العلاقات العراقية - الأمريكية بين المد والجزر

تاريخ النشر:
2021 شباط 16

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf

لقمان فيلي
تتسم العلاقات السياسية والاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة بأنَّها متغيّرة وغير ثابتة، ويتجلّى ذلك بعدم وضوح أو استقرار العلاقة، وتمرّ على الدوام بتحديات تمنع عنها صفة التطبيع والإيجابية، ولو راجعنا العلاقة منذ بداية جمهورية ١٩٥٨ وإلى الآن نستطيع أن نرى أن في كل عقد من الزمن هناك تقارباً مؤقتاً يتبعه توتر، ولعل السؤال الأهم يكون عن أسباب عدم استقرار هذه العلاقة المهمة بالنسبة لنا وسبل المعالجة، علماً أنَّ التعاطي الأمريكي مع العراق، سلباً كان أم إيجاباً، ومنذ احتلال الكويت عام ١٩٩٠، أصبح جزءاً أساسياً من سياساتهم الخارجية لا سيما المعنية بمنطقتنا المضطربة.

تأريخياً نرى أن علاقات العراق مع القوى الكبرى (المملكة المتحدة - الاتحاد السوفييتي السابق- الولايات المتحدة) قبل وبعد العهد الملكي كانت مضطربة وغير مستقرة بشكل عام، والملاحظ أنَّه عند صعود القوى السياسية ذات التوجهات الشمولية أو الحادة إلى المتطرفة تتعرّض هذه العلاقات للاضطراب، بينما أغلب علاقات دول الجوار تتسم بالاستقرار (عدا إيران مع الولايات المتحدة بعد ثورة ١٩٧٩ وسوريا بعد الربيع العربي) بعكس علاقات العراق مع الاتحاد السوفييتي السابق في العهد الملكي أو مع بريطانيا في العهد الجمهوري القاسمي والعارفين او مع الولايات المتحدة بعد غزو الكويت، ولعل العلاقة الأكثر قلقاً واضطرابا كانت علاقة العراق مع الولايات المتحدة بعد عام ٢٠٠٣.

وعلى مدى العقود الماضية كانت علاقة العراق مع الولايات المتحدة ضعيفة نتيجةً للبعد الجغرافي وتوجه المجتمع العراقي نحو الشرق ودول حركة عدم الانحياز ضد الامبريالية، ودعم الولايات المتحدة البارز لإسرائيل، فضلاً عن أن العراقيين بعد الحرب العالمية الأولى اتخذوا بطبيعتهم المملكة المتحدة و(أوروبا) منفذاً او منصةً للتواصل مع العالم وذلك من خلال برامج التعليم العالي والسياحة والتجارة وغيرها. 
إنَّ سبب عدم الاستقرار في العلاقة مرتبط بالبُعد المجتمعي أكثر من كونه ترجمةً لسياسة الحكومات العراقية المتعاقبة فقط، إذ إن الأنظمة التي حكمت العراق مرت بمتغيرات كثيرة في نظام حكمها وطبيعة حاجتها للولايات المتحدة او في مدى مدِّ الولايات المتحدة لجسور التفاهم مع المجتمع والحكومات العراقية المتعاقبة. ونظراً لأنّ أي علاقة دولية مرتبطة بالمجتمع وتقبله للآخر، فإنّ أي عملية تطبيع واستقرار للعلاقة ستعتمد على مدى تغيّر قناعات المجتمع وفهمه (او انطباعه) لتوجهات الولايات المتحدة تجاهه، ومن جانب آخر نرى سعي الولايات المتحدة للتعامل والتواصل مع الحكومات المتعاقبة بمعزل عن قدرتها على التأثير وكسب الشارع العراقي، وبعد فشل محاولات عدة لها في هذا المضمار اكتفت الحكومات الأمريكية بالتعامل الرسمي والسعي لبناء علاقة دولة بدولة بمعزل عن طبيعة علاقة المجتمعين مع بعضهما البعض.

ولا يمكن لنا أن ننظر للعلاقات الثنائية من دون الأخذ بنظر الاعتبار العوامل التي أثرت في هذه العلاقة ومنها العقوبات الدولية المفروضة على العراق بعد غزو الكويت كقرارات أممية، ومدى انتفاء بعضها وتعليق البعض الآخر وبقاء ثالثها، او القرارات والقوانين المتعلقة بأموال العراق وعائدات النفط وارتباطها بقرار الرئيس الأمريكي والبنك الفدرالي، او الدور الأمريكي في إسقاط صدام وما تلاه من تحالف واحتلال وتغيير الحكم والاتفاقيات التي حصلت مع الحكومات العراقية المتعاقبة، او الواقع السياسي العراقي وحالة الانقسام بين مكوناته وأطرافه السياسية وعدم وجود مرجعية سياسية موحدة، او جاهزية القوات العسكرية والأمنية العراقية من حيث التسليح والولاء والتماسك، او قوة فرض الدولة العراقية لسطوتها وقدرتها على معالجة السلاح المنفلت، او الظروف الأمنية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وتواجد قوات الدول الكبرى والغربية فيها، او طبيعة علاقات دول الجوار مع الولايات المتحدة وطبيعة اتفاقياتها، وأخيرا طبيعة العلاقة الأمريكية - الايرانية ومستقبلها.
مراحل العلاقات العراقية – الأمريكية:
من المنظور التاريخي المعاصر يمكن تقسيم العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق منذ العام ٢٠٠٣ إلى أربع مراحل رئيسة، وهي:
-    ٢٠٠٣ (بداية الاحتلال) إلى ٢٠١١ (تفعيل الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية)، إذ هيمنت الملفات العسكرية والأمنية على طبيعة العلاقة، وانتهت هذه الحقبة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق مع تكبدها خسائر مادية ومعنوية كبيرة.
-    ٢٠١١ إلى ٢٠١٤ (مع انتهاء حكومة نوري المالكي الثانية)، كانت عملية انسحاب القوات الأمريكية قد تمّت وشهدت العلاقة الثنائية انخفاضاً واضحا رافقها غياب التعاون العسكري والأمني ونتج عن هذا الغياب نمو داعش والإرهاب المتطرف.
-    ٢٠١٤ (تسلّم حيدر العبادي للحكومة) إلى ٢٠١٧ (مع تحرير مدينة الموصل)، ازداد التعاون الثنائي في مكافحة داعش عن طريق قوات التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ورافق هذه الزيادة تعاون سياسي لا سيما في السعي لتطبيع علاقات العراق مع دول الخليج.
-    ٢٠١٨ إلى الوقت الحالي (أثناء إدارة الرئيس ترامب)، نرى أن دور الولايات المتحدة في العراق محوره أمني ومعني بمتابعة فلول داعش من جهة وكذلك مراقبة الوضع الإقليمي لا سيما مع تطبيق استراتيجية "الضغط الأقصى" ضد إيران، وانتهت هذه المرحلة بقرار مجلس النواب العراقي الذي طلب من الحكومة ترتيب جدولة خروج القوات الأجنبية (ومن ضمنها الأمريكية) من العراق. 

لذلك نستطيع القول إنَّ العلاقة الأمريكية - العراقية بعد الانتصار على داعش قد تغيّرت وتمرّ بمنهجية غير واضحة المعالم وهي في طور التكوين والتطور وممكن أن تتجه بكلا الاتجاهين، وواضح للمراقبين أن مشروع الولايات المتحدة لبناء العراق كنموذج ديموقراطي في المنطقة قد عفا عليه الزمن ويعدّ من التركات الثقيلة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومن الضروري علينا نحن كعراقيين أن نحدّد منهجاً واستراتيجية واضحة ومتفقاً عليها بين الأطراف السياسية المختلفة في تعاطينا مع الولايات المتحدة، أي أن نعرف ماذا نريد منها؟ وما نحن مستعدون لدفعه مقابل هذه المعرفة؟

من المفيد أن نذكر أن أحد أهم أسباب عدم وضوح واستقرار طبيعة العلاقة هي أن أولويات البلدين لم تكن متشابهة، فالولايات المتحدة كدولة أحادية القطب تمر بمرحلة تغييرات جيوسياسية كبيرة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق وحربها على الإرهاب وقيادتها للعولمة متزامنةً مع صعود الصين كبديل او ند نوعي وأفول العولمة او ما بعدها على سياسات الدول، ولعل اختلاف تأثيرات وتعاطي الدول مع جائحة كورونا أحدث مثال على هذا. 

هنا يُطرح السؤال عن أولوياتنا وما تستطيع أن تقدمه الولايات المتحدة وسط تحديات العراق الداخلية والخارجية. هذه التحديات العراقية بعضها تكوينية (مثل هشاشة الوضع السياسي الداخلي او الزيادة السكانية غير المنضبطة او ريعية الاقتصاد النفطي او جغرافية موقعه وسط دولتين كبيرتين مثل تركيا وإيران) ومرتبطة بحسن او سوء التخطيط والإدارة، وبعضها موضوعية (مثل الجيوسياسي او الجيواقتصادي في منطقتنا المتوترة) ومرتبطة بقدرة العراق على فرض سياساته ومصالحه على البلدان الأخرى.

وسط هذا وذاك نرى أن الولايات المتحدة تتخذ وقفة تأمل او مراجعة، إن لم نقل فكّاً لارتباطها بالمنطقة (العراق وغيره)، وهذه تتجلى في ملف تداعيات فك ارتباطها مع الاتفاقية النووية مع إيران والتركيز على ملف العقوبات، او ازدياد القلق في المنطقة بتداعيات ما بعد الربيع العربي التي ما زالت غير واضحة مع عدم وجود مراجعة ذاتية عربية لذلك حتى الآن، والحديث عن بداية معالم ربيع شيعي في مناطق ذات أغلبية شيعية، وهنا يأتي السؤال إن كان العراق يُنظَر اليه من المنظور الأمريكي بتلقاء نفسه ام عبر منظور خليجي أم سوري أم إيراني أم داعشي. ومن المفيد أن نذكر أن الولايات المتحدة قلما اعتمدت في سياساتها في المنطقة من المنطلق العراقي، فالمملكة العربية السعودية او إيران او مصر او تركيا كانت في الأعم الأغلب منطلقات لهذه السياسات ولعل تجربة دخول العراق من قبل إدارة بوش الأولى عام ٢٠٠٣م كانت استثناء.

سيعتمد اهتمام الولايات المتحدة بالعراق في المرحلة القادمة على عدة ملفات مهمة مثل تعقيدات الوضع في سوريا ومدى رغبة واشنطن في تطبيق الحصار على إيران او فاعلية داعش والقاعدة في المنطقة وعدم حاجة إسرائيل للآخر (اذ لم تعد دولة فتية من وجهة نظر الامريكيين او الاوروبيين) او انطباع واشنطن بشأن التأثير الإيراني في العراق، وهنا نقول إن عزل البعد الإيراني عن العراقي وتفكيكه في عقلية الإدارة الأمريكية ستكون من أهم أولويات الساسة العراقيين في تعاطيهم وتعاملهم مع الولايات المتحدة. 

من جانب آخر من الضروري الاتفاق بين الأطراف العراقية على تحديد العوامل التي سوف تؤثر في مسار العلاقة مع الولايات المتحدة (وغيرها من الدول المؤثرة في العراق)، ولعل هذه العوامل تتضمن إيضاحات وترجمة لسياسة النأي بالنفس وحدود هذا النأي، ومدى تحمل الاقتصاد العراقي لأي تداعيات من الحصار الأمريكي ضد إيران، وحاجة العراق لدعم التحالف الدولي والأمريكي في حقول التعاون الاستخباراتي والتسليح والتدريب، وأهمية زيادة التعاون الاقتصادي والتعليمي مع الولايات المتحدة.

ختاماً نقول إنَّ البلدين يمران بمراحل مختلفة من تأريخهما، فالولايات المتحدة لم تعد تلك الدولة القطبية الواحدة الراعية لبناء جمهورية جديدة لعراق ما بعد ٢٠٠٣، والعراق لم يرسّخ بعد أسس جمهوريته هذه، ولم يستطع بعد أن يكسر قيود التبعية لهذا الطرف او ذاك ويحتاج إلى إرادة مجتمعية وحكومية قوية وإدارة حكيمة تستطيع أن تجتاز العقبات التي وضعت أمامه. وسيبقى العراق بحاجة لدعم دول إقليمية وعالمية كبرى، ولكن هذه الحاجة لا تعني القبول بإملاءات الآخر بمعزل عن تحديد مصلحتنا الوطنية والتنموية والحكمة في تعاملنا معهم.