تلعفر ما بعد داعش

تاريخ النشر:
2021 أيلول 26



جعفر التلعفري
على الرغم من مرور أربع سنوات على اعلان قضاء تلعفر غرب الموصل، مدينة محررة من سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، الا أنها ما تزال تعاني من مشاكل تحول دون عودتها إلى سابق عهدها.
تلعفر، والتي تقع على بُعد 60 كم شمال غرب مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، على المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا، تعدّ أكبر قضاء من حيث السكان في العراق، حيث يقطنها زهاء نصف مليون نسمة بحسب تقديرات وزارة التخطيط. وتشكل 12% من مساحة محافظة نينوى، و14% من مجموع سكانها.
ويضم القضاء ثلاث نواحي إدارية: ربيعة (ذات اغلبية عربية)، زمار (ذات اغلبية كردية)، والعياضية (ذات اغلبية تركمانية)، إضافة إلى مركز القضاء حيث يقطنه التركمان المسلمين، السنة والشيعة.
ما زال عشرات الالاف من مواطني تلعفر نازحون في مدن ومحافظات أخرى، وفي تركيا، يعرقل عودتهم دمار منازلهم وعدم وجود تعويضات حكومية منصفة، إلى جانب عدم وجود فرص عمل توفر حياة كريمة لأبنائها، بينما البعض منهم عليهم مؤشرات أمنية لارتباطهم بالتنظيم المتطرف أبان سيطرته على المدينة لذا لا يمكنهم العودة دون اقرار ميثاق شرف عشائري يعالج ذلك الأمر.
وسقطت تلعفر في 26 حزيران 2014، بعد أيام من سقوط الموصل، ورغم أن أهلها سعوا للحفاظ على مدينتهم وأبدوا مقاومة ضد عناصر داعش الا أن نفاد الأسلحة والذخيرة، وعدم تحريك الحكومة المركزية ساكناً حال دون استمرارهم، فاضطروا إلى تركها والتوجه نحو سنجار(50 كم غرباً، ذات اغلبية ايزيدية) ومنها إلى محافظات أخرى.
وعاشت المدينة خلال السنوات 2005-2010 أوضاعاً أمنية معقدة، حيث كانت مسرحاً لعمليات ارهابية واغتيالات خلفت الاف الضحايا والمصابين، حملت في مجملها طابعاً مذهبياً، وقيدت حركة سكانها حتى من ارتياد المستشفيات والدوائر الحكومية في مركز المحافظة.
المشاريع الحكومية -اليوم- تكاد تكون معدومة منذ التحرير وحتى الساعة، فيما بادرت المنظمات الدولية العاملة في المدينة إلى الأخذ بزمام الأمور، فعملت في توفير مياه الاسالة وتنظيف الطرقات وتبليطها، واعادة اعمار المؤسسات الرسمية والمدارس، وتجهيزها، واعادة منظومة الكهرباء والماء بشكل محدود، وتأهيل دور بعض السكان التي تضررت نتيجة الأعمال العسكرية والارهابية، كما تعمل تلك المنظمات في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفى الوحيد في المنطقة والمراكز الصحية، بل وتوفر بعضها الدعم النفسي والاجتماعي لمن يعانون من أزمات نفسية ويحتاجون برامج تأهيل.
وتضررت المشاريع الزراعية في تلعفر، بشكل كبير، جراء الأحداث، وبعد أن كانت تعد سلة خبز العراق، غادر أغلب فلاحوها حقولهم، جراء الدمار الذي أصابها وشحة الأمطار في المواسم الأخيرة، فمناخها البارد ممطر شتاءً والحار صيفاً والمعتدل ربيعاً وخريفاً، وطبيعة أرضها المنبسطة وخصوبة تربيتها، ساعد ذلك كله على انتشار حقول واسعة لمختلف أنواع المحاصيل، من الحنطة والشعير والتين والزيتون والرمان، اعتماداً على ما تجود به السماء من أمطار إلى جانب عين مائها (صوباشي) التي تستعمل إلى جانب ارواء المزروعات لمعالجة بعض الأمراض.
مجال التعليم هو الآخر ما زال يعاني من قلة التخصيصات قياساً إلى حجم الدمار الذي أصابه، ولم تفتح بعض المدارس أبوابها حتى اليوم لحجم الدمار الكبير الذي أصابها أو لافتقارها إلى المستلزمات الضرورية أو الكادر التعليمي. أما جامعة تلعفر التي استحدثت عام 2010، فقد تعرضت بناياتها للدمار كلياً، فعاودت الدوام في بنايات صغيرة تابعة لتربية تلعفر، وهي تضم كليتي التربية الأساسية (وتضم قسمي اللغة العربية والرياضيات)، والتمريض.
الأمر لا يختلف كثيراً مع قطاع الصحة، فمستشفى تلعفر العام، الذي يستقبل مواطنو غرب نينوى عامة، يفتقر إلى أبسط الأجهزة والعلاجات، لا سيما في ظل تفشي جائحة كورونا السنتين الاخيرتين، وما تزال الكثير من وحداتها معطلة.
أما واقع مياه الاسالة، فالأحياء السكنية يصلها الماء بمعدل ثماني ساعات في كل ثمانية أيام، بينما لا شبكة مياه للصرف الصحي في المدينة. كما لا اشارات مرورية في تقاطعاتها وطرقاتها.
القلعة الأثرية، التي يعود تاريخ بنائها إلى العهد الأشوري، ما تزال حتى اليوم أنقاضاً متراكمة، بعد أن فجّرها تنظيم داعش في 2014، فيما كانت القلعة تعرضت إلى تدمير مماثل مرتين أولى في 1841 على يد والي بغداد إثر ثورة قام بها أهالي المدينة ضده، بعد امتناعهم عن الانخراط في الجندية العثمانية المعروفة بـ(سفر بلك)، والثانية في 1920 حيث هدم الانكليز أسوارها ونقضوا أبوابها. ويجمع الاعافرة على أن مجد الأجداد قد أنصهر جميعه في القلعة التي نقلت إلى الأجيال دروساً لا يمكن أن تُنسى، تعلمهم العز والحكمة ومنطق القوة.
ولم يقتصر الدمار الذي أحدثه داعش على القلعة التاريخية فحسب، بل امتد إلى عشرات المواقع الأخرى، بينها مزارات وبنايات وتلول، كانت تعدّ إرثاً تاريخياً مهماً.
إلى جانب الدمار المادي، تركت قضية خطف وسبي داعش لنحو 1200 مواطن تركماني من تلعفر، أثاراً اجتماعية ونفسية كبيرة على سكانها، المعروفين بطابعهم العشائري المحافظ، لا سيما أن بينهم نحو 460 فتاة وامرأة و120 طفلاً، ولم يلقى هذا الملف الاهتمام الذي لقيه ما تعرض له الايزيديون من قِبل الحكومة العراقية والمنظمات الدولية وسواها. وما زال مصير تلك العوائل الـ416 مجهولاً، فلم تُكتب النجاة سوى لـ47 فرداً هم 24 فتاة، و23 طفل بأعمار مختلفة.
اجتماعياً، اتعظ السكان من المآسي التي حلّت بهم فبعد تجاذبات وصراعات، عاد التقارب إلى سابق عهده، وشهدت المدينة عودة التزاوج والتصاهر بين مكوناتها، وعودة مشاركة المناسبات والزيارات المتبادلة، بعد أن كانت المدينة محكمة بنظام (الباجات) الذي يقيّد حركة السكان لخلفيات طائفية، للفترة من 2005-2014.
كما ساهم اختلاط مواطني تلعفر بأبناء المجتمعات التي ضيفتهم في اقليم كردستان وكركوك ومحافظات الوسط والجنوب، في تعزيز دور المرأة، ومشاركتها في صنع القرارات، وبعد أن كان المرء لا يجد نساءً يتعدى عددهن أصابع اليد الواحدة في الدوائر والمنظمات المدنية وادارة المحال التجارية، بات الأمر مختلفاً اليوم كلياً.
كما أن الشباب -من كلا الجنسين- بعد عودتهم إلى مدينتهم شعروا بالمسؤولية، وبادروا بإنشاء فرق تطوعية ومنظمات مدنية تأخذ على عاتقها مبادرات خدمية وإنسانية، حيث نجد اليوم زهاء 25 فريقاً شبابياً بتوجهات مختلفة في تلعفر. ..... لقراءة المزيد