Early Elections Under The New Parliament And Electoral Commission Elections Laws

Date of publication:
2021 July 28

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf


عدنان عبد الحسين

لا  وجود لمصطلح الانتخابات المبكرة في الدستور العراقي، لكنّنا نجد أنّ الدستور عالج حالة حلّ مجلس النواب، والتي تتمّ بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، إمّا بناءً على طلب ثلث عدد أعضاء مجلس النواب، أو بطلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، ويدعو عندها رئيس الجمهورية لانتخاباتٍ عامّةٍ في البلاد، خلال مدّة أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحلّ، ويُعدّ مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً ويواصل تصريف الأمور اليومية (المادة 64 من الدستور). أما التاريخ المحدّد من قبل رئيس مجلس الوزراء في العاشر من تشرين الأول فيمكن اعتباره إعلان جاهزية من قبل مفوضية الانتخابات لإجراء الانتخابات في ذلك الموعد المحدّد، ولتلافي الفراغ التشريعي وما يترتّب على حلّ المجلس من صيرورة الحكومة حكومة تصريف أعمال، يمكن لمجلس النواب حلّ نفسه قبل مدّة قريبة جدّاً من التاريخ المحدّد للانتخابات، وليحدّد رئيس الجمهورية موعداً للانتخابات، وليكن هو ذات اليوم المحدّد من قبل رئيس مجلس الوزراء.
      نتيجةً لتظاهرات تشرين الأول من العام 2019م، شرّع مجلس النواب العراقي قانون انتخابات مجلس النواب رقم (9) لسنة 2020م. كما تمّ تشريع قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019م، حيث كان هذان القانونين مطلبين أساسيين للجماهير المحتجّة على تردّي أوضاع البلد الخدمية، وقد أدخل المشرّع في هذين القانونين تغييراتٍ جوهريةٍ، تختلف اختلافاً جذريّاً عمّا كان سائداً فيهما، حيث اعتمد قانون انتخابات مجلس النواب الجديد نظام الصوت الواحد غير المتحوّل كنظامٍ انتخابي، وغادر نظام التمثيل النسبي، الذي تمّ اعتماده في جميع الانتخابات التي أُجريت في العراق بعد 2003م. 
أمّا قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فإنّ أهمّ ما تمّ تغييره فيه هو مجلس المفوّضين، حيث نصّ على أن يكونوا سبعة قضاةٍ من الصنف الأوّل، بالإضافة إلى مستشارين من مجلس الدولة، بخلاف ما كان سائداً، حيث كان مجلس المفوّضين يتمّ اختياره من قبل الكتل السياسية في مجلس النواب. وللوقوف على أهمّ ما ورد في هذين القانونين، سنتحدّث عنهما بشيءٍ من التفصيل فيما يأتي:

أولاً: قانون انتخابات مجلس النواب:
صوّت مجلس النواب على جميع مواد القانون في 24/12/2019م، ولم ينجز التصويت على الدوائر الانتخابية، بل أرجأ التصويت عليها إلى وقتٍ لاحقٍ، وبعد سنةٍ تقريباً، تمّ التصويت على الآلية التي تمّ اعتمادها في تقسيم الدوائر الانتخابية في الجلسة رقم (9) المنعقدة في يوم السبت المصادف 26/9/2020م، والتي نصّت على «وجوب الالتزام بالتجاور الجغرافي وتنوّع المكوّنات داخل كلّ محافظة، واعتماد مبدأ الشفافية والعدالة عند توزيع الدوائر الانتخابية، ولا يجوز تأجيل أيّ محافظة من آلية توزيع الدوائر الانتخابية، لأيّ سببٍ كان، والالتزام باعتماد الإحصائية السكانية لعام 2010م، الصادرة من وزارة التخطيط تحقيقاً لأحكام المادة (49) من الدستور، وتحديد معيارٍ موحّدٍ لكافّة محافظات العراق، وعدم استثناء أيّ محافظةٍ من المعيار المذكور، مع حفظ تمثيل المكونات» .
وفي الجلسة رقم (11) المنعقدة في يوم السبت المصادف 10/10/2020م، تمّ التصويت بالموافقة على اعتماد معيار الكوتا، ونصّه الآتي: «يكون عدد الدوائر الانتخابية في كلّ محافظةٍ مساوٍ لعدد المقاعد المخصّصة لتمثيل النساء (الكوتا) في تلك المحافظات» ، وتم التصويت على دوائر (16) محافظة في الجلسة رقم (12)، المنعقدة في يوم السبت المصادف 24/10/2020م. وفي الجلسة رقم (14) المنعقدة في يوم الثلاثاء المصادف 27/10/2020م، تمّ التصويت على دوائر محافظة نينوى. وفي الجلسة رقم (18) المنعقدة في يوم الخميس المصادف 29/10/2020م، تمّ التصويت على دوائر محافظة كركوك. وقد أبدى بعضُ النواب عدم قناعتهم بتقسيم الدوائر الانتخابية؛ إذ صرّح أحد نواب محافظة النجف الأشرف أنّه رغم مراعاة التجاور الجغرافي، إلّا أنّه شتّت المنطقة الواحدة إلى أكثر من جزء، كما حصل في مركز النجف، وهو خلاف العدالة الانتخابية، كما اعترض أحد نوّاب محافظة الناصرية على اعتماد نهر الفرات كأساسٍ في تقسيم الدوائر الانتخابية (محضر الجلسة 11)، ليكتمل معها قانون انتخابات مجلس النواب، وعدّ نافذاً من تاريخ إصداره في 5/11/2020م (الفقرة ثانياً من المادّة (50) من القانون)، وتمّ نشره في جريدة الوقائع في 9/11/2020م، يتكوّن هذا القانون من (50) مادّة، بموجب تسعة فصول:
تناول الفصل الأوّل التعاريف والأهداف والسريان، وتطرّق فيه إلى أهمّ المصطلحات الواردة في القانون من حيث تعريفها وبيان المعنى المقصود منها، والملاحظ على هذا الفصل أنّ المشرّع العراقي كان مرتبكاً نوعاً ما، لأنّه لم يكن قد حدّد وجهته في تبنّي نوع النظام الانتخابي؛ ممّا جعله يورد مصطلحات غير ضرورية، ولا حاجة لإيرادها في هذا الفصل وفي عموم القانون، مثال ذلك، القائمة المفتوحة، فهو قد اختار نظام الصوت الواحد غير المتحوّل الذي يعتمد الترشيح الفردي وليس القوائم، ومن ثَمَّ فلا مبرّر لتعريف القائمة المفتوحة. 
وتناول الفصل الثاني حقّ الانتخاب، وحدّد في المادة (5) من القانون شروط الناخب، ونصّ في البند رابعاً من المادة على أن يكون الناخب مسجّلاً في سجلِّ الناخبين، ولديه بطاقة ناخب الكترونية، مع إبراز أحد المستمسكات الرسمية الثلاث: هوية الأحوال المدنية، أو البطاقة الموحدة، أو شهادة الجنسية العراقية. هذا الشرط لم يكن موجوداً في قانون انتخابات مجلس النواب رقم (45) لسنة 2013م المُلغى، حيث كان توجيه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لموظّفي مراكز الاقتراع بالسماح لحاملي كلا البطاقتين الالكترونية والبايومترية بالتصويت. 
تحوي البطاقة الألكترونية بصمة الناخب، ورقم الناخب، ورقم مركز التسجيل، ورقم مركز الاقتراع الذي يدلي الناخب بصوته فيه، ومؤدّى نصّ المادة أعلاه أنّه يجوز للناخب الذي يحمل بطاقة الكترونية فقط الإدلاء بصوته يوم الانتخاب، وهو ما أثار حفيظة عدد من الكتل السياسية؛ لأنّ المشرع لم يشترط أن يكون لدى الناخب بطاقة بايومترية؛ بسبب ما رافق الانتخابات السابقة من تلكؤ في إعلان النتائج، واتّهاماتٍ بتزوير الانتخابات، كان أحد أسبابها - كما يرى بعضهم - هو السماح للناخبين باستعمال البطاقة الالكترونية.
إنّ السماح لحامل البطاقة الالكترونية بالتصويت قد يفسح المجال واسعاً للتزوير؛ لأنّ هذه البطاقة لا تحوي صورة الناخب، بخلاف البطاقة البايومترية التي تحوي صورة الناخب، بالاضافة إلى البيانات التي تحويها البطاقة الالكترونية، وهذه الخاصية قد تساهم بشكلٍ كبيرٍ في منع التزوير. والغريب في الأمر أنّ المشرّع في المادّة (39) من القانون اشترط أن يكون التصويت الخاص وفق البطاقة البايومترية حصراً، وهكذا بالنسبة للنازحين وعراقيي الخارج. علماً أنّ البيانات البايومترية بدأ جمعها من الناخبين في عام 2013م، تحت مظلّة ما عُرف بـ(مشروع التسجيل البايومتري).
تناول الفصل الثالث من القانون حقّ الترشيح، حيث اشترط في المرشح أن يكون أتمّ (28) سنة من عمره يوم الاقتراع (المادة 8/أولاً)، في حين كان العمر في القانون السابق (30) سنة، كما اشترط القانون في المرشّح أن لا يكون محكوماً عليه بجناية أو جنحة مخلّة بالشرف، أو أثرى بشكلٍ غير مشروعٍ على حساب المال العام، بحكمٍ قضائيٍّ باتٍّ، وإن شُمِلَ بالعفو عنها. هذه الإضافة المتعلّقة بمنع المشمولين بالعفو من الترشّح في الانتخابات العامّة لم تكن موجودةً في القانون السابق، وحسناً فعل المشرّع عندما أضاف هذا الشرط، حيث كان هناك بعض الأعضاء في مجلس النواب الحالي ممن شُمل بقانون العفو. كما اشترط القانون أن يكون المرشّح حاصلاً على الشهادة الإعدادية على الأقل أو ما يعادلها، وهذا الشرط يُعد تخفيفاً للقيد الذي كان قد فُرض في القانون السابق؛ إذ كان يشترط أن يكون المرشّح حاصلاً على شهادة البكالوريوس، أو ما يعادلها، مع السماح بترشيح نسبة من المرشحين لا تزيد عن (20%) من حملة شهادة الإعدادية أو ما يعادلها، وهذا يعدّ تهاوناً في شروط المرشّح بنظر كثيرٍ من المتابعين والمهتمين. 
كما اشترط القانون أن يقدّم المرشّح قائمة بأسماء ما لا يقل عن (500) ناخب غير مكرّر داعم لترشيحه من الناخبين المسجّلين في الدائرة الانتخابية التي يتقدّم للترشح فيها، وهذا الشرط في ذات الوقت الذي يعدّ صعباً على بعض المرشحين، وقد لا يكون من المتيسّر عليهم تحقيقه، إلّا أنّه يمكن أن يكون مانعاً لأولئك المرشّحين الذين يشتركون في الانتخابات فقط لمجرّد المشاركة، ويتسبّب ترشيحهم بتكلفة الدولة أموالاً كبيرةً، ويشتّتون توجهات الناخبين. كما اشترط القانون على كلّ مرشّحٍ أن يقدّم مبلغ تأمينات يحدّدها مجلس المفوّضين، ويعد المبلغ إيراداً نهائياً لخزينة الدولة في حال عدم فوز المرشح. ولم يكن هذا الشرط موجوداً في القانون السابق الملغى، وقد حدّدت المفوضية مبلغ التأمينات بـ(5,000,000) دينار عراقي ومن ثم خفضته الى (2,000,000) دينار عراقي؛ لتوسيع المشاركة في الانتخابات والتخفيف عن كاهل المرشّح . كما اشترط القانون على كلّ كيانٍ سياسيٍّ أو مرشّح أن يقدّموا برنامجهم الانتخابي مع الترشيح.
تناول الفصل الرابع الدوائر الانتخابية، ونصّ على أنّ مجلس النواب يتكوّن من (329) مقعداً، تسعة مقاعد منها حصّة للكوتا (المادة 13 من القانون). وعاد المشرّع في المادة (14) ليحشر مادّة لا يحتاجها وليس لها أيّ فائدةٍ أو قيمةٍ؛ لأنّه غادر النظام النسبي والترشيح من خلال القائمة حتى يشترط مراعاة تسلسل النساء بنسبة امرأة بعد كلّ ثلاثة رجال، وهذا الإرباك الذي وقع فيه المشرّع غير ممدوحٍ، وينبغي معالجته من خلال تعديل القانون.
تناول الفصل الخامس النظام الانتخابي، ونصّ على تقسيم المحافظة إلى عدّة دوائر انتخابية، واعتمد الترشيح الفردي ضمن الدائرة الانتخابية، واعتمد نظام الفائز الأول (المادة 15 من القانون)، إلّا أنّ الطريقة التي اعتمدها المشرّع في تقسيم الدوائر الانتخابية على عدد كوتا النساء والبالغة (83) دائرة انتخابية، تتكوّن كلّ دائرة من عددٍ محدّدٍ من المقاعد وليس مقعداً واحداً يحصل عليه الفائز الاول، تُبيّن وبوضوحٍ خطأ المشرّع في تسمية النظام الانتخابي الحالي بنظام الفائز الأول؛ لأنّه بموجب هذه الطريقة التي اعتمدها المشرع في تقسيم الدوائر الانتخابية فإنّ المشرّع يكون قد اختار نظام الصوت الواحد غير المتحوّل ؛ لأنّ هذا النظام يُطبّق في دوائر انتخابية متعدّدة التمثيل، يصوّت الناخبون فيه للمرشحين وليس للأحزاب، ويفوز المرشحون الحاصلون على أعلى الاصوات، وهو لا ينتمي لأيٍّ من نُظم الانتخاب، الأغلبية أو النسبية أو المختلطة، وهذا النظام يصلح في انتخابات المجالس المحلية ومجالس المحافظات، حيث يكون دور هذه المجالس بشكلٍ أساسٍ في تقديم الخدمات العامة لتلك المناطق وسكانها، بخلاف دور مجلس النواب الذي يكون غيرَ معنيٍّ بشكلٍ أساسٍ بالخدمات، وإنّما بشكلٍ عرضيٍّ، حيث يختصّ مجلس النواب بتشريع القوانين الاتحادية، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وانتخاب رئيس الجمهورية، والموافقة على تعيين القيادات العليا بالدولة العراقية، ومساءلة وإعفاء رئيس الجمهورية (المادة 61 من الدستور)؛ لذا نرى أنّ المشرع كان غير موفّقٍ في اعتماد هذا النظام الانتخابي، الذي سيؤدّي إلى تشتّتٍ كبيرٍ في تشكيلة المجلس القادمة، وستكون الفرصة سانحةً للمرشح الذي يستطيع إقناع الناس بقدرته على تقديم الخدمات وتلبية مطالب الجماهير، حتّى لو كانت تعجيزيةً وغير قابلةٍ للتنفيذ، ويبدو أنّ هذا الخطأ في إطلاق التسمية جاء نتيجة عدم وضوح الرؤية لدى المشرع فيما يتعلّق بالنظام الذي سيتمّ اعتماده. ونتيجةً للطريقة التي استعملها المشرّع في تقسيم الدوائر الانتخابية طبقاً لكوتا النساء، فإنّ الفقرات من رابعاً إلى تاسعاً من المادة (16) من القانون والمتعلّقة بكوتا النساء وكيفية علاج النقص الذي قد يحصل فيها، غير ضرورية، وتعدّ زائدةً، وينبغي حذفها عند تعديل القانون.
تناول الفصل السادس سجل الناخبين، الذي تدوّن فيه المفوّضية من تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها في القانون، وتعتمد المفوضية في إعداد سجل الناخبين على أحدث قاعدة بيانات سجل الناخبين المعدّة وفقاً لقاعدة بيانات البطاقة التموينية، مع تحديثها في مراكز تسجيل الناخبين لحين إجراء التعداد السكاني، ويكون هذا السجل ابتدائياً، ثمّ يصبحُ نهائياً، ويتمّ الاقتراع بموجبه بعد انقضاء مدد الاعتراض عليه، أو حسم الاعتراضات المقدّمة بشأنه.
تناول الفصل السابع الدعاية الانتخابية، ويكاد يكون هذا الفصل استنساخاً لذات الفصل الموجود في القانون السابق الملغى، فنصّ على أنّ الدعاية الانتخابية حقٌّ مكفولٌ للمرشّح، تبدأ من تاريخ المصادقة على المرشّح من قبل المفوضية، وتنتهي قبل (24) ساعة من بدء الاقتراع، وأعفاها من أيّ رسومٍ، وأناط بأمانة بغداد والبلديات في المحافظات - بالتنسيق مع المفوضية - تحديد الأماكن التي يمنع فيها ممارسة الدعاية الانتخابية، وألزم المشرّعُ الاحزابَ والمرشحين بإزالة الدعاية الانتخابية بعد الانتخابات، ومنع استغلال أبنية الوزارات ومؤسّسات الدولة وأماكن العبادة للدعاية، ومنع استعمال موارد الدولة أو وسائلها أو أجهزتها لصالح أنفسهم أو أيّ مرشّح. 
أتصوّر أنّ هنالك خرقاً واضحاً جدّاً لهذا النص يرتكتبه أغلب مسؤولي الدولة العراقية الذين يشاركون في الانتخابات، حيث إنّهم في أقلّ التقادير يستعملون عجلات مؤسّساتهم الرسمية في التنقل وحضور مؤتمراتهم الانتخابية، اليس هذا الأمر واضحاً وبيّناً للجميع!!! فلماذا لم تتّخذ أيّ جهة رقابية أي إجراء؟!
كما وحظر المشرّع الإنفاق على الدعاية الإعلامية من المال العام، أو من موازنة الوزارات، أو أموال الوقف، أو من أموال الدعم الخارجي، وفي الحقيقة هذا الحظر في غاية الجودة، ولكن كيف السبيل إلى منع هذه المحظورات؟ وهل أجهزة الدولة - بما فيها مفوضية الانتخابات - قادرة على رصد هذه المخالفات ومحاسبة ومعاقبة مرتكبيها؛ لردع الآخرين عن ارتكاب هذه الأفعال في المستقبل؟
تناول الفصل الثامن الأحكام الجزائية، حيث تعلّقت تلك الأحكام بفرض عقوباتٍ على من يتلاعب بسجلّ الناخبين، أو صَوّت بسبب هذا التلاعب، أو صوّت باسم غيره، أو أفشى سرّ تصويت ناخب دون رضاه، أو استعمل حقّه في الانتخاب أكثر من مرة، أو غيّر إرادة الناخب الأمّي، أو استعمل القوّة أو التهديد لمنع ناخب من استعمال حقّه، أو أعطى أو عرض أو وعد بأن يعطي ناخباً فائدةً لنفسه أو لغيره. أتصوّر أنّ هذه الوعود من الظهور والوضوح بمكان لا تحتاج إلى تحرٍّ واستقصاءٍ وتتبّع؛ لأنّ جلّ المرشّحين يعدون بالتعيين وقضاء الحوائج وتسهيل الأمور، فضلاً عن إعطاء بعض الهدايا المادّية بشكلٍ علنيٍّ وواضحٍ، فأين المفوضية وأجهزة أمن الدولة من تشخيص هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها؟
وكذا عاقب المشرّع كلَّ من نشر أو أذاع بين الناخبين أخباراً غير صحيحةٍ عن سلوك أحد المرشّحين، أو سمعته، بقصد التأثير في آراء الناخبين، وفي الحقيقة انّ الجيوش الالكترونية - إن صح التعبير - تصول وتجول، وتنال من المتصدّين بالحقّ والباطل، ولا يوجد من يحاسب ويعاقب هذه الجماعات بسبب هذا السلوك المنحرف الذي يحرق الأخضر واليابس، ويؤدّي إلى امتناع الأشخاص المناسبين والأكفّاء من الترشّح والتصدّي للشأن العام؛ لأنّه سيتعرّض لتشويه سمعته وإسقاط مروءته بين الناس، وهو أمرٌ خطيرٌ على المجتمع العراقي وآماله في إصلاح النظام السياسي. 
ومن المضحك المبكي أنّ المشرّع عاقب الكيان السياسي في حال ثبوت مساهمته في ارتكاب أيّ جريمة من الجرائم الانتخابية المنصوص عليها في القانون بغرامةٍ ماليةٍ لا يزيد مقدارها على (25,000,000) دينار، فلو سلّمنا جدلاً أنّ أجهزة الدولة استطاعت وتجرّأت على إثبات مساهمة كيانٍ ما في ارتكاب إحدى الجرائم الانتخابية، فهل تعدّ هذه العقوبة كافيةً ورادعةً للكيانات السياسية من ارتكاب هذه الجرائم!!! لعمري إنّهم عاقبوا بأخفّ العقوبات وأقلّها ردعاً وأخفّها مؤونة على تلك الكتل التي تسلك هذا السلوك، وكان ينبغي أن ينصّ على عقوبة أشدّ، كشطب أصواته في ذلك المركز، أو غيرها من العقوبات الشديدة.
تناول الفصل التاسع الأحكامَ العامّة والختامية للقانون، ومن أهمّ ما جاء في هذا الفصل هو إلزام مفوّضية الانتخابات باعتماد أجهزة تسريع النتائج الالكترونية، وتلتزم بإعلان النتائج الأولية خلال (24) ساعة من انتهاء إجراء الاقتراع، وتجري عملية العدّ والفرز اليدوي لغرض المطابقة بواقع محطة واحدة من كلّ مركزٍ انتخابيٍّ، وفي حالة عدم تطابق نتائج العدّ والفرز الالكتروني مع نتائج العدّ والفرز اليدوي بنسبة (5%) من أصوات تلك المحطة يُصار إلى إعادة الفرز والعدّ اليدوي لجميع محطات المركز الانتخابي، وتعتمد النتائج على أساس الفرز والعدّ اليدوي، وفي حالة الطعن في أيّ مركز اقتراعٍ أو محطّة اقتراعٍ تلتزم المفوضية العليا بمهمّة إعادة العدّ والفرز اليدوي، وبحضور وكلاء الأحزاب السياسية، وتُعتمد نتائج العدّ والفرز اليدوي. 
وبهذا الصدد نتمنّى على المفوضية أن تستعد جيداً لتفادي ما حصل في انتخابات مجلس النواب في منتصف 2018م من تشكيك واتّهامات بتزوير نتائج الانتخابات في عموم البلد، وبالتحديد في كركوك، عندما شاعت اتّهامات باستبدال وحدات الخزن (RAM)، وبالتالي مطالبة العديد من الكتل والاحزاب السياسية بإعادة الفرز والعدّ يدوياً، وقد تمّ ذلك بالفعل، حيث أصدر مجلس النواب في 6/6/2018م التعديل الثالث لقانون مجلس النواب، وعدّه نافذاً من تاريخ التصويت عليه، فعدّل المادة (38) من القانون التي تمّ بموجبها احتساب نتائج الانتخابات، حيث كانت تجري عملية الفرز والعدّ باستعمال جهاز تسريع النتائج الالكتروني، في حين تمّ النصّ في المادّة (1) من التعديل على إلزام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بإعادة العدّ والفرز يدوياً لكلّ المراكز الانتخابية في عموم العراق، وبحضور وكلاء الكيانات السياسية، ويُلغى العمل بجهاز تسريع النتائج الالكترونية، وتعتمد النتائج على أساس العدّ والفرز اليدوي، ويشمل هذا العدّ والفرز حتّى المحطّات الملغاة منها، وفي الحقيقة كانت عملية تعديل قانون الانتخابات - بعد إجرائها - سابقة لم تحدث من قبل، حيث استعمل أعضاء مجلس النواب اختصاصهم التشريعي خلال مدّة الخمسة وأربعين يوماً، حيث ينصّ الدستور على إجراء انتخابات مجلس النواب الجديد قبل خمسة وأربعين يوماً من نهاية الدورة الانتخابية السابقة.
ممّا يمكن عدّه حسنات هذا القانون هو اعتماده بعض الإجراءات المستحدثة التي يمكن أن تحدّ من التزوير، حيث ألزم القانون مفوّضية الانتخابات بإعلان البيانات الانتخابية في كلّ دائرةٍ انتخابيّةٍ، مثل عدد السكان وعدد الناخبين المسجّلين، كما اشترط القانون على المفوضية التعاقد مع إحدى الشركات العالمية الرصينة ذات الخبرة لفحص برامجيات أجهزة تسريع النتائج والأجهزة الملحقة بها، وبالفعل وافق مجلس المفوّضين على اختيار شركة (PWC) البريطانية، لفحص أجهزة الاقتراع والأجهزة الملحقة بها والبرامجيات المستعملة والوسط الناقل وجهاز الإرسال وسيرفرات إعلان النتائج. وهذه الشركة هي واحدة من شركات عدّة رشّحها مكتب الأمم المتحدة للمساعدة الانتخابية في العراق . 
كما تمّ تخصيص جهاز تحقّق لكلّ محطة اقتراعٍ، يحتوي على بيانات تلك المحطة فقط، وتُحمل نتائج الانتخابات الخاصة بكلّ محطة على وحدات خزنٍ خارجية، على أن يتمّ ذلك قبل نقل البيانات عبر القمر الاصطناعي، وترسل وحدات الخزن بعد انتهاء عملية الاقتراع إلى المكتب الوطني في بغداد للمطابقة، وكذا يُزوَّد وكلاء المرشحين بنسخةٍ الكترونية من النتائج وأوراق الاقراع في كلّ محطة، كما حدّد القانون نسبة البصمات غير المقروءة المسموح بها بـ(5%) من عدد الناخبين في كل محطة، وينفذ ذلك تلقائياً من خلال برمجة جهاز التحقّق.
حاول المشرع في هذا القانون أن يمنع عملية التنقّل العشوائية بالنسبة للأفراد الفائزين أو الأحزاب بين الائتلافات، لكنّه لم يكن حازماً وإنّما قطع الطريق على البعض فقط، دون الكل، ليترك المجال واسعاً للأحزاب والأفراد للمناورة بين الكتل والائتلافات الكبيرة لتحقيق مكاسب خاصّة في الأعم الأغلب، حيث نصّ في المادة (45) على منع أيّ نائبٍ أو حزبٍ أو كتلةٍ مسجّلة ضمن تحالف قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات الانتقال إلى ائتلافٍ أو حزبٍ أو كتلةٍ أو قائمةٍ أخرى، إلا بعد تشكيل الحكومة بعد الانتخابات مباشرة، دون أن يخلَّ ذلك بحقّ القوائم المفتوحة أو المنفردة المسجلة قبل إجراء الانتخابات من الائتلاف مع قوائم أخرى بعد إجراء الانتخابات.
وقد أحسن المشرّع عندما اشترط على المرشح الفائز تأدية اليمين الدستورية خلال مدّة أقصاها شهر من تأريخ الجلسة الأولى، وبخلافه يكون البديل عنه الحاصل على أعلى الأصوات من المرشّحين الخاسرين، وهذا الشرط جيّد ويقطع الطريق على ذوي المناصب أو الذين يطمحون بالحصول عليها من المناورة والمساومة، وبالتالي تعطيل عمل مجلس النواب، حيث تكرّرت هذه الحالة في أغلب دورات مجلس النواب، وبالتحديد في الدورة الأخيرة، حتّى أنّ بعضهم لم يؤدِّ اليمين الدستورية لأشهر! وبعضهم استقال واختار منصباً تنفيذياً.

ثانياً: قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات:
شرّع مجلس النوّاب قانون المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019م، حاول المشرّع في هذا القانون مراعاة مطالب المتظاهرين، فعمد إلى إجراء تغييرٍ جوهريٍّ في القانون، حيث ألغى الطريقة التي كانت معتمدةً في قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (11) لسنة 2007م الملغى، في اختيار مجلس المفوّضين، الذي كان يتمّ اختياره من قبل لجنة مشكّلة في مجلس النواب من أعضائه تُمثّل فيها الكتل السياسية الكبيرة، ويتمّ تقاسم المفوّضين التسعة بحسب وزن كلّ كتلة، أمّا الآن فيتكوّن مجلس المفوّضين بحسب المادة (3) من القانون آنفاً من تسعة أعضاء، خمسة من قضاة الصنف الأول يختارهم مجلس القضاء الأعلى من بين المرشحين، وإثنان من قضاة الصنف الأول يختارهم مجلس القضاء الأعلى من بين المرشّحين الذين يرسلهم مجلس قضاء اقليم كردستان، وإثنان من أعضاء مجلس الدولة من المستشارين حصراً، يختارهم مجلس القضاء الأعلى.
الأمر الآخر المهم الذي اتّخذه المشرّع هو النص في المادة (25) من القانون على نقل المدراء العامّين ومعاونيهم العاملين في المفوضية إلى مؤسّسات الدولة الأخرى، وأعفى رؤساء الأقسام ومدراء الشعب من مناصبهم، ونصّ في المادة (26) على تعيين المدراء العامّين من خارج كوادر المفوضية، وهذا الأمر - على أهمّيته - خطيرٌ جدّاً ويؤدّي إلى تشويه سمعة جميع كوادر هذه المؤسّسة، والتفريط بالكفاءات والخبرات التي تراكمت منذ تأسيس المفوضية في 2004م، وأدّى إلى هَدْرِ أموالٍ باهضةٍ صرفتها الدولة في تدريب وتأهيل هذه الكوادر، وكان ينبغي أن يحاسب المقصّر ويكافأ المتميّز.

الخلاصة
لا ننكر أنّ التغييرات التي أُدخلت على قانوني الانتخابات والمفوضية كانت جوهريةً، ولامست صميم مطالب المتظاهرين، لكن ليس بالضرورة أنّها ستنتج كلّ ما يتمناه الطامحون بالإصلاح؛ لأنّ النتائج الجيدة في الانتخبات - على فرض نزاهتها - تعتمد على عاملين أو تحدّيين: 
الأول: وعي الناس وإدراكهم وقدرتهم على الاختيار الشخص المناسب من المرشّحين القادرين على الفوز.
الثاني: إنّ الأحزاب الكبيرة والمتوسّطة ذات القواعدة الجماهيرية والإمكانية المالية واللوجستية وقدرتها على الاستحواذ على المقاعد النيابية، هذه الأحزاب لازالت قويةً وقادرةً على المنافسة والفوز، وأرى أنّهم سيحصلون على حصّة الأسد، وعدم الرضى عن النتائج أمرٌ طبيعيٌّ، فما زلنا في بداية التجربة، وهي لمّا تزل طريّة وتحتاج إلى مراسٍ. فالتجارب التي عاشتها الدول المتقدّمة تمتدّ لعشرات السنين، إن لم نقل مئات السنين، حتّى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وما علينا إلّا أن نسعى بكلّ جهدنا كي نرتقي بنظامنا السياسي، ونحقّق الانتقال الناجز لنظامٍ سياسيٍّ يلبّي مطامح الناس ويحقّق آمالهم في العيش بحرّيةٍ وكرامةٍ واطمئنانٍ أمني ومعيشي واجتماعيٍّ وسياسيٍّ.