السياسة الخارجية دراسة مقارنة بـين (سوريا – لبنان - العراق)

تاريخ النشر:
2021 شباط 20

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf

م.م. سيماء علي مهدي
المقدمة:
  ارتبط لبنان بسوريا منذ العام 1976، وكانت تعد لبنان بالنسبة لها منطقة امتداد جغرافي طبيعي، ولكن ما يزيد في لبنان أنَّه يمتد على مساحة قريبة جدّاً من قلب وسط سوريا الغربي ونافذة جنوبية لسوريا على البحر المتوسط وموقع استراتيجي إذا ما استعمل ضد سوريا يهدّد أمنها الداخلي، وعند العودة إلى أرشيف مرحلة 1990 ــ 2005، لا يُمكن معرفة الخط الفاصل بين السياسة الخارجية اللبنانيّة، والسياسة الخارجيّة السورية. فمنذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، خرج شعار "وحدة المسار والمصير" ليبقى هذا الحاكم الأبرز للسياسة الخارجية للبنان. فاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق (رفيق الحريري) في شباط 2005 أدّى إلى انتفاضة لبنانية ضد الوجود السوري في لبنان، وانسحاب القوات السورية في 26 نيسان 2005. وكان قد برز تحالف مناهض لسوريا في لبنان، تحت مسمّى (تحالف قوى 14 آذار) مكوّن من أحزاب سنيّة ومسيحية ودرزية. وكان التحالف مدعوماً من إدارة بوش وفرنسا والمملكة العربية السعودية ودول أخرى، وكان البعض داخل التحالف يأمل بأن تتّخذ الإدارة الأميركية خطوات لإضعاف نظام الأسد في دمشق، أو حتى إطاحته، كما حدث مع نظام (صدام حسين) في العراق. وفي الوقت نفسه، شكّل حلفاء سوريا في لبنان، بقيادة حزب الله، (تحالف قوى 8 آذار) الذي يضم حركة أمل الشيعية وأحزاباً سنّية ومسيحية ودرزية وأحزاباً أخرى، والذي أيّد علناً نظام الأسد وحظي بدعم إيران وسوريا. وطوال تلك الفترة لم تكن هناك علاقات دبلوماسية كاملة بين سوريا ولبنان، وفي اجتماع عقد في باريس أثناء أول قمة لاتحاد البحر المتوسط، التقى رئيس لبنان (ميشيل سليمان) بالرئيس السوري (بشار الأسد)، واتفقا على تأسيس علاقات دبلوماسية وفتح صفحة جديدة بين البلدين. في كانون الاول 2008، أفتتحت السفارة السورية في بيروت وفي آذار 2009، أفتتحت السفارة اللبنانية في دمشق. أما العراق فقد سعى بعد عام 2003 إلى إقامة العلاقات مع الجوار الإقليمي انطلاقاً من الوفاء الكامل لمقومات الهوية العربية والإسلامية له، فضلاً عن إقامة علاقات قوية على الصعيد الدولي من أجل تعزيز مكانته السياسة والاقتصادية في إطار علاقات قائمة على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل بشؤون الدول الداخلية، فضلاً عن قيامه بدعم الجهود الدولية في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين عن طريق التوقيع على معاهدات حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل ونزع الاسلحة الكيميائية وغيرها من المعاهدات الدولية، وسعى أيضاً إلى عدم الدخول في سياسة المحاور والعمل باتجاه تصحيح الاختلالات القائمة في توازنات العلاقات الدولية وتكريس مبدأ التكامل في المصالح المشتركة، والعمل على تبني خطاب خارجي معتدل حتى مع الدول التي لها موقف سلبي تجاهه.
       تعـرف السياسـة الخارجيـة بأنَّها التحـرُّك الموجـّه للدولـة في محيطهـا الخـارجي - الـدولي الإقليمـي- لتحقيـق مجموعة من القيم والأهداف والمصالح العليا للبلاد، وتسـتند السياسـة الخارجيـة في تحركهـا الموجّـه إلـى اسـتراتيجية تـنهض بمهمـة اسـتيعاب وتطويـع القـدرات الحقيقية المادية والمعنوية في البلاد لتحقيق وإنجاز تلك القيم والأهـداف والمصـالح العليـا بكلفـة وزمـن وخسـائر أقـل وبنتائج مضمونة – افتراضا، ولذلك وضع الباحثون في السياسة الخارجية مجموعة عوامل لها أثر مباشر على قدرات أي دولة في صياغة سياساتها الخارجية وهذه العوامل:
أولاً: الموقع الجغرافي
ثانياً:عدد السكان وطبيعته الاجتماعية.
ثالثاً: الموارد الطبيعية.
رابعاً: القوة العسكرية. 
خامساً: النظام الداخلي للدولة.

المحور الأول: السياسة الخارجية السورية
      يُصدِّر النظام السوري سياسة خارجية تستند إلى عقيدة قومية، هدفها تحقيق الوحدة بين البلدان العربية، وتجعل من القضية الفلسطينية وبناء توازن استراتيجي شامل مع إسرائيل القضية المركزية، مع التشديد على تثبيت الهوية السورية للجولان المحتل، ودعم المقاومة بجميع الوسائل، والوقوف ضد أي تسويةٍ منفردة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وتمتين العلاقات السورية اللبنانية، وغيرها. وانطلاقاً من الأهداف المعلنة هذه، وسّع النظام، خلال الثلاثة عقود قبل 2011، دائرة نفوذه الإقليمي، وتأثيره الدولي، وتدخل سياسيا وعسكريا في الشؤون الداخلية للدول والحركات السياسية والعسكرية، العربية والإقليمية، مثل النزاع العراقي الإيراني، والنزاع التركي الكردي، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والصراع اللبناني الإسرائيلي، وغيرها( ).
   تجسّدت آليات السياسة الخارجية ومرتكزاتها في مرحلة ما بعد آذار 2011، واستخدم النظام أوراقه الإقليمية كافة في بلدان المنطقة، واستدعى حلفاءه جميعهم لمؤازرته ودعمه، لمواجهة الثورة والمعارضة والمجتمع الدولي، وما زال ثابتا في موقعه، على الرغم من هشاشته، وقد عزّزت دمشق علاقاتها مع دول الحلفاء التي وقفت إلى جانبها في الحرب المفروضة وهي كل من روسيا وإيران والصين ولبنان (حزب الله) والعراق، وتواصل سوريا تعزيز العلاقات مع مصر والجزائر والكويت وعمان، إضافة إلى بلدان مثل كوريا الشمالية، أنغولا، كوبا، فنزويلا، بوليفيا، الإكوادور، نيكاراغوا، البرازيل، غيانا، الهند، جنوب أفريقيا، تنزانيا، باكستان، أرمينيا، الأرجنتين، طاجيكستان، الفلبين، أوغندا، زيمبابوي، وغيرها. فيما قطعت دمشق العلاقات الدبلوماسية مع العديد من البلدان لا سيما الدول التي دعمت الجماعات المسلحة في الحرب وزودتها بالمال والسلاح بما في ذلك: أمريكا، بريطانيا، تركيا، السعودية، قطر، البحرين، الإمارات، كندا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا. وعلّقت عضوية سوريا في جامعة الدول العربية في عام 2011 و‌منظمة التعاون الإسلامي في عام 2012( ).
  ومنذ اندلاع الانتفاضة السورية في آذار 2011، مارست جامعة الدول العربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مختلف أنواع الضغوط على نظام الرئيس بشار الأسد، عبر مجلس وزراء الخارجية العرب ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. لم تنجح كل هذه الجهود في وقف استمرار حمام الدم، وذلك بسبب الموقف الروسي والصيني «المشترك» الداعم للرئيس الأسد، واستعمال حقّ النقض (الفيتو) تكرارا من أجل تعطيل عدة قرارات دولية تقضي بإدانة استعمال النظام للقوة العسكرية المفرطة لسحق الانتفاضة. تأتي أهمية دور روسيا لحماية نظام الأسد انطلاقا من العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية القائمة بين البلدين منذ عقود. صحيح أن هذه العلاقات قد ضعفت وأصيبت بحالٍ من الركود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ولكنّها سرعان ما استعادت حيويتها بعد تسوية قضية الديون التي كانت مترتّبة على سوريا، إذ قرّرت موسكو في كانون الثاني 2005 شطب 80 % من هذه الديون البالغة عشرة مليارات ونصف مليار يورو. وتشكّل الآن التبادلات التجارية بين سوريا وروسيا 3 % من التجارة الخارجية السورية، ويأتي معظم مشتريات الأسلحة المجهّزة بها القوّات المسلّحة السورية من روسيا، ولا تقتصر أهمية الدور الروسي في حماية النظام على تدفّق الأسلحة والذخائر، بل يتعدّى الأمر ذلك ليشمل الحماية السياسية التي توفّرها موسكو لدمشق من خلال استعمالها حقّ النقض ضد كل مشاريع القرارات التي تقدّمت بها الدول الغربية إلى مجلس الأمن لإدانة النظام السوري، واتخاذ إجراءات رادعة ضده تحت الفصل السابع لشرعة الأمم المتحدة( ).
 وعندما نتحدّث عن المصالح الاستراتيجية والعسكرية الروسية في سوريا، فإن القاعدة البحرية في طرطوس التي جرى بناؤها بموجب اتفاق مع النظام السوري العام 1971 تأتي في رأس قائمة هذه المصالح، إذ إنَّها تشكّل القاعدة البحرية الوحيدة التي ورثتها روسيا من الفترة السوفياتية في البحر المتوسط والتي لا تعترف روسيا بها كقاعدة بحرية لأسطولها بل تصفها بأنّها نقطة دعم لوجستي وتقني، بالاضافة لقيام روسيا في الفترة التي سبقت أحداث الربيع العربي، ببذل أقصى جهودها لعقد اتفاقيات مع كل من ليبيا واليمن من أجل استئجار قاعدة بحرية تصلح كقاعدة لوجستية لدعم عمليات «المارينز» الروسي، ولكن من دون أي نتيجة. من هنا تظهر أهمية قاعدة طرطوس لعمليات البحرية الروسية في البحر المتوسط والبحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي بحيث لا يمكن لموسكو الاستغناء عنها طالما لا تتوافر لها أي قاعدة أخرى بديلة في المناطق المذكورة( ) .على الرغم من أهمية العلاقات التجارية والسياسية بين روسيا وسوريا وعلى الرغم من أهمية قاعدة طرطوس البحرية، فإنّ الموقف الروسي «المتصلّب» تجاه الأزمة السورية يرتبط إلى حد بعيد بتعقيدات العلاقات القائمة بين روسيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومن أبرزها: الدرع الصاروخية، ونزع السلاح، وقضايا حقوق الانسان والقضية النووية الإيرانية، بالإضافة إلى إرث التدخّلات الأميركية في الدول القريبة من روسيا؛ يضاف إلى كل السجل الحافل بالخلافات مع الغرب وجود رغبة لدى الرئيس بوتين باستعادة دور روسيا كلاعبٍ أساس في الجيوبوليتيك الشرق أوسطي والدولي.
إنّ استمرار الوضع الحالي يعزِّز التوترات المباشرة وغير المباشرة في الدول المجاورة، ففي غياب التدخل الإيجابي الفاعل، ازداد الوضع في المنطقة كلها سوءا، ففي تركيا، مثلًا، يستمر التناغم بين حزب العمال الكردستاني والأتراك العلويين بإحداث حالةٍ من الاستقطاب لدى الشعب التركي، وإرباك السياسة التركية. كما أن على تركيا التعامل مع مئات آلاف من اللاجئين الذين فرّوا من سوريا، ومن شأن اللاجئين السوريين في لبنان أيضا التأثير في استقرار هذا البلد الذي يشبه سوريا في تركيبته المجتمعية، وتزداد فيه حدّة الاستقطاب السياسي بين القوى الداعمة للنظام السوري والمعارضة له، فضلًا عن أن بيئة الفقر والمليشيات وغياب الدولة في سوريا مستمرّة، وهي البيئة الملائمة والمثالية لإنتاج الفوضى والتطرّف في المنطقة والعالم ( ) .
المحور الثاني: السياسة الخارجية اللبنانية
السياسة الخارجية لبلد صغير مثل لبنان، الذي يشهد باستمرار انقسامات سياسية داخلية، عمودية وحادَّة، ويعاني من الأزمات والمشاكل المزمنة والمستعصية، ويتأثر بأحداث خارجية دراماتيكية بطريقة مشهدية تكتسي أهمية خاصة بل مضاعفة، وإن كانت بعض دوائر القرار والنخب السياسية والفكرية والأوساط الحزبية لا تولي السياسة الخارجية اللبنانية العناية والمتابعة اللتين تستحقهما، ومقاربة جدية ترقى إلى مستوى تحمّل المسؤولية الوطنية. وربّما لا تؤمن بها ولا تدرك جدواها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية( )، ومع انطلاق الثورة السورية، اخترعت حكومة الرئيس (نجيب ميقاتي) مصطلحاً جديداً في عالم الدبلوماسية، وهو سياسة "النأي بالنفس" كعنوان لـ"لإقرار" عملياً، إذ لا يعني "النأي" الحياد، ولا الانحياز... هو ببساطة "لا موقف" من أهم حدث يؤثر في لبنان، مع جارته سوريا. وكان لافتاً في حينها تساؤل رئيس الحكومة القطرية، وزير الخارجية، (حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني)، علناً عما يعنيه مصطلح "النأي بالنفس"، بين الامتناع عن التصويت، أو الرفض... أو ماذا بالتحديد، وذلك على هامش اجتماعات دول الجامعة العربية التي قررت إخراج سوريا من صفوفها. وتلا هذا الأمر إعلان (بعبدا) الصادر عن الحوار الوطني الذي دعا إلى تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وعدم تحويل لبنان إلى ممر للمسلحين والسلاح إلى سوريا. لكنَّ الحكومة لم تنجح بترجمة هذه السياسة، لا سيما مع تبني وزير الخارجية (عدنان منصور) الموقف السوري في اجتماعات جامعة الدول العربية، وانتقال المسلحين والسلاح من لبنان إلى سوريا، وعلى رأسهم مقاتلو حزب الله الذين يتحولون إلى العمود الفقري لصمود النظام السوري، وهو ما أعلنه أمين عام حزب الله (حسن نصر الله)، الذي قال: "إن تدخل حزبه منع سقوط دمشق".
وقد طالب منصور جامعة الدول العربية بإعادة مقعد سوريا إلى النظام عام 2013، يوم كانت جامعة الدول العربية تبحث تسليم مقعد سوريا إلى الائتلاف المعارض، بعد أن اشتدت التصريحات الأميركية المهدّدة بضربة عسكرية بعد المجزرة الكيماوية في الغوطة ( ).
كذلك تعاني السياسة الخارجية للجمهورية اللبنانية، من مسألة محدودية الإمكانات المتاحة والموارد المتوافرة، كالموارد المالية المخصّصة لها؛ هذا بالإضافة إلى أن الدبلوماسية اللبنانية لا يمكنها الخروج على الإجماع العربي، أو لنقل الاتجاه الغالب داخل المجموعة العربية، أو الوقوف إلى جانب أحد الأطراف العربية في مقابل سواه، في حالة الانقسام في المشهد السياسي العربي. كما لا يمكنها أيضاً مخالفة الشرعية الدولية أو التمرد على المجتمع الدولي، ولا سيما مجموعة القوى الغربية، أو ربّما تأييد إحدى القوى الدولية دون سواها، في حالة التنافس أو الصراع في السياسة الدولية ( ).
  وحين وقع الانفجار في بيروت، كان الرئيس الفرنسي حريصا على الدفاع عن آخر جيوب النفوذ الفرنسي في المنطقة، ولا سيما في ظل التوتر مع تركيا في شرق المتوسط. فبعد أن همّشت الولايات المتحدة النفوذ الفرنسي في ليبيا لمصلحة تقدّم النفوذ التركي، حرصت باريس على أن تحصل على دعم واشنطن لتفادي تكرار سيناريو مشابه في لبنان. لذا، أتت زيارة (ماكرون) لبيروت بضوء أخضر أميركي من حيث الشكل. وقد وبّخ ماكرون القادة اللبنانيين، ودعا إلى"نظام سياسي جديد"، كما حذر من أن باريس ستتخذ المزيد من الإجراءات في أيلول، أي بعد شهر من تاريخ وقوع الانفجار، إذا لم تُبادر السلطات اللبنانية إلى إجراء الإصلاحات؛ لأنَّ المجتمع الدولي لن يعطي "شيكات على بياض لنظام لم يعُد يحظى بثقة شعبه " لكنّ إدارة (ترامب) غيّرت هذه الاندفاعة الفرنسية عبر زيارة (هيل) الذي ضبط الإيقاع الدولي في موقف يتقاطع مع طهران. وتبقى لبنان بعيدة عن استعادة حقبة الاستعمار الفرنسي أو النفوذ العثماني، فالولايات المتحدة وإيران هما اللاعبان الرئيسان في المشهد السياسي اللبناني حتى إشعار آخر( ).
المحور الثالث: السياسة الخارجية العراقية
  انتهج العراق بعد 2003 سياسة خارجية تحقّق تغيّرا جذريا للسياسة التي انتهجها النظام السابق الذي وضع العراق بأكثر من مأزق دولي من خلال سياساته المنغلقة والعدائية، وذلك عبر الانفتاح على العالم بهدف ضمان عودة العراق إلى وضعه الطبيعي ومكانته في المجتمع الدولي، فقد سارت السياسة الخارجية لتحقيق ذلك الهدف باتجاهين متزامنين منذ عام ۲۰۰۳ وحتى يومنا هذا تمثلا بـ أولا: استكمال تنفيذ التزامات العراق الدولية الضامنة للخروج من طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وثانيا: توسيع الانفتاح الدبلوماسي للعراق حول العالم تأكيدا لتوجهاته السلمية الجديدة وتحقيقا لمصالحه السياسية والاقتصادية، وفي هذا السياق سعي العراق وما يزال إلى حل جميع القضايا العالقة مع دولة الكويت وكذلك حل القضايا العالقة مع دول الجوار إجمالا، مع الحرص على تأسيس علاقات دبلوماسية متوازنة مع المجتمع الدولي شرقا وغربا وبصفة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن استكملت انسحابها العسكري نهاية عام ۲۰۱۱ في إطار اتفاق سحب القوات الامريكية الذي يمثّل أحد أهم منجزات السياسة الخارجية العراقية مقارنة بتجارب دولية مماثلة في السياق ذاته( )، وعندما كانت موجة (الثورات العربية) التي تعصف بالمنطقة، فقد حرص العراق عبر دبلوماسية هادئة وفعالة على الوقوف لمسافة واحدة من جميع أطراف التغيير وفي حدود المسار الأخلاقي والقانوني لنهج السياسة الخارجية داعيا إلى تحقيق المطالب الشعبية عبر الحوار والإصلاح السياسي والاقتصادي في البلدان الثائرة من ناحية، وحث الحكومات العربية على مراعاة تطبيق مبادئ حقوق الانسان في التعاطي مع التحركات الشعبية في تلك البلدان ومثال ذلك موقف العراق من سوريا عبر المبادرة بدعوة حكومتها للحوار مع المعارضة برعاية الجامعة العربية، وكذلك موقف العراق من الأزمة في البحرين الداعي إلى عدم تعامل الحكومة البحرينية بعنف مع المتظاهرين، فضلا عن رفضه العدوان العسكري الخارجي على الشعب اليمني( ). لكن هذا لا يعني خلوها من سلبيات تكوَّنت من مزيج مركّب من تضارب المصالح للقوى السياسية الداخلية، في مرحلة مصيرية صعبة عاشها العراق بعد مخاض الحرب التي عصفت به، كما أن العقوبات التي تعرّض لها العراق بسبب النظام السابق، أدت إلى فرض حصار على هذا البلد وعزله عن جيرانه وعن المجتمع الدولي، وصدور العديد من قرارات مجلس الامن الدولي التي تضمّنت عقوبات أضرت بمكانة العراق الدولية وتسبّبت في تدهور الوضع الاقتصادي( ). كذلك تعاني السياسة الخارجية العراقية عموما من مشـكلة تـداخل الاختصاصـات وعـدم تحديـد الاولويـات، وهنـا تـدخل طريقـة تشـكيل السياسـة العراقيـة عبـر التوافقـات بـين الاطـراف السياسـية ولـيس علـى أسـاس فلسـفة واضـحة تتبناهـا الدولــة، لــذلك كـان هنـاك الكثيـر مـن التقاطعــات التـي قـادت إلى مواقــف متعارضة، تتبناها الحكومة ممثلة برئيس الوزراء ويختلـف معـه رئـيس الجمهوريـة، أو وزيـر الخارجيـة، وبـات السـجال يطغـى علـى أي موقـف واضـح عنـدما تتبنّى كـل كتلـة سياسـية موقفا لا يلتقي مع الفاعلين الآخرين، وقد كان لهـذا الخلـل فـي الأداء السياسـي الـداخلي وتضـارب المصـالح وتعـدّد مصـادر القـرار، كان له الأثر الواضح فـي ضـعف الأداء وتواضـع التـأثير فـي النشـاط السياسـي الخـارجي( ). هذا بالإضافة إلى أن المواد ( ۱۱۰ و ۱۱۲ و ۱۱۹ و ۱۱۵ و ۱۲۱ ) التي حدّدت اختصاصات الحكومة الاتحادية وسلطات الإقليم، هذه المواد هي التي أربكت العلاقة بين الحكومة الاتحادية المركزية في بغداد وحكومة إقلیم کردستان، وانعكس ذلك سلبا على علاقات العراق الخارجية ناهيك عن ضعف أداء وزارة الخارجية العراقية بفترة قيادة السيد (هوشيار زيباري) في كشف العديد من الملفات التي تختص بتمويل العديد من الدول العربية والإقليمية والدولية للإرهاب في العراق وتقديم تلك الملفات إلى المنظمات الدولية (مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة حقوق الإنسان). كما تجسّد ضعف أداء وزارة الخارجية أيضا في الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لتفعيل اتفاقية "الإطار الاستراتيجي" التي تم توقيعها مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل خروجها من العراق، بعد التهديد الكبير الذي تعرَّض له العراق بعد أحداث العاشر من حزيران وسقوط الموصل في يد زمرة داعش الإرهابية. وعلى العكس من ذلك نجد تمتين علاقات إقلیم کردستان بالمحيط العربي والإقليمي والدولي على حساب الحكومة المركزية في بغداد، وبذلك كسب ود وتعاطف المجتمع الدولي مع إقلیم کردستان وذلك ما انعكس وظهر جليا في أزمة الإقليم مع داعش( ). 
   ووزارة الخارجية حالها كحال بقية الوزارات والمؤسسات الحكومية، إذ تطغى المحاصصة السياسية الحزبية على توزيع واختيار السفراء والملحقين الدبلوماسيين في البلاد، في الوقت الذي يشهد فيه مجلس النواب خلافا كبيرا مع وزارة الخارجية بشأن آلية اختيار السفراء والحصص وأن الكثير من سفراء العراق يحملون جنسيات متعددة، وهذا ما يبعث على الشك في ولائهم للعراق، فضلاً عن ولاء بعض السفراء لأحزابهم دون الاهتمام بمصلحة البلاد. ويشير موقع وزارة الخارجية العراقية إلى أن العراق لديه 88 سفارة وقنصلية وبعثة دبلوماسية حول العالم، ولا يعد هذا غريبا في التمثيل الدبلوماسي لأي دولة، لكن ما يثير الدهشة أن العراق لديه تمثيل دبلوماسي وسفارة في بلدان قلما تجد فيها عراقيين كما في كينيا والفاتيكان مع الأخذ بالاعتبار أن السفير العراقي في العاصمة الإيطالية "روما" يبعد عن الفاتيكان مسافة 4 دقائق فقط بواسطة دراجة هوائية!( ). واستغلت قوى سياسية المواقف غير الواضحة أو الصمت الحكومي لإبداء مواقف، يبدو وكأنَّها تمثّل العراق، حتى بات الأمر ينسحب على قضايا داخلية، مثل الموقف الحكومي حيال وجود القوات الأميركية في البلاد، والحوار مع واشنطن، والتوغل التركي داخل الأراضي العراقية، والقصف الإيراني لمناطق في إقليم كردستان، أو خارجية مثل ملف تطبيع العلاقات مع السعودية، التي أتت بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي إلى الرياض( ). كما لا تزال مشاركة رئيس الوزراء (مصطفى الكاظمي) في القمة الثلاثية التي عقدت بين ملك الاردن (عبد الله الثاني) والرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) هي محط اهتمام الجميع وتخضع نتائجها للمزيد من التحليل و(الكاظمي) قال إن: (مشروع بلاد الشام الجديد وفق النسق الاوروبي سيتم طرحه على قادة مصر والاردن، مشيرا إلى أنّ هذا المشروع سيتيح تدفق رأس المال والتكنولوجيا بين البلدان الثلاثة على نحو أكثر من الحرية ولكن دون جرّ العراقي إلى سياسة المحاور) ما يعني وسطية وتوازنا واعتمادا على تعزيز التعاون بين البلدان الثلاثة، وفي ذات الأمر الذي شدّدت عليه وزيرة الجيوش الفرنسية (فلورانس بارلي) بأن حكومتها مستعدة لدعم مواصلة الحرب ضد خلايا تنظيم داعش الإرهابي؛ وذلك من خلال التأهيل المتكامل لقدرات الجيش العراقي الأمنية وتطوير كفاءته القتالية، وكما استقبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وزير الخارجية السعودي (فيصل بن فرحان) وتناول الجانبان العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا المنطقة إذ أكد له الكاظمي أن (المملكة شريك حقيقي للعراق الذي يتطلع إلى بناء علاقات متميزة تستند للإرث العميق وللروابط التاريخية التي تجمعهما وبما يحقّق مستقبلا أفضل للبلدين، ودعا الكاظمي إلى أهمية تفعيل مقررات اللجنة التنسيقية بين العراق والسعودية وبما يؤمّن مصالح شعبي البلدين الشقيقين كما أكد وزير السعودية أن المملكة تنظر بعين الحرص والاهتمام إلى علاقاتها مع العراق)، واللافت في هذه التحركات الداخلية والخارجية أنّها تمت في أيام معدودة ( ). 

الخاتمة:
   منذ أن انحرفت الثورة السورية عن مسارها الوطني وجرى اختراقها وعسكرتها، والحالة السورية تمثل مصدراً للخطر على الأمن العربي، سواء بإطلاق مشروع التقسيم والتفكيك أو بإطلاق مشروع الإرهاب التكفيري للمجتمعات والأفراد متمثّل بـ(داعش) ولولا تدخل روسيا وجعل القضية السورية قضية محورية لنفوذها بالشرق الأوسط لسقط نظام (بشار الاسد) ولرجعت سورية تابعة كـغيرها ومسيّرة من قبل الولايات المتحدة الامريكية ولما حلّ الخراب بالأنفُس والممتلكات. أما لبنان فإنّ سياستها الخارجية «محدودة بالمواقف الداخلية للقوى السياسية»، وأن تنوّع وجهات النظر وعدم الاتفاق على ثوابت، شكّلا «عذراً» لعدد من الدبلوماسيين «يُدينون بالولاء لمن عيّنهم أولاً، ويعتبرون أنّهم يستطيعون اتخاذ أي موقف، ويبقون محميين من قبل مرجعياتهم». العلّة الرئيسة تكمن في طريقة تعيين موظفي السلك، بصفتهم مُمثلين عن جماعاتهم السياسية والطائفية وليس كحُماة مصالح لبنان في الخارج. أما العراق فيعــد بنــاء سياســـة خارجيــة فعّالـــة فــي المحيطــين الإقليمــي والــدولي الشــاغل الأكبــر للــدولة. الا أن سياســات الــدول لا تنطلــق مــن فــراغ بــل هــي محكومــة بــدواعي المصــلحة الوطنيـة والحـرص علـى تـأمين الحـدود وتنميــة الاقتصـاد، والمطالبــة فـي الوقـت ذاتــه بالتنـاغم والتعـاون مع سياسات الدول الاخرى من أجل عالم أفضل وأداء متقدم.  واذا كـان العـراق يحســب علـى الـدول الناميــة فهـو يعـيش مشــكلاتها وتتـأثر سياسـته الخارجيــة بتلـك المشـكلات وفـي مقـدمتها عـدم الاسـتقرار السياسـي الـذي يـنعكس سـلباً علـى الاداء السياسـي فـي مختلف المجالات وليست السياسة الخارجية بمنأى عن ذلك الاضطراب، فالسياسة الخارجية العراقية هي جزء من حالة التغيير الذي اجتاح العراق بعد العام ٢٠٠٣، بكل مفاصل الحياة وعلى كل المستويات، ومسّ البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والقيمية، والسياسية، التي عُدَّتْ بمثابة المحددات الدستورية والسياسية.


المصادر: