دور الأحزاب المنشقة عن حزب العدالة والتنمية في تعميق المعارضة التركية

تاريخ النشر:
2021 آذار 24

 

عبد الرحمن عاطف أبو زيد

 يهيمن حزب العدالة والتنمية علي الحياة السياسية في تركيا، وذلك منذ أن وصل إلى الحكم في عام 2002، وفاز أردوغان بما يقارب 12 من الانتخابات السابقة، وأن مسألة الحفاظ علي جمهور المصوتين والقاعدة الانتخابية هو الشرط الأساسي والجوهري لتحقيق استقلال الأحزاب بصفتها (مؤسسة)؛ وبهذا يكون التواصل المستمر مع المجال العام والرأي العام من ضمن الأهداف الرئيسية لأي حزب، ولاسيما حزب العدالة والتنمية، ولكن مؤخرًا بدأت الضغوطات الخارجية المتمثلة في الخلاف مع واشنطن خاصة بسبب الخلاف على إبرام صفقة صواريخ إس 400 مع روسيا والتقارب معها، وتصعيد تركيا لعدة أزمات على رأسها انخراطها في ليبيا وعقدها اتفاقية ترسيم الحدود مع حكومة الوفاق الأمر الذي أثار غضب الإقليم والإتحاد الأوروبي والذي بدأ بفرض عقوبات على تركيا بإعتبارها تقوم بعمليات غير قانونية في شرق المتوسط.
 وبالنسبة للصعيد الداخلي فقد زادت أزمة كورونا من حدة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا، فضلًا عن اشتداد حدة المعارضة السياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، فقد شهدت تركيا مولد حزبين جديدين منشقين عن حزب العدالة والتنمية، وهو يشكل أوسع حركة انشقاق لرفاق إردوغان القدامي الذين شاركوه تأسيس حزب العدالة والتنمية، وكانوا من عوامل قوته خلال سنوات إزدهاره، وذلك قبل أن يبدأ رحلة تراجعه التي بلغت زروتها منذ التوجه إلى إقرار النظام الرئاسي عبر الاستفتاء في إبريل 2017، ثم الانتخابات المحلية في نهاية مارس 2019، وقد تكبّد حزب إردوغان خسائر كبيرة في كبريات الولايات التركية وفي مقدمتها إسطنبول.  
أولًا - طبيعة الأحزاب المنشقة في تركيا:
إن ظاهرة الأحزاب المنشقة في تركيا ليست وليدة اليوم في الحياه الحزبية التركية، بل تمتد لعدة عقود، وتلك الأحزاب عادةً ماتفشل في اجتذاب عدد كبير من أصوات الناخبين، ولقد شهدت تركيا العديد من الأحزاب المنشقة والتي لم تحقق تقدمًا انتخابيًا ملحوظًا، ولكن بداية الإستثناء عن القاعدة تمثل في حالة حزب العدالة والتنمية، وتمكنه من تحقيق نجاح انتخابي ملحوظ بشكل مفاجيء.
وكان لصعود حزب العدالة والتنمية ظروف خاصة، حيث في بداية التسعينات انقسم تيار الإسلام السياسي المتمثل في حزب الفضيلة الإسلامي، إلى جناح التقليديين بقيادة نجم الدين أربكان، وجناح المجددين بقيادة رجب طيب أردوغان، وتم حدوث الانفصال رسميًا بقرار محكمة الدستور التركية في 22 يونيو 2001، وأدرك جناح المجددون أنهم بحاجة لتغيير المنظور المحافظ والمتشدد تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والقضايا المحورية الأخري، واتجهوا لإنشاء حزب العدالة والتنمية، وفي سبيل تقليل نفوذ وتحييد الكتلة العلمانية وخاصة في الجيش، إتجه حزب العدالة والتنمية إلى التقارب من الاتحاد الأوروبي واتخاذه كحليف حيوي، كما أدرك الحزب أنه إن لم يحترم العلمانية فلن يتمكن من الاستمرار والمشاركة في النظام السياسي التركي بفعالية، وبالتالي فقد ابتعدوا عن الخطاب الديني ولم يستخدموا شعارات إسلامية. 
حيث استغل حزب العدالة والتنمية الأزمة الإقتصادية الحادة التي مرت بها تركيا في 2001، وقد أعلن بالتعاون مع صندوق النقد الدولي عن برنامج إصلاح إقتصادي، وعبر الحزب التزامه بتطبيق البرنامج، وكان حزب العدالة والتنمية يعلن تبنيه ودعمه لسياسات السوق الحرة، بهدف جذب الإستثمار الأجنبي، ودمج تركيا في الاقتصاد العالمي، وتضمن البيان التأسيسي للحزب إعلان اعتماد مبدأ الخصخصة، وتزامن ذلك مع دعم "الموصياد" للحزب، وهي جمعية رجال الأعمال والصناعة المتدينين والمحافظين؛ فضلًا عن استغلال فترة فقدان الثقة في الأحزاب الموجودة، حيث أعلن أردوغان أن حزبه جاء ليملأ الفراغ السياسي في تركيا، واستفاد الحزب الجديد من المزاج الشعبي العام السائد، الرافض لعموم الأحزاب الموجودة على الساحة، وكان الناخبون يتطلعون لوجوه جديدة تعلن عن محاربة الفساد وإنقاذ الاقتصاد وتحقيق الاستقرار السياسي .
ثم في أواخر 2019 انشق عن حزب العدالة والتنمية حزبين، أولهما حزب المستقبل، تحت قيادة رئيس وزراء تركيا السابق أحمد داوود أوغلو، وتلاه في مارس 2020 تأسيس حزب الديمقراطية والتقدم بقيادة وزير المالية السابق علي بابجان؛ والجدير بالذكر أن بوادر الانشقاق في الحزب بدأت تظهر عقب انتخابات يونيو 2015، نتيجة تحالف أردوغان مع حزب الحركة القومية المناوئ للغرب، حيث قام أردوغان عقب خسارته لأصوات الأكراد بمناورة سياسية تهدف لحشد القوميين الأتراك للتصويت له، في محاولة لتشكيل الحكومة منفردا، وتجنب تشكيل حكومة إئتلافية بين أحزاب متنافرة، بينما كان يدعم داوود أوغلو تشكيل حكومة إئتلافية، الأمر الذي ساهم في تزايد الشقاق بينهما، بينما تقاربت رؤي أردوغان ودولت بهجتلي رئيس حزب الحركة القومية، في ضرورة التصدي للتنظيم الموازي من أحزاب المعارضة، فضلا عن عدم التعويل على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتوجه شرقا نحو الصين وروسيا وإيران، فيما كان يؤكد أوغلو على استمرار التحالف مع الغرب.

ثانيًا – فرص قادة الأحزاب الجديدة:
أ‌-    أحمد داوود أوغلو:
يعتبر أحمد داوود أوغلو قائد سياسي صاحب رؤية مؤدلجة، ففي وجهة نظره، الإسلام والقيم المحافظة يشكلان حجر أساس القيم الرئيسية، وفي المقابل، علي بابجان يتبع أسلوب حياة محافظ، بمنظور سياسي غير مؤدلج نسبيًا، حيث أنه لديه رؤية تكنوقراطية، معتمدًا على خبرته في إدارة الاقتصاد كميزة رئيسية كونه سياسي، وهو يحاول الوصول للناخبين عبر التركيز على حكم القانون،  والحكم الرشيد، وسد الاحتياجات الاساسية للمواطنين؛ وتلك الإتجاهات شكلت صور الانتقاد التي وجهها كلا القائدين إلى الحزب الحاكم، حيث انتقد بابجان التحول في سياسة الحزب السلطوية والتآمرية والمعادية للغرب، بينما يوجه أوغلو انتقادًا شخصيًا، حيث ينتقد أردوغان وأسرته، وهذا أمر يتجنبه بابجان حتى لايدخل في صدام مباشر مع الحزب.  
كما أن احمد داوود أوغلو بقيادته لحزب المستقبل المنبثق حديثًا عن حزب العدالة والتنمية  والمدعوم من عبدالله غل، الرئيس السابق لتركيا، من المحتمل أن يسير في نهج السياسة الخارجية لأردوغان المعادية للغرب، فهو رجل يميل لأن يكون قائدًا صاحب قرار متمركز كأردوغان، ولكن مايميز أوغلو عن أردوغان أن أوغلو ليس مجرد قائد سياسي بل هو مفكر إسلامي، ويظهر تطبيق أفكاره على أرض الواقع عندما يتولى السلطة، مثلما ظهر في فترة توليه وزارة الخارجية التركية.
ب‌-    علي باباجان:
من بين زعيمي حزبي المعارضة المنشقين حديثًا، يبدو أن بابجان لديه فرصة على المدى البعيد، فبدلًا من الدخول في صدام مباشر مع أردوغان ومحاولة تقويضه، الأفضل أن يكتسب الشعبية والانتظار حتى يقوم أردوغان بتقويض نفسه حتى وقت الانتخابات الرئاسية التالية التي تنعقد في 2023، كما أن سياسة بابجان التي تؤكد على التعاون الدولي ودور المؤسسات في تعزيز الاقتصاد من المحتمل أن تؤدي إلى تحقيق الاستقرار بالنسبة للسياسة الخارجية التركية، وهذا أمر تفضله الدول الأوروبية، فالحكومة التي يتولاها بابجان، أو يلعب دور مهم بها سترجع سياسات تركيا الموالية للغرب والتعاون الاقتصادي، الأمر الذي سيدعم حكم القانون وحقوق الانسان في الداخل التركي . 
ونسبًة لإرتباط علي باباجان بالنهضة الإقتصادية التي تحققت في بداية حكم حزب العدالة والتنمية بأعتباره القائد الإقتصادي للحزب، وإحتواء قائمة مؤسسي حزبه، الديمقراطية والتقدم على النخب التي تمتاز بالحنكة والخبرة السياسية الطويلة، مما سيهدد بشكل مباشر حزب العدالة والتنمية، الأمر الذي قد يجعل حزب العدالة والتنمية يتنبئ بفكرة التجديد في الحزب ومعالجة الأخطاء التي بدأ الشارع التركي تناولها مؤخراً منتقداً لأوردغان وبعض أعضاء الحزب الحاكم؛ وقد تمتد فكرة التجديد هذه لتشمل خطوات عملية في تصفية الحزب من بعض الوجوه التي أصبحت مرمى لإنتقاد الشارع، خصوصاً في ظل وجود اتفاق بين الحزبين الجديدين في بعض القضايا الجوهرية مثل تطبيق النظام البرلماني وتداعيات إنحراف الحزب الحاكم عن المبادئ التأسيسة قد يجعل التحالف بينهما ضد أردوغان ممكنًا. 
ثالثًا – العوامل التي تؤثر في ازدياد حدة المعارضة الداخلية.........لقراءة المزيد