزقتها الحروب، وفي الوقت الذي كانت مشاركة الجانب المدني تعتبر مرحلة تالية للجهد العسكري، تطورت العلاقة بين قوات إيساف والمنظمات المدنية سواء حكومية أو غير حكومية بمرور الوقت. على سبيل المثال، تحسنت العلاقة بين حلف الناتو والأمم المتحدة بشكل ملحوظ، عما كانت عليه خلال النزاعات التي وقعت في البلقان في التسعينات)[5](.

فالتصنيفات التي تم تحديدها من قبل الإدارة الامريكية في تحديد الدول في هذه الحرب التي صورتها أكثر مراكز التفكير وخطب السياسيين الامريكان على انها حرب مقدسة (الحرب على الإرهاب) بالوقت نفسه حددت النقاط الأساسية من هذا العالم والتي من الضروري التوجه صوبها، حتى راح المختصين بهذا الشأن يرون ان حلف شمال الأطلسي (الناتو) بات واحداً من الأدوات التي ستساهم في تعزيز النفوذ الامريكية من خلال تحديد الأعداء والأصدقاء والمناطق الضرورية الي لابد من ان يتم التدخل فيها، بعد ان وجد صانع القرار الأمريكي ان من ضرورات الهيمنة ان يتم تحجيم الفواعل الإقليميين والدوليين في عملية المواجهة القادمة التي تتحضر لها الولايات المتحدة.

 

العراق.

 على الرغم من أطراف دولية عارضت حرب العراق واحتلاله إلا اننا سنسلط الضوء على الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو الذين كانوا معارضين لهذه الحرب لما تحمله من تأثير على مصالحها أولا، ولما تربطها من علاقات مع النظام السياسي العراقي السابق ثانياُ وأثر الخلافات الداخلية بينها وبين الولايات المتحدة ثالثاً.

لم يبتعد العراق عن التفكير الأمريكي لأسباب متعددة تبدأ من الموارد وتقف، لكنها لا تنتهي عند الموقع الجغرافي الخ من الأسباب التي تجعل من العراق يحتل درجات مهمة في المدرك السياسي والأمني والاقتصادي الأمريكي، لكن جملة الاعتراضات كانت تتطلب ان تسمح الولايات المتحدة لحلفائها في الملف ان يكون لهم دور او على الأقل جعلهم يشعرون بأهمية الدور الموكل اليهم والفائدة التي من الممكن ان تدر عليهم، لذلك فان قضية إعادة اعمار العراق ودور الشركات الامريكية والأوروبية في هذه العملية كانت من القضايا التي جعلت من الأوروبيين المعارضين ان يعيدوا حساباتهم فيما يخص هذا الجانب.

اما حلف الناتو فكانت المهمة الموكلة له غير تلك التي كانت على عاتقه في أفغانستان اولاً لاعتبارات الظرف العراقي وعملية الاحتلال تختلف من حيث الشكل والمضمون عن الاولى ودواعي الحرب فيها، وثانياً قضية الكُلف المالية التي تقع على عاتق الحلفاء وثالثاً توزيع الأدوار كان مهماً وضرورياً بالنسبة للإدارة الامريكية، فبعد الاحتلال عام 2003 لم يقف العراق على أرضية صلبة تساعده على اخذ انفاس ما بعد الحرب والانطلاق من جديد لا بل كانت الفوضى ومسألة عدم الاستقرار والمعضلة الأمنية التي هددت الداخل العراقي كلها احداث جعلت من العراق منتج لعدم الاستقرار سواءً في الداخل او حتى الخوف من ان يكون منتجاً للفوضى للدول المجاورة له، خصوصاً بعد الخطاب السياسي الأمريكي الموجه لدول الجوار العراقي تحديداً وتصنيفهم ضمن قوائم الدول المارقة والتهديد بانهم سيكونوا ضمن المرحلة التالية لاحتلال العراق، ايضاً الاوامر الصادرة عن الحاكم المدني "بول بريمر" الداعية لحل الجيش العراقي والقوى الأمنية الأخرى الخ من القرارات والاوامر التي سرعت في تأزم الوضع الداخلي العراقي، بالإضافة إلى الصراع الإقليمي – الدولي بعد ان باتت ارض العراق الساحة المفتوحة لتصفية الحسابات بين هذه القوى وبينها وبين الجماعات المتطرفة (الإرهابية)، كلها عوامل أسست ان يكون العراق ضمن أولويات حلف الناتو حتى وان كانت ضمن المهام الحالية الموكلة له.

قد يذهب البعض عل ان الحلف ليس بالضرورة يشارك بكامل قواته وتجهيزه وخططه طالما ان الدولة القائد والحلفاء قد اشتركوا في حرب احتلال العراق، لكن الحقيقة ان مشاركة الحلف الفعلية لا تأتي إلا من خلال موافقة مجلس الحلف على ذلك والذي يعد السلطة العليا او الهيئة التنفيذية العليا للحلف، بالتالي جاءت بعثة الناتو  ((Nato mission - Iraq في عام 2004 والتي تحددت مهامها في تدريب القوات الأمنية العراقية.

 

بعثة الناتو في العراق      Nato mission - Iraq

تم انشاء هذه البعثة في العام 2004 بناء على طلب الحكومة العراقية المؤقتة آنذاك وارتكزت في عملها على احكام قرار مجلس الامن رقم (1546)، والهدف من عمل البعثة هو المساعدة في تطوير وتدريب قوات الامن العراقية ومن الواضح ان عمل البعثة يقتصر على التدريب ولم تكن قتالية، فهي تعمل ضمن سيطرة مجلس شمال الأطلسي، ايضاً استندت البعثة في علمها على ما جاء في قمة إسطنبول للحلف في 28 -29 حزيران / يونيو2004 التي أجريت في إسطنبول، فهي ارتكزت اساساً على فقرتين من  بيان هذه القمة الأول الهدف الداعي إلى تعزيز الامن والاستقرار في المنطقة من خلال تشجيع الحلف التعاون مع الدول المهتمة في مجال الامن، والمسالة الأخرى هي أولويات عمل الحلف التي استندت فيها على الفقرة (أ / 7) التي تتضمن تقديم الاستشارات الخاصة في مجالات الإصلاحات الدفاعية، وايضاً (ب/7) التي تتضمن تشجيع التعاون العسكري للمساهمة في تبادلية التشغيل من خلال المشاركة في مناورات وتمرينات عسكرية، وتكونت البعثة في بداية الامر من (50) عنصراً وفقاً للقرارات التي تم ذكرها وساهمت في تشكيل البعثة، ثم تمت زيادة عناصر البعثة إلى (360) في العام 2005، وبالمجمل منذ العام 2004 ولغاية 2011 قامت بعثة الناتو بتدريب (15000) عنصر عراقي امني([6])، استأنف الناتو عملياته التدريبية للقوات العراقية في الأردن في (مركز الملك عبد الله الثاني لتدريب العمليات الخاصة) في العام 2014 في مجالات مكافحة المتفجرات المرتجلة، والطب العسكري والتخطيط المدني – العسكري والتدريب العسكري، وفيما بعد انضم الحلف في مقاتلة تنظيم داعش الإرهابي في العراق من حيث تأمين الدعم العسكري المباشر والدعم من خلال طائرات الاستطلاع (ايواكس) التي تديرها المانيا، في العام 2015 وافق الحلف على بناء القدرات الدفاعية العراقية بهدف تقديم المساعدة العملية في هذا المجال وتدريب العناصر العراقية في تركيا في مجال الدفاع السيبراني، في العام 2016 طلب رئيس الوزراء العراقي " حيدر العبادي" التعاون واتفق الأعضاء في قمة وارسو تموز / يوليو 2016 ببدء تدريب القوات العراقية وإعطاء المشورة للمؤسسات الأمنية العراقة إلى جانب تدريب الضباط وضباط الصف، في العام 2017 أسست بعثة الناتو  فريقاً مكون من موظفين مدنيين في بغداد كانون الأول / يناير بقيادة "بول سميث" كبير مسؤولي الناتو المدنيين في العراق مهمة هذا الفريق تنسيق أنشطة التدريب وبناء القدرات المنفذة في العراق([7])، وفي عام 2018 قررت البعثة من ان يكون مقرها الاستشاري في بغداد في وزارة الدفاع ومكتب مستشار الامن الوطني العراقي ومؤسسات الامن الوطني ذات الصلة.

البعض يرى ان حلف الناتو من الممكن ان يساهم في ملئ الفراغ الذي ستتركه أمريكا من جراء انسحابها من العراق خصوصاً وان الفكرة السائدة بما ان أمريكا هي قائدة الحلف فان الحلف يعمل وفق التوجهات والمنطلقات الامريكية، وهذا ما يؤدي إلى الاعتقاد انهما حالة واحدة سواء تواجدت أمريكا ام الحلف، ولربما يكون التفسير والتحليل اكثر سطحية، اذا سلم لأمر ان الحلفاء على وفاق دائم وهناك سيطرة مباشرة من قبل القوة الكبرى على كل تفاصيل عمل الحلف، لكن هذا لا يعني ان أمريكا تستغل قضية الاكلاف المالية وانها تساهم بـ(75%) من النفقات لكن هذا لا يعني ان هناك خلافات وتقاطعات بينها وبين حلفائها الأوروبيين سواء في تحديد وجهة الحلف او في تحديد أولوياته، بالتالي فان الحديث عن الزيادة في عدد عناصر بعثة الناتو يعطي انطباعاً ان الناتو يحاول ملئ الفراغ السياسي والعسكري في العراق.

في 18 شباط فبراير 2020 أعلن الأمين العام لحلف الناتو "ينس ستولتنبرغ" إلى نية الحلف من زيادة عناصره من 500 – 4000 عنصر من البعثة ويكون الانتشار وفقاً للظروف الأمنية بالعراق وعملية التفويض التي تقوم بها الحكومة العراقية، وأضاف الأمين العام  ان للحلف جملة من الخيارات التي يطمح ان يقدمها للعراق هي([8]): 

  • التوسع إلى قيادات القوات الفردية: هو العمل على زيادة بسيطة في عدد المستشارين وافراد الدعم.
  • التوسع إلى الوزارات الأخرى: توسيع عمل البعثة إلى المزيد من المؤسسات الأمنية العراقية، واحتمالية التعاون مع وزارة الداخلية والعدل بالإضافة للمؤسسات الأمنية الأخرى.
  • التوسع خارج بغداد: هو ما يؤكد احتمالية العمل مع الأجهزة الامنية في إقليم كردستان ووزارة شؤون البيشمركة.

تبقى مسألة المهمة الموكلة للحلف سواء التدريب او الاستشارة او حتى القتال رهين ثلاث مستويات عمل عليها الحلف، خصوصاً إذا كانت المهام الموكلة اليه خارج أراضيه فانه يعمل ضمن اما قرار اممي كما حدث في ليبيا وقبلها في البلقان، واما توافق الدول كما حدث في أفغانستان بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الأطلسي، واما بطلب من قبل الدول المعنية التي ترى في تدخل الحلف حلاً لازمة كما حصل مع تدريب القوات العراقية منذ العام 2004.

على الرغم من التصريحات التي تتناقلها وسائل الاعلام والصفحات الرسمية للمسؤولين العراقيين وقادة الحلف، إلا ان قضية زيادة عدد القوات تبقى ترسم ملامح توجه جديد في التفكير الاستراتيجي للحلف اولاً وتوجهات أعضائه ثانياً، بالإضافة إلى الجهود المقدمة من قبل الحلف خارج أراضيه والتي تتطلب جهداً أكبر وهذا يجعل التفكير في قضية ملئ الفراغ محوراً اساسياً لا بد من الرجوع له لكن بحالاته الإيجابية.

الفكرة هنا ان العراق لا زال يعاني الإرهاب ولا زالت الخلايا الإرهابية مصرة على اثبات وجودها في هذه المنطقة او تلك خصوصاً في المناطق الشمالية والشمالية الغربية والغربية، ولنفترض ان الناتو بات متواجداً في هذه المناطق وعمل على انشاء معسكرات دواعيها مساعدة القوات الأمنية العراقية هناك وبناء على الخطورة التي تشكلها هذه الجماعات الإرهابية يقفز سؤلاً هل تستمر بعثة الناتو في حالة تأزم الوضع الأمني في مناطق تواجدها بمهمة التدريب ام تتحول إلى مهمات قتالية ماسكة للأرض بالرغم من ان مهمتها غير قتالية؟، هذا السؤال يتوقف جوابه على الإرادة السياسية العراقية التي هي بالأساس منقسمة بين مؤيد ومعارض وبالوقت ذاته تعد مشكلة معقدة متشابكة خصوصاً وان الفريق المعارض يجد في الناتو امتداد للتواجد الأمريكي بناء على انساقه الفكرية ومعتقداته الدينية والسياسية، وهو الفريق الداعم للخطوات والسياسة الإيرانية المتمثلة بالقوى الحزبية الشيعية، اما الفريق الاخر فهو يرى ان تواجد الناتو بمعسكراته ومقاتليه ومستشاريه سيدفع عنه خطرين الأول الإرهاب المتمثل بداعش وخلاياه الإرهابية التي جرب العيش معها والثاني الفصائل المسلحة الشيعية التي يراها ايضاً مهددة لسلمه المجتمعي والأمني، لذك فان صانع القرار الشيعي يرى ضرورة ان تكون مناطقه بمنأى عن تواجد هذه القوات مما سيجعل من متبنياته مثيرة للقلق بالنسبة للجوار المعارض لأفكاره وميوله، وايضاً محل تشكيك بالنسبة للقوى العالمية بمختلف توجهاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ان الحلف بأعضائه وباختلاف توجهاته سيكون اقل خطورة على العراق مما لو كانت الفكرة هو بديلاً عن التواجد الأمريكي، على الرغم من ان قادة الحلف يرون ان تواجده في العراق او أي منطقة أخرى من العالم هي جزء من مهامه الأساسية التي يعمل الجميع على تحقيقها وفق فكرة الانتشار او التوسع، وبالمقابل ان العراق بحاجة إلى منظمة قوية لها وجودها وقدراتها مثل الناتو في هذه الأجواء الإقليمية والدولية المتحولة، لان بحالة التوافق والاعتراض سيحولنا إلى ساحة منقسمة ومهددة بالاشتعال في أي لحظة، وإذا ما حدث ذلك سنعود لسنوات الاقتتال المستمر لكن هذه المرة في المناطق الجنوبية والوسطى التي بدورها ستكون منطلق لتلك العمليات، بالمحصلة فان لا ضامن قوي يؤمن هذه المناطق بخلاف المناطق الكردية والسنية التي سيعمل الحلف بتوجهات أعضائه على ان تكون مناطق آمنة غير قابلة للاختراق، وايضاً حتى لا تكون المناطق الجنوبية والوسطى من العراق منتجة لعدم الاستقرار على صانع القرار ان يفكر بالعراق كرقعة جغرافية واحدة لا تتجزأ، ويعمل على تحديد الهدف واستغلال الموقف ان تطلب الامر وان تكون البعثة وغيرها من القوات هي ماسكة للحدود ضمن تكتيكات عسكرية وامنية، وبهذا قد يضمن ان الداخل يؤمن على اقل تقدير وفق سياقات العمل السياسي الحالي.

 


[1] . أثير ناظم الجاسور، التحدي العظيم: استراتيجية حلف الناتو تجاه المنطقة العربية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، دار أمجد للنشر والتوزيع، عمان، 2019، ص18.

[2] . توسع حلف الناتو: في خريف عام 1993 في إدارة الرئيس "بيل كلينتون" تحديداً بدأ النقاش في توسيع حلف شمال الاطلسي وخروجه عن المنطقة التقليدية، بالرغم من النقاش ساده انقسام كبير بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية في امريكا بالمحصلة فان عمليات التوسع ستشمل بالأساس دول اوروبا الشرقية والوسطى وبالأخص مناطق النفوذ السوفيتي السابق وفق مبررات المطالبة بإرساء الديمقراطية وحقوق الانسان لشعوب شرق ووسط اوروبا وضرورة الانخراط في المنظومة الامنية الغربية، ان عملية التوسع سارت باتجاهات ومسارات كانت واضحة عليها الارادة الامريكية، عماد جاد، اثر الاحلاف الدولية على النظام الدولي: دراسة تطبيقية لحلف شمال الاطلسي، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1998، ص144.

.[3]  ناظم عبد الواحد الجاسور، موسوعة المصطلحات السياسية والفلسفية والدولية، دار النهضة العربية، بيروت، 2008، ص69.

[4]. المادة الخامسة من ميثاق الاطلسي او كما يعرف بالبند الخامس: تتفق الاطراف على ان أي هجوم مسلح ضد أي منها في اوروبا او امريكا الشمالية سوف يعتبر هجوماً عليها جميعاً، وبالتالي تتفق على انه في حالة حدوث مثل هذا الهجوم فإن كلا منها تطبيقاً للحق الفردي والجماعي في الدفاع عن الذات، ووفقاً للبند (51) من ميثاق الامم المتحدة سوف تساعد الطرف او الاطراف التي تتعرض للهجوم، ويأتي البند السادس يؤكد ما تضمنه البند الخامس حيث ينص "ان الهجوم المسلح على أي طرف او أكثر يتضمن هجوماً مسلحاً على اراضي أي طرف من الاطراف في اوروبا وامريكا الشمالية الخ..." من نص البند السادس،   ميثاق حلف شمال الاطلسين مجلة الناتو الالكترونية www.nato.int

.[5]  مجلة الناتو، الناتو بعد عشر سنوات: الدروس المستفادة، مجلة الناتو الالكترونية 2010   www.nato.int

 

 .[6] أشرف محمد كشك، الدلالات الاستراتيجية لزيادة حلف الناتو قواته في العراق، جريدة اخبار الخليج، قضايا وآراء، البحرين، مارس 2021.

[7] . بعثة الناتو في العراق (NMI) مجلة الناتو الالكترونية WWW.nato.int   كانون الأول / ديسمبر 2018

[8]   مايكل نايتس, بيير موركوس, تشارلز ثيبوت، حلف الناتو في العراق: هذه ليست طفرة، تحليل السياسات، 2021  www.washingtoninstitute.org 

 

قد يعجبك أيضاً


Card image cap
إنفصال حشد العتبات المقدسة عن الحشد الشعبي
2021 June 17

Card image cap
رفع الحد الأدنى لرؤوس أموال المصارف خطوة نحو الاصلاح المصرفي والتنمية الاقتصادية
2021 June 15

Card image cap
معركة الفساد تطرق ابواب السلطة القضائية في إيران
2021 June 15

Card image cap
حقيقة تفجير ساحة الطيران ومديات تأثيراته على البيئة الامنية
2021 June 15