وهم الرأسمالية في العراق

تاريخ النشر:
2021 تشرين الثاني 22


علي عدنان
    لم اشعر يوما ان برامج السخرية السياسية مثمرة أو مؤثرة على معرفتي السياسية البسيطة، كانت فقراتها تضحكني احيانا وتزعجني في احيان اخرى، ربما لانني تعلمت دائما ان ابحث عن الدوافع والمستفيدين وانظر الى متعلقات السياسة بعدسة الـ(التفكير النقدي)، لكنني لم اتصور يوما ان فقرة كـ(الفهكان) من برنامج البشير شو الساخر (وبغض النظر عن صحة ما يتم تداوله في هذه الفقرة من عدمه) ستدفعني الى البحث في واقع النظام الاقتصادي-السياسي في عراق ما بعد الديكتاتورية، أو إنها تثير فضولي حول ظاهرة تشويه الفساد للنظام الاقتصادي-السياسي المخطط له للدولة العراقية بعد 2003. 
فبينما كان الفرقاء السياسيين منشغلون بمحاولة ايجاد صيغة للتوافق السياسي، كانت الحركة الاقتصادية (اعادة توزيع الثروة) قد بدأت فعلا، مع اللحظات الاولى لسقوط نظام صدام حسين، بدأت عمليات غير مسيطر عليها من النهب (الحواسم) لمؤسسات الدولة (عدا المؤسسات النفطية التي كانت تحت حماية قوات الائتلاف) ، لتتوزع بعض من الثروة التي كانت مكتنزة لدى الحكومة الاشتراكية المزعومة على مجموعة من الشعب من مختلف الطبقات الاجتماعية، إلا ان (الحواسم) لم تكن الصورة الوحيدة لتوزيع الثروة، بل كانت احدى الصور وابسطها فحسب.
إن سوء التعامل مع فوضى ما بعد السقوط، اضطر الولايات المتحدة الى بدء حملة اعادة اعمار العراق، وتعيين بول بريمر رئيسا لسلطة الائتلاف المؤقت، وحينما سئل برايمر عن اولوياته في العراق، اجاب قائلا: "الاصلاح الاقتصادي"، كما وضع توزيع السيولة النقدية على العراقيين ثاني اولوية بعد اصلاح منظومة الخدمات كالكهرباء والماء ، ربما فشل برايمر في تحقيق الاولوية الاولى خلال فترته الوجيزة، الا انه بالتاكيد تمكن من توزيع ثروة هائلة من السيولة النقدية التي فتح الكونغرس تحقيقا شاملا عنها فيما بعد، حيث تشير الوثائق الى ان الولايات المتحدة نقلت ما يقارب 12 مليار دولار من السيولة النقدية (نقدا) الى سلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد للفترة من مايو 2003 الى يونيو 2004 ، لتقوم سلطة الائتلاف بالتصرف بتلك الاموال غالبا من دون رقابة وتدقيق، خاصة في صرف الاموال للمتعاقدين العراقيين، وصرف رواتب موظفي الوزارات، حيث تشير تحقيقات الكونغرس الى ان سلطة الائتلاف كانت تصرف مخصصات الرواتب للوزارات من دون تدقيق ومتابعة، ففي احدى الوزارات تم صرف رواتب 8.200 حارس امني للوزارة، بينما كان عدد الحراس الفعلي 602 فقط .  
تشير احدى مقالات النيويورك تايمز الى ان نية الولايات المتحدة كانت الاعتماد على العائلات الثرية المعروفة في العراق كعائلة (بنية، والخضيري، والجنابي) وابدى خليل البنية واخرون من النخبة كـ(سعد عاصم الجنابي) إستعدادهم الى الاستثمار في مشروع اعادة بناء العراق ، إلا ان الواقع كان مختلفا بعض الشئ كما سنرى، إذ كان الاستثمار في مشروع اعادة بناء العراق بوابة الى الكثيرين للكسب غير المشروع والاثراء على حساب سوء الادارة والتصرف في اموال البلد.
رسخت هذه الحقبة جذور فساد مالي واداري اخذ ينهش في جسد العراق، بل انها صنعت طبقة من اصحاب رؤوس الاموال، شكلوا فيما بعد "كيان موازي" في الدولة العراقية كان المسؤول المباشر عن صفقات الفساد المشبوهة وتوزيع وارداتها بشكل ممنهج، ولم يقتصر اثر هذا "الكيان الموازي" على الاثراء في صفقات مشبوهة مع مؤسسات الدولة، بل يحاول هذا الكيان ان يهيمن على القطاع الخاص في مفاصله المختلفة ليستغل بذلك النافذة الثانية للواردات النفطية وهي "تمويل القطاع الخاص" عن طريق نافذة بيع العملة او القروض الاستثمارية، وبذلك اصبح الكيان الموازي يمثل الجانب المظلم من رأسمالية العراق الديمقراطي.
كانت هذه الطبقة البذرة التي تمخضت عنها اللجان الاقتصادية لبعض الاحزاب السياسية، إذ عُقد اتفاق غير معلن قائم على المصالح المتبادلة بين الكيان السياسي (بعض الاحزاب السياسية) والكيان الموازي (طبقة اصحاب رؤوس الاموال)، فـيقوم على إثره الكيان الموازي بضمان تمويل الاحزاب السياسية وبالمقابل يضمن الكيان السياسي للكيان الموازي حصوله على عقود حكومية بصفقات مشبوهة وتبييض الاموال من خلال استثماراته في القطاع الخاص، أدى هذا الاتفاق في النهاية الى تأسيس الكليبتوقراطية التي اشار اليها تقرير النيويورك تايمز الذي صدر مؤخرا . .......لقراءة المزيد