(Shiite Sharia, elections between the address of Tashrini and the aspects of protection)

Date of publication:
2021 October 18



د. عدنان صبيح 
باحث في انثروبولوجيا الخطاب  
     تُعَدُّ انتخابات 2021 أو ما تُسَمَّى بالانتخابات المبكِّرة في العراق مختلفة عن أيِّ عمليَّةٍ انتخابية أجراها العراقيُّون منذ 2003، ليس من ناحية تبكيرها عن موعدِها الرسمي أو إجرائها بضغطٍ جماهيري، بل من ناحية وجود تشكيلات جديدة لا تنتمي إلى المرحلة التي قبلها، فضلاً عن انقسام القوى التقليدية وتغيير جلد عددٍ منها، ولا يقف الاختلاف عند هذا الحد ، بل إنَّ القوى الكبرى والمنظمات الأممية تنظر إلى تلك الانتخابات بعين توجيهية وتحليلية، تلك العين تريد أن تكون موجودة  سواءً بالإشراف أم المراقبة، ممَّا أثار ذلك الموضوع حفيظة القوى التقليدية واعتبرته تدخلاً في الشؤون الداخلية، وهذا الخطاب الظاهر أمَّا داخلياً فهي تخشى أن يكون  للإشراف الأممي يداً في تحويل كفة الانتخابات إلى جهات ناشئة بعد احتجاجات 2019-2020، فضلاً عن الخشية من دعم أطراف معينة على حساب أخرى.
     انتجتِ المرحلة الأخيرة العديد من التشكيلات تعود أغلبها أو حسب ما تُشير إلى قوى الاحتجاج التشريني، استناداً إلى خيار تكوين احزاب ، الذي طالبت به المرجعية الدينة وقوى سياسية وثقافية، إذ أشارت المرجعية في خطبة أيام الاحتجاجات (يأتي الدور للنخب الفكرية والكفاءات الوطنية الراغبة في العمل السياسي؛ لتنظم صفوفها وتعد برامجها للنهوض بالبلد وحلّ مشاكله)( ) فتشكلت قوى من ساحات الاحتجاج في المحافظات الشيعية في العراق. 
        وبذلك فإنَّ الغالبية العظمى لتلك التشكيلات هو من الأفراد الشيعة، ولم نعرف إذا كان سيكون لهم وجود في المحافظات السنية، خصوصاً وأنَّ أغلب تحضيراتهم واجتماعاتهم، توزعت ما بين بغداد والسماوة، والناصرية، والحلة ( ). 
تلك الصبغة الشيعية لم يعترف بها أصحابها جماعةً أو تشكيلاً شيعياً، ويعود ذلك إلى عدد من الالتزامات التي فرضت ذلك ، أهمها الطرح التشريني الذي لم يتعاطَ مع شعارات مذهبية (خطابياً على أقل تقدير) على الرغم من أنَّ وجودها الجغرافي يوضح انتمائها المذهبي،  وعلى الرغم من ذلك هم فضلوا شعارات وأسماء لا تفارق الاحتجاج ومن ثم التذكير بالمرحلة السابقة وإخفاقاتها، فضلاً عن التلميح باللوم على الطبقة السياسية التي حكمت البلاد 2003-2020، إلَّا أنَّ ذلك لا يمنع من وجودهم داخل الجسد الشيعي على المستوى الجغرافي وعلى مستوى التمثيل الشعبي.
    تناغمَ مع ذلك الخطاب عدداً من الأحزاب الشيعية التقليدية والتي غادرت منطق المحافظين الشيعة منذ الحرب على داعش 2014، وانتقلت إلى خانة نطلق عليها خانة المتغيرين وهي تشمل الأحزاب الشيعية التي انتمت إلى المحافظين وغادرت المنهج محاولة التجديد في السياقات التقليدية ( ).
بينما حافظت القوى المحافظة على سياقها الترويجي وأسماء قوائمها، في تحد واضح لمحاولات التغيير، ويتمثل خطابهم بالإصرار على العناصر الخطابية السابقة والإبقاء على أسماء القوائم؛ لأنَّهم يرون في مغادرتها تنصلاً عن المرحلة السابقة، والتنصل ليس من صالحهم؛ لأنَّه مرتبط بشعارات الجهات التشرينية والمتغيرين الذين أعلنوا البراءة عن المرحلة السابقة وإخفاقاتها. 
    وبذلك فإنَّ هناك صراعين في الانتخابات القادمة ويمكن أن يكون واضحاً عن طريق العناصر الخطابية المتمثلة بالترويج والتسمية والايقونات الانتخابية، والصراع الأول هو بين القوى الناشئة التي تريد أن تكون لها قدماً حقيقيةً في العملية السياسية، ووجودها في المناطق الشيعية يجعلها تأخذ من أصوات القوى التقليدية، ممَّا يدخلها في صراع معها، إلا أنّ ذلك الصراع، لم يكن انتخابياً، وإنَّما عزَّزته الجرأة التي امتلكها جيل محتجي 2019 والتي لم تكن بهذا المستوى في الأجيال التي سبقتها، ممَّا يهدِّد مكانتها أمام جمهورها،  بل إنَّ أسلوب الطرح والتهجم لم يسبق أن تعرَّضت له الأحزاب الشيعية في العراق منذ وجودهم في السلطة 2003، والأمر متعلِّق بالسياق الاجتماعي الذي يتعاطى مع العمامة الدينية والحزب ذي الارتباط المرجعي بشيء من الاحترام، إلا أن السياق الاحتجاجي خالف ذلك.
     أمَّا الصراع الحقيقي على الاستحقاق الانتخابي في البيت الشيعي فهو بين القوى التقليدية بشقيها المحافظين والمتغيرين، ويكمن التنازع على السيطرة لتقارب الحظوظ بين طرفي ذلك الصراع.
التقارب في الحظوظ عزَّزته تشرين بعد أن كانت المرحلة السابقة (انتخابات 2018) تمثل علو كعب المحافظين على المتغيرين لقرب الفترة الزمنية بين الانتخابات والانتصار على داعش، فضلاً عن الدعم الشعبي الذي ناله المحافظون من تلك الحرب، على حين عملت تشرين على قضم عدد من الفرص للمحافظين زاد من محاولات متكررة للمتغيرين للانسجام خطابياً مع التشرينيين ( ).
       كان ذلك هو السياق السياسي في العراق في الفترة التي ترافق إعلان القوائم للترشيح للانتخابات، إذ برزت عدد من القوائم الانتخابية مكمِّلة للدور الذي يقوم به المتغيرون بل إنَّ أغلبَها كانت جزاً من الأحزاب وتيارات المتغيرين، ذات الميل نحو التشكيلات التشرينية وأسلوبها التغييري، فربما من ناحية تحليلية يكون انشقاقها هو إيجاد وسيلة ارتباط مع المحتجين، بطريقة تمنع حرج الانضمام من قبل الطرفين، وتقلل من صيغ الخلاف والافتراق.
كان الجسد الشيعي هو الثيمة الأبرز في حراك التغيرات المرافقة لانتخابات 2021، وذلك لوجود تشكيلات تشارك لأول مرة في الانتخابات، فضلاً عن مخالفة قواعد على أساسها يملك الجمهور الشيعي خيارات غير الأحزاب التقليدية الدينية، المحافظين منها والمتغيرين، أو التيار الصدري.  
يعد ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، وتيار الحكمة بزعامة عمَّار الحكيم أبرز الوجوه المنقلبة على المحافظين، بل يمكن متابعة خطاباتهما بطريقة متوازية ومتشابهة، تكون مخالفة لمنطق المحافظين من جهة، ومحايدة للتشرينيين من جهة، مع عدم تجاوز السياقات التي لا تستطيع مغادرة الأصول الدينية، (على الأغلب هم يريدون التحول بالتدريج).
مثلَّتْ تلك النقطة وهي عدم مغادرة بعض السياقات التي تجعل هناك خيط ارتباط وتشابه مع المحافظين، ووجود تشرين وخطابها الذي يعارض المرحلة السابقة بكل تجلياتها؛ مثلَّتْ تحدياً يتطلب إيجاد مخرج من قبل المتغيرين، فكان المخرج هو انشقاق أفراد من داخله لتكوين أحزاب جديدة تتخلى تماماً عن السياقات السابقة، وتنتج خطاباً بسياق حديث يتماشى مع الرؤية الاحتجاجية، وبذلك هو اندمج مع الخطاب التشريني وفي ذات الوقت لم يقطع الخيط المحافظ، وأبرز تلك الأمثلة هو حركة وعي التي يتزعمها صلاح العرباوي ( شاب أصوله من مدينة الديوانية كان ينتمي إلى منضمة بدر ثم المجلس الأعلى وخرج مع عمَّار الحكيم في تيار الحكمة ليكون مدير مكتبه الخاص، وأحد الصقور الإعلامية الجريئة الذي غذَّى بخطابه الانشقاق بين محافظي المجلس الأعلى بكبار أسمائهم وبين عمَّار الحكيم) أعلن انشقاقه عن الحكمة وتأسيس حركة وعي في أيلول 2019، التي تحتوي  على عدد من الإعلاميِّين والصحفيين والشباب ينتمي خطابها لتشرين، ويتوافق خطابها في الغالب مع التيارات التشرينية، لم يحدث أن تكلَّم بعد انشقاقه على تياره السابق، أو ذكره أحدهم بسوء سوى تصريحات بسيطة تبيِّن أنَّه اخطأ بترك الحكمة بعد سؤال من المحاور التلفزيوني( ) .
يحاول رئيس الحركة التأكيد على ارتباطه بتشرين متجاوزاً الإيقاع في تساؤل انتمائه السابق وعدم وجوده في تشرين بالإشارة إلى أنَّ الحركة تتبنى خطاب الاحتجاج، وأنَّها تضم أشخاصاً بارزين في دعم حراك تشرين.
يتبنى مؤسس الحركة شعاراً قديماً نحته لنفسه حينما كان في المجلس الأعلى قبل انشقاق تيار الحكمة وهو (الإزاحة الجيلية) وبالتدريج أصبح منسجماً مع طريقة تيار الحكمة في تبنيها لقيادات شابة بدل المحاربين القدامى، إلا أنَّه حمل معه الشعار لحركته الجديدة، مؤكداً بأنَّه ينسجم مع هذه المرحلة والمرحلة القادمة.
    لا هوية لاسم (وعي) سوى أنَّه انتمى لتيار سابق يدَّعي أيضا بأنَّه يملك الوعي لقيادة المرحلة، وهو غير منسجم مع الشعار الذي يكرره مسؤوله (الإزاحة الجيلية)، فالإزاحة الجيلية ربما تكون موائمة للتشكيل الشبابي، إلَّا أنَّه لا يوجد تلازم بين المرحلة العمرية وتشكل الوعي.
يتوافق في العادة خطاب (وعي) مع التشكيلات التي تأسَّست بعد الاحتجاجات، من ناحية مخالفة الأحزاب التقليدية وتوجهها للحكم، إلَّا أنَّه لا يسير معهم في اتجاه واحد، فقرار مقاطعة الانتخابات، والتوجُّه نحو إعادة الاحتجاج، فإنَّها تنتج خطاباً سياسياً أكثر من كونه خطاباً احتجاجياً، إذ إنَّه في الوقت الذي خرج فيه المحتجُّون لمطالب تتعلق بكشف قتلة المحتجين تطالب الحركة بعد تأييدها الاحتجاج من دون أن تدعوا تشكيلاتها للمشاركة، إلى تغيير نظام الحكم إلى نظام أكثر ملائمة للديمقراطية العراقية ( ).
ولم تكن حركة (وعي) الوحيدة التي مثَّلت الارتباط بين التشكيلات القديمة والجديدة، فتشكيل (اقتدار) الذي كوَّنه وزير الشباب السابق والقيادي السابق في تيار الحكمة عبد الحسين عبطان، هو أيضاً يمثِّل الارتباط بين القديم والجديد، على الرغم من أنَّ الإشارات كانت أقل من ناحية وجود ارتباط تكتيكي بينه وبين انتمائه القديم، إذ لم يستطعِ التخلي عن المرحلة السابقة؛ لأنَّه لا يملك غيرها، فتسمية اقتدار تعني بأنَّه يعتمد على الذخيرة التي يملكها بما أُنْجِزَ أيَّام تسنمه وزارة الشباب والرياضة (2014-2018)، والتذكير بتلك المرحلة لا يعني الرجوع إلى السابق فهو يشير إلى ذاته فقط، وليس إلى مرحلة بأكملها، ويمكن أن تكون اقتدار تمثِّل اقتداراً بالتجربة في وقت فشل الجميع، فهي تخلٍ مشروطٍ، وبذلك تتوسَّط الحركة في خطابها بين النفي للإنجاز السابق، والتذكير بأنَّ هناك هامشاً من القدرة مثلتها مرحلة وزارة الشباب.
ولا يترك بيان تأسيس (كتلة اقتدار) (6-1-2021) أشياء مفاجئة غير التي ممكن أن نوازنها بما سبق، فثيمات البيان يختزلها موضوعان أولها التركيز على الشباب، وهو ما توارد مع الحركات الناشئة والقديمة بالخصوص تيَّاره القديم الذي دائماً ما كان يركِّز على هذا الموضوع، ومنهج الوسطية والاعتدال، المتوافق تماماً مع منهج تيار الحكمة ووعي ( ). 
ولا يختلف منهج رئيس تجمُّع اقتدار عن زعيمه السابق عمَّار الحكيم في المفاهيم الخطابية، وأسلوب جذب الجماهير، فيؤكد في موقعه الرسمي بصورة مستمرة عن التعاقدات الأخلاقية بين الجمهور والأحزاب، متوارداً بين مشروع تيار الحكمة في العقد الاجتماعي، فضلاً عن زياراته المستمرة برفقة مرشحيه إلى مضايف شيوخ العشائر ومحاولة التقرُّب إليهم، فهو أسلوب دأب على ممارسته السيد عمَّار الحكيم في أي تحضير لمشروع انتخابي.
وبذلك فإنَّ عبد الحسين عبطان لم يستطع تجاوز المرحلة السابقة، ولم ينتج خطاباً خاصاً به، سوى الاعتماد على الصورة الذهنية التي كوَّنها بعضهم بنجاحه في وزارة الشباب والرياضة، وبذلك فإنَّ تجمعه تجربة ذاتية، لا تستطيع التخلص من المرحلة السابقة حتى وإن استحدثت اسماً جديداً؛ لأنَّه ارتبط في تلك المرحلة بصورة مبكرة حينما كان نائباً في البرلمان (2010-2014) ونائباً لمحافظ النجف في (2005-2009). 
يُعَدُّ تيار الحكمة وزعيمه عمَّار الحكيم أكثر التيارات السياسية الشيعية حركة، وتفاعلاً مع التغيرات التي تحدث، فبعد حصول افتراق بين المحافظين الشيعة والمتغيرين، كان أول من أعلن الخروج هو رئيس تيار الحكمة، وأنشأ تياراً مدنياً من الشباب يوائم المرحلة المقبلة التي يسعى أن يكون منها، وأخذ يقابل شرائح مختلفة ومنظمات مجتمع مدني، لم تكن في متبنيات المحافظين، ويعرض مفاهيم تنتمي إلى سياق مخالف لسياق الطائفة والانتماء للجماعة ( ).
وبذلك كان خروج (عبطان والعرباوي) نتيجةً طبيعيةً لتوجهات الجهة القادرة على الحركة والتفاعل مع القادم، سواءً آمنا بحديث امتدادهم معها أم الانقطاع.
قوى الدولة
وفق ذلك التقسيم وإبرازه فإنَّ (تيار الحكمة وائتلاف النصر)، ينتميان إلى اتجاهٍ واحد (المتغيرون) وبذلك فإنَّ إعلان تحالفهما معاً لانتخابات 2021، هو للتأكيد على الافتراق الشيعي، والاختلاف الكبير مع المحافظين ولكون هذينِ التيارين أبرز أحزاب السلطة التي تنتمي إلى مرحلة 2003، وحاولت أن تتبرأ منها تماشياً مع احتجاجات تشرين، يقابله المحافظون الذي دافعوا عنها بشراسة. 
مارس الطرفان (الحكمة، النصر) مجتمعين و لكن بصورة متفاوتة عملية (التجديد السياقي Reconextualization) وتقوم تلك العملية بين ممارسات اجتماعية مختلفة، وهو كيفية استحواذ سياق جديد على عناصر تنتمي إلى ممارسة اجتماعية أخرى وكيفية دمجها فيه ( ).
فاتجه الحكمة والنصر إلى عملية تجديد السياق، مبتعدين عن السياق التقليدي للأحزاب الشيعية، وهو الارتباط بالتاريخ، والمرجعيات الدينية، واستعمال مفاهيم السياق الشيعي، فكان ذلك بوابة للتغير، فأطلقنا عليهم المتغيرين، في قِبال المحافظين، وهم المتمسكون بالسياق القديم.
يعرف كلا الطرفين سواءً أكان المتغيرون أم المحافظون بأنَّ المنافسة الانتخابية الحقيقية داخل الجسد الشيعي، ولم تكن أحزاب تشرين تمثِّل منافساً كبيراً لتلك الأحزاب بسبب المدَّة الزمنية القريبة لتشكيلها، وتشتتها بقوائم وتشكيلات مختلفة في الخطاب والتوجه، فبعضها يتجه نحو الأسلوب الليبرالي مثل (البيت الوطني)، على حين يبقى الآخر مراوحاً بين الأسلوب الوطني وانتمائه الديني كحركة (امتداد) ورئيسها علاء الركابي الذي يحرجه انتمائه لقائمة حزب الفضيلة في انتخابات سابقة، ودلالات ذلك قلة ظهوره الإعلامي، وابتعاده عن الصراع الخطابي مع المحافظين.
فضلاً عن الأهداف المتنوعة التي انطلقت منها تلك التشكيلات فهي لم تتفق بعد على الخطوات الأولى لتحقيق أهدافها، وهل ستكون بإكمال الاحتجاجات أو عن طريق المشاركة بالانتخابات؟ إلا أنَّ شباب تشرين يستطيعون اـن يُميلوا كفَّة أحد الأطراف على الأخرى .
ولذلك كان التحالف الجديد (قوى الدولة) يسعى إلى أن يقول بقربه من تشرين عن طريق الإعلان الواضح بفرز نفسه عن المحافظين وإعلان تشكيل (قوى الدولة الوطنية)، وكان إعلان البيان التأسيس يؤكد على ذلك التقابل بإشارته (سنعمل للدولة قِبال اللادولة) ( ). 
هناك عدد من المعطيات تشير إلى قوة ذلك التحالف وحظوظه القوية مقارنة بما حصلوا عليه متفرقين في الانتخابات الماضية، ويعد ذلك إنجازاً إذا ما أُخِذَ في الحسبان بأنَّ أغلب التيارات الموجودة في السلطة ستخسر عدداً من مقاعدها نتيجة للإحباط الذي مُنِيَ به الشارع العراقي، وروح التمرُّد التي انتجتها احتجاجات 2019 على الأحزاب في السلطة،  إلَّا أنَّ ضعف التشكيلات التشيرينية للأسباب التي ذُكِرَت، يقابله البديل الشيعي الذي لم يكتفِ بتغير منهجه في إدارة البلد، بل اتخذ عنواناً مستفزاً لمشاعر الجماهير، ومستفزاً للآخرين، كأنَّما يقول للجمهور يجب أن تقارنوا بين الطرفين، بل ويحدِّد وجه المقارنة بين قوى الدولة وقوى اللادولة، ويبعدهم عن مقارنات أخرى ربما تكون في صالح المحافظين مثل المشاركة في الحرب على داعش وبذل الدماء في سبيل التحرير من الجماعات الإرهابية. 
قوى المحافظين 
يقابل المتغيرون في الجسد الشيعي المحافظين الذين مثَّلوا الكفَّة الأعلى في انتخابات 2018 فضلاً عن الوجود السياسي والسيطرة على أركان الدولة والتي لا ترتبط كثيراً بالوجود الانتخابي، وأبرز المحافظين وأكثرهم سعياً للحصول على منصب رئيس الحكومة في المرحلة المقبلة، هو رئيس الوزراء الأسبق وأمين عام حزب الدعوة (نوري المالكي) رئيس وزراء العراق(2006-2014)، وزعيم ائتلاف دولة القانون، إذ شارك في انتخابات (2010-2014-2018)، وكان ذلك التكتل يحتلُّ مكانةً متقدمةً في الوسط الشيعي الانتخابي، وإن تناقصت حظوظه في كل دورة انتخابية إلَّا أنَّه ما زال يمثِّل رقماً قوياً في التنافس على السلطة، واطمئنانه لتلك الحظوظ أبعده عن المشاركة مع التشكيلات القريبة، إلَّا أنَّ التحالف دائماً يتكوَّن بعد الانتخابات.  
    يُعَدُّ حزب الدعوة بوجهه الانتخابي (دولة القانون) من أبرز زعماء المحافظين الشيعة، وقربه من الفصائل المقاومة ودعمهما لبعض جعل منه مرشحهم بصورة متكررة لرئاسة الوزراء، وهم الركن الذي يتكئ عليه للوصول إلى السلطة. وانضمَّ إلى تحالف البناء ذي الوجوه المحافظة بعد انتخابات 2018، وانشق عن حزب الدعوة العضو البارز فيه (حيدر العبادي) ورئيس الوزراء (2014-2018) في انفصال حقيقي بين التوجه المحافظ وبين التوجه المتغير، على الرغم من أنَّ حزب الدعوة من الأحزاب السياسية التي تعيش تنقلاً في الأساليب والأدوات التي تربطها بالجمهور، ابتداءً من مرحلة المعارضة والوجود بعد 2003 واستلام الحكم، إذ شهدت تغيرات عديدة من ناحية استهداف الجمهور والرمزيات المختلفة، فضلاً عن الخطاب، إلَّا أنَّ هناك ارتباطين أوقعتها في شباك البقاء المحافظ أولها القرب من التيارات المحافظة داخل كتلة الفتح، والتي تتعامل مع شخص أمين عام حزب الدعوة كأحد الزعماء المهمين، لا يتوانون زمناً لاختياره رئيساً للوزراء إذا ما سنحت الفرصة، والسبب الآخر هو أنَّ سنوات تلك المرحلة التي أصبحت عنصر افتراق واقتراب (بين المتخلي والمدافع عنها) كانت باسم حزب الدعوة كأعلى سلطة في البلد(2006-2019)، فمن غير المعقول أن يكون الحزب متخلياً عنها، ولو فعلها لأصبح علامة جيدة للسهام التي تعمل على إزاحته من القريب والبعيد، وبذلك توجب عليه أن يعلن وجوده داخل التيار المحافظ ويفتخر بالمرحلة السابقة ويوعد جمهوره بإعادتها، وكان ذلك بإعلان أنَّ اسم دولة القانون باقٍ كتيار سياسي وانتخابي يصلح بنظرهم للدخول إلى المرحلة المقبلة، ولم يدخل مع المقربين منه ككتلة الفتح في تحالف واحد؛ لأنَّ التحالفين يملكون (كارزما) سياسية وأسماء للتعامل مع الجمهور لم يستطع أحدهم التخلي عنها، إلَّا أنَّ المشروعين قريبان ويمثلان كتلة واحدة بعد الانتخابات لا تفترق كثيراً عن انتخابات 2018 إلَّا من ناحية حصد الأصوات، فقد تعلو وقد تنخفض اعتماداً على عدد من المعطيات سنأتي إليها في سياق هذا العمل.
وقبل أن ننتقل إلى تيار آخر من المحافظين هناك مَن كان أقرب إلى دولة القانون وزعيمه، وربما هو من البدائل التي أسَّس لها نوري المالكي، شخصية جنوبية أقلَّهم صخباً وريبة، بقيت تعمل على المحافظة على اسمها ربما من أجل أن يصبح رئيساً للوزراء يوماً ما، وهو (محمَّد شياع السودانيّ)، المنتمي إلى حزب الدعوة تنظيم العراق، ترأس عدداً من الوزارات أولها في حكومة المالكي الثانية(2010-2014) كوزير للمصالحة الوطنية، وثانيها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، 2014-2018، واستلم إدارة وزارة الصناعة والمعادن بعد احتجاجات 2015، إذ كان بديلاً لوزير منسحب ينتمي إلى التيار الصدري. 
لم يسجل عليه لا على المستوى الشعبي أو السياسي ملفات فساد، انتشر اسمه على نزاهته وإدارته للملفات التي مسكها، عُرِضَ اسمه أكثر من مرة كرئيس للوزراء، إلَّا أنَّه لم ينلها ربما بسبب الجهة التي عرضته، وكانتِ الفرصة مواتية للدخول في الانتخابات بتشكيل منفرد، ولعل ذلك مفيداً له من نواحٍ عديدة أولها عدم وجود حزبه في الانتخابات (الدعوة تنظيم العراق/ عبد الكريم العنزي) وثانيها استثمار فرصة الحراك ليكون حلقة رابطة بين المحافظين والشباب المحتج، ولذلك كانت قائمته لا تنتمي إلى المرحلة السابقة، باسم يثير التساؤل والغرابة، باسم (الفراتين).
تكمن الغرابة في الاسم؛ لأنَّه لا ينتمي إلى المرحلة السابقة ولا إلى المرحلة القادمة، فهو لا يشبه المتبرئين، ولا يحسب على المدافعين، اسم (الفراتين) لا يحمل وعوداً بالتغيير، سوى أنَّه يعتزُّ بالعراق ومياهه المتمثلة بنهري دجلة والفرات، ربما إبهام الاسم يعود إلى الحرج الذي يقع فيه من ينتمي إلى المحافظين ويحاول أن يتوارد مع منهج المحتجين، فيتخذ خطاباً لا دفاع فيه، ولا دعوة لإنقاذ، وبذلك فهو أبقى الباب على حاله وربما سيكون مفتوحاً بعد الانتخابات للدخول في كتلة دولة القانون.
(الفتح)
أمَّا كتلة الفتح فهي الجهة الأهم بين المحافظين وأكثرها وضوحاً خطابياً، تحارب على جبهات متعددة، ولم تغير خطابها، ربما أي خطاب آخر هو يختلف مع أدواتها ووسائلها وعلاقاتها وجمهورها، وبذلك فإنَّ المحافظة على الخطاب القديم هو الأنسب، تبنت أسوب الدفاع عن المرحلة الماضية، حتى وإن كان جزءاً منها ولا يمتلك وجوداً فيها منذ البدايات، نحو عصائب أهل الحق وغيرها من التشكيلات، لكنَّها تعبِّر عن نموذج خطابي واحد، يوائم القدرة على مواجهة الاتجاه الآخر.
 و بما أنَّ هناك مَن يسعى لتكوين عناصر مائزة، وتكوين تشكيل باسم يبرِّز ذلك الانقسام والتلميح  إلى أنَّه الطرف الذي يسعى إلى تأسيس دولة بإشارة إلى تحالف (قوى الدولة الوطنية)، فإنَّ تحالف الفتح يؤكد على ذلك الفراق بالدفاع عن المرحلة السابقة؛ لأنَّ المتغيرين تخلُّوا عنها.
 وما بقاء اسم الفتح إلَّا دلالة على الإصرار في تعزيز المرحلة الماضية وعدم فرزها على أنَّها نكبة يرافق ذلك بقاء الكتلة المنضوية داخل هذا التحالف من دون انشطارات وكأنَّما المبدأ يتعزز بوجود أخطار خارجية، أو أنَّ ما حصل من تغيرات أُرِيد لها أن تكون ضدنا لنبقى سوية ونثبت العكس. 
لا يخفى بأنَّ هناك نقاشات جانبية حدثت داخل تحالف الفتح في رغبة بعض اطرافه الدخول بقائمة منفردة خشية تراجع حظوظ التحالف الذي أحرز 47 مقعداً في انتخابات 2018( )، إلَّا أنَّ الإعلان الرسمي في (1-أيار-2021) كان بإعلان تسجيله قائمة واحدة تضم كتل (بدر -صادقون-سند-نصحح)،  وعلى الرغم من إيحاء اسم الكتلة التي أعلنها المجلس الأعلى الإسلامي بـ (نصحح) إلَّا أنَّ الوضع الداخلي للمجلس والانشقاقات التي حدثت كانت مقصودة بالتصحيح داخلياً أكثر منه خارجياً؛ ليكون جميع المشكلين فيها معتقدون بأنَّ دعوات التصحيح التي أطلقت بعد الاحتجاجات تحمل في جزء منها مآرب مختلفة أبرزها مواجهة وجودهم في السلطة. 
    تيارات تشرين
      هنالك العديد من التيارات التي أعلنت تشكيل تحالفات انتخابية، متخذة من تشرين عنواناً لها (استناداً إلى احتجاجات تشرين 2019)، ومعتمدة على مناصري الاحتجاج كجمهور لها، إلَّا أنَّ إحدى المشكلات التي واجهت تلك التشكيلات هو تشتتها وعدم الوصول إلى رؤية موحدة للدخول إلى الانتخابات موحدين، هناك أكثر من ثماني تيارات اجتمعت في بابل (20-4-2021) وهو الأول من نوعه يجمع التيارات التشرينية، وهي كل من (حزب البيت الوطني، تجمع الفاو زاخو- الاتحاد العراقي للعمل والحقوق، حركة نازل آخذ حقي، الديمقراطية والتيار الاجتماعي والديمقراطي، وجبهة تشرين، تيار المد الوطني، وحركة المد الوطني، وحركة امتداد).
وعلى الرغم من أهمية اجتماع بابل إلَّا أنَّه لم يستطع أن يربط بين الأطراف المشاركة، فلا الهدف الأعلى بالدخول موحدين بالانتخابات قد تحقق، ولم يُتَفقْ اتفاقاً نهائياً بعد على المشاركة من عدمها.
   وعلى الرغم من اعتقاد مناصري الحراك التشريني بأنَّهم حقَّقوا نتائج سياسية تتعلق بإعلان موعد الانتخابات المبكرة وتغيير مفوضية الانتخابات وقانونها، إلَّا أنَّ هناك أصواتاً داخل التيارات التشرينية ترى بأنَّها وقعت في فخ سيطرة الأحزاب التقليدية على صياغة القانون الجديد، فالدوائر الانتخابية توزعت بطريقة لا تتناسب والتوزيع الجغرافي للحركة الاحتجاجية، ولعله واحد من المفاجئات التي تفاجئ بها المعترضون هو تفتيت مناطق نفوذهم وتقطيعها مع مناطق نفوذ الأحزاب التقليدية، ولم يكن الأمر واضحاً بهذه الصورة، حتى أشار أحد المحللين المؤيدين لتشرين بأنَّ المدن وهوامشها لتشرين، والقرى والأرياف للأحزاب التقليدية، فأخذت الأحزاب بالقانون تقتطع أجزاء من المدن وتلحقها بالأطراف، إلَّا أنَّ ذلك الكلام لم يكن ملموساً بصورة واقعية؛ لأنَّ المدن لا تخلو من التنظيمات الحزبية والمؤيدين، ولم تكن القرى والأطراف وهي الأكثر فقراً بعيدة عن منطق الاحتجاج.
و الأقرب للواقع هو أنَّ كل المناطق الشيعية قد انقسمت بين الاحتجاج وبين مناصري الأحزاب التقليدية، وإذا كان بالإمكان الفرز فإنَّ الانتخابات ستكون أول مصداق لذلك الفرز.
تيارات تشرين.......لقراءة المزيد

                                                  
                                              

 


 Note:

Publishing this material has been funded by Rewaq Baghdad Center of Public Policy; however the views expressed in this document do not reflect the Center’s official policies nor its opinions.
تم تمويل نشر هذه المادة من قبل مركز رواق بغداد للسياسات العامة. لكن الآراء الواردة في هذه الوثيقة لا تعكس سياسات المركز الرسمية ولا آراءه.