Democracy and pluralism under the election law bet between the acceptability of the text and the problem of implementation within the variable of the October movement

Date of publication:
2021 October 19


الدكتور
أمجد حامد الهذال
باحث في الشأن السياسي 
المقدمة
تتفق غالبية الأدبيات السياسيّة أن وجود الأحزاب السياسيّة أساس مهم من أُسس نجاح الديمقراطية وديمومتها، وتُمثل العامل المهم للتداول السلمي للسلطة، فلا معنى للحديث عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة بلا تعددية حزبية، ولا معنى أيضاً لوجود تعدد حزبي بلا ديمقراطية تحتضن الأحزاب المتعددة والمتنوِّعة سياسيّاً وإيديولوجياً وفكريّاً.
كما أن عمليّة تنظيم عمل الأحزاب السياسيّة في النظام السياسي تحتاج إلى قواعد قانونيّة منظمة لضبط حركة الحزب السياسي بما ينسجم مع العمل السياسي في ظل النظام الديمقراطي. وتُطلق على هذه القواعد (قانون الأحزاب) الذي يقع على عاتقه وضع القواعد الأساسيّة لتأسيس الحزب والعضويّة فيه وطرق تمويله وصولاً إلى حلّه أو تجميده.
ستُناقش هذه الورقة أهمية وأبعاد قانون الأحزاب السياسيّة العراقي (الحالي) في تعزيز الديمقراطية والتعددية السياسية بعد عام 2003؛ وستتناول الواقع العملي لتطبيق نصوص القانون، وكيف انعكس هذا الأخير على حراك تشرين، ونشوء الأحزاب والتنظيمات السياسية التي خرجت من رحِم احتجاجات تشرين، وقبل ذلك من الضرورة بمكان تفحّص السجل التاريخي للتعددية الحزبية وقوانينها منذ نشوء الدولة العراقية وبشكل موجز.

نُبذة عن قوانين الأحزاب والتعددية الحزبية في العراق
شَهِد العراق تجارب لتعدد حزبي متواضع منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 حتى عام 2003، إذ لم ترتقِ هذه التجارب لمستوى من التطوّر يكون مؤهلاً في بناء تجربة حزبيّة صحيحة بسبب الكثير من العوامل الداخلية والخارجية. فمراجعة سريعة لشريط التاريخ نجد أن الحكومة برئاسة توفيق السويدي عام 1946 سمحت لعدد من الأحزاب السياسية بالعمل بشكل علني، فقد سُمِحَ لخمسة أحزاب بالعمل السياسي، أربعة منها على ملاك المعارضة، وإلغاء الرقابة على الصحف. ولكن بضغط من البلاط الملكي قدّمت الوزارة استقالتها بعد (100) مائة يوم من تأليفها، وجاءت حكومة أرشد العمري التي سارعت بإلغاء الأحزاب.
استمر هذا الوضع حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958، إذ اصدرت حكومة عبد الكريم قاسم بعد سنتين من قيام الثورة قانوناً للجمعيات والنقابات المهنيّة، وبالفعل ظهرت إلى الوجود العديد من المنظمات والنقابات، كما سُمِح لثلاثة أحزاب بالعمل العلني، إلا أنها لم تُمارس دوراً حقيقياً في المشهد السياسي العراقي وبقيت الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية (آنذاك) كالحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب القوميّة تُمارس العمل سريّاً.
بعد انقلاب شباط عام 1963 أُلغيت جميع مظاهر الديمقراطية ومنها الحياة الحزبية ولم يُسمح بالنشاط السياسي سوى للحزب الحاكم. وبعد اجتياح الكويت واندلاع الانتفاضة الشعبانية، ونتيجة للضغط الذي مورس على نظام البعث، شرّع الحزب قانوناً للأحزاب السياسية وهو (قانون الأحزاب السياسية رقم (30) لسنة 1991 الذي بقيًّ حبراً على ورق بسبب عدم إيمان الحزب بقواعد اللعبة الديمقراطية، واستمرت حالة الاستبداد السياسي حتى سقوط النظام البعثي واحتلال العراق عام 2003.
شهد العراق انتقالة فريدة في تاريخه السياسي المعاصر بعد عام 2003، إذ تحوّل من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي يلتزم بفلسفة التداول السلمي للسلطة ويطوي صفحة الانقلابات والثورات التي شهدها البلد منذ تأسيس الدولة العراقية. وبهذا بدأ صفحة جديدة من الحياة الحزبيّة في ظل نظام ديمقراطي تعددي يسمح للجميع بالمشاركة السياسية، وكان الأمل أن يشهد العراق تجربة ديمقراطية رائدة ويُحتذى بها في المنطقة إلا أنها تعثّرت بسبب جُملة من العوامل الداخلية والخارجية.
ومن أجل تقنين حالة التعددية الحزبيّة أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة الأمر التشريعي رقم (97) لسنة 2004، تحت عنوان (قانون الأحزاب والهيئات السياسية). بعد ذلك صدر الدستور الدائم عام 2005 وجاء في المادة (39) بخصوص تأسيس الأحزاب ما نصه:
أولا: حرية تأسيس الأحزاب السياسية أو الانضمام إليها مكفول وينظم ذلك بقانون.
إلا أن تنظيم هذه المادة بقانون تأخر ما يَقرُب من عشرِ سنوات، إذ صدر (قانون الأحزاب السياسية) رقم (36) لسنة 2015 وبهذا بدأت مرحلة جديدة من الحياة الحزبية في العراق.



مؤشرات تعزيز الديمقراطية والتعددية في قانون الاحزاب السياسية
يكاد يتفق خبراء القانون والسياسة أن قانون الأحزاب السياسية الحالي لا يتصف بالمثالية، ولكنهم لا يختلفون كثيراً في أنه (أي القانون) يُعدُّ نقلة نوعية مقارنة بقوانين تأسيس الأحزاب السابقة، وانسجامه الكبير مع مبادئ الدستوري التي تدعو إلى الديمقراطية والتعددية السياسية والحريات العامّة ومبدأ المواطنة.
صحيح أن هذا القانون (كما غيره من القوانين) يعتريه بعض نقاط الضعف، والإشكالات التي شُخِصت في العديد من الدراسات والأبحاث إلا أن دراسة القانون بصورة معمّقة تكشف أن مزاياه أكثر من عيوبه خصوصا إذا ما وضعنا مسألة تطبيقه بصورة تفصيلية جانباً.
ويُمكن أن نلحظ ما يحتويه القانون من مؤشرات لتعزيز الديمقراطية من خلال النقاط الآتية:
1.    حريّة تأسيس الأحزاب: من أهم مبادئ الديمقراطية التي تبانت عليها الأنظمة الديمقراطية في العالم هو الحرية الكاملة في تأسيس الحزب على أن تكون منسجمة مع مبادئ الدستور والقوانين النافذة، وهذا ما نصّت عليه المادة (4) من القانون: "للمواطنين رجالاً ونساءً حق المشاركة في تأسيس حزب سياسي أو الانتماء إليه أو الانسحاب منه". وهذا ينسجم كليّا مع المادة (39) أولاً من الدستور التي نصّت على: "حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام اليها مكفولة ويُنَظم ذلك بقانون ."وهذه الفلسفة الجديدة تُلغي المنهجية التي كانت يتبعها حزب البعث في إجبار الناس على الانضمام للحزب عنوةً، كما أن هذه المادة لا تضع قيداً فيمن يُريد تأسيس حزب بغض النظر عن الفكر الذي يحمله؛ باستثناء ما نصّت عليه المادة (5) ثانياً: "لا يجوز تأسيس الحزب على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصّب الطائفي أو العرقي أو القومي" وأضافت الفقرة (ثالثا) قيداً آخر إذ نصّت: "يُمنع تأسيس الحزب الذي يتبنى أو يُروج لفكر أو منهج حزب البعث المنحل". من غير هذه القيود فإن تأسيس الأحزاب متاح للجميع دون النظر في دين أو طائفة أو قوميّة الجهة التي تنوي تأسيس الحزب.
2.    الانتقال السلمي للسلطة: أحد أهم المبادئ السياسية التي يتميّز بها النظام السياسي الحالي (رغم جميع الإشكالات) هو الانتقال السلمي للسلطة عبر الوسائل والآليات الديمقراطية، وهذا ما كفلته المادة (6) من الدستور التي نصّت: "يتم تداول السلطة سلمياّ عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور". كما أن من المبادئ الأساسية التي نص عليها قانون الأحزاب هو ضرورة التزام الحزب بمبدأ التداول السلمي للسلطة، وهذا ما نصّت عليه المادة (24) ثانياً بأن الحزب وأعضائه يلتزمون بـ"مبدأ التعددية السياسية ومبدأ التداول السلمي للسلطة". وهذه المادة تقف حائلا أما الأحزاب التي تتبنى الأيديولوجية الثورية والانقلابية، كما أن التطبيق الصارم لهذه المادة سيمنع أي حزب أو تنظيم سياسي لا يتبنى في مبادئه الحزبية الأساسية مبدأ التداول السلمي للسلطة والالتزام بالقواعد الديمقراطية المعتمدة.
3.    حظر الأنشطة العسكرية للأحزاب: إن احتكار ممارسة العنف المنظم هو سمة بارزة للدولة الديمقراطية، إذ أن تعدد مصادر من يُمارس العنف إلى جانب سلطة الدولة الشرعيّة سيُهدد أسس الديمقراطية ودعائمها، بل إن فيلسوفا وعالم اجتماع ألماني مثل (ماكس فيبر) عرّف الدولة من خلال احتكارها لممارسة العنف إذ يقول: إن الدولة العصرية تُعرّف سوسيولوجياً من خلال الوسيلة الخاصة بها والمتمثلة في العنف المادي. ومعنى هذا هو أن اساس الدولة هو العنف، لإنها تمثل مصدراً له. وفي حال غياب ممارسته، فإن الدولة تضعُف وتحل محلها كيانات موازية للدولة وتنافسها في ممارسة العنف.
من هذا المنطلق حظر الدستور العراقي في المادة (9) أولا – بـ " تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة" .ليكون منسجماً مع تطبيق مبادئ الديمقراطية، وضرورة تساوي الفرص والإمكانات بين الأحزاب السياسية، وعاد قانون الاحزاب ليعضّد ما أكد عليه الدستور، إذ نصت المادة (8) ثالثاً أنه: يشترط لتأسيس أي حزب "أن لا يكون تأسيس الحزب وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأية قوة مسلحة". ليس هذا فحسب بل أن المادة (32) أولا 1 من القانون قد فصّلت في إمكانيّة حلّ الحزب السياسي بقرار من محكمة الموضوع بناءً على طلب مسبب يقدم من دائرة الأحزاب في الحالات التي لها ارتباط بأنشطة عسكرية وقد ذكرها القانون بالنقاط الآتية:
ج- قيامه (أي الحزب) بنشاط ذا طابع عسكري أو شبه عسكري.
د- استخدام العنف في ممارسة نشاطه السياسي.
ه- امتلاك أو حيازة أو خزن الأسلحة الحربية أو النارية أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعة في مقره الرئيسي أو أحد مقار فروعه أو أي محل آخر خلافاً للقانون.
و- قيامه بأي نشاط يهدد أمن الدولة، أو وحدة أراضيها، أو سيادتها، أو استقلالها.
4.    تعزيز الديمقراطية الداخلية للحزب: إن ضمان ديمومة الديمقراطية وتنميتها يعتمد على وجود ديمقراطيين يحرصون على تطبيقها، إن الإيمان بالمبادئ الديمقراطية يحتاج إلى تنشئة سياسية واجتماعية مدروسة، وتبدأ من العائلة والمدرسة والجامعة ومن ثم الحزب، بعدها يمكن الحديث عن تطبيق سليم للديمقراطية في النظام السياسي. وحسناً فعل المشرع العراقي حين ركّز على ضرورة ممارسة الديمقراطية داخل الحزب نفسه، وجاء ذلك في المادة (6) من القانون إذ نصّت على انه "يعتمد الحزب السياسي الآليات الديمقراطية لاختيار القيادات الحزبية" وهذه المادة كفيلة (فيما إذا طُبِقت) أن تضع حداً لـ"شخصنة" الأحزاب السياسية التي تعتمد على رموز داخل الحزب وليس على العمل المؤسساتي وديمومته، وهناك نماذج عديدة تُشير إلى أنه ما أن يرحل أو يموت زعيم الحزب حتى نشهد تفكك الحزب وتشظيه، وهذا راجع إلى عدم اعتماد الأسس الديمقراطية والانتخابات الدورية داخل الحزب.
أعتقد أن هذه أبرز المؤشرات التي تضمنها قانون الأحزاب لتعزيز قيم الديمقراطية والتعددية السياسية، ويمكن عد هذا القانون واحد من أهم القوانين التي تم تشريعها بعد عام 2003 وإذا ما كانت هناك إرادة حقيقية لتطبيق نصوص القانون فإن النظام السياسي سيسير بالطريق الصحيح، وعلى الرغم من الكثير من الملاحظات التي تعتري القوانين بالمجمل، إلا أن العقبة الحقيقية هو إشكالية تطبيق بعض أو الكثير من نصوص هذه القوانين بسبب الأوضاع الداخلية والخارجية المُعقّدة التي مر بها البلد وسنناقش هذه الإشكالية في المحور الآتي.

حراك تشرين وقانون الاحزاب وإشكالية التطبيق
كان العراق في شهر تشرين من عام 2019 على موعد مع تظاهرات عارمة عمّت محافظات الوسط والجنوب، ورغم اختلاف التعاطي والتقييم لحركة الاحتجاجات مدافعاً أو منتقداً أو متحفظاً، إلا أن السمة الواضحة لمخرجات هذا الاحتجاج هو إحداث هزة سياسية داخل النظام، فحدثت "إصلاحات" واضحة في حكومة عادل عبد المهدي وأجبرت الأخيرة على الاستقالة لأول مرة منذ عام 2003 بضغط الشارع وبطلب (غير مباشر) من قبل مرجعية السيد السيستاني، وتم التصويت على قانون جديد للانتخابات يختلف عن جميع القوانين السابقة، كما تم إقرار قانون جديد للمفوضيّة العليا للانتخابات استبدل آلية اختيار مجلس المفوضين وفرض إقالة المدراء العامون ورؤساء الأقسام والشعب. وما زالت آثار هذا الحراك باقية لهذه اللحظة وينتظر العراقيون انتخابات مُبكرة في العاشر من تشرين عام 2021......لقراءة المزيد