Comparison between Iraqi and Turkish elections highlights some laws and procedures

Date of publication:
2021 August 31


واثق السعدون
مقدمة:
لا تنطلق فكرة هذه المقالة من هدف إجراء مقارنة قياسية بين سير العملية الانتخابية في العراق ومثيلتها في تركيا، لتحديد درجة الأفضلية والنجاح بين التجربتين؛ لأنه من غير الإنصاف مقايسة تاريخ ومراحل تطور الديمقراطية الراسخة في تركيا بالتجربة الديمقراطية في العراق، التي لا تزال قيد الاختبار وتصحيح المسار، ولا مقارنة الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية في تركيا، بالأوضاع في العراق.
وإنّما انطلقت المقالة من هدف تحفيز وحثّ المعنيين بشؤون الانتخابات في العراق على محاكاة التجارب الدولية والإقليمية الناجحة، والعمل على تدعيم الخيار الديمقراطي في العراق، ليس من خلال الممارسات الديمقراطية فقط، وإنّما من خلال زيادة نسبة الوعي الديمقراطي في المجتمع، والإيمان بجوهر الديمقراطية، والقبول بنتائجها وتحوّلاتها، بوصفها النهج السياسي العادل والوحيد لضمان وحدة واستقرار البلد، وحماية حاضره ومستقبله، وتحقيق نموه وازدهاره. 

الشفافية، النزاهة المالية للأحزاب السياسية، وإبعاد القضاء والجيش والتعليم عن التأثيرات السياسية:
ورد في المادة (68) من الدستور التركي : «لا تجوز عضوية الأحزاب السياسية للقضاة والمدّعين، وأعضاء الهيئات القضائية العليا، بما في ذلك ديوان المحاسبات (الرقابة المالية)، وأفراد القوات المسلحة، وطلاب الجامعات ما قبل الدراسات العليا، وينظِّم القانون عضوية أعضاء هيئات التدريس بمؤسسات التعليم العالي في الأحزاب السياسية. ولا يجوز لذلك القانون أن يسمح لهؤلاء الأعضاء بالاضطلاع بمسؤوليات والقيام بنشاطات سياسيّة خارج مقرّات الأحزاب السياسية، كما يضع القانون القواعد التي على أعضاء هيأة التدريس بمؤسسات التعليم العالي - الذين ينتمون للأحزاب السياسية - اتّباعها في مؤسسات التعليم العالي. وينظِّم القانون المبادئ الحاكمة لعضوية طلاب التعليم العالي في الأحزاب السياسية. وتوفِّر الدولة للأحزاب السياسية الإمكانات المالية المناسبة على نحو منصفٍ فيما بينها. ويضع القانون المبادئ المنظِّمة للمعونات المقدَّمة للأحزاب السياسية، وكذلك تلك المنظِّمة لتحصيل اشتراكات العضوية والتبرعات».
كما ورد في المادة (69) من الدستور التركي: «لا يجوز للأحزاب السياسية الاشتغال بالأنشطة التجارية. وينبغي أن تتّسق إيرادات الأحزاب السياسية ونفقاتها مع أهدافها، وينظِّم القانون تطبيق هذه القاعدة. ويفوّض القانون المحكمة الدستورية في المراجعة المحاسبية لممتلكات الأحزاب السياسية وإيراداتها ونفقاتها، من حيث التزامها بالقانون، ويحدّد كذلك أساليب المراجعة المحاسبية والعقوبات الموقَّعة في حال مخالفة القانون. ويعاون ديوان المحاسبات المحكمة الدستورية في مهام المراجعة المحاسبية. وتكون القرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية استناداً إلى المراجعة المحاسبية نهائية... وتفصل المحكمة الدستورية نهائياً في حلّ الأحزاب السياسية بناءً على دعوى يرفعها مكتب المدّعي العام الرئيس في محكمة الاستئناف العليا. ويصدر قرار بالحلّ النهائي لأيّ حزبٍ سياسيٍّ في حال ثبوت مخالفة النظام الداخلي للحزب وبرنامجه لأحكام الفقرة الرابعة من المادة (68) (المتعلقة بتمويل الأحزاب السياسية ومراقبة نشاطاتها المالية). ولا يصدر القرار بحلِّ حزبٍ سياسي نهائياً بسبب أنشطة مخالفة لأحكام الفقرة الرابعة من المادة (68)، إلا إذا تيقّنت المحكمة الدستورية من أنّ الحزب المعني صار مركزاً لممارسة تلك الأنشطة. ولا يُعتبر الحزب السياسي مركزاً لتلك الأنشطة إلا إذا كانت تُمارس بكثافة من قِبَل أعضاء الحزب، أو إذا كانت الهيأة العليا للحزب أو رئاسته العامة أو هيئات صنع القرار بالحزب وهيئاته الإدارية أو الاجتماع العام أو المجلس التنفيذي للمجموعة البرلمانية للحزب بالجمعية الوطنية الكبرى لتركيا (مجلس النواب التركي)، مشتركين في هذه الأنشطة على نحو مباشرٍ أو غير مباشرٍ، أو إذا قام بها أيّ من هيئات الأحزاب المتقدّم ذكرها عن عمدٍ».
إنّ ضمان الشفافية والنزاهة في النشاطات المالية للأحزاب السياسية من الأمور المهمّة والحيوية في العملية السياسية، بخاصّة في فترة الانتخابات، حيث أنّ مراقبة الدولة للنشاط المالي للأحزاب السياسية خلال الحملات الانتخابية، سيضمن نزاهة العملية الانتخابية وحماية اختيارات الناخبين من تأثيرات المال السياسي، فضلاً عن أنّ جلّ مصادر المال السياسي تتأتّى في الأغلب من عمليات فسادٍ حكوميٍّ وإداريٍّ. هذا الأمر في تركيا تتمّ مراقبته ومتابعته وملاحقته بجدّية قصوى من أجهزة الدولة، ولكن في العراق (لغاية الآن) لم نلحظ هذه الجدية في متابعة النشاطات المالية للأحزاب السياسية، بخاصّة القوى والشخصيات السياسية المتنفذة في المشهد السياسي في العراق بعد 2003م، والتي تبدو وكأنّها أصبحت تملك حصانةً مطلقةً من المساءلة القانونية عن مصادرها المالية، أو عن كل أفعالها بالعموم!
من جهة أخرى، إنّ إبعاد القضاء والقوات المسلحة والتعليم عن التجاذبات والتنافسات السياسية، مطلبٌ مهم؛ لضمان نزاهة العملية السياسية، خصوصاً خلال الانتخابات. فمصادقة النتائج النهائية لأيّ انتخاباتٍ هي في النهاية قرار قضائي- قانوني، وليس قراراً سياسيّاً. والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية للدولة هي الطرف المناط به مسؤولية حماية سير الانتخابات من أيّ تهديدٍ أمنيٍّ، أو استعمال للمنصب الوظيفي، بخاصّة في المؤسسات العسكرية - الأمنية، للتأثير على تكافؤ فرص المرشحين للترويج لأنفسهم وبرامجهم الانتخابية، واختيارات الناخبين عند تصويتهم. أمّا التعليم، بخاصّة التعليم العالي، فهو الميدان الذي يضمّ الأعداد الأكبر من أبناء المجتمع الذين يحقّ لهم التصويت، لذلك من المهم إبعاد ميدان التعليم عن التأثيرات السياسية والتنافسات الانتخابية؛ لضمان العدالة والنزاهة، السياسية والانتخابية. 
حظرت المادة (98) من الدستور العراقي  لعام 2005م انتماءَ القضاة والمدّعين العامين للأحزاب السياسية، كما حظرت المادة (9) من ذات الدستور انخراط القوات المسلحة في الشؤون السياسية. ولكن على أرض الواقع، فإنّ نهج المحاصصة السياسية والطائفية المتّبع في الترشح للمناصب القضائية والعسكرية - الأمنية في العراق منذ 2003م، أسهم كثيراً في إضعاف مناعة القضاء والقوات المسلحة ضدّ التدخلات والتأثيرات السياسية. وفي نفس السياق، لا يوجد في العراق - لحدّ الآن - قوانين وإجراءات رادعة (حقيقية) لحماية المؤسّسات التعليمية من التأثيرات والتدخلات والنشاطات السياسية.

الإشراف القضائي على الانتخابات:
ورد في المادة (79) من الدستور التركي: «تدير الهيئات القضائية الانتخابات وتشرف عليها. وتقوم اللجنة العليا للانتخابات بجميع الوظائف اللازمة لضمان نزاهة الانتخابات وحسن تنظيمها، من بدايتها إلى نهايتها، وإجراء التحقيقات واتّخاذ القرارات النهائية أثناء الانتخابات وبعدها، في جميع المخالفات والشكاوى والاعتراضات المتعلقة بالأمور الانتخابية، واستلام سجلات نتائج انتخابات أعضاء الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا والانتخابات الرئاسية. ولا يجوز الطعن على قرارات اللجنة العليا للانتخابات أمام أي سلطة».
كما ورد في نفس المادة: «تتكوّن اللجنة العليا للانتخابات من سبعة أعضاء أساسيين، وأربعة أعضاء احتياطيين (جميعهم قضاة). وينتخب المجلس العام لمحكمة الاستئناف العليا ستة من الأعضاء، بينما ينتخب المجلس العام لمجلس الدولة الخمسة الآخرين، من بين أعضاء كلّ منهما، بالأغلبية المطلقة لجميع الأعضاء في اقتراعٍ سريٍّ. وينتخب أولئك الأعضاء من بينهم رئيساً للجنة الانتخابية ونائباً له بالأغلبية المطلقة في اقتراع سري».
وورد في المادة ذاتها: «يُختار عضوان من بين من انتخبتهم محكمة الاستئناف العليا، وعضوان من بين من انتخبهم مجلس الدولة، كأعضاء احتياطيين بالقرعة، ولا يُشارك رئيس اللجنة العليا للانتخابات ونائبه في هذا الإجراء».
تبيّن هذه المادة في الدستور التركي بوضوحٍ لا يحتاج لمزيد من التفصيل، تمسّكَ الدولة بالإشراف القضائي المطلق على سير العملية الانتخابية، وهذا الوضوح يترافق مع قناعةٍ راسخةٍ وإيمانٍ كبيرٍ لدى غالبية القوى السياسية (مع خصوماتهم السياسية)، والشعب التركي (بكافة اتجاهاته السياسية)، بنزاهة وحيادية القضاء التركي، وحصانته الكبيرة من التدخّلات والتأثيرات السياسية، إلى درجة أنّه من المفارقة في الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا في ربيع 2019م، قدّم حزب العدالة والتنمية (الحاكم) للّجنة العليا للانتخابات شكاوى ضد حزب الشعب الجمهوري (أكبر أحزاب المعارضة)، بدعوة تلاعب الحزب المعارض بنتائج الانتخابات في مدينتي أنقرة وإسطنبول، وبعد التحقّق من الشكاوى، حكمت اللجنة العليا للانتخابات لصالح الحزب المعارض!
نصّت المادة (102) من الدستور العراقي لعام 2005م، على أنّ المفوضية العليا للانتخابات، هي هيأة مستقلّة تخضع لرقابة مجلس النواب. كما ورد في المادة (2) من قانون (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات) رقم (11) لسنة 2007م، بأنّ المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات هي هيأة مهنية حكوميّة مستقلّة ومحايدة، تتمتّع بالشخصية المعنوية، وتخضع لرقابة مجلس النواب. 
كما ورد في المادة (3) من القانون رقم (11) بأنّ مفوضية الانتخابات تتألّف من مجلس المفوضين والإدارة الانتخابية. مجلس المفوضين يمثّل الجهة التشريعية في مفوضية الانتخابات، بمعنى أنّه أعلى سلطة في مفوضية الانتخابات. وبحسب نفس المادة (3) من القانون رقم 11، فإنّ مجلس المفوضين يتألّف من (9) أعضاء، إثنان منهم على الأقل من القانونيين، يختارهم مجلس النواب بالأغلبية، على أن يكونوا من ذوي الاختصاص والخبرة والمشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، مع تشديد المادة (3) من قانون رقم (11) على أن يكون عضو مجلس المفوضين (مستقلاً من الناحية السياسية).
ولكن مبدأ (المحاصصة) المعتمد في العملية السياسية منذ العام 2003م، أطاح بكلّ أُسس استقلالية مفوضيات الانتخابات التي تشكّلت في العراق قبل نشوب احتجاجات تشرين 2019م، حيث تقاسمت الأحزاب والقوى السياسية فيما بينها ترشيح الأعضاء لمجلس المفوضين، وأصبح كلّ عضوٍ في مجلس المفوّضين هو ممثلاً لحزبٍ معيّن، بل إنّ الأحزاب والقوى السياسية تقاسمت حتّى مفاصل الإدارة الانتخابية والموظفين العاديين في المفوضية!
تحت ضغط الاحتجاجات، قدّمت حكومة عادل عبدالمهدي استقالتها في (29 / تشرين الثاني/ نوفمبر 2019م). وفي (5 / كانون الأول ديسمبر) عقد مجلس النواب العراقي جلسةً قرّر فيها حلَّ مفوضيّة الانتخابات القديمة، وذلك بإحالة قسم من أعضائها إلى التقاعد، ونقل قسم منهم إلى دوائر حكوميّة أخرى، مع الإبقاء على الموظّفين العاديين. كما قرّر مجلس النواب - في تلك الجلسة - التصويت على قانونٍ جديدٍ لمفوضية الانتخابات، تمّت المصادقة عليه من رئاسة الجمهورية، وصدر في جريدة الوقائع الرسمية برقم (31) لسنة 2019م.
تغيّرت آلية تشكيل مجلس المفوّضين في القانون الجديد للمفوضية رقم (31)، حيث بموجب المادة (3) من هذا القانون الجديد، يتكوّن مجلس المفوضين من (9) أعضاء، (5) منهم من القضاة من الصنف الأول، يختارهم مجلس القضاء الأعلى (عن طريق القرعة)، من بين مجموع المرشحين من قضاة المناطق الاستئنافية في عموم العراق (باستثناء إقليم كوردستان)، مع مراعاة عدالة الاختيار بين جميع المناطق الاستئنافية. و(2) من مجلس المفوّضين سيكونون من قضاة الصنف الأول، الذين يختارهم مجلس القضاء الأعلى، من القضاة المرشحين الذين يرسلهم مجلس القضاء في إقليم كوردستان، مع مراعاة عدالة توزيعهم على المناطق الاستئنافية في الإقليم. الإثنان المتبقيان من مجلس المفوّضين المقبل سيكونان من المستشارين الأعضاء في مجلس الدولة، والذين سيتمّ ترشيحهم من مجلس الدولة، وسيختارهم مجلس القضاء الأعلى. في (23 / كانون الأول / ديسمبر 2019م) قام مجلس القضاء الأعلى بإجراء قرعة لاختيار المفوّضين الجدد، وبحضور ممثلية الأمم المتحدة ووسائل الإعلام ومنظّمات المجتمع المدني والنقابات.
ربما توحلي الآلية الجديدة لاختيار مجلس المفوضين بإعطاء المزيد من الاستقلالية لمفوضية الانتخابات الجديدة عن سابقاتها، ولكنّ الشارع العراقي ما زال تنتابه الهواجس والشكوك حول ذلك، بسبب معرفة الجميع بقدرة الأحزاب والقوى السياسية على اختراق جميع مؤسّسات الدولة، بما فيها المؤسّسة القضائية، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فمن المعروف أنّ القسم الأكبر من القوى السياسية التي تتنافس في أيّة انتخابات جرت في عراق ما بعد 2003م، هم إمّا فصائل مسلّحة لها أجنحة سياسيّة، أو أحزاب سياسيّة لها أجنحة مسلّحة، وبالتالي فإنّ القضاة بحاجةٍ إلى قدرٍ كبيرٍ من الحماية لهم ولعوائلهم، للحفاظ على استقلاليتهم من تهديدات سلاح (المتنافسين). من هذا المنطلق تأتي أهمّية القضاء على ظاهرة انتشار السلاح المنفلت في العراق، كأحد الشروط الأساسية لنزاهة الانتخابات القادمة.

النظام الانتخابي:
يتوزّع الناخبون في تركيا على (87) دائرة انتخابية، في (81) محافظة، حيث تتضمّن كلّ من محافظتي إسطنبول وأنقرة (3) دوائر، وكلٌّ من محافظتي إزمير وبورصة دائرتين، إضافة لاعتبار كلّ واحدةٍ من المحافظات المتبقية دائرةً واحدةً، فضلاً عن أصوات الخارج والمعابر الحدودية، حيث يمكن للناخبين الأتراك في الخارج التصويت في (123) ممثلية دبلوماسية تركية، في (60) دولة حول العالم، فضلاً عن (36) بوابة حدودية تركية مع دول جوارها. 
تعتمد اللجنة العليا للانتخابات في تركيا طريقة (هوندت) – الرياضي البلجيكي – لاحتساب نتائج الانتخابات، وهو نظامُ تمثيلٍ نسبيٍّ، يعتمد على قسمة عدد المصوّتين في الدائرة الانتخابية على الأرقام بشكلٍ تصاعديٍّ ابتداءً من (1) وحتّى الوصول لعدد النواب المحدّد لتلك الدائرة، ثمّ توزيع المقاعد على الأحزاب حسب نسبة التصويت لها. ويضاف لذلك العتبة الانتخابية المطلوبة لدخول البرلمان والممثلة بـ (%10) من مجمل الأصوات في عموم تركيا (مع أصوات الخارج)، التي كانت مطلوبة من الأحزاب وباتت – بعد التعديل الأخير للقانون الانتخابي – متاحةً أيضاً للتحالفات الانتخابية. حيث إنّ الحزب / التحالف الذي يفشل في تخطّي العتبة الانتخابية لا يدخل البرلمان، وتوزّع أصواته في كلّ دائرة انتخابية على باقي الأحزاب الناجحة، وفقاً لنسبة كلٍّ منها في كلِّ دائرةٍ انتخابيةٍ، (وليس وفق نسبة معمّمة على كلّ الدوائر في عموم تركيا) .
صوَّت مجلس النواب العراقي في (18 / كانون الأول/ ديسمبر 2019م)، على قانون انتخابات جديد، تمّ الترويج له بأنّه سيكون عادلاً ومنصفاً ومنسجماً مع مطالب احتجاجات تشرين. لكنّ عقدة هذا القانون الجديد تكمن في الطريقة الجديدة لتقسيم الدوائر الانتخابية، فبدلاً من (18) دائرة انتخابية كما في السابق، عندما كانت كلّ محافظة عراقية بمثابة دائرة انتخابية واحدة، تقرّر في القانون الجديد للانتخابات تقسيم العراق إلى (83) دائرة انتخابية، بتقسيم المحافظة الواحدة إلى عدّة دوائر انتخابية، بحسب عدد مقاعد كوتا النساء في كلّ محافظة، والسبب المعلن لهذا التغيير، هو أنّ الدوائر المتعدّدة ستضمن تمثيلاً أكبر للشارع العراقي، كما أنّها ستعطي فرصةً أكبر للأحزاب السياسية الصغيرة والمرشحين المستقلين. 
ومع ذلك، أُثيرت الشكوك والجدل، فبغياب تعداد سكاني حديث (آخر تعداد عام لسكان العراق كان في عام 1997)، وبغياب إحصاءات نفوس رسميّة مؤكّدة لجميع مناطق العراق، يرى جميع المشككين، بأنّ الدوائر الانتخابية الجديدة ستقسّم بحسب حسابات ومصالح الأحزاب والقوى السياسية المتنفّذة في العراق، وليس بحسب معايير منصفة. فضلاً عن أنّ السنوات الأخيرة تم فيها استحداث (41) قضاء، والعشرات من النواحي غير المسجلة في وزارة التخطيط. 
إنّ هذه الضبابية في معايير تقسيم الدوائر ستخلق مشاكلَ وإرباكاتٍ كثيرةٍ قبل وبعد الانتخابات، بخاصّة في المحافظات ذات التنوع القومي والديني والطائفي، مثل كركوك ونينوى، بدليل أنّ مجلس النواب فيما بعد احتاج لاسبوعٍ كاملٍ من الجلسات فقط للتصويت على تقسيم الدوائر الانتخابية في نينوى وكركوك، قبل أن يتمّ التصويت النهائي على المادة (15) المعلّقة من القانون الجديد للانتخابات، وشرّع مجلس النواب العراقي القانون الجديد للانتخابات برقم (9) في (29 / تشرين الأول/ أكتوبر 2020).
فيما يتعلّق بترسيم الدوائر الانتخابية، كان من المفترض على القانون الانتخابي الجديد أن يحدّد بوضوح الجهة المخولة بإقرار الترسيم الجغرافي النهائي لتلك الدوائر، وكذلك الجهة المخوّلة باستلام الشكاوى حول ترسيم الدوائر، في حال اكتشاف وجود غبن لأيّ طرفٍ، سواءٌ أكان سياسياً أم غير سياسيٍّ، ولا بدّ من أن ينتهي بجهةٍ تنتهي وتحسم أيّ طعنٍ، وغالباً ما يكون القضاء هو الفيصل.
كما انه من الضروري مسبقاً معرفة وإيضاح كلّ المعلومات وقاعدة البيانات من جهةٍ موثوقة، كإحصاء سكّاني، لمعرفة الحدود الإدارية وتعداد السكان لكلّ دائرةٍ انتخابيةٍ، وكذلك اعتماد قاعدة بياناتٍ رصينةٍ لإعداد سجل ناخبين موثوق فيه. وألّا تقتصر عملية ترسيم الدوائر الانتخابية على شركاء العملية السياسية فقط، وإنّما يجب إشراك أصحاب الاختصاص والمراكز البحثية والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية في هذه العملية .
القانون الانتخابي الجديد في العراق، وبغضّ النظر عن سلبياته وإيجابياته، هو من حيث الشكل والمضمون أفضل بكثير من قانون (سانت ليغو)، الذي أُجريت بموجبه الانتخابات النيابية والمحلية السابقة، ولكن مع هذا، فالنظام الانتخابي لا يمثّل كلّ شيءٍ في الأنظمة الديمقراطية، وإنّما ضرورة الوعي الثقافي السياسي لدى عموم الشعب والمشاركة الانتخابية بكثافة، مع الحرص في الانتخاب على تقديم المصالح الوطنية والكفاءات والنزاهة، والبرامج الانتخابية العقلانية المقبولة من المرشح، والتعاهد بمحاسبته بالطرق القانونية والمعنوية في حالة إخفاقه، أو تهربه في أداء واجباته الوطنية والأخلاقية أمام الشعب إذا ما فاز المرشح في دائرته الانتخابية . .....لقراءة اللمزيد