الحياة الحزبية في العراق بعد 2003 رؤى في تصحيح المسار الديمقراطي في الانتخابات القادمة

تاريخ النشر:
2021 تموز 29

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة PDF


ياسر صالح مجيد
لقد أسفرت مطالبات الإصلاح بعد حراك تشرين 2019م عن تغييراتٍ جوهريةٍ في كلٍّ من النظام الانتخابي وتركيبة مجلس المفوّضين في المفوّضية العليا المستقلة للانتخابات، وكلاهما يمثّل مرتكزين أساسيين من مرتكزات العملية الديمقراطية، لكن ماذا عن الفاعل السياسي الرئيس والمتحكّم الحقيقي في ديناميكية النظام السياسي؟
ونقصد هنا بلا شكٍّ الأحزاب السياسية، والتي أصبح وَقْعُ ذكرِها ذا أثرٍ مؤلمٍ في نفوس العراقيين، يصل إلى حدّ اللوعة والمرارة! إنّ أبرز معوّقات الإصلاح في تصورّنا تتمثل في حقيقة أنّ النظام الحزبي - بخلاف النظام الانتخابي، وإدارة السلطة الانتخابية - لا يستجيب لتغييرات بنيوية عميقة مباشرة عبر تعديل قانون أو إعادة تنظيم إجراءات؛ وذلك لارتباطه المباشر بوعي الجمهور والقيادات على حدٍّ سواء، وهناك شرائط أخرى عديدة تتعلّق بمستوى التنظيم الاجتماعي على المستوى الوطني ، وتصاعد تنظيم الدولة وانعكاسه على بنيات الأحزاب ، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية السائدة، وتبلور العلاقات الاجتماعية بعد الرأسمالية.
فكيف السبيل إلى المضي في مسيرة الإصلاح الديمقراطي؟ في الوقت الذي نعاني فيه من تشوّهاتٍ مزمنةٍ، من حيث المفهوم والتطبيق للحالة الحزبية، بل وزيغ في الوعي لدى كلٍّ من القيادات والنخب والمجتمع، نتيجة المنهجية المنحرفة لأحزاب السلطة ما بعد 2003! 
وما يزيد الأمر تعقيداً أنّنا لا نلمس - في أجواء النقاشات العامّة والحراك الفكري المتصاعد - ما يساعد على استعادة الثقة بأهمية الأحزاب، ونشر الوعي بحقيقة أدوارها الحيوية والتمثيلية، والتي بدونها يغدو النظام الديمقراطي (مجرّد كذبة) بحسب ماكس فايبر! بل إنّ التغيير في النظام الانتخابي الحالي، واعتماد الخيار الفردي، أصبح يمثّل بذاته ملاذاً للتخلص من النظام الحزبي لدى كثيرٍ من العراقيين، من الذين لم يفقدوا الأمل بعد بالمسار الديمقراطي، ممّا ينبئ بمعالجاتٍ وهميّة لن تزيد الوضع السياسي إلا مزيداً من الفوضى والتشتت، بل وتعرّض مجمل النظام السياسي إلى مخاطر جديدة.

أدوار ووظائف الأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية:
يقال: إن (الأحزاب تمثّل مدارس الشعوب)، وبالفعل، فالظاهرة الحزبية بمثابة البعد العملي الذي يضفي المعنى على حدث المنافسة الانتخابية، من حيث ارتباط مخرجاتها بمستوى الوعي الشعبي، وجدارة الأحزاب، وبالتالي تفعيل الآلية الاجتماعية في اختيار أحد المتنافسين على المنصب السياسي . 
لقد أدّى ظهور الأحزاب على مسرح الاجتماع السياسي، إلى انتقال الخلافات الفكرية والسياسية بين الأفراد من صعيد الصراع على المصالح الخاصة إلى صعيد المنافسة في تحقيق المصلحة العامة، بمعنى أنّ مراحل ما قبل ظهورها كان يمثّل مرحلة الفوضى الفكرية، قبل منتصف القرن التاسع عشر، ولم يتحقّق هذا التطور اللافت إلا بفعل عاملين حاسمين، الأول: ارتفاع الوعي الشعبي، والثاني: درجة تطور الأحزاب ونضج قادتها وإخلاصهم لمبادئهم ، وكلّما ارتقى هذان  العاملان، كلما ارتقى أساس المنافسة في تحقيق المصلحة العامة والابتعاد عن الصراع والتناحر .
إنّ هدف كلّ حزبٍ سياسيٍّ هو الوصول إلى السلطة، وهو أيضاً شرطٌ من شروط التعريف بالحزب السياسي ، وإنّ الحزب يسعى إلى تحقيق هدفه في الوصول إلى السلطة من خلال التأثير على الرأي العام، ومساندة مرشّحي الحزب والدعاية والإعلان لأفكار الحزب ومبادئه.
إن النمو الواسع  للظاهرة الحزبية بعد الحربين العالميتين ، واضطرار المؤسسات السياسية إلى تقبّل صعود الفئات الاجتماعية الحديثة، كالأحزاب والنقابات وجماعات المصالح، أدّى إلى إحداث تحوّلٍ عميقٍ في كيان الأنظمة السياسية، فيما يخصّ الوظائف  والعلاقة بين السلطات، وظهرت مراجعاتٌ عديدةٌ وإعادة نظرٍ للتحليلات التقليدية، ومن تداعيات صعود دور الأحزاب (التحوير العميق لنظرية التمثيل التي طوّرها علماء القانون، بعد فلاسفة القرن الثامن عشر، والتي بموجبها يعطي الناخب للمنتخب وكالة ليتكلّم ويتصرّف باسمه، فبفعل نمو الأحزاب، لم يعد الحوار بين الناخب والمنتخب أو بين الأمّة والبرلمان؛ إذ أنّ تدخّل فريق ثالث بينهما حوّر بصورة جذرية طبيعة هذه العلاقات، فقبل أن ينتخب النائب من قبل ناخبيه، يقع عليه اختيار الحزب، ولا يقوم الناخبون إلا بتزكية هذا الاختيار) .
يمكن إجمال الوظائف الأساسية التي تؤدّيها الأحزاب السياسية في الديمقراطيات ذات الأداء الفعّال، بما يأتي:
1) توفير آليات رئيسة يحشد بواسطتها المواطنون العاديون للمشاركة في السياسة الديمقراطية التنافسية.
2) تتيح العمل الجماعي من جانب أصحاب الذهنية المتشابهة وتجميع المصالح الاجتماعية المختلفة على منصّةٍ مشتركةٍ.
3) توفّر معلوماتٍ ثمينةٍ للناخبين، عبر التعبير عن المواقف والسياسات ذات الاهتمام المشترك.
4) تُوجِد استقراراً في التوقّعات بطريقةٍ تعجز عنها المنافسات بين السياسيين الأفراد.

قراءة في واقع الحياة الحزبية بعد التغيير 2003م:
في اعتقادنا أنّنا بحاجةٍ ماسّةٍ حالياً إلى مبادراتٍ تنشّط حراكاً فكرياً، يهدف إلى إثارة النقاش والتوعية بضرورة استعادة المكانة لمفهوم الأحزاب، من حيث الأدوار السياسية الصحيحة وروافدها الاجتماعية، ومستلزمات الديمومة، وإنجاز الوظائف السياسية والأخلاقية والتربوية والتنموية . ويمكن أن تكون هذه النقاشات دليلاً ومرشداً لكلٍّ من الجمهور والنخب التي تصنع  رأياً عامّاً مستنيراً، وقادة الأحزاب الجديدة، أو التي في طور التشكّل حالياً، ونجد أنّ هذا المطلب التنويري يأخذ أولويةً كبيرةً بدلاً عن حالة التوجّـه العام نحو نبذ الحالة الحزبية بالمطلق. 
ولكي نحدّد مجالاتٍ رئيسةٍ للنقاش، فإنّنا نستوحي نفحاتٍ من رؤية المفكر (موريس ديفرجيه) في دراسته للأحزاب السياسية، وهو صاحب الريادة العلمية في هذا المضمار، من خلال كتابه الصادر عام 1951م (الاحزاب السياسية) - بعد مراحل زمنية عديدة من ضعف الاهتمام، أو التغاضي المقصود من قبل علماء الاجتماع لأسبابٍ متنوعة  - فقد ميّز ديفورجيه بين تصوّرين، الأول: نشاط الاحزاب وفعاليتها وديناميكيتها، والتصوّر الثاني: ينطلق من البنية الداخلية للأحزاب (ممّا تكونه الأحزاب، ومعه تتمّ العناية بالكينونة الذاتية للأحزاب) ، ومن خلال إسقاط هذين التصوّرين على ما أسفرت عنه الحالة الحزبية في العراق بعد العام 2003م، فإنّنا نقترح المجالات الآتية للنقاش مع تصورات أولية إزاء كلٍّ منها:

الأول: تشوهات البنية الحزبية في العراق:
يبدو أنّ انطلاق العملية السياسية في العراق بعد 2003م كان يختزن فشل الأحزاب في إنجاز مجمل أدوارها السياسية والمجتمعية، وذلك ينبع من تحليل بنيتها الحزبية وطبيعة قياداتها ومؤهلاتهم لمهمة تأسيس دولة حديثة، فلقد كان كثير من هذه التنظيمات - بعد العودة من المنافي - يحمل معه إرث صراعاتٍ سياسيةٍ وأيديولوجية لم تنتج فعلياً نجاحاتٍ تُذكر في بناء الدولة أو المجتمع في تاريخ العراق السياسي الحديث، وتفتقد أصلاً إلى خصوصية محلّية متميّزة وبصيرة نافذة في قضايا بناء الدولة وتشييد المؤسسات، وكانت معبّأة أيضا بهواجس الحاضر، ومنها جدليات الخارج والداخل، وقد واجهتهم منذ البداية توقيتات انتخابية ضاغطة، تسببت في إهمال تطوير البنى التنظيمية للأحزاب والامتداد لتعويض فقدان السند الشعبي، والانجذاب بطريقةٍ جارفةٍ نحو تشكيل قوائم انتخابية هشّة؛ للمشاركة في تشكيل التحالفات والحكومات والعملية التشريعية، والتي اصطبغت جميعاً بالهشاشة، كنتيجة لازمة ومنطقية. وقد كان ذلك في ظلّ تداعيات زوال حكمٍ شموليٍّ مطلقٍ، وبواقعٍ اجتماعيٍّ ممزّقٍ هو في أضعف حالاته من حيث الترابط الاجتماعي ، وغيره من ممكنات نمو وتعزيز التنظيم الحزبي. 
وقد استمرّ سيناريو الفشل التنظيمي الحزبي، من دورةٍ انتخابيةٍ إلى أخرى، خصوصاً مع انعدامٍ شبه تامٍّ للوعي بوظائفية الأحزاب في تمثيل حاجات المجتمع، وخدمة الصالح العام، وعدم تدارك الفرص المتاحة لتطوير آليات التشارك مع الجمهور في رسم السياسات العامة، وصنع القرارات، والتي شهدت تطورات كبيرة على مستوى التجارب الحزبية في دول ديمقراطية عديدة، استدعت تطوير سياساتها وأنظمتها التأسيسية ، وأيضا فوّتت الكتل البرلمانية فرصة استئناف الصيرورة الحزبية التي عرفت في أصل نشأت الأحزاب، والتي انطلقت من البرلمان باتجاه جمهور الناخبين .
إنّ افتقاد أكثر التنظيمات السياسية - التي انبثقت أو أعيد تشكيل صفوفها بعد التغيير – إلى المعايير التي تميّز الأحزاب عن بقية المجموعات الاجتماعية (الشلة، الزمرة، الجماعة القائمة على الموالاة ، البطانة، النادي السياسي، جماعات الضغط) يغري بأهمية إجراء تقييمٍ وتصنيفٍ للأحزاب الراهنة، ووضعها ضمن توصيفها الاجتماعي الدقيق، من خلال البحث عن مدى توفّر هذه المعايير، وهي كلّ من التنظيم والايديولوجيا والهدف، ولعلّ كثيراً من هذه التنظيمات يقترب في حقيقته  من (الويك – التوري) في القرن الثامن عشر في بريطانيا، واللذان يمثّلان الصيغة الأوّلية لحزبي الأحرار والمحافظين، ولم يكونا إلّا شلّتين مفتقدتين لوحدة السلوك السياسي يعيشان في العالم المصغّر المغلق الخاص بهما، والذي لم يكن يعدو كونه عالم القصر والبرلمان والملاكين العقاريين .

الثاني : هيمنة "الزبائنية" على السلوك الانتخابي:
تشخيص التشوّهات التي أحدثتها الممارسة الحزبية في طبيعة العلاقة بين الناخب والمرشح، وبشكلٍ متزايدٍ ومتناسقٍ مع التغييرات التي تحدث في النظام الانتخابي في الدورات الانتخابية المتتالية، وهي ما تعرف بظاهرة الزبائنية، وهي برأينا من أكبر الكبائر التي مورست بحقّ نزاهة العملية الانتخابية، والحياة الحزبية السليمة، ونموذج الممارسة الديمقراطية؛ لأنّها أفسدت أهمّ وظيفةٍ اجتماعيةٍ للأحزاب في آلية تمثيل مصالح الجمهور، والتي تستند إلى البرامج والاستجابة إلى قضايا الصالح العام، وأسهمت في انحراف علاقة التمثيل إلى نمط  (السياسي المرشح – الناخب الزبون) على أساس تلبية المصالح الشخصية المباشرة، في مقابل الحصول على أصوات الناخبين على نطاق واسع.
وظاهرة الزبائنية معروفة لدى تجارب ديمقراطية قديماً وحديثاً، فقد استطاعت الأحزاب التقليدية في إيطاليا واليونان وأميركا في القرن التاسع عشر، وبعض البلدان النامية المعاصرة، كالهند والبرازيل والمكسيك، تبديد المطالبات الشعبية والطبقية جزئياً، وذلك عن طريق تجنيد فاعلين اجتماعيين جدد في الماكينات السياسية الزبائنية، وقد كانت هذه الماكينات فاعلة إلى أبعد الحدود في استيعاب الطلبات المتزايدة في المشاركة السياسية، وبالتالي الحفاظ على الاستقرار الشامل لنظامٍ زبائنيٍّ مستقرٍّ، وتحالفات نخب مبنية على توزيع الريوع، لكن في المقابل، شجّعت الزبائنية على الفساد الصريح للطبقة السياسية، ومنعت ظهور مطالب منهجية بسياسات تخدم في النهاية على نحو أفضل مصالح الفئات الاجتماعية الجديدة، التي أدخلت حديثاً إلى النظام، وتتركّز السياسة هنا على نضالات صفرية على توزيع الريوع، لا على سياسات منهجية تنموية .

الثالث : تساؤلات حول الحركات الاجتماعية الحالية وفرص النجاح في التحوّل إلى أحزاب سياسية جديدة:
لعلّ من العلامات الفارقة في الانتخابات التشريعية القادمة مشاركة عدد من الأحزاب الجديدة، والتي لم يسبق لها ولكثير من كوادرها أن شاركت في مجريات العملية السياسية، ومن أجل وضع أُسس لتقييم واستشراف تأثير هذا المتغيّر ذي الأهمية الكبيرة، بوصفه أحد ثمار حراك تشرين، والتي يعوّل عليها بعضهم في تغيير الواقع السياسي الحالي بكلّ سلبياته المعروفة، فإنّنا نطرح تساؤلاً حول توصيف الحراك الذي أسفر عن تشكيل هذه الأحزاب، هل هو بمثابة (حركات اجتماعية) كمفهومٍ اجتماعيٍّ؟ والتي تعرف بأنّها (مسعىً جماعيٍّ لتكريس أو مقاومة التغيير في المجتمع الذي تؤلّف جزءاً منه) ؟ والحركة الاجتماعية تقتضي وجود طبقة ذات مصالح اقتصادية متماثلة، ممّا يؤكد الطابع العفوي للحركة ، وأنّ افتقاد الحركة الاجتماعية إلى التنظيم يدفعها إلى أن تنخرط في تنظيماتٍ سياسيةٍ قائمةٍ، أو إنشاء تنظيماتٍ حزبيةٍ جديدةٍ، بعد أن اكتسبت وعياً بذاتها، نتيجة الصراع مع الخصم، عند ذلك تنتقل من مجرد سلوكٍ جماعيٍّ أوّليٍّ، إلى كونها سلوكاً منظّماً، ولتكتسب أثناء تطوّرها تنظيماً وشكلاً، لتبدو باعتبارها هيكلاً من أعراف وتقاليد، ولتقيم قيادة وتدخل تقسيماً للعمل، فهل نحن فعلاً في خضم هكذا تحوّلات اجتماعية؟

خلاصة عن الدور التمثيلي والوظيفي للأحزاب السياسية:
أولاً: التشاركية في صياغة السياسات:
لابدّ أن تكون آليات الاتصال والتواصل مع جمهور الحزب متاحةً ومثبتةً في البنية التنظيمية والنظام الأساسي للحزب، بحيث تكفل وتستجيب وتسهّل مشاركة جمهور الحزب ومناصريه في رسم السياسات بمراحلها كافّة، وهناك تحوّل تشهده الأحزاب في مختلف أنحاء العالم نحو نماذج أكثر تشاركية لصياغة السياسات، ويقصد بهذه النماذج التشاركية تلك التي تؤثّر فيها عامّة الناس، من داخل أو خارج التنظيمات الحزبية، وبعض الأنظمة الحزبية تتضمّن بشكلٍ صريحٍ دوراً للأعضاء في عملية صياغة السياسات للأحزاب، وتشمل هذه السياسات مجموعة متنوّعة من موضوعات الموازنة الوطنية والتنمية الاقتصادية إلى التعليم والرعاية الصحية، ومن البنى التحتية والمواصلات إلى رعاية الأطفال وإجازة الأمومة والأبوة، ومن تطوير القطاع الخاص وبرامج التوظيف إلى القيم الجوهرية والمعتقدات الخاصّة بحزبٍ معيّنٍ . 
إنّ طريقة التعاطي مع مشاكل ومعاناة شريحةٍ اجتماعيةٍ معينةٍ لا يكون بوخز معاناتهم أيام المناسبات الانتخابية وإسقاط الفرض بالاستماع إليهم، كما هو شأن الممارسة الحزبية الشائعة حالياً، إنّما يكون عبر قنوات اتصال مفتوح لتشخيص إشكاليات الواقع، تكون ضمن مستوى تنظيميٍّ ملائم، ضمن الهيكل التنظيمي للحزب، وتؤدي أدواراً مدروسةً ضمن الحلقة الكلاسيكية لرسم السياسات العامة والتي تبدأ بطرح وتحديد المشكلة وإجراء المسوح والاستشارات، وبحسب المعهد الديمقراطي الوطني (NDI)، لابدّ (أن تغلّف عملية رسم السياسات بطابع مؤسّساتي ضمن الحزب السياسي، ولابدّ أن يتمّ تضمينها في القيم والممارسات والإجراءات التي يعتمدها الحزب.. وأن ينخرط أعضاء الحزب العاديون في عملية تطوير السياسات) .

ثانياً: البرامج السياسية للحزب فرصة لتصحيح اعوجاج الوعي السياسي والانتخابي:
لابدّ من التذكير بتعقيدات وتشوّهات البيئة الانتخابية التي تعاني بشدّة من الزبائنية والمحسوبية، والتي تعني انحراف علاقة (السياسي المرشّح – المواطن الناخب) من حالة التشكّل على أساس تمثيل المصالح ذات الطبيعة العامّة إلى حالة الانتفاع الشخصي الأمر الذي يؤدّي إلى إفساد ثمار التجربة الديمقراطية وتحوّلها إلى عبءٍ تنوء به قطاعات الدولة والمجتمع، من فرط تشتّت الإمكانيات لتلبية الرغبات الشخصية والفئوية هنا وهناك؛ لذلك من المهمّ أن تعكس سياسات الحزب  طبيعة الأدوار والوظائف ضمن مفاصل النظام السياسي، وإزاء حالة سوء الظنّ وتصدّعات الثقة لدى الجمهور، تزداد أهمية الالتزام باستراتيجيات ومنهجيات وبرامج سياسية وانتخابية تكون ذات منحى توعوي وترويجي؛ لإعادة تأسيس المرتكزات، وسياقات الممارسات الديمقراطية الصحيحة، والتي مادتها الأساس مشاركة الجمهور، وأولوية الاستجابة لمطالباتهم المشروعة، عبر الآليات الحزبية المعتمدة مؤسساتياً.
ثالثاً: وثائق الحزب واستراتيجياته وبرامجه تجسّد أدوار الحزب التكاملية مع الجهات الأخرى في الانظمة السياسية الديمقراطية:
فالحزب هو ساحة التفاعل بين رغبات الجمهور واحتياجات المجتمع وجهود داعميهم وممثليهم، من سياسيين وبرلمانيين وراسمي سياسات على المستوى المحلي والوطني. من ضمن مهام تصحيح الوعي - وربما إعادة تأسيس المفاهيم - تظهير ما تمّ طمسه في سنوات التخبط والإفساد من حلقات مفقودة في التجربة الديمقراطية الحالية، ومن أهمّ هذه الحلقات طبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية وبين المفاصل الأخرى ضمن النظام السياسي، من أحزابٍ ومجتمعٍ مدنيٍّ ونقابات ووسائل إعلام، وينبغي للوثائق السياسية والبرامج الحزبية أن ترسم الدور التفاعلي المناسب للحزب السياسي، وتعيد تموضعه في الموقع الصحيح داخل المجتمع السياسي، مع الأخذ بنظر الاعتبار فرادة الأحزاب في مكانتها؛ لأنّها يمكن أن تضمّ تشكيلاتٍ عديدةٍ (الكتلة البرلمانية الحزبية، أعضاء الحزب في مواقع تنفيذية، سلطات محلية وبلدية، منظّمات وجمعيات ومراكز تفكير ورسم سياسات، ولجان قطاعية شبابية ونسائية)، مع ملاحظة اختلاف التوجّهات الاستراتيجية ما بين المشاركة في الحكومة، أو اختيار دور المعارضة البنّاءة، وتشكيل حكومات ظلٍّ، تراقب وتنتقد السياسات الحكومية العامّة، وتطرح البدائل المناسبة.

رابعاً: لابدّ أن يكون هناك حثّ لروح المشاركة في كلّ حيٍّ وزقاقٍ: 
بحيث يجد كلّ فردٍ من الجمهور لنفسه دوراً ما، ولو افتراضياً ضمن صفوف الحزب، وكلُّ من يتفحّص مشاريع الحزب وما تـتــيحه من مجالاتٍ للعطاء وفرصٍ للتواصل الفعّال داخل المجتمعات المحلية، ينبغي أن يجد لنفسه دوراً ما، بما يعزّز تقديره لذاته، ويطفئ ظمأ احتياجاته المعنوية، ومن يعتني بهم، ليمتدّ به الطموح نحو أدوارٍ محورية تنتظره، لاسيّما قطاع الشباب، وفي المقابل لا يتوقّع منه التفاعل مع آلياتٍ صمّاء لا تعبّر بما يكفي وظائفياً عن الأنموذج الحزبي الحقيقي، وانّ من وظائف الحزب أن يكون هو (الأداة التي لا غنى عنها في ممارسة الفرد تأثيراً ملموساً في إدارة الشؤون العامة، وحتّى لو كان الفرد مجهّزاً ببطاقة التصويت في الانتخابات العامّة سيبدو عاجزاً إذا لم يستطع أن ينسّق جهوده مع أولئك الذين يفكّرون على شاكلته، وانّ روح المواطنة الفردية بمجرّدها لا يمكن أن تقود إلا إلى شتات من الإرادات، وانّ الحزب يقوم بمهمة تجميع هذه الطاقات المشتّتة ليمنحها الوزن الحقيقي الذي يمارسه عادة العدد) .
خامساً: الأحزاب أكاديمية سياسية لتأهيل القيادات:
تقع على عاتق المنظومة الحزبية مهمّة إنتاج الكوادر الحزبية وتأهيل القيادات المؤهلة لتتبوّأ المهام المحورية، سواءٌ في خدمة المجتمع، أو شغل المناصب العامّة، وفق معايير المهنية والكفاءة والنزاهة .
تُنشئ الأحزاب أجهزةً ساندةً متخصّصةً ، تكون ذات مهمّةٍ ضمنيةٍ، وربما مضمرة، في اكتساب المهارات وتطوير وتراكم الخبرات، بحيث تنتج وتحتفظ بكوادر من أجيال متعدّدة؛ وذلك بمعزلٍ عن موجات الكوادر المنتخبة، والتي قد تكون طارئةً أو مؤقتةً، وهو أشبه بالعلاقة المتوازنة بين كوادر الإدارات العليا الدائمة في الجهاز الإداري للدولة، وبين الوزير السياسي المؤقت، أو الكوادر المتخصّصة في البرلمانات وموجات الانتخاب الدورية للأعضاء. 
سادساً: المناسبة الانتخابية ليست ومضة لحظية في أجندة الحزب:
الدوائر الانتخابية هي موئل الأحزاب وأصل نشأتها التاريخية، لذلك تتأكّد مصداقية الحزب من طبيعة التعاطي مع هذه الدوائر وقاطنيها، وديمومة التواصل المنتج معهم، والذي ينبغي أن يتجسّد بطريقة مناسبة في النظام الداخلي وفي الخطط والبرامج، وبعض الأحزاب تعمد إلى أن تتطابق حدود ونطاق التنظيمات الفرعية مع حدود الدوائر الانتخابية.