Reading: Medieval History Of Iraq

Date of publication:
2021 February 25

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf


لونكريك 

- اللحظة التأسيسية ومخلفاتها -
 حكمت البخاتي 
أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث لمؤلفه البريطاني "ستيفن هـ . لونكريك" كتاب يستقطب أهميته في عدد من مستويات البحث التاريخي والسياسي والصلة بينهما في الاجتماعي الذي يميّز أو يضع علامة فارقة على البناء السياسي في العراق، فالعراق الدولة التي ما زال التاريخي والاجتماعي والديني فيها فاعلاً إلى الحد الذي لا يمكن معه فصل المشهد السياسي في تراكمه وتوتره وتواتره عن كل تلك المستويات المتداخلة بنيويا في تكوينه وتوجيه الحدث فيه، وهو ما تفصح عنه تلك الإشارات التي وردت في ديباجة الدستور العراقي وفي بعض فقراته التي أولت المؤسسة الدينية والعشائرية اهتماما دستوريا. وهنا تتجلى فاعلية التاريخي الذي يبدو حاضرا باستمرار في نشأة وتكوين هذه الدولة، مما يدع البحث التاريخي في الفترات الأكثر عمقا وضبابية في تاريخ العراق الوسيط تكتسب أهميته ومردوداته البحثية من أجل تحديد ميكانزمات النشأة والتطور وعوامل الفشل والإعاقة في بناء العراق سياسيا واجتماعيا أو بناء دولته – الإشكالية.
 وقد جاءت مهمة لونكريك ومستوى بحثه وهي تلبي ذلك الطموح العلمي والثقافي – المعرفي من أجل بناء صورة واضحة ودقيقة عن هذه الدولة – الإشكالية في ظهورها وتبلورها. وهو مستوى في البحث التاريخي يمتد في أهميته على مستويين؛ الأول: ابتداء من تاريخ ظهور الكتاب في العام 1925م كأول دراسة تاريخية تتناول العراق الحديث في ظل المتغيّر السياسي – الدولي الذي شهده العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى وكان يشتمل على اللحظة الحاسمة التي تشكلت بإزائها دولنا وأوطاننا مما يؤشر ظهوره وهو يحمل دلالة ظهور دولة العراق الحديث بتأثير المؤسستين أو البنيتين الرئيستين الدينية والعشائرية والارستقراطية التركية.
الثاني: في مستوى البحث عن الجذور التاريخية الوسيطة في نشأة وتكوين هذه الدولة الحديثة والمفاجأة في الظهور غير المتوقع لها بعد الإزاحات التاريخية المتكرّرة لها الذي بلغ مستوى المحو لها على يد الغزاة والفاتحين وتشكّل مادة االبحث وموضوع الدراسة تلك الفترة الوسيطة الممتدة من 1500م إلى نهاية 1900م، أي من القرن السادس عشر الميلادي وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي الذي يشكّل نهاية الفترة الوسيطة في تاريخ العراق الحديث ورغم أن الكاتب لم يتناول تاريخ العراق الحديث إلا أنَّ عنوان كتابه جاء مضللا بهذا الاتجاه أو مناقضا في التصنيف التاريخي لحقب العصور في العراق. ولعلّه كان يقصد مسمى العراق الحديث في تكونه كدولة على طريق الظهور والتبلور السياسي والاجتماعي في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.
 وتكمن أهمية الكتاب القصوى في البحث في تاريخ شبه غامض أو غير موثّق بشكل دقيق لا سيما في دراسة أحواله الاجتماعية والاقتصادية، ورغم اعتماد الباحث على مصادر تاريخية تركية وإيرانية وأخرى محلية – عراقية في توثيق الأحداث والوقائع في تلك الفترة الوسيطة إلا أنَّه اعتمد منهجية تحليل البنى الداخلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهو ما دعا الباحث البريطاني لونكريك إلى البدء من بنية العراق الاجتماعية العميقة في العشائرية وتكويناتها التاريخية والاقتصادية ونشهد فيه غياب الحديث عن المؤسسة الدينية - الشيعية في العراق، التي لم تكن لتتشكَّل في هذا العصر الوسيط ولم يكن لها دور مؤثر في توجيه الحدث العراقي السياسي والاجتماعي على امتداد تلك القرون الأربعة من تاريخه الوسيط وقد بدأت بمستويات محدودة وهامشية من الناحية السياسية والاجتماعية مع مرجعية الشيخ جعفر الكبير وأبنائه وتلامذته الذين بدؤوا بتشكيل المرجعية الدينية المحلية. وباستثناء الوساطات التي كان يقوم بها المراجع بين العثمانيين والصفويين ومواجهة المدّ الوهابي وبالتعاون مع الدولة العثمانية لم يكن لهم صوت سياسي أو موقف سياسي يجعل تأثيرهم واضحا في المشهد السياسي العراقي في تاريخه الوسيط، لكننا نشهد تعاظما للدور الديني المرجعي والمؤسسي في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن العشرين وهي المرحلة التي تمثّل دخول العراق إلى العالم الحديث مع الغزو البريطاني وبداية تأسيسات الدولة العراقية الحديثة وهنا تنضاف المؤسسة الدينية إلى المؤسسة العشائرية والمؤسسة الارستقراطية في بناء الدولة العراقية.
والمؤسّستان الأخيرتان كانتا موضعي اهتمام البحث التاريخي والمنهجي لدى لونكريك في تاريخ العراق الوسيط.
فالبنية العشائرية تدخل بقوة في التكوين الجذري والتأسيس البنيوي للعراق في هذا التاريخ الوسيط الذي ظل يشكّل وعلى امتداد جغرافيته وتاريخه هوية العراق الصميمية والداخلية، التي حين توشك على الغياب أو التغييب تحت تأثيرات سياسية أو ثقافية دينية أو علمانية، فإنَّ العشائرية العراقية تمارس احتماء ممنهجا ثم تعاود ممارسة احتفاء جاذبا للشخصية العراقية ذات النزعة العشائرية المتأصلة ذاتيا وعاطفيا وهو ما نلاحظه في التعلق بالألقاب العشائرية لدى النخب والطبقة الوسطى والارستقراطية فضلا عن الأفراد العراقيين من العامة. والتفسير لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة هو بحث العراقي الدائم عن إثبات انتمائه العراقي وسط التشكيك المتبادل بالأصول بين مكونات المجتمع العراقي، فالعشائرية أقدم صيغة تاريخية موجودة في العراق الذي تعود جذوره الفعلية والتأسيسية إلى العصر الوسيط وبذلك واستنتاجا عن لونكريك فإنَّ البنية العشائرية هي التي تحدّد انتماء العراق الاجتماعي والهوياتي، ونعثر على طبيعة ذلك التأصيل وقواعده التأسيسية في المتابعة الدقيقة التي يمارسها لونكريك بشكل علمي للحالة العشائرية في دراسة أحوال المجتمع العراقي في الفترة الوسيطة والمؤسسة من تاريخه الوسيط وهي تحظى بأغلب فصول الكتاب ومستهدفا في البحث كل العشائر العربية والكردية الممتدة بخيامها وأكواخها ومحال سكناها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ونلاحظ ذلك من خلال الوصف التفصيلي الذي يقدّمه لونكريك لمناطق العراق بدءاً من الجنوب حيث القبائل نصف البدوية والمعدان وانتهاء بالشمال؛ حيث القبائل الكردية ومرورا بالوسط والغرب حيث الحضر وقبائل البدو ومؤشرا فيها طبيعة السكن والحياة الاقتصادية والمعيشية وقاصدا في تناوله أيضا العشائر المحاذية للحدود العراقية من القبائل الإيرانية والسورية، ليعطي انطباعا أقوى علميا وبحثيا عن الطبيعة العشائرية المهيمنة على المنطقة منذ الانبعاث المتأخر أو الأخير للعراق في القرن السادس عشر الميلادي ودخوله إلى حيز التاريخ الفاعل والمؤثر في العالم  بعد الإزاحة التي تعرض لها منذ سقوط بغداد على يد المغول في القرن الثالث عشر الميلادي، التي أقصت العراق عن العالم والتاريخ تباعا. وبقدر ما يكون البحث لدى لونكريك مهتما بالبدايات التأسيسية في البنية العشائرية للعراق الوسيط، فإنَّه يعتني عناية بحثية مهمة بالطبقة الارستقراطية العثمانية من الولاة والباشوات الذين أرسوا القواعد الأولى لنظام الدولة في العراق ويتتبع سير الأحداث التي واجهتم وقدرتهم على ضبط الأحوال السياسية والاجتماعية في هذا البلد غير المستقر والمضطرب بأحداثه وبمعاركه الداخلية والحدودية. 
   وأما عوامل الانبعاث المتأخر للعراق الوسيط فإنَّ لونكريك يجملها في أسباب ثلاثة هي:
أولا: انبعاث الصوفية – الصفوية الايرانية في القرن السادس عشر الميلادي - ذات الجذور التركية والقواعد المستندة إلى الدمج بين الغلو الشيعي والتصوف الاسلامي وبنسخته المهدوية التي استقطبت أحلاماً إسلامية تاريخية ومكّنت من تحريك الرمزية الشعائرية التي مهّدت إلى صهر السياسي بالديني وأشاعت عقيدة المزارات وترميم وتذهيب المقامات الدينية التي كانت الحصة الأكبر والأهم منها في العراق، مما أعاد العراق إلى واجهة الحدث الأول السياسي والديني. وأعادت كذلك أهميته القصوى في الاستراتيجيات الايرانية الراسمة للمصالح العليا للدولة الايرانية الحديثة وقد عرفت هذه الفترة الوسيطة من تاريخ العراق عددا من الاحتلالات الإيرانية للعراق وتطبيق سياساستها المذهبية التي باتت تشكّل هويتها السياسية في ذلك العصر الذي كان العالم السياسي كله ينقسم وفق مذاهبه الدينية مسيحيا وإسلاميا.
ثانيا: الفتوحات العثمانية المزدهرة في القرن السادس عشر الميلادي، التي جعلت من الولايات العراقية حدّاً فاصلاً ومهماً بالنسبة لهذه الامبراطورية التي شكّلت أقوى وأهم امبراطورية في ذلك العالم الوسيط وقد اكتسب العراق أهميته في هذا العصر من أهمية هذه الدولة – الامبراطورية ومن أهميته بالنسبة اليها في تشكيله حدودها الإدارية والسياسية في تنافسها وحروبها مع الدولة الصفوية وما زالت تشكّل الاتفاقات العثمانية مع الدولة الإيرانية حول الحدود مصدرا مهما وقانونيا في رسم وتحديد حدود الدولة العراقية وهي واحدة من الإسهامات العثمانية في بلورة وظهور الدولة في العراق لاحقا لا سيما أنّ هناك ثلاثة اتفاقات صلح وهدنة تمت في القرن السادس عشر الميلادي؛ هي على التوالي في العام 1555م و1578م و 1590م وكانت تحدّد ضمنيا حدود ووجود الدولة العراقية وبذلك يكون هذا القرن هو القرن المحوري تاريخيا في تأسيس وبلورة العراق الحديث، ويؤكد لونكريك الأدوار الأولى للحكم العثماني في العراق التي ينظر اليها بأنَّها اختبار في قدرة هذا الحكم أو مجال جديد تقيس به الدولة العثمانية مقدرتها على الحكم وفق قوله فقد كانت وظلّت مصطلحات الحكومة التركية وتشكيلاتها سائدة ومتداولة في إدارة العراق وفق نقله.
ثالثا: اتساعات التجارة الغربية ومغامراتها وفق عبارة لونكريك، فالمغامرة الأوروبية في تحديد مسارات وخطوط التجارة الدولية شملت العراق في وقوعه على خط المواصلات مع الهند وآسيا عموما لا سيما في اتصاله مع موانئ الخليج التي كانت تشكّل قلب المغامرة الأوروبية في العصر الوسيط، فقد استولت القوات البرتغالية على سواحل الخليج في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي ودخلت الدولة العثمانية على خط المنافسة مع البرتغال مما استدعى أهمية العراق بالنسبة لهذه الامبراطورية القوية.

لقد شكّلت هذه العوامل وفق لونكريك استدعاءات ظهور العراق وعودته من جديد إلى واجهة الحدث والتاريخ الإسلامي ودخوله إلى التاريخ الحديث بعد ذلك المحو التاريخي الذي تعرّض له بعد سقوط بغداد عاصمة الامبراطورية الإسلامية على يد المغول في العام  1258 م.
هذه العوامل الثلاثة التي تنقسم إلى عاملين إقليميين وعامل دولي؛ ما زالت تؤثر في مسارات وأحوال العراق السياسية وكأن العراق لم يخرج إلى حدّ هذه اللحظة من إشكالية التأسيس الوسيط له أو من إشكالية ارتهانه بلحظة التأسيس تلك، التي لم تكن بمحض إرادته واختياره أو بتأثير تطورات داخلية صميمية في المجتمع العراقي، مما رهن العراق بمخلفات هذه اللحظة التأسيسية في عدم القدرة على إنتاج الدولة، لأنَّ الدولة هي نتاج ميكانزمات التطورات الداخلية وهي لا تنشأ بمحض إرادات ومخططات خارجية وهو ما عانت منه الدولة في العراق، فهي في كل لحظات التأسيس المتعاقب لها منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى القرن الواحد والعشرين الميلادي لم تكن إلا مقترحات وإرادات إقليمية ودولية ونتاج إرادات أجنبية وهو ما جعل الدولة في العراق على طول تاريخها تمثل إشكالية غير مريحة بالنسبة للفرد العراقي، دعت بعض الباحثين – د. متعب مناف - إلى تسميتها بمشكلة العراقي مع الحاكم.
لقد كان دور هذه العوامل الثلاثة في التكوين أو الانبعاث المفاجئ للعراق في القرن السادس عشر الميلادي يترافق مع الانبعاث العشائري في هذا العصر الوسيط ويمهد إلى دخول العراق في التاريخ الحديث وفق مقتضيات أو نتائج التأسيس وأخطرها هو البنية العشائرية للعراق التي تكونت وتجذّرت في هذا العصر وبذلك منحت هذه البنية صيغة الحالة القارة والثابتة في التركيبة الاجتماعية العراقية والتي شكلت أحد الأزمات الكبرى في بناء الدولة الحديثة في العراق التي لا تنبثق الا في ظل الهوية الوطنية الجامعة التي تنأى بنفسها فوق الهويات الفرعية والتي تشكّل العشائرية ومن ثم الطائفية التي ظهرت تاريخيا واجتماعيا بشكل لاحق على العشائرية أحد أخطر تجلياتها وتجسيداتها.
وبالقدر الذي تبدو فيه البنية الاجتماعية العراقية مفكّكة بالعشائرية والطائفية، فإنَّ لونكريك يؤشر أيضا طبيعة ديمغرافية وتاريخية في هذه البنية المفكّكة في المجتمع العراقي، بوصفه مكونا من عناصر قومية متعدّدة وغير منبثقة من أصل قومي واحد، فالعراقي من وجهة نظره هو وريث شعوب متعددة وعناصر قومية غير موحدة.  وهو ما أقنع النخب العراقية المتأخرة بضرورة وأهمية الدولة الفدرالية في العراق وهو اعتراف ضمني باستحالة بناء الدولة في العراق بما تمثله الدولة من تجسيد لإرادة الكل – الأمة وفق التعريف الحديث لها. لكن قد يعترض بأنَّ الفدرالية هي إرادة الكل العراقي وهي محاججة نظرية مقنعة ولا تخرج عن إطار الكلام السياسي والمحاججة النخبوية.
ويضاف إلى ذلك التفكُّك البنيوي – الاجتماعي في العراق تفكّكا من نوع آخر، يرتبط بالمصالح الفئوية والشخصية وهو أشد خطورة على وحدة العراق وعلى هوية الدولة فيه ومنشأ هذا التفكُّك يعود تاريخيا وسياسيا إلى الصراع العثماني – الصفوي، فقد وجدت في هذه الفترة التأسيسية فئات عديدة في المجتمع العراقي تلاءمت مصالحها المذهبية والاجتماعية فضلا عن الاقتصادية مع أحد طرفي هذا الصراع، فكانت نتيجته الولاءات الداخلية للقوى الخارجية – الإقليمية وهنا يتحدّث لونكريك عن فئات من البيروقراطية الجديدة في العراق الوسيط وبعض ملتزمي الإقطاع وبعض رجال الدين تطمح إلى (استسلام العراق إلى الحكم التركي بالكلية) بينما يصنف لونكريك (القبائل والشيعة والتأثيرات الفارسية والأطماع المحلية) بأنَّها على الضدّ من أولئك بل كانت تطمح إلى الخلاص من وجود الحكومة في العراق وفق نقله، وتحدث في موضع سابق عن ( جذب نفوذ الصفويين الديني حتى للعشائر النهرية المتمردة) وبالقدر الذي يؤشر فيه لونكريك هذا العصر بأنَّه عصر الخصومات، فإنَّ هذه الخصومات الإقليمية ظلّت تلقي بظلالها دائما على الحالة الدينية والسياسية في العراق الوسيط وصولا إلى العراق الحديث، لتؤكد إشكالية ارتهان العراق بلحظة التأسيس الأولى له في العصر الوسيط أو ارتهانه بمخلفات اللحظة التأسيسية الأولى غير الناضجة تاريخيا وسياسيا.