Iraqi-Russian Relations

Date of publication:
2021 July 26


    م.م. سيماء علي مهدي
   تحتل منطقة الشرق الاوسط مكانة مهمة في الاستراتيجية الروسية الساعية الى ممارسة دور جديد على الساحة الدولية وذلك عبر على توظيف المعطيات الراهنة واستغلال المتغيرات الجديدة من خلال مرونة الاداء الاستراتيجي لإقامة تحالفات ومحاور جديدة في المنطقة .
  لذا فأن القول بأن العراق يحظى بمكانة متقدمة في الاستراتيجية الروسية يكون على مستوى عال من الدقة والموضوعية وبخاصة في ظل التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية في الشرق الاوسط وكذلك على المستوى الدولي، ولعل ابرزها الرغبة الروسية بالعودة وبقوة لممارسة دور دولي جديد بعد حقبة من التراجع والانكفاء.
العراق في الاستراتيجية الروسية قبل 2003
  ترتبط موسكو وبغداد بعلاقات وثيقة تعود جذورها إلى أربعينيات القرن الماضي، إلا أنها انقطعت في كانون الثاني عام 1955 بقرار من الحكومة العراقية ثم عادت مرة أخرى بعد نجاح الانقلاب العسكري في إسقاط النظام الملكي العراقي في تموز عام 1958( ). ولإنهاء عودة النظام الملكي قام الاتحاد السوفيتي بتقديم مذكرة الى الحكومة التركية في 18 تموز 1958، حذرها من التدخل بشؤون العراق الداخلية وكان ذلك اثر شائعات عن زحف قوات عسكرية تركية إلى بغداد لحماية النظام الملكي ( ) .
   وقد أعاد عبد الكريم قاسم العلاقات مع موسكو وعمدت الى دعم حكمه انذاك ظنا منها بأنها وجدت في عبد الكريم قاسم ونظامه البديل الذي يتيح لها لمحافظة على الوجود السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط عامة والخليج العربي خاصة (  ).
   وتطورت العلاقات العراقية السوفيتية بشكل أفضل في بداية السبعينات، وتوجت بعقد معاهدة 1972 تمتد لمدة 15 عاما، والتي سمحت في بعض نصوصها للقوات السوفيتية بالتمركز في البصرة كخطوة محسوبة للاطلاع على المياه الدافئة، فضلا عن قيام تعاون اقتصادي وعسكري( ). 
   وفي الحرب العراقية الايرانية عملت موسكو على توطيد علاقاتها بالدولتين المتحاربين من خلال تبادل الزيارات الرسمية وتوقيع الاتفاقات الاقتصادية والثقافية بينها وبين كل من ايران والعراق، كما قامت بتمويل عسكري للطرفين، إلا أن الحياد الذي تبنته موسكو خلال سنوات الحرب بدأ يتغير عام 1987، ويتضح ذلك في موافقتها على تأجير ناقلاتها النفطية للكويت التي تعتبرها إیران طرفا رئيسيا في الحرب نتيجة لدعمها للعراق، وان موافقة موسكو على الطلب الكويتي يعني قبول موسكو لان تصبح طرفا رئيسي في الحرب وعليه هاجمت زوارق حربية ايرانية سفينة شحن سوفيتية في مياه الخليج قبالة ساحل دبي والحقت أضرارا مادية، مما تسبب باتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على منع انتصار ايران في الحرب لان مصالحهما المشتركة تفضي الى ذلك( ).
  وكانت أسباب التي أدت الى دخول القوات المسلحة العراقية الى الكويت واحتلالها هو أنه بعد خروجه من حربه مع إيران التي إستمرت ثمان سنوات (1980-1988) وهو محمل بالديون الخارجية، والتي أغلبها ديون لدول الخليج العربي، التي كانت تدعم العراق بالمال والسلاح وبعد إنتهاء هذه الحرب بدأت الدول تطالب العراق بديونها وبالذات الكويت، في الوقت الذي كان العراق يعاني من ازمة إقتصادية حقيقية، هذا بالاضافة لاتهام العراق الكويت بإستغلال فترة إنشغاله بالحرب مع إيران، والقيام بإستخراج النفط من حقل الرميلة العراقي وبدون علمه حيث يقدر العراق إن إجمالي واردات النفط المستخرج والمباع تبلغ 719 مليار دولار؛ ولتجنيب المنطقة نتائج قد لا تحمد عقباها تم عقد إجتماع للطرفين العراقي والكويتي في المملكة العربية السعودية وذلك في 31-7-1990، ولم يتمخض عن هذه الوساطات أو اللقاءات التوصل الى حل يرضي الطرفين، وهكذا إنفض إجتماع جدة بالشتائم والوعيد والتهديد، وما هي الا ساعات ودخلت القوات العراقية الكويت( ). وأدان دخول العراق للكويت وعلق الامدادات العسكرية له وطالب بالانسحاب العراقي غير المشروط، وسوغوا ذلك لأسباب اخلاقية وامنية، وأشاروا الى أنهم يقومون بحماية علاقاتهم المركزية مع الولايات المتحدة؛ وهكذا جاءت خطوة الحكومة الروسية في عام ١٩٩٢ القاضية بارسال قطعتين من اسطولها الحربي الى الخليج العربي للمشاركة في أية مواجهة ضد العراق، وقد استمرت روسيا الاتحادية على هذا الوضع لغاية عام ١٩٩٣ وهو العام الذي سجل حدوث بعض التغير الجزئي بسبب الضغوط الداخلية المساندة للعراق والمتمثلة في القوى الوطنية والقومية داخل البرلمان الروسي وخارجه ( ). بعد أن تأكدوا أن الولايات المتحدة والدول الغربية لن يقدموا لها أية مساعدات اقتصادية، إذ كان لوزير خارجية روسيا كوزريف دور كبير في تفادي الأزمة وإنقاذ العراق من ضربة عسكرية محتمة من قبل الولايات المتحدة وبذلت جهوداً حثيثة من اجل احتواء الازمة سلمياً. واستمرت روسيا في محاولاتها رفع الحظر المفروض على العراق حتى صدور القرار الرقم ( ۹۸6 ) في 14 نيسان 1995، الذي يمكن العراق من بيع النفط الخام بمبلغ لا يتجاوز مجموعه مليار دولار أمريكي كل 90 يوما، واستخدام العائدات النفطية لشراء الإمدادات الإنسانية. تجلى الموقف الروسي ثانية في أثناء عملية ثعلب الصحراء، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا ، إذ قامت بضرب العراق 16 كانون الأول ۱۹۹۸، وقد استخدم خلالها حوالى أكثر من 400 صاروخ موجه أطلقت من الخليج العربي، ومن أراضي بعض الدول العربية، على أهداف معينة مهمة، مثل مقار القيادة ومراكز برامج الأسلحة والقصور الرئاسية، وكذلك محطات تصليح الأسلحة أو تصليح الصواريخ، ومواقع مدنية تخدم الشعب العراقي، وقد وصفت روسيا هذه الهجمات بأنها تهديد للأمن والسلم الدوليين، وأنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والقواعد المعترف بها بشكل عام، وكان ذلك ضمن اجتماع مجلس الأمن في جلسته ذات الرقم (3955) بتاريخ 16 كانون الأول ۱۹۹۸ ( ). 
وتجدد التأييد الروسي للعراق في مشروع العقوبات الذكية الذي سعى إلى إضافة جملة من السلع إلى قائمة السلع المحظورة لتصديرها إلى العراق، وطرح هذا المشروع على مجلس الأمن في جلسته ذات الرقم ( 4336 ) بتاريخ الثلاثاء 26 حزيران ۲۰۰۱، فقد رفضته روسيا، إذ قال المندوب الروسي « إن مشروع القرار الذي يؤدي بنا إلى الابتعاد عن مهمة التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن بشأن العراق ، وهو يؤدي إلى تجميد الوضع الراهن الذي تظل فيه الجزاءات قائمة مع آثار غير مقبولة في الشعب العراقي ، وإن واضعي قائمة السلع الرقم (1051) يظنون أنها غير كافية »، وكانت روسيا ترى أن هذا المشروع يؤثر في الوضع السياسي والاقتصادي لجميع دول المنطقة، ولا سيما الدول المجاورة التي أصبحت تعتمد على العراق كسوق رئيسية للعديد من منتجاتها، وكذلك تضر هذه الجزاءات، التي تسمى بالذكية، بالمصالح التجارية والاقتصادية المشروعة لروسيا، إذ إن هذا المشروع سيؤدي إلى كارثة إنسانية، ويخرب الاقتصاد العراقي، فرفضت روسيا القرار، وقدمت مشروع قرار يتضمن تعليقا شاملا للعقوبات على العراق، ومن ثم رفعها، وربط ذلك بنظام مستمر للمراقبة والتحقق( ).
الموقف الروسي من الحرب على العراق عام 2003 
   بعد تدمير برج مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة وهو ما عرف بأحداث 11 أيلول ۲۰۰۱ نجم عنه إعلان الولايات المتحدة ما يسمى بالحرب على الإرهاب، ورفعت شعار: ( إن لم تكن معنا فأنت ضدنا )، وانضم إلى جانب الولايات المتحدة حشد دولي يضم معظم دول العالم، بما في ذلك روسيا التي وقفت إلى جانبها  وكان هدفها في ذلك كسب الدعم الأمريكي في حربها ضد الشيشان الذين تصفهم بالإرهابيين( ). بدأت الولايات المتحدة محاولتها للاستفادة من الحشد الدولي الذي كونته في حربها ضد الإرهاب ، لكسب الدعم للحرب على العراق ، وكان مبنى الأمم المتحدة هو المكان الرئيسي الذي حاولت الولايات المتحدة الحصول منه على الشرعية الدولية لشن الحرب على العراق، لكنها سرعان ما اصطدمت بمعارضة روسيا، وألمانيا، وفرنسا، وبعض الدول العربية التي رفضت القيام بعمل عسكري ضد العراق. وكان الموقفان الفرنسي والألماني أكثر شدة من الموقف الروسي، على الرغم من حجم المصالح الروسية في العراق التي بلغت مليارات الدولارات التي نجمت عن تعاون في مختلف المجالات، يمتد إلى حقبة الاتحاد السوفياتي( ) .  بدأت المواقف الروسية تتغير تجاه العراق  الروسي بعد أن أدركت أن الحرب على العراق قائمة لا محالة، وأنها لا تستطيع منعها حتى لو استخدامت حق النقض (الفيتو)، وقالها بوتين في كييف علانية: « نوعية علاقاتنا لا تسمح لنا بالوقوع في مزالق المواجهة » ، لكنها أرسلت رئيس وزراءها الأسبق (يفغيني بريماكوف) إلى العراق من اجل إقناع القيادة العراقية بضرورة التنحي عن السلطة لتفادي العراق ضربة عسكرية، فقد قال يفغيني بريماكوف لقناة RTR الروسية في ۱۲ نيسان ۲۰۰۳ (إنني حملت رسالة شفهية من الرئيس فلاديمير بوتين لصدام حسين بضرورة التنحي عن السلطة إنقاذا الشعب العراق من حرب قادمة، ولم يرد صدام علي بكلمة، وربت على كتفي، وغادر الغرفة التي كانت تجمعنا)( )، رغم ان هدفها بالاول والاخير تحقيق مصالحها وتعزيز مكانتها في المنطقة العربية ليس اكثر( ).
 وتمثل الحرب ضد العراق من الناحية العسكرية والايديولوجية تجسيدا لمبدأ (الحرب الوقائية) الذي اعلنه الرئيس بوش في (استراتيجية الامن القومي)، في محاولة الولايات المتحدة الاميركية تقليص النفوذ الفرنسي والالماني والروسي في منطقة الشرق الاوسط لحساب النفوذ الاميركي: 
1- سياسياً: يقوم جوهر الرؤية الاميركية على ان تغيير نظام الحكم في العراق، يمثل مجرد خطوة اولى لإعادة ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط، الذي سيكون مقدمة للتغيير الشامل في العالم العربي, وبدلا من أن تطمئن دول جوار العراق من احداث التغيير، فقد أعلنت وبصراحة  أن ما يجري في العراق يمكن أن يتكرر في هذه الدول التي تعد على قائمة الانتظار، والدول والانظمة المعادية للولايات المتحدة ستساقط الواحدة تلو الأخرى على غرار (نظرية الدومينو)( ).
2- عسكرياً: يقوم التخطيط الاستراتيجي الاميركي على تحويل العراق الى قاعدة اقليمية محورية للوجود العسكري الاميركي في المنطقة، وهنا تنطلق من ضرورة الاستفادة من الموقع الاستراتيجي المهم للعراق، والذي يمثل نقطة التقاء استراتيجي بين مناطق الخليج وشمال غرب اسيا واسيا الوسطى والشرق الاوسط، فضلا عن التغلب على نقطة ضعف اساسية كانت تعاني منها الولايات المتحدة الاميركية، وهي ان العراق كان يمثل نقطة فراغ ضمن حزام القواعد العسكرية الاميركية المنتشرة في الخليج واسيا الوسطى وجنوب اسيا( ). 
3- اقتصادياً: ركزت الادارة الاميركية على ان احتلال العراق سيحقق مكاسب لها، ولاسيما
السيطرة على النفط، وباستطاعتها ان تتحكم في تدفقه ، ويمكنها بالتالي ان تتحكم في اسعار النفط في السوق العالمية، طالما تستطيع التأثير بدرجة كبيرة على مستويات العرض والطلب، اضافة الى ذلك ان وجودها العسكري في العراق يمكن ان يعيد ترتيب حصص الشركات المنتجة للنفط وهو ما سيعني سحب امتياز الشركات الروسية والصينية العاملة في العراق ومنحها لشركات اميركية( ).
استعادة الدور الروسي في العراق مابعد 2003.........لقراءة المزيد