فهم دوافع الصراع في العراق

تاريخ النشر:
2021 كانون الأول 09

كتابة
Toby Dodge, Zeynep Kaya, Kyra Luchtenberg, Sarah Mathieu-Comtois, Bahra Saleh, Christine M. van den Toorn, Andrea Turpin-King and Jessica Watkins

برنامج أبحاث الصراع
كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية
ترجمة: مصطفى الفقي


ملخص تنفيذي:
-    مقدمة لبرنامج أبحاث الصراع
برنامج أبحاث الصراع (CRP) هو برنامج مدته ثلاث سنوات تموله "وزارة التنمية الدولية البريطانية"، وهو مصمم لمعالجة دوافع وديناميكيات الصراع العنيف في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولمعرفة التدابير المستخدمة للتصدي للصراع المسلح وآثاره.
الهدف العام من برنامج أبحاث الصراع هو إعادة توجيه الإستراتيجيات القائمة على الأدلة للمشاركة الدولية في الدول التي يبدو أنها تعاني من أكثر النزاعات العنيفة صعوبةً في العالم. وتتمثل الفرضية الرئيسية للبرنامج في أن هذه الدول تخضع فيها قدرة السلطات العامة على تقديم أبسط مستويات الحوكمة لطريقة عمل "الواقعية السياسية" من أجل اكتساب السلطة وإدارتها والاحتفاظ بها، وهو ما نجادل بأنه أمر أشبه بـ"سوق سياسية". تساعدنا هذه المقاربة على تفسير الإحباطات المتعلقة بعمليات بناء الدولة، والمشاركة التي تركز على المؤسسات، كما يمكن أن تفيدنا في تصميم "التدخلات المعدلة" التي تهدف إلى تقليل المخاطر وتأثيرات الصراع والعنف في البلدان النامية وتخفيف حدة الفقر وانعدام الأمن.
أمّا عن الدول التي شهدت أعمال البرنامج فهي جمهورية الكونغو الديمقراطية وسوريا والصومال وجنوب السودان والعراق ومناطق الشرق الأوسط الأوسع. وفرضيتنا المركزية هي أن الحكم في هذه الدول ذات المشهد السياسي المعقد يهيمن عليه منطق السوق السياسية. وهذه الأسواق السياسية مضطربة وعنيفة وتتداخل مع شبكات إقليمية وعالمية للنفوذ والمال. كما نفترض أيضا أن الشعبوية الاعتبارية (التي تتضح أكثر ما تتضح في سياسات الهوية، واضطهاد الأيديولوجيات، والتطرف العنيف) هي العملية الموازية لـ"تسويق"  marketisation السياسة، وكلاهما يزدهر في ظروف عدم التأكد المستمر والصراع والصدمات. ولا يمكن لأطر وأدوات السياسة الحالية أن تلتقط الوقائع اليومية للسياسة والحكم، ولا أن تتكيف مع ديناميكيات علاقات القوة المتنازع عليها. وتخاطر التدخلات الخارجية بالتورط في منطق القوة، بل ربما ينتهي بها المطاف إلى دعم العنف والاستبداد عن غير قصد. وفي الوقت ذاته، يوجد في جميع المناطق التي مزقتها الحرب مناطق سلمية نسبيا: وهي ما نصطلح على تسميتها بـ"الجيوب المدنية". وقد تكون هذه الجيوب المدنية إقليمية (اتفاقية وقف إطلاق نار محلية، أو سلطات محلية شاملة)، أو اجتماعية (جماعات المجتمع المدني التي تساعد المعوزين، أو المناوئين للسرديات الطائفية، أو المجالس العرفية التي تعمل على حل النزاعات بشكل عادل)، أو خارجية (التدخلات التي تنظم تدفقات التمويل السياسي).
سوف ينتج عن برنامج أبحاث الصراع بحثا قائما على الأدلة حول ديناميكيات الصراع، والخلاف، و"المدنية"، والسلطة العامة، مما يتيح تدخلات أفضل لإدارة النزاعات المسلحة وحلها، والحد من العنف، وتهيئة الظروف لخلق حكم أكثر شفافية وخضوعا للمساءلة. ويتمثل أحد المكونات الأساسية لبرنامج أبحاث الصراع في المساهمة في فهم أفضل الآليات التي تصلح لمعالجة الصراع العنيف عبر الدول محل البحث. وسوف نعمل على تطوير فهم مقارن لكيفية تأثير التدخلات المختلفة على الصراعات العنيفة، وخطر تجدد الصراعات في الدول محل البحث. كما سنقوم أيضا بفحص العوامل السياقية التي تؤثر على فعالية هذه التدخلات. وتتمثل مجالات التدخل المختارة للبحث المقارن في: التدخلات الأمنية، وتدخلات المجتمع المدني والوساطة المجتمعية، وتدخلات الموارد، والتدخلات المصممة لتعزيز السلطة والشرعية، بما في ذلك التدخلات على المستوى دون الوطني. ونتصور أن النتائج الناجمة عن تحليلنا الاقتصادي والسياسي لمحركات الصراع تشكّل تحليلنا المقارن لتدخلات بعينها.
لدينا بنية تحتية متميزة وقوية من الباحثين المحليين وشبكات المجتمع المدني في جميع الدول محل البحث، وهو ما يسهّل كلا من البحث الميداني والبحث عن بُعد. وبالفعل يعمل فريق برنامج أبحاث الصراع بشكل وثيق مع العمليات السياسية الرئيسية -والجهات الإقليمية الفاعلة- في البلدان المعنية بهدف تعزيز السلام والعمل الإنساني وحقوق الإنسان والديمقراطية. وتعد هذه المشاركة جزءا أساسيا من طريقة عملنا وستضمن نقل نتائج الأبحاث القائمة على الأدلة بشكل فعال إلى المؤسسات المشاركة في محاولة الحد من المخاطر وتأثيرات الصراع العنيف في الدول محل البحث. وينصبّ تركيزنا هنا على مزيج من أساليب البحث وآليات المشاركة في السياسة والممارسة.

دراسات برنامج أبحاث االصراع حول العراق
لقد مر الآن أكثر من عام على تحرير مدينة الموصل  على يد القوات الحكومية العراقية في تموز/يوليو 2017. ويمثل هذا الانتصار مرحلة جديدة في الصراع العنيف الذي زعزع استقرار العراق منذ تغيير النظام في العام 2003. من بعض الأوجه، يمكن مقارنة هذه التطورات، أولا، بالفترة الأولى التي أعقبت الغزو نفسه منذ شهر أبريل من العام 2003 وحتى تحوَّل التمرد إلى حرب أهلية في العام 2005، وثانيا، بالفترة التي أعقبت عملية زيادة أعداد القوات التي قادتها الولايات المتحدة والتي بدأت في فبراير 2007 واستمرت حتى إعادة تنظيم داعش  لصفوفها وسقوط الموصل في العام 2014. وكما هي الحال في مرحلة الغزو ومرحلة زيادة القوات، تحطمت القدرات التنظيمية للمعارضة العنيفة لنظام ما بعد 2003 بسبب نشر القوة العسكرية المتفوقة. وتمثل تداعيات هذه الحملة العسكرية الناجحة بوضوح فرصة سانحة؛ حيث يوفر الانخفاض المفاجئ في أعمال العنف ذي الدوافع السياسية لكل من الحكومة العراقية وحلفائها فرصة لمعرفة الدوافع الأساسية طويلة الأجل لعدم الاستقرار والتي أدت مرارا وتكرارا إلى ظهور أعمال العنف المنظم منذ العام 2003.
ومع ذلك، وكما تشير نماذج 2003 و 2007، جنبا إلى جنب مع إعادة ترتيب داعش لصفوفها بشكل سريع بعد عام 2017، إذا لم يتم تحديد هذه الدوافع الأساسية وتسويتها بشكل صحيح من خلال التدخلات السياسية عالية الدقة، فمن المرجح العودة إلى مستويات العنف المنظم التي هيمنت على العراق في أغلب فترات الخمسة عشر عاما الماضية. وهذه الورقة هي محاولة لتحديد تلك الدوافع الأساسية المحركة للصراع باستخدام المفاهيم التحليلية الأربعة الرئيسية في برنامج أبحاث الصراع: الشعبوية الاعتبارية، والسوق السياسية، والسلطة العامة، والمدنية.
يتركز العنصر البحثي الأساسي لبرنامج أبحاث الصراع الخاص بالعراق في مركز الشرق الأوسط التابع لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE. ويقود البروفيسور توبي دودج فريق البحث بالاشتراك مع الدكتورة زينب كايا والدكتورة جيسيكا واتكينز. وتدير البرنامج ساندرا صفير.
وسوف يتم دراسة صعود السرديات المدمرة في العراق منذ العام 2003 تحت مفهوم الشعبوية الاعتبارية. ويشير ذلك إلى القوة الاجتماعية والسياسية الناتجة عن التذرع بالهويات والقيم الإقصائية المشبعة اعتباريا، مثل تلك التي تميز الحركات الإسلاموية المسلحة والحركات والإثنـ-قومية. في عراق ما بعد عام 2003، تشكلت الشعبوية الاعتبارية في ثوب الإسلاموية الراديكالية والتعبئة السياسية الطائفية، حيث يسعى السياسيون إلى تقسيم النظام السياسي من خلال حشد الهويات الحصرية سواء السنية أو الشيعية أو الكردية.
في أعقاب الانتخابات الوطنية الأولى التي عُقدت في العام 2005 ، تم تشكيل حكومة وحدة وطنية من خلال اتفاق بين النخبة تم بموجبه إدخال المنطق السياسي الطائفي في تشكيل الحكومة. وقد استخدم نظام المحاصصة الطائفية الشعبوية الاعتبارية عن عمد للتعمية على تطور نظام الزبائنية على الصعيد الوطني (السوق السياسية) ولشرعنة استخدام العنف أثناء الحرب الأهلية.
تبيّن عملية إعادة التشكُّل السريع لداعش العواقب السلبية لنظام المحاصصة الطائفية على المكوّن السنيّ من نظام الحكم في العراق. وبعد عملية تحرير الموصل وانتخابات 2018 ، لا تزال المنظمات السياسية التي تسعى لتمثيل السكان السنّة متشظية وتهيمن عليها بشكل متزايد دول إقليمية متنافسة. وبالنظر إلى أن الغالبية العظمى من النازحين داخليا في العراق هم من السنّة، فإن حالة عدم التنظيم التي تنتاب هؤلاء الذين يسعون إلى حشدهم وتوجيههم نحو صناديق الاقتراع تمثل عاملا آخر لزعزعة الاستقرار.
بين سقوط الموصل في يد داعش في العام 2014، وتحريرها في العام 2017، وعقد الانتخابات الوطنية في العام 2018، كانت هناك توجهات عززت الشعبوية الاعتبارية وقوضتها في آن. ثمة توجه مناوئ للشعوبية الاعتبارية وهو التعبئة السياسية التي برزت في صيف العام 2015 مع الاحتجاجات العفوية التي جرت بسبب نقص الطاقة والفساد المستشري في الدولة والمحاصصة الطائفية، وهي الاحتجاجات التي بدأت في البصرة ثم امتدت إلى بغداد. كان تأثير الحركة الاحتجاجية في العام 2015 يعني أن مسألة الفساد سيطرت على الحملة الانتخابية لعام 2018. فقد تحالف مقتدى الصدرمع الحزب الشيوعي العراقي لتشكيل "تحالف سائرون". وهذا بالتأكيد وضع مسألة الفساد في قلب الانتخابات ولعب دورا رئيسيا في فوز تحالف الصدر بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية بلغ 54 مقعدا. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن يتمكن الصدر من تحويل هذا الفوز الانتخابي إلى برنامج هادف ومستدام لإصلاح الدولة والحد من الفساد.
أدى ظهور الحشد الشعبي (أو وحدات الحشد الشعبي)، وهي عدد كبير من الميليشيات التي تم حشدها بشكل أساسي من خلال سياسات الهوية الشيعية، إلى معاناة الدولة العراقية من أجل السيطرة على دعاة العنف. وفي عام  2018 ، فاز التحالف السياسي الذي يمثل غالبية الحركات المكونة للحشد الشعبي، تحالف الفتح، بثاني أكبر عدد من الأصوات (بواقع 47 مقعدا)، مما أعاق قدرة الدولة على السيطرة عليهم.
في إقليم كردستان العراق، ومن خلال المضي قدما في إجراء استفتاء الاستقلال في سبتمبر 2017، سعى الرئيس مسعود بارزاني آنذاك والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تأجيج الشعبوية الاعتبارية الكردية لتعزيز شرعيتهما. ومع ذلك، فإن تحرك الجيش العراقي إلى الأراضي المتنازع عليها والتي تطالب بها كلٌ من حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان في أكتوبر 2017  يشير إلى الضعف السياسي لهيمنة بارزاني وعائلته على حكومة إقليم كردستان.
خطت الانتخابات الوطنية في مايو 2018 بالتأكيد خطوة بعيدة عن السياسات القائمة على الهوية إلى الحملات التي تركز على القضايا الاقتصادية وقضايا الإصلاح. وتجنبت غالبية الائتلافات السياسية الخطاب الطائفي بشكل علني، ونشرت بدلا من ذلك بيانات تركز على كيفية الإصلاح الاقتصادي للدولة العراقية وتقديم الخدمات الحكومية المطلوبة للجميع. ومع ذلك، فإن نسبة الإقبال المنخفضة، البالغة 44.52 %، تشير إلى نفور السكان من العملية السياسية ومن الدولة. بالإضافة إلى ذلك، دخلت الائتلافات الفائزة في مفاوضات معقدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية أخرى. وهذا يعني أن المحاصصة الطائفية تظل هي المنطق المهيمن على تشكيل سياسة النخبة في بغداد. 
ترجع الأسباب الكامنة وراء مستويات الفساد المرتفعة والمقبولة سياسيا والتي قوضت مؤسسات الدولة العراقية وشرعية الحكومة إلى الدور المهيمن الذي تلعبه السوق السياسية في السياسة العراقية. تشير السوق السياسية إلى سياسات الصفقات التي يتم من خلالها تبادل الولاءات والخدمات مقابل مكافأة مادية مقتطعة غالبا من موارد الدولة. ترتبط السوق السياسية العراقية التي يمولها النفط ارتباطا وثيقا بتوظيف الشعبوية الاعتبارية الإثنـ-طائفية وبالمحاصصة الطائفية التي تروج لها النخبة الحاكمة في البلاد. في نظام المحاصصة الطائفية، تستخدم الأحزاب المهيمنة رواتب الحكومة العراقية كمكافأة على الولاء السياسي عن طريق التوظيف في القطاع العام، وإبرام العقود الحكومية لإثراء رجال الأعمال المتحالفين معها، والسرقة الشخصية من الميزانيات الوزارية. وكانت النتيجة تضخم الرواتب الحكومية التي كانت تعطى لـ 850 ألف إلى 1.2 مليون موظف في العام 2003 لتصل إلى 3 ملايين موظف في العام 2015.
سوف تتم دراسة التحديات التي تواجه السلطات الحكومية على المستوى الوطني من خلال العدسة التحليلية لمفهوم السلطة العامة. ينظر برنامج أبحاث الصراع إلى السلطة العامة بوصفها الهياكل والأشخاص الذين يمارسون وظائف الحوكمة، بدرجة من القبول، على أي مستوى أعلى من مستوى الأسرة. وفي العراق، أدت الإطاحة بالنظام البعثي عام 2003 إلى الانهيار المؤسسي للدولة. وتمكنت المنظمات شبه الحكومية مثل جيش المهدي/سرايا السلام وداعش والحشد الشعبي، بعد عام 2014 ، من ملء الفجوة التي خلفتها الدولة جزئيا. كما أن تأثير المحاصصة الطائفية والسوق السياسية أدى إلى إضعاف السلطة العامة على مستوى الدولة بشكل كبير. وسيحقق برنامج أبحاث الصراع فيما إذا كانت لامركزية السلطة العامة على مستوى المحافظات هي الطريقة الأكثر فعالية لملء الفراغ الناجم عن الحرب والفساد أم لا.
فيما يتعلق بحكومة إقليم كردستان، أدى احتكار الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني للسلطة السياسية والموارد إلى أن تكون أنظمة الحكم غير الرسمية هي الأنظمة السائدة، كما أعاق إلى حد كبير تطوير مؤسسات حكومية متماسكة وسيادة حكم القانون. وسوف يدرس برنامج أبحاث الصراع ما إذا كان يمكن تحدي هيمنة السوق السياسية على السلطة العامة في حكومة إقليم كردستان في أعقاب الاستفتاء وعودة سلطة الحكومة العراقية على المناطق المتنازع عليها.
وأما التعبئة السياسية فسوف تتم دراستها من خلال مفهوم "المدنية". أدى الطابع العنيف للشعبوية الاعتبارية بعد عام 2003 إلى إعاقة تطور المنظمات المدنية على مستوى البلاد. وعندما أصبحت منظمات المجتمع المدني نشطة، عملت ضمن القيود التي فرضتها النخبة السياسية. وبعيدا عن السياسات الحزبية، كانت التعبئة السياسية بين الطوائف غير منتظمة وتميل إلى التركيز على الاحتجاجات ضد الطائفية الحكومية والفساد وسجل الحكومة المروع في تقديم الخدمات. وفي عام 2015 ، انتشرت الاحتجاجات التي قامت ضد نظام المحاصصة الطائفية من البصرة عبر الجنوب وإلى بغداد، وضمت إليها مئات الآلاف من المتظاهرين. لم تنجح محاولات رئيس الوزراء في الاستجابة إلى مطالب المتظاهرين إلى حد كبير، كما أن افتقار المتظاهرين للقدرة التنظيمية جعلهم عرضة لاستيعاب التيار الصدري الذي قاد حركة الإصلاح في انتخابات عام 2018.
السلطة العامة في العراق مُجنّدرَة بشكل كبير وتستند إلى أشكال محايثة من النظام الأبوي موجودة في إدارة المؤسسات العامة، وإدارة الحرب، وتوزيع الموارد، وتفسير الفقه الإسلامي. تعيد السلطات العامة العراقية إنتاج ومأسسة الأبعاد الجندرية للشعبوية الاعتبارية على شكل طائفية دينية، والتي تعزز بدورها سلطتها. العلاقة السببية الإيجابية بين مشاركة المرأة في منع الصراع وإحلال السلام الدائم تجعل من المهم أيضا اعتماد تحليل جندري للأمور.
بهدف تعميق التحليل حول دوافع الصراع في العراق، يركز جدول أعمال برنامج أبحاث الصراع في العراق على قضيتين إضافيتين: النزوح الداخلي والأراضي المتنازع عليها. تمثل هذه القضايا أسباب ونتائج الصراع في آن. فهي تخلق مزيدا من التوتر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد أصبحت أكثر أهمية في مدينة الموصل بعد تحريرها.
كانت قضية النزوح الداخلي قضية محورية في أعمال سلطة الدولة العراقية على مدار الثلاثين عاما الماضية. وفي حقبة ما بعد عام 2003 ، تسارعت وتيرة النزوح الداخلي في ظل المشهد السياسي المتشظي بشكل متزايد والذي يتحدد على أساس السياسات الطائفية. وقد كانت عملية النزوح الداخلي المتزايد بين عامي 2005 و 2008 نتيجة للصراع وغياب سلطة عامة مركزية للدولة يمكنها حماية المواطنين. واعتمدت الجماعات المسلحة على العنف الطائفي لتأمين جيوب من الأراضي، ودفعت أبناء الجماعات الطائفية الأخرى إلى مغادرة منازلهم للقيام بذلك. وقد أدت آخر موجة نزوح منذ العام 2014 إلى مفاقمة الأزمة الممتدة بالفعل. واعتبارا من شهر مارس 2018 ، كان هناك أكثر من 2.3 مليون عراقي يعيشون في حالة نزوح داخلي. وقد أدى النزوح الداخلي إلى إضعاف هياكل السلطة المجتمعية والعشائرية في بعض المناطق، بينما رسّخ سلطتها في مناطق أخرى.
ازدهرت السوق السياسية الفاسدة بشكل متزايد مع ارتفاع عدد النازحين داخليا؛ حيث قام الفاعلون السياسيون بتوزيع المساعدات على النازحين على أساس انتماءاتهم السياسية. وقد عانى النازحون داخليا في العراق بشكل عام من قلة الحماية القانونية، ومحدودية الوصول إلى الخدمات، والقيود المفروضة على حرية التنقل.
إلى جانب أزمة النازحين داخليا، كانت أزمة الأراضي المتنازع عليها بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، مع احتواءها على احتياطيات نفطية كبيرة غير مستغلة، أحد أكثر القضايا استعصاءً في العراق منذ عام 2003. بالنسبة إلى حكومة إقليم كردستان، فإن السيطرة على احتياطيات النفط تعتبر مسألة ضرورية لتأمين الاكتفاء الذاتي الاقتصادي ودعم قضية الاستقلال. ومع ذلك، كان إعادة إحكام الحكومة العراقية قبضتها على غالبية هذه الأراضي في أكتوبر عام 2017 بمثابة ضربة اقتصادية واستراتيجية لحكومة إقليم كردستان. وفي أعقاب هذه العملية العسكرية، من المتوقع أن يواصل كلا الجانبين استخدام مزيج من الإجبار والفساد والزبائنية للقتال من أجل جمع الولاءات المحلية باستخدام السرديات الإثنـ-سياسية من أجل حشد العرب والأكراد والأقليات الأخرى تحت رايات حصرية، وتصوير الأراضي المتنازع عليها باعتبارها مسألة حيوية لسلامتهم. أدى النزاع على المستوى الوطني بين حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان على هذه الأراضي إلى تقويض المبادرات الرئيسية التي تعزز "المدنية" والاستقرار بين الطوائف، ولكنه لم يبتلعها تماما.
خلقت هزيمة داعش واستعادة محافظة كركوك نافذة من الفرص لبغداد. قبل انتخابات مايو 2018، أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي علنا التزامه بسياسات متجاوزة للطائفية، وأعرب عن أمله في أن تؤدي عملية استعادة الموصل والأراضي المتنازع عليها إلى تعزيز مكانته الشعبية. ومع ذلك، ساهمت عدم قدرته على تنفيذ أجندة الإصلاح أثناء توليه منصبه بشكل مباشر في أدائه المخيب للآمال في الانتخابات. يشير ذلك، بالإضافة إلى نسبة الإقبال المنخفضة، إلى أن الرأي العام يركز على ضرورة إصلاح الدولة العراقية وعلاقتها بالمجتمع والاقتصاد، وأن الشعب سوف يعاقب السياسيين الذين يفشلون في إحداث التغيير المطلوب.

مقدمة:
تهيمن أربع موضوعات رئيسية أو اهتمامات تحليلية على الأدبيات الأكاديمية والصحفية و"الرمادية " التي تركز على حقبة ما بعد 2003 في العراق: 1)  أسباب وتداعيات التدخل الأمريكي، 2) صعود الطائفية كمحرك للتعبئة السياسية، 3) الجماعات المتورطة في أعمال عنف ذات دوافع سياسية، 4) تحديات الإصلاح الاقتصادي والسياسي للدولة العراقية. يعكس العمل الحالي على الحشد إحدى الثيمات الرئيسية التي تتسم بها مقاربة برنامج أبحاث الصراع الخاص بالعراق، وهي ثيمة الشعبوية الاعتبارية، وسوف يتفاعل معها بحثنا بشكل نقدي. سوف يستفيد برنامج أبحاث الصراع أيضا من الأبحاث الحالية على الجماعات العنيفة ولكنه سيوسع ذلك البحث من خلال العمل على أرض الواقع. وسوف يتناول هذا البحث قوات البيشمركة، وإصلاح الجيش العراقي بعد انهياره عام 2014 ، وقوات وزارة الداخلية بعد قتال داعش، وجهاز مكافحة الإرهاب العراقي.
كما سيتناول المشروع البحثي تطور قوات الحشد الشعبي ودورها المستقبلي. وسوف يتفاعل بحثنا مع الأدبيات المتاحة من حيث صلتها باثنين من الموضوعات المركزية لبرنامج أبحاث الصراع، وهما السلطة العامة والشعبوية الاعتبارية. وأخيرا، سوف يدرس برنامج أبحاث الصراع في العراق محاولات إصلاح الدولة اقتصاديا وسياسيا. وسوف يشمل ذلك دراسة تأثير حزم إصلاحات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأيضا محاولات حيدر العبادي نفسها بين عامي 2014 و2018 للتصدي للفساد، وتخفيض الرواتب الحكومية، وتقويض منطق المحاصصة الطائفية من خلال تعيين أشخاص "تكنوقراط" في المناصب الحكومية.
على هذه الخلفية، تم تقسيم هذه الورقة إلى سبعة أقسام رئيسية ستقيم الأدبيات الثانوية التي تدعم المشاريع البحثية التي سينفذها مشروع برنامج أبحاث الصراع في العراق على مدى سنوات البحث الثلاث. أولا، سوف يتم شرح مدى قابلية تطبيق كل مفهوم من المفاهيم الأربعة الرئيسية لبرنامج أبحاث الصراع على العراق، وكيف ستشكل هذه المفاهيم بحثنا. وسيتم ذلك من خلال الحكم على كيفية تفاعل الأبحاث الحالية مع هذه الموضوعات. كما سيتم تقييم كيف يمكن استخدام هذه المفاهيم لشرح دوافع الصراع في الماضي والحاضر والمستقبل. وسوف تقدم الورقة بعد ذلك منظور جندري للصراع العنيف والشعبوية الاعتبارية والسلطة العامة في العراق.
بالإضافة إلى ذلك، يحتوي كل موقع بحث ضمن مشروع برنامج أبحاث الصراع في العراق على عدد محدود من الدوافع الخاصة بسياق الصراع أو نتائج الصراع. مع أخذ ذلك في الاعتبار، ستدرس الورقة محركين آخرين من محركات الصراع: النازحين داخليا الذين يقدر عددهم بنحو 2.3 مليون نازح، والذين تركوا ديارهم منذ عام 2003 بسبب العنف ولمّا يعودوا بعد، والأراضي المتنازع عليها بعد استعادة الحكومة العراقية محافظة كركوك في أكتوبر 2017. فمنذ العام 2003، ثمة صراع بين حكومة إقليم كردستان وحكومة العراق للسيطرة على هذه المناطق وعلى السكان الموجودين فيها. سوف يدرس برنامج أبحاث الصراع كيف أدت استعادة كركوك إلى تغيير الديناميكيات السياسية في جميع المناطق المتنازع عليها، وما إذا كان بإمكان الحكومة العراقية السيطرة على هذه الأراضي، فضلا عن بسط سلطتها على المنطقة بأكملها.

الشعبوية الاعتبارية في العراق
في إطار عمل برنامج أبحاث الصراع، تشير الشعبوية الاعتبارية: إلى القدرة على حشد وتقسيم السكان من خلال اعتماد الخطاب الديني والعرقي الإقصائي. ويمكن نشر هذه السلطة بواسطة السياسيين الوطنيين أو قادة الميليشيات أو الشخصيات الاجتماعية والسياسية المحلية الساعية إلى تحقيق النفوذ. منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في آذار/مارس 2003 إلى انتخابات 2018 على الأقل، سيطرت على السياسة العراقية شعبوية اعتبارية طائفية دينية وعرقية صريحة. وفي أعقاب الغزو مباشرة، دخلت البلاد في موجة مقاومة ضد الاحتلال الأجنبي تبررها القومية الإقليمية. ومع ذلك، سرعان ما أدى شكل متشدد من الشعبوية الاعتبارية الإسلاموية السنية إلى إثارة الصراع. ثم تحول القتال إلى حرب أهلية يفهمها المشاركون والمراقبون من منظور الطائفية العنيفة، مع التأكيد على الهويات العرقية والدينية الحصرية سواء من قبل الشيعة أو السنة أو الأكراد. في أعقاب تلك الحرب الأهلية، لا سيما في الفترة التي سبقت انتخابات 2010 ، تشظت الكتل السياسية الكبرى التي تسعى إلى نشر الشعبوية الاعتبارية، حيث تنافست أحزاب وتحالفات أصغر فيما بينها على أصوات المجتمعات التي سعوا لتمثيلها. وأخيرا، في يونيو 2014 ، سقطت ثاني أكبر مدن العراق، الموصل، في أيدي قوات تنظيم الدولة الإسلامية المتجددة التي ادعت أنها تعيد إنشاء خلافة سنية عابرة للحدود، وتسعى إلى توحيد جميع المسلمين السنة في ظل تفسيرها المتشدد والعنيف والطائفي العميق للإسلام. وقد أدى ذلك، مرة أخرى، إلى تنامي انتشار الشعبوية الاعتبارية.
شهدت انتخابات 2018 استمرارا للعملية التي أدت إلى تمزيق الكتلة السياسية الإثنـ-طائفية. وتنافست الحملة الانتخابية إلى حد كبير حول السياسات القائمة على القضايا وليست السياسات القائمة على الهوية. وكان الاستثناء الرئيسي لذلك هو الحملة الشيعية التي يديرها "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، والحملة السنية التي يديرها "تحالف القرار العراقي" بقيادة أسامة النجيفي . على النقيض من ذلك، ناقشت الائتلافات الانتخابية الرئيسية الأخرى بشدة خططها المتنافسة لإصلاح الاقتصاد، وتوفير الوظائف والخدمات، والتصدي للفساد. بالإضافة إلى ذلك، قام رئيس الوزراء حيدر العبادي وأحد منافسيه الرئيسيين، هادي العامري، بحملات نشطة في جميع أنحاء البلاد، بما يتجاوز دوائرهم التقليدية من الشيعة.
إن استخدام برنامج أبحاث الصراع لمفهوم الشعبوية الاعتبارية، جنبا إلى جنب مع مفهوم السوق السياسية ومفهوم السلطة العامة المتغيرة، يسمح لنا بتجاوز الفهم الثابت أو العابر للتاريخ للطائفية بوصفها قوة حشد للعراقيين دائما. بدلا من ذلك ، فإن توظيف الشعبوية الاعتبارية كوحدة تحليلية يعترف بالتأكيد بالقوة الانفعالية والسياسية للجاذبية الإقصائية التي تتسم بها الإثنية والدين. ومع ذلك، فإنها تفسر هذه الجاذبية في العراق من حيث انهيار السلطة الوطنية العامة. فقد أفسح انسحاب سلطة الدولة المؤسسية من المجتمع المجال للشعبوية الاعتبارية ليستغلها رواد الطائفية والإثنية في حشد المجتمع، ودعاة العنف غير الحكومي لتبرير دورهم.
استند النظام السياسي الذي تم الاتفاق عليه بعد تغيير النظام إلى ميثاق نخبوي مبرر من حيث المحاصصة الطائفية. وقد استخدم هذا النظام الشعبوية الاعتبارية عن عمد للتعمية على أعمال السوق السياسية وتقسيم نظام الحكم في العراق بعد عام 2003، مما يجعل الهوية العرقية والدينية أساسا ليس فقط للتصويت الانتخابي ولكن أيضا للوصول إلى موارد الدولة، وتوفير فرص العمل، والحصول على الخدمات الحكومية. ونتيجة لذلك، هيمنت الشعبوية الاعتبارية الإثنية والدينية على التعبئة السياسية، وبررت دور النخبة الجديدة الحاكمة في العراق، وشرعنت أخيرا استخدام العنف في الحرب الأهلية العراقية.
إن نظام المحاصصة الطائفية وحكومات الوحدة الوطنية التي جاءت بعد كل انتخابات بعد عام 2003 هو الذي دمج الشعبوية الاعتبارية مع السوق السياسية. قام قادة الأحزاب الإثنـ-طائفية بتقسيم الوزارات الحكومية فيما بينهم، مستخدمين موارد الوزارات، من حيث رواتب الخدمة المدنية والميزانيات الوزارية، كمكافآت لترسيخ قاعدتهم السياسية. وكما هي الحال في الانتخابات السابقة، انتقلت الائتلافات الفائزة في انتخابات 2018 إلى مرحلة مفاوضات معقدة ستؤدي في النهاية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية أخرى.

الشعبوية الاعتبارية والهوية السياسية الشيعية
منذ العام 2003 وحتى العام 2010 على الأقل، سعت ثلاثة أحزاب سياسية رئيسية، التيار الصدري وحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، إلى نشر الشعبوية الاعتبارية لحشد أصوات الشيعة في الانتخابات البرلمانية وبالتالي الوصول إلى سوق سياسية تعمل تحت غطاء نظام المحاصصة الطائفية. ومع ذلك، منذ عام 2010 فصاعدا ، كان هناك انقسام في المجال السياسي الشيعي في العراق مع انتشار الأحزاب المتنافسة على ولاء السكان الشيعة.
وصل هذا التشظي ذروته بعد سقوط الموصل وتشكيل قوات الحشد الشعبي. شجعت الشرعية والموارد التي اكتسبتها الجماعات المكونة للحشد الشعبي عددا من الميليشيات الأكثر راديكالية المتحالفة مع إيران لتأمين دورها في السياسة العراقية من خلال التعبئة العسكرية ثم السياسية على الساحة الوطنية. وفيما يتعلق بانتخابات العام 2018 ، شكلت عشرين جماعة من الحشد الشعبي الموالية لإيران "ائتلاف الفتح" بقيادة قائد منظمة بدر هادي العامري. وتنافسوا على الكتلة الشيعية من جمهور الناخبين ضد أربعة تحالفات انتخابية أخرى: ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وائتلاف سائرون بزعامة مقتدى الصدر، وتيار الحكمة الوطني بزعامة عمار الحكيم .
في شهر أيلول/سبتمبر 2004 ، دفع آية الله العظمى علي السيستاني نحو تشكيل "الائتلاف العراقي الموحد"، وهو ائتلاف انتخابي شيعي حصري، ومنحه دعمه خلال أول انتخابات وطنية جرت منذ تغيير النظام . في أعقاب هذا القرار، سعت غالبية الأحزاب السياسية إلى ترسيخ وتعظيم الأصوات داخل دوائرها الانتخابية المحتملة من خلال تشكيل تحالفات انتخابية كبرى. ومع ذلك، مع تطور الحرب الأهلية، منع السيستاني صراحةً الثأر على خلفية تصاعد موجة العنف الطائفي، وهو ما شكّل انفراجة كبيرة في أعمال الانتقام الطائفي المنظم. كم أن رفض السيستاني، بعد انتخابات عام 2005، الانخراط بشكل علني في السياسة العراقية هو الذي يفسر جزئيا انقسام الائتلافات السياسية التي سعت إلى استخدام الشعبوية الاعتبارية لتعبئة شيعة العراق.
أصبح مقتدى الصدر، منذ عام 2003 وحتى عام 2007، هو المروج الرئيسي للشعبوية الاعتبارية الشيعية. وكانت مليشياته، جيش المهدي، وهو منظمة راديكالية عنيفة وغير هرمية، أحد الفاعلين الرئيسيين في الحرب الأهلية. ومنذ منتصف العام 2006 فصاعدا، استخدمت فرق الموت التابعة لجيش المهدي مدينة الصدر وشرق بغداد كمنصة لمحاولة طرد السكان السنة في بغداد خارج المدينة تماما.
ومع ذلك، فإن الأسباب المتغيرة للشعبوية الاعتبارية في العراق تنعكس على التحول الفكري والتنظيمي للصدر منذ عام 2007. في مواجهة الاشتباكات بين جيش المهدي وكتائب بدر، وهي ميليشيا شيعية أخرى، قام الصدر بإصلاح ميليشياته بشكل جذري وتطهيرها وتقليص حجمها لتحقيق سيطرة أكبر. بعد ذلك، وفي أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي جرت في العام 2015، أبدى الصدر كامل دعمه للحركة، وانحاز إلى الحزب الشيوعي العراقي، بل وقام بتوظيف ما تبقى من ميليشياته للدفاع عنها. وتمثل انتخابات عام 2018 ذروة ابتعاد الصدر عن الشعبوية الاعتبارية لصالح السياسة القائمة على القضايا. فقد قام الصدر بتسريح حزبه القديم وشكل حزبا جديدا، ثم ربطه رسميا بالحزب الشيوعي العراقي لتشكيل تحالف سائرون. وخلال الانتخابات، قام التحالف الناشئ بحملة علنية ضد نظام المحاصصة الطائفية، داعيا إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية لإصلاح السياسة العراقية ومحاربة الفساد السياسي الناجم عن الأحزاب. ومع ذلك، في أعقاب التصويت، انتقل الصدر سريعا إلى مرحلة المفاوضات لإعادة تشكيل نظام المحاصصة الطائفية الذي كان قد شن حملة قوية ضده. وقد أدى ذلك إلى نفور أنصاره ونزع شرعيته كأحد وكلاء الإصلاح السياسي الذي تشتد الحاجة إليه.
ثمة حزب سياسي رئيسي آخر سعى إلى حشد أصوات الشيعة من خلال الشعبوية الاعتبارية وهو المجلس الأعلى الإسلامي العراقي. وبالرغم من ذلك، كان المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الضحية الرئيسية لتشظي المجال السياسي الشيعي. ففي أعقاب الانتخابات الوطنية لعام 2010 ، انشق الجناح المسلح للمجلس، كتائب بدر، رسميا عن الحزب لأن زعيم المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، عمار الحكيم، رفض أن يدعم ترشيح نوري المالكي لولاية ثانية. وفي يوليو 2017 ، ترك الحكيم نفسه أخيرا الحرس القديم للحزب ليشكل تنظيما جديدا: تيار الحكمة الوطنية. كان هذا بمثابة اعتراف بأن انحياز المجلس الأعلى الإسلامي العراقي السابق لإيران واستخدام الخطاب الطائفي العلني سيكونان الآن عائقا أمام هدف الحكيم المتمثل في استهداف أصوات الشباب في انتخابات 2018. أدت هذه الاستراتيجية إلى فوز تيار الحكمة بعدد 19 مقعدا.
الحزب الأخير الذي يسعى إلى حشد أصوات الشيعة هو حزب الدعوة الإسلامية. وقد دعم هذا الحزب ثلاثة من بين أربعة رؤساء وزراء للعراق بعد عام 2003، وهم إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي. وكما هي الحال مع منافسيه السياسيين الاثنين، اهتزت علاقة حزب الدعوة بالشعبوية الاعتبارية الشيعية. وقد بلغت النزعة الشعبوية الاعتبارية الإقصائية ذروتها في ظل ولايتي نوري المالكي (2006-2014). قام المالكي بتركيز السلطة في مكتب رئيس الوزراء، بينما كان يحاول الالتفاف على حكومة شديدة الانقسام. كما أنه سيطر على سوق سياسية تعددية للغاية سابقا. ومع ذلك، لم يتمكن من إعادة بناء القدرة المؤسسية للدولة من أجل تقديم الخدمات للسكان. في ضوء هذه الخلفية، عندما واجهته دولة ضعيفة وفاسدة للغاية، وبالتالي سكانا منقسمين، قام بحشد الناخبين الشيعة من خلال استخدام لغة طائفية صريحة، وعن طريق شيطنة القطاعات السنية في المجتمع العراقي بوصفهم بعثيين في البداية ثم إرهابيين جهاديين.
وصلت هذه الشعبوية الاعتبارية المدمرة إلى ذروتها عندما اتهم المالكي نائب الرئيس السني طارق الهاشمي ووزير المالية رافع العيساوي بالإرهاب لطردهم من الحكومة ثم إلى المنفى. أشعلت الاتهامات الموجهة إلى العيساوي مظاهرات حاشدة في شهر كانون الأول/ديسمبر 2012 في مختلف أنحاء المناطق ذات الأغلبية السنية في الشمال الغربي، وأدت إلى زيادة الشعور العام بالاغتراب وهو ما سمح لداعش بالتوسع بسرعة كبيرة.
تمت تنحية نوري المالكي عن رئاسة الوزراء في العام 2014، على الرغم من حصوله على أعلى نسبة تصويت في تلك الانتخابات. وتم استبداله بعضو آخر من المكتب السياسي لحزب الدعوة: حيدر العبادي. أوضح العبادي في خطاب قبوله لرئاسة الوزراء في سبتمبر 2014، أنه أدرك الضرر الذي أحدثه الخطاب الطائفي للمالكي، وسلط الضوء على هدفه المتمثل في القضاء على نظام المحاصصة الطائفية من خلال "ثورة شاملة ترتكز على أسس إدارية جديدة".
في انتخابات العام 2018 ، لم يتمكن حزب الدعوة، المنقسم بين المالكي والعبادي، من الاتفاق على قائمة انتخابية موحدة، مما أدى إلى إدارتهما لائتلافين انتخابيين منفصلين. وعلى الرغم من أن الحملة الانتخابية الشاملة ركزت على القضايا السياسية، خاصة كيفية الحد من الفساد وإصلاح الاقتصاد، إلا أن ائتلاف دولة القانون التابع للمالكي استمر في نشر الشعبوية الاعتبارية في محاولة لحصد أصوات الناخبين الشيعة. لقد بنى المالكي ذاته ومرشحون آخرون حملتهم على أساس مفهوم "القمع الشيعي والمظلومية". وقد سلطوا الضوء مرارا وتكرارا على الخطر الذي تشكله الجماعات السنية المتمردة المرتبطة بحزب البعث .
كان تشكيل الحشد الشعبي هو آخر وسيلة لنشر الشعبوية الاعتبارية الشيعية. في أعقاب سقوط الموصل، في يونيو 2014، بينما كانت قوات الدولة الإسلامية تتحرك جنوبا نحو بغداد، أصدر آية الله العظمى السيستاني فتوى دعا فيها جميع الرجال القادرين إلى للدفاع عن "بلادهم، وشعبهم، ومقدساتهم". انضم عشرات الآلاف من الشباب الشيعة إلى القوة التي تم إنشاؤها لمحاربة داعش. واحتلت الميليشيات الشيعية الراديكالية الطائفية والعنيفة مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وكتائب بدر مركز الصدارة، حيث قامت بتسليح ونشر هؤلاء المجندين الجدد، وتوسعت في هذه العملية بدرجة كبيرة في الحجم والقوة والنفوذ. وقد حصلت قاطرتهم الانتخابية، ائتلاف الفتح، على عدد 48 مقعدا، وهو ثاني أكبر عدد مقاعد في البرلمان، بقيادة هادي العامري.
تشظِّي التحالف الانتخابي الذي سعى إلى حشد أصوات الشيعة على أساس الشعبوية الاعتبارية في الحملة الانتخابية لعام 2010 ، واختيار حيدر العبادي رئيسا للوزراء في سبتمبر 2014، وتحرير مدينة الموصل من قبضة داعش في تموز/يوليو 2017، أدت كلها مجتمعة إلى إتاحة الفرصة لأولئك الذين يسعون إلى حشد أصوات الشيعة.
بشكل عام، فإن تمزق "البيت الشيعي"، الكتلة الانتخابية الكبيرة التي جسدها "الائتلاف العراقي الموحد"، يضفي على السياسة العراقية طبيعة أكثر مرونة. ويفسح التراجع الواضح للشعبوية الاعتبارية مساحة أكبر لتشجيع السياسات القائمة على القضايا. كما يسمح بتشكيل تحالفات تنفيذية داخل الحكومة بعد الانتخابات، والتي يمكن أن تدفع باتجاه إصلاح هادف لنظام المحاصصة الطائفية، وتدفع بالمجال السياسي العراقي بعيدا عن السياسات القائمة على الهوية نحو سياسات تقديم الخدمات.

الشعبوية الاعتبارية السنية
في ظل الافتقار إلى الهيراركية الدينية المركزية التي تميز الإسلام الشيعي، أو الأحزاب السياسية المهيمنة في السياسة الكردية، من الصعب تقييم طريقة عمل شعبوية سنية اعتبارية محددة. بل يمكن القول إن الشعبوية الاعتبارية السنية على وجه التحديد تأخرت في الظهور في العراق.
في أعقاب تغيير النظام مباشرة، كان الخطاب والرمزية المهيمنة التي استخدمها أولئك الذين سعوا إلى حشد العراقيين السنة تميل إلى التركيز ليس على كونهم سُنّة بل كقوميين عراقيين أو وطنيين يقاومون المحتل الأجنبي. ظلّ الأمر كذلك حتى خضم الحرب الأهلية وصعود السلفية الجهادية الراديكالية العابرة للحدود، حيث توجه روادها السياسيون بالخطاب على وجه التحديد إلى أولئك الذين أرادوا حشدهم كسُنة عراقيين، مما وضعهم في مواجهة كلٍ من الشيعة والأكراد .
تضافرت مشاعر الاغتراب والغضب السائدة بين السنة في العراق والتفت لبعض الوقت حول ائتلاف فضفاض من المساجد، "هيئة علماء المسلمين" . وبعيدا عن الشعبوية الاعتبارية الأكثر حذرا لهيئة علماء المسلمين، فقد وقفت في وجه السلفية الجهادية الراديكالية. بدأت المعارضة العنيفة للاحتلال الأمريكي والنظام الجديد الذي أنشأته في الاندماج في مجموعات قتالية أكثر تماسكا في العام 2005. وحّد الالتزام المتزايد بالسلفية الجهادية والشعبوية الاعتبارية الطائفية العدوانية بين هذه الجماعات . وقد أخذ الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي زمام المبادرة في هذا الاندماج، بعد أن تحالفت جماعته بحلول عام 2004 مع تنظيم القاعدة في العراق. ومع ذلك، فقد تعرض هذا التحالف لضغوط مستمرة، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى نزعة الزرقاوي الطائفية المتطرفة المعادية للشيعة . وبعد مقتل الزرقاوي في العام 2006، توسع التنظيم وتحول إلى داعش، وهو تنظيم جهادي سني متطرف مصمم للعيش على مفاقمة الصراع الطائفي ويحمل بصمات وحشية تلك الحرب . 
ومنذ العام 2003 فصاعدا، مُنح الحزب الإسلامي العراقي دور تمثيل السكان السنّة في نظام المحاصصة الطائفية، ومجلس الحكم العراقي، وفي كل حكومة وحدة وطنية تشكلت منذ ذلك الحين. ومن أجل القيام بذلك، أنشأ الحزب الإسلامي العراقي جبهة التوافق العراقية، وهو ائتلاف انتخابي أوسع. ومع ذلك، مع تراجع العنف مؤقتا بعد عام 2007 وبالتالي تراجُع تأكيد السياسات الطائفية العدوانية، عانى الحزب الإسلامي العراقي من انشقاق مماثل لتلك الأحزاب التي تنشر الشعبوية الاعتبارية لحشد أصوات الشيعة. وقد وصلت هذه الديناميكية إلى ذروتها في العام 2008 ، عندما غادر الائتلاف عدد من الشخصيات البارزة.
في الفترة السابقة على الانتخابات الوطنية لعام 2010، بدأ إياد علاوي، زعيم حركة الوفاق الوطني العراقي، التحرك للاستفادة من تراجع السياسة الطائفية، مما أتاح له الحرية في بناء تنظيم أوسع بكثير لخوض الانتخابات الوطنية. وقد كان حصوله على 91 مقعدا، مقابل 89 مقعدا لائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء و 70 مقعدا للائتلاف الوطني العراقي، هو أقوى مشهد انتخابي حتى الآن لحزب لا يعتمد الشعبوية الاعتبارية في حملته الانتخابية. ومع ذلك، شهدت انتخابات 2014 انقسام "القائمة العراقية" وهي تحالف علاوي السابق. وهذا يشير إلى عودة الشعبوية الاعتبارية السنية إلى المشهد.
في انتخابات العام 2018، عانت تلك الائتلافات الانتخابية التي سعت إلى الحصول على تصويت سني على وجه التحديد من التفكك الإثنـ-طائفي لكتلة التصويت الانتخابية. وشرع "تحالف القرار العراقي" بقيادة أسامة النجيفي في حشد الناخبين باستخدام شعبوية اعتبارية إقصائية متمحورة حول السنة. ومع ذلك، مع قيام الكتل الوطنية الكبرى أيضا بحملات في المناطق ذات الأغلبية السنية، فشلت استراتيجية النجيفي وتمكن من الحصول على 14 مقعدا فحسب، متراجعا بعدد 9 مقاعد عن نتائج العام  2014.

الشعبوية الاعتبارية في إقليم كردستان العراق
برزت القومية الكردية في العراق ردا على تجاوزات القومية العربية تجاه الأكراد. وأدت هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991 إلى تعزيز التطلعات الكردية لإنشاء وطن مستقل من خلال إنشاء حكومة إقليم كردستان، وهي حكومة شبه مستقلة اعترف بها لاحقا دستور العراق لعام 2005.
وقد دخل المشروع القومي الكردي والشعبوية الاعتبارية المصاحبة له حقبة جديدة بعد عام 2003. ربطت الشبكات العابرة للحدود بين الشتات الكردي وأكراد العراق، وعززت التنوع الأيديولوجي بشكل كبير. في الوقت ذاته، ظهرت معارضة حكومة إقليم كردستان ومؤسسته الحزبية التقليدية، لا سيما بين أجيال الشباب . وقامت حركة كوران (حركة التغيير الكردية) بشقّ الهيكل الحزبي لحكومة إقليم كردستان، وتحدت الفساد المستشري والمحسوبية، وقوضت الخطاب القومي لحكومة إقليم كردستان الذي كان يدور على الاستقلال وتقرير المصير الكردي .
قامت حركة كوران أيضا بتضخيم أصوات حزبين إسلامويين كرديين، مستفيدةً من خيبة أملهما من المؤسسة الحاكمة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني . ومع ذلك، في حين تُظهر هذه الأحزاب الإسلاموية وجود شعبوية اعتبارية إسلاموية في إقليم كردستان العراق، إلا أن الإسلام السياسي وسياسات الهوية الطائفية بعيدان عن دوائر التأثير في كردستان العراق بخلاف وسط وجنوب العراق . وبالمثل، في حين أنه من الصحيح أن داعش تمكنت من استقطاب مئات الأكراد منذ العام 2014، وشن بعضهم هجمات في أربيل وكركوك وعلى الصعيد الدولي ، تشير الأبحاث إلى أن استراتيجيات تجنيد داعش استغلت المظالم الشعبية مع تفشي الفساد والحرمان الاقتصادي وعدم الاستقرار المالي وضعف مستويات التعليم في المنطقة . 
أيضا تم استغلال المشاعر القومية في استراتيجيات تجنيد حزب العمال الكردستاني، وهو حركة كردية متطرفة تستوعب كلا من الرجال والنساء الذين شاركوا في القتال ضد داعش. وقد أدى نجاح حزب العمال الكردستاني على جبهة القتال، إلى جانب الرفض الشعبي المتزايد للفساد والمحسوبية في الحزبين الكرديين الرائدين، إلى زيادة شعبيته ودعمه. ومن وجهة نظر العديد من أكراد العراق، قام الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بنشر الشعبوية الاعتبارية الكردية من أجل زيادة نفوذهم السياسي والتجاري، وبالتالي المساومة على القضية القومية، في حين أن حزب العمال الكردستاني "حافظ على صورته القومية"، ومن ثم شرعيته .
شهدت الشعبوية الاعتبارية والقومية الكردية تحولات عديدة خلال العقد الماضي نتيجة فشل النخبة الكردية الحاكمة في تأمين الاستقرار الاقتصادي والسياسي والازدهار للشعب الكردي. ويضع العديد من الأكراد الآن أولوية الحصول على وظيفة أو تعليم جيد فوق مطالب تحقيق الاستقلال. وقد تضخم هذا الشعور خلال العامين 2017-2018 ، مع خسائر إقليم كردستان لبعض الأراضي وتراجع الحقوق الاقتصادية والسياسية والامتيازات التي اكتسبها الأكراد من بغداد.
بلغت محاولات حكومة إقليم كردستان أوجها في استخدام الشعبوية الاعتبارية في 25 سبتمبر 2017، عندما أجرت استفتاء على الانفصال الكردي ضد رغبات بغداد وجيرانها، حيث صوت 93 % لصالح الانفصال. سعى مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى استخدام نتائج الاستفتاء لمفاقمة الشعبوية الاعتبارية الكردية وتعزيز شرعيتهما، ولكن الخسائر التي مني بها على الأرض والخسائر الاقتصادية والسياسية الكبيرة التي أعقبت التصويت قوضت هذه المحاولة، وسلطت الضوء على حقيقة أن المشاعر القومية كانت تعكس الأزمات في العراق وحوله بدلا من التقدم المطرد نحو إنشاء دولة كردية.
كما أدت استعادة القوات الفيدرالية لمدينة كركوك في تشرين الأول/أكتوبر 2017 إلى نفور الناخبين من قيادة المؤسسة، وخاصة الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي اعتبر الكثيرون أنه خائن للقضية الكردية من خلال التفاوض على صفقة مع بغداد للانسحاب من المدينة. الاحتجاجات المستمرة التي تحولت إلى حركات جماهيرية في كانون الأول/ديسمبر 2017 وآذار/مارس 2018، وترويج السرديات المناهضة للفساد والمناهضة للمؤسسة من قبل الأحزاب السياسية المشكلة حديثا، ومقاطعة استفتاء الاستقلال الكردي والانتخابات الفيدرالية العراقية، عكست جميعها أيضا خيبة الأمل المتزايدة. وعلى الرغم من الاستخدام المستمر للشعبوية الاعتبارية من قبل كلٍ من أحزاب المؤسسة وأحزاب المعارضة، فإن التحول العام بعيدا عن السرديات القومية المستخدمة بكثرة يعكس حالة الحرمان التي يشعر بها الأكراد تجاه قيادتهم.
عكست حركة الاحتجاج على وجه الخصوص مظالم موظفي الخدمة المدنية والمعلمين وعامة الناس تجاه المسؤولين الذين علموا أن محاولاتهم لدغدغة المشاعر القومية لم تعد تبرر بقائهم في السلطة. وعلى الرغم من أن المظالم كانت قائمة منذ توطيد وتوسيع السلطة من قبل الاحتكار الثنائي لها بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أنها تحولت إلى احتجاجات وأعمال عنف، كان آخرها في أعقاب استفتاء الاستقلال الكردي في عام 2017 وقبيل الانتخابات الفيدرالية العراقية في مايو 2018. 
دفعت قوة الحركة الاحتجاجية إلى ظهور "التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة"، الذي انشق زعيمه ورئيس الوزراء الكردي السابق برهم صالح عن الاتحاد الوطني الكردستاني في سبتمبر 2017 ، وحركة "الجيل الجديد" بقيادة شاسوار عبد الواحد، صاحب مؤسسة ناليا ميديا. انضم كلا الحزبين إلى صفوف أحزاب المعارضة القائمة. وبينما كان الهجوم الشخصي والخطاب المناهض لبغداد هما المسيطران على خطابات حملات الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، غيرت هذه الأحزاب الجديدة أولوياتها بعيدا عن السرديات القومية الكردية المتمركزة حول العرق نحو تلك السرديات التي تركز على إنهاء الفساد، واستعادة الحكم الجيد، وتأمين رواتب الموظفين المدنيين. بعد ذلك، شكلوا قوى متحالفة في أعقاب الانتخابات للاحتجاج على تزوير الانتخابات والمطالبة بإعادة فرز الأصوات.
تعكس التغييرات في الطريقة التي يتم بها توظيف الشعبوية الاعتبارية أيضا المواقف العامة تجاه الاستفتاء الكردي وانتخابات 2018 ، حيث كانت المقاطعة والامتناع عن التصويت أمرا شائعا . أشارت الاحتجاجات العامة والخاصة حول توقيت الاستفتاء أيضا إلى أنه لا يمكن حشد المشاعر القومية الكردية على أساس السرديات العرقية والمطالبات التاريخية بالأرض وحدهما. ومع ذلك، كانت نسبة المشاركة عالية وصوّت 93٪ لصالح الاستقلال. أشار الاستفتاء إلى أنه في الساعات الأخيرة قبيل التصويت، كانت هذه السرديات لا تزال قوية بما يكفي لإقناع الجمهور بالتصويت، على الرغم من الدوافع الأداتية الواضحة للحزب الحاكم .
شكلت الانتخابات الفيدرالية لعام 2018 مؤشرات أكثر وضوحا لهذا التحول في سرديات الحملة الانتخابية وجهود المقاطعة والامتناع عن التصويت. ففي جميع المحافظات التي تضم عددا كبيرا من السكان الأكراد (باستثناء نينوى)، كانت نسبة المشاركة أقل بكثير (ما يقرب من 40 %) مقارنة بانتخابات 2010 و 2014 (بلغت النسبة حوالي 70 %) . ومع ذلك، وكما هي الحال مع الاستفتاء على الاستقلال، أظهرت أحزاب المؤسسة الحاكمة سيطرتها المستمرة على السلطة، حيث أفادت المشاركة المنخفضة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اللذين حصلا على 25 و 18 مقعدا على التوالي. وحلّت حركة كوران في المركز الثالث، حيث فازت بخمسة مقاعد فقط، أي أقل بأربعة مقاعد عن الانتخابات السابقة، بينما حازت حركة الجيل الجديد 4 مقاعد، وحاز التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة مقعدان.
عبر إقليم كردستان العراق، اختفت فيما يبدو الكتل الإثن-طائفية المتجانسة التي هيمنت على السياسة العراقية منذ تغيير النظام حتى العام 2010 تقريبا. تظل الشعبوية الاعتبارية استراتيجية سياسية رئيسية، ولكن تلك المنظمات التي تنشرها أصبحت أكثر عددا ويتعين عليها الإشارة إلى قضايا أخرى مثل الفساد وقصور الخدمات الحكومية. وبالتالي، فإن العملية السياسية أكثر مرونة ، ولكن الشعبوية الاعتبارية لا تزال هي القاسم المشترك الذي ينشره السياسيون الذين فشلوا في إحداث تغيير ذي مغزى لقواعدهم الانتخابية من أجل الفوز بأصواتهم.

السوق السياسية
السوق السياسية والحكومة العراقية
يشير مصطلح السوق السياسية إلى سياسات الصفقات التي تسهّل شراء الولاءات السياسية مقابل مكافأة مادية تكون مقتطعة غالبا من موارد الدولة. وهذا شكل حديث من السياسات الميراثية patrimonial، التي تنافس وتقوّض عمليات بناء الدولة والتنمية المؤسسية. في العراق، يرتبط عمل السوق السياسية ارتباطا وثيقا (ويُشرعَن) بالشعبوية الاعتبارية الإثن-طائفية لتبرير موقف النخبة الحاكمة وتقسيمها لمغانم الحكومة بينها وبين أتباعها. ومن الأفضل أن نفهم التسوية السياسية لما بعد عام 2003، والتي حددت عملية تشكيل الحكومة بعد الاستحقاقات الانتخابية الخمسة جميعها، بوصفها صيغة تقريبية وجاهزة للتوافقية، وهي اتفاقية حصرية بين النخبة مبررة من حيث المحاصصة الطائفية. 
كانت التسوية السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة بعد الغزو عبارة عن اتفاق حصري بين النخبة وضع آلية عمل السوق السياسية في قلب الدولة. وقد تم مأسسة هذا الاتفاق الحصري بين النخبة بموجب دستور 2005، وشرعنته من خلال الشروط التي تم بموجبها تشكيل حكومات ما بعد الاستحقاقات الانتخابية منذ ذلك الحين. كما أنه همّش بطريقة متعمدة الدور السياسي، ومن ثم الموارد المتاحة، لممثلي قطاع واحد من سكان العراق وهم السنّة. أدت النتائج المزدوجة لنظام المحاصصة الطائفية إلى إضعاف الفساد والاستياء المتواصل من قبل جميع المحرومين من الوصول إلى غنائم المنصب.
في نظام المحاصصة الطائفية، تعمل السوق السياسية بطرق ثلاث. أولا، تستخدم الأحزاب المهيمنة الرواتب الحكومية لمكافأة الولاء السياسي. ثانيا، يستخدمون العقود الحكومية لإثراء رجال الأعمال المقربين من قياداتهم. ثالثا، يتم ببساطة سرقة أموال الميزانيات الوزارية لتحقيق الثراء الشخصي واستخدامها لأغراض حزبية.
عقب كل انتخابات وطنية، يرى نظام المحاصصة الطائفية أن الوزارات ومواردها تُمنح للأحزاب الإثن-طائفية كمكافأة على مشاركتها في حكومات الوحدة الوطنية. ويقوم كل حزب باستغلال موارد الوزارة الممنوحة له لتحقيق مكاسب سياسية، وشخصية في كثير من الأحيان. تمنح الأحزاب أنصارها "تزكية" أو خطاب توصية يسمح لهم بالحصول على وظائف في الوزارات التي يسيطرون عليها . ونتيجة لذلك، تم تضخيم جداول الرواتب الوزارية لتوظيف أعضاء الحزب والمقربين أيضا من رؤساء الأحزاب. وقد أدى ذلك إلى تضخم الرواتب الحكومية التي كانت تدفع إلى 850 ألف إلى 1.2 مليون موظف في عام 2003 لتصل إلى 3 ملايين موظف في عام 2015. وقد بلغت فاتورة أجور القطاع العام بين عامي 2005 و 2010 نسبة 31% من إجمالي الإنفاق الحكومي، أو 18% من إجمالي الناتج المحلي . 
هيمنت فضائح الفساد الكبرى على وزارات الدفاع والنفط والكهرباء والتجارة. ومن المفترض أن يُحارب الفساد السياسي واسع الانتشار في العراق من قبل مؤسستين رئيسيتين مصممتين خصيصا لتقليل الفساد داخل الحكومة. ومع ذلك، خلُص تقرير تم تسريبه من السفارة الأمريكية في عام 2007 إلى أن "العراق غير قادر حتى على التطبيق المبدأي لقوانين مكافحة الفساد". ولا يوجد سبب وجيه للإيحاء بحدوث أي تغيير كبير في هذا الوضع منذ ذلك الحين.

السوق السياسية في إقليم كردستان
منذ عام 2003، عملت حكومة إقليم كردستان كدولة ريعية من خلال اعتمادها على عائدات النفط، والفساد المستشري، والقطاع العام الضخم، والهيكل الضريبي الضعيف . ومن خلال إعطاء الأولوية لتطوير المنتجات الهيدروكربونية و"البطاقة الوقودية" كرافعة مالية من بغداد، تجاوزت حكومة إقليم كردستان البناء المؤسسي الضروري الذي كان من الممكن أن يحميها من الآثار السيئة للريعية . أيضا سعت الأحزاب السياسية الكردية الرئيسية إلى كسب الولاء والشرعية من خلال توزيع الموارد الحكومية  وأعادت توزيع الثروة من خلال رواتب القطاع العام، مما أعطى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني سيطرة واسعة النطاق على القطاع العام .
كما أن مؤسسات إنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية في حكومة إقليم كردستان قائمة أيضا على شبكات المحسوبية. يُبقي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على وحدات البشمركة الخاصة بهما ويقدمان لها الدعم، بما في ذلك السكن المجاني والأرض ورواتب شهرية جيدة ومعاشات تقاعدية سخية، وبالتالي فرض تقسيم الجهات الأمنية عبر الانتماءات الحزبية . وهذه المقاربة المشخصنة والزبائنية للسلطة هي أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم إحراز تقدم في دمج ونزع تسييس مختلف قوات الأمن الموجودة في الإقليم . 
يوفر قطاع النفط الموارد الأساسية اللازمة لتمويل السوق السياسية. وتشير قدرة هذا القطاع على القيام بذلك إلى الافتقار إلى الشفافية داخل القطاع، الناجم عن غياب المؤسسات أو عدم فعاليتها وندرة الإفصاح المالي العام الإلزامي. لم تؤد حالة الغموض التي تكتنف إدارة الموارد النفطية إلى عدم الثقة الداخلية في الحكومة فحسب، بل أعاقت أيضا حل النزاعات مع الحكومة المركزية. حتى عندما حاولت الحكومة ذاتها معالجة مشكلة الفساد، تعمدت إسقاط وزارة الثروات الطبيعية من جدول إصلاحاتها . وبشكل عام، كان الافتقار إلى الشفافية والمساءلة عائقا أمام التطور الديمقراطي في إقليم كردستان العراق . 
شكّل استفتاء الاستقلال الكردي وما تلاه من سيطرة على الأراضي المتنازع عليها نقطة تحول في السيطرة الكردية على الأرض وعلى السلطة الإدارية والاقتصادية على الأراضي الغنية بالنفط. إذ أدت عملية إعادة فرض السلطة الفيدرالية سيطرتها على نقاط التفتيش والحدود والمطارات إلى تقليل مدى قدرة حكومة إقليم كردستان على الحفاظ على شبكات المحسوبية في الأجهزة الأمنية والقطاع العام والشركات الخاصة. وهذا التوسع في النفوذ الفيدرالي، والمزامن لتخفيض الميزانية الفيدرالية لحكومة إقليم كردستان في مارس 2018 من 17% إلى 12.6%، أضعف بشكل كبير قدرة حكومة إقليم كردستان على الحفاظ على الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، مما أدى إلى فرض تخفيض رواتب حكومة إقليم كردستان . 
وعلى نحو خاص، شكلت عملية استعادة حقول نفط كركوك، التي سيطرت عليها القوات الكردية في القتال ضد داعش في العام 2014، أكبر ضربة لاقتصاد إقليم كردستان. حيث تمثل حقول نفط كركوك حوالي 70 % من الإنتاج اليومي لحكومة الإقليم من النفط، وقد وفرت -إلى جانب غيرها من الحقول التي استعادتها القوات الفيدرالية في أكتوبر/تشرين الأول 2017- حوالي 8 مليارات دولار من الإيرادات السنوية لحكومة إقليم كردستان . 
حاولت وزارة الثروات الطبيعية، التي تُعتبر على نطاق واسع واحدة من أقل المؤسسات الحكومية شفافية في حكومة إقليم كردستان، الرد على الانتقادات الموجهة إليها من كل من بغداد والحكومات الأجنبية. في كانون الثاني/يناير 2018 ، أعلنت أن المراجعة المالية التي قامت بها شركة ديلويت Deloitte لقطاعي النفط والغاز في حكومة إقليم كردستان، والتي أكدت أنها "عملية شفافة وجرت وفقا لإرشادات البنك الدولي'' ، لم تعثر على "أخطاء في مبيعات النفط في حكومة إقليم كردستان'' . وعلى الرغم من ذلك، قوبلت هذه التقارير على الفور بالشكوك نظرا لافتقارها إلى التفاصيل وضعف تقديم البيانات اللازمة . 
ومع ذلك، فإن تخفيض حصة حكومة إقليم كردستان من الميزانية الفيدرالية قد يفرض المزيد من الجهود الحقيقية لإصلاح وتقليص حجم القطاع العام، خاصة إذا ما أراد السياسيون معالجة مظالم الجمهور الذي يعاني الحرمان بشكل متزايد. حقيقة أن حكومة إقليم كردستان يجب أن تكون مسؤولة الآن أمام الحكومة في بغداد قد تحفزها على معالجة قضايا الفساد بشكل أسرع مما لو كانت قادرة على الاعتماد بشكل كامل على العوائد الريعية.

السلطة العامة
السلطة العامة في العراق
بالنسبة إلى برنامج أبحاث الصراع، يشير مصطلح السلطة العامة إلى الهياكل والأشخاص الذين يمارسون وظائف الحوكمة، بدرجة من القبول، على أي مستوى أعلى من مستوى الأسرة. والسلطات العامة هي وحدات الحكم لأنها موجودة بالفعل في كل مكان محدد. في العراق، تم تغيير السلطة العامة المركزية، والمؤسسات المدنية والعسكرية للدولة، ثلاث مرات. في ظل الحكم البعثي خلال السبعينيات، حيث سمحت الزيادة الكبيرة في عائدات النفط للنظام بتوسيع حضوره المؤسسي بشكل كبير داخل المجتمع. ومع ذلك، بعد غزو الكويت في العام 1990، أدت ثلاثة عشر عاما من أشد العقوبات الدولية التي فرضت على العراق على الإطلاق إلى تراجع مؤسسات الدولة. كما أدت الأحداث العنيفة التي أعقبت غزو عام 2003 إلى تراجع كبير آخر في القدرة المؤسسية للدولة للدرجة التي وصف بها العراق بالدولة الفاشلة. وبين عامي 2007 و 2014 ، وبدعم من تزايد أسعار النفط، أعادت مؤسسات الدولة تأسيس ذاتها ببطء داخل المجتمع العراقي. ومع ذلك، وجهت حملة داعش ضد الدولة العراقية، التي بلغت ذروتها بسقوط الموصل عام 2014 ، ضربة كبيرة أخرى للسلطة العامة المركزية.
بعد عام 2003 ، مع تراجع السلطة العامة المركزية ، ملأت المنظمات شبه الحكومية جزئيا الفجوة التي خلفتها الدولة. وكان العديد من هذه المؤسسات إما مؤسسات دينية، وأبرزها المؤسسات الهيراركية الدينية الشيعية، أو مؤسسات استخدمت الشعبوية الاعتبارية القائمة على الدين لتبرير وظيفتها في الحكم داخل المجتمع. ويعتبر جيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر مثال رئيسي في هذه الحالة، وكذلك دور الحكم الذي اضطلع به تنظيم داعش في المناطق التي يسيطر عليها. جزء مركزي من هذا الصراع بين الدور المجتمعي لمؤسسات الدولة ومنافسيها من الفاعلين من غير الدول سيدور حول طبيعة الدور المستقبلي للفصائل العديدة التي يتألف منها الحشد الشعبي، خاصة في جنوب البلاد.
تهدف محاولات اللامركزية الفيدرالية، التي بدأت بإقرار البرلمان العراقي للقانون رقم 21 لعام  2008 وبدعم من المجتمع الدولي، إلى دفع المؤسسات الحكومية المحلية إلى الفضاء الذي خلفته الإدارة الوطنية الضعيفة. ومع ذلك ، من الواضح أن هذه المبادرة السياسية تم عرقلتها على المستوى الوطني مع محاولة الوزراء والوزارات ومديري العموم جميعا عرقلة تفويض السلطة إلى مستوى المحافظات. كما أن هذا المفهوم من تفويض السلطات لا زال غير شائعا أيضا لدى السكان العراقيين.

وقبل العام 2015 ، كانت المظاهرات التي ركزت على الفساد وسوء تقديم الخدمات العامة تميل إلى أن تكون متفرقة وتفاعلية إلى حد كبير وموجهة إلى عجز الحكومة عن تقديم خدمات الكهرباء خلال أشهر الصيف الحارة للغاية . ومع ذلك، ركزت الاحتجاجات الجماهيرية في عام 2015 على الدعوة إلى قيام "دولة مدنية" . 
كانت لهذه المطالب أهمية سياسية أيضا لأن الغالبية العظمى من المتظاهرين في بغداد وفي الجنوب كانوا من الشيعة. ومع ذلك، على عكس فصول الصيف السابقة، قدم اثنان من الشخصيات الدينية والسياسية المهمة، آية الله العظمى علي السيستاني ومقتدى الصدر، دعمهما الحقيقي للحركات الاحتجاجية . وعندما واجهته الاحتجاجات الجماهيرية الكبرى المدعومة من السيستاني والصدر كليهما، لم يكن أمام العبادي خيارا سوى محاولة تلبية مطالبهم، وإطلاق خطة إصلاح طموحة مكونة من 44 بندا تهدف إلى إنهاء نظام المحاصصة الطائفية، ومعالجة قضايا الفساد، وتقليص حجم الحكومة، وإصلاح مجلس الوزراء. ومع ذلك، مع انفضاض المحتجين وتراجع درجات الحرارة في الصيف، ظلت خطط إصلاح العبادي دون تنفيذ وشهد العراق عودة إلى السياسات المعتادة.
تُظهر الاحتجاجات الشعبية إمكانية التعبئة المدنية العابرة للطوائف في العراق. وقد ينطوي هذا الأمر على وسيلة أخرى لمشاركة النساء في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إذ أن التعبئة الطائفية أبوية للغاية ولا تترك مساحة كبيرة لقدرة المرأة على التأثير في العمليات السياسية. ومع ذلك، لم تنجح هذه الاحتجاجات في النهاية لسببين. أولا، لم يكن لدى المتظاهرين القدرة التنظيمية الكافية للحفاظ على الحراك بأنفسهم، مما جعلهم عرضة للاستيعاب داخل تنظيمات أخرى. ثانيا، استخدمت القوات القمعية العلنية للدولة وميليشيات الأحزاب السياسية المهيمنة العنف في محاولة لفضّ الحركة الاحتجاجية. ومرة أخرى، تقدمت قوات الصدر لتوفير الحماية للمتظاهرين.
وإذا كانت الحركة الاحتجاجية لتتبلور وتصبح حركة سياسية مستدامة من أجل التغيير، فسيتعين عليها تطوير قدرتها التنظيمية الخاصة التي تفصلها عن الارتباط الإشكالي بالتيار الصدري. يشير عصام الخفاجي، المحلل المخضرم في السياسة العراقية، إلى أن الحركة السياسية التي تمخضت عن الحركة الاحتجاجية لعام 2015، تحالف التقدم، كان من الممكن أن تكون المنصة التي يمكن من خلالها إطلاق برنامج بديل لمواجهة نظام المحاصصة الطائفية خلال انتخابات 2018 .
ومع ذلك، فإن النواة التنظيمية والأيديولوجية لتحالف التقدم، الحزب الشيوعي العراقي، قد انضمت إلى "تحالف سائرون" بزعامة الصدر، مما أعاق قدرتها على بلورة الغضب المجتمعي في حركة سياسية مركزة ذات أجندة إصلاحية متماسكة......لقراءة المزيد

 


Legal Note:

Publishing this material has been funded by Rewaq Baghdad Center of Public Policy; however the views expressed in this document do not reflect the Center’s official policies nor its opinions.
تم تمويل نشر هذه المادة من قبل مركز رواق بغداد للسياسات العامة. لكن الآراء الواردة في هذه الوثيقة لا تعكس سياسات المركز الرسمية ولا آراءه.