مقتدى الصدر من المعارضة إلى السلطة: ديمقراطية رجل الدين في العراق بعد 2003 

تاريخ النشر:
2021 كانون الأول 22


يوسف نعيم خلف (1) 
ترجمة: مرتضى صلاح
مقدمة
في نيسان 2003، أسقطت القوات الأميركية نظام صدام. ثم نتج عن الاضطرابات التي رافقت سقوط الدولة العراقية ظهور الكثير من الحركات الإسلامية المتشددة التي كانت ممنوعة من قبل نظام صدام العلماني. وكان رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يقف ضد الغزو الأميركي للعراق. وقد أعلن الحرب على المحتل الأميركي وحكومته غير الشرعية المعروفة بإسم سلطة التحالف المؤقتة (سي بي أي- CPA ( من خلال إنشائه (جيش المهدي).
في العام 2004، تخلى مقتدى الصدر عن العنف (بصورة مؤقتة) ودخل في عملية سياسية، ليشارك في تشكيل الحكومة العراقية. وسمحت له هذه العملية ببناء حركته من خلال السيطرة على القطاعات الحكومية الأكثر أهمية آنذاك، وهما وزارتا النقل والصحة. كان معظم أتباعه من شريحة العاطلين عن العمل، ومن القطاعات المحرومة اقتصاديا في المجتمع العراقي. وهكذا منحهتم حركته فرصا للعمل وكذلك موقعا سياسيا.
خلال فترة الحرب الأهلية بين العامين (2006-2007)، عاد الصدر وأعلن الحرب على المتطرفين. السؤال المطروح هنا إن كانت تلك الحرب الأهلية هي السبب الرئيس لعودة الصدر إلى العنف، أم إن هناك سببا آخر قد يكون وراءه؟ ومنذ تأسيس (جيش المهدي) في العام 2003 وإلى يومنا هذا، قام الصدر بعمليات تجميد وحل لقواته العسكرية وغيّر أسماءها كذلك. فالعنف هو وسيلة سياسية لتهديد المعارضين سواء كان ذلك داخليا أم خارجيا، وكان مقتدى الصدر يدرك ذلك تماما. فقد تخلى عن العنف مؤقتا قبل أن يدخل الساحة السياسية ويصبح لاعبا سياسيا لديه عدد كبير من الأتباع.
يعتبر الصدر حاليا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في السياسة العراقية، اذ يلعب دورا مزدوجا في ممارسة المعارضة داخل البرلمان العراقي من جهة، فيما يتعاون مع المعارضة من جهة أخرى. وقد كان لدوره المزدوج تأثير كبير على شرعية وسلطة الحكومة العراقية منذ العام 2003. فمن الضروري دراسة العوامل التي ساهمت في تطور حركة الصدر. ويتطلب كذلك أن ينظر المرء إلى التفاعل الناتج مع النظام السياسي الجديد واللاعبين السياسيين الذين يؤثرون عليه.
لعبت الحركة الصدرية (التيار الصدري) دورا أساسيا ومتنوعا في السياسة العراقية، الدور الأول: مواجهة النظام الجديد من خلال استخدام جيش المهدي. وكان الدور الثاني هو إدخال حركته في البرلمان العراقي وكذلك الحكومة. وكان هذا الإجراء قد ساعد الصدر في أن يصبح من أهم الشخصيات السياسية في الحياة السياسية العراقية.
تناقش هذه الدراسة العوامل التي دفعت الصدر للتفاعل مع النظام السياسي ودور لاعبيه السياسيين من جهة ومع الدعم المالي للمعارضة، من جهة أخرى، حتى بلوغه الموقع القوي الذي يتمتع به الآن. ولأجل استيعاب منطق الصدر ومواقفه، ينبغي أولا تأمل خلفيته الدينية وتأثيرها على حياته السياسية، ومن ثم معرفة تأثير مكانته الاجتماعية والتجمع الصلب المتماسك لأتباعه المتحمسين.
كيف حقق مقتدى الصدر التوازن بين مدرستين دينيتين شيعيتين؟
ولد مقتدى الصدر في العام 1974 في مدينة النجف. وهو ينحدر من عائلة تتمتع بالتأثير الديني والسياسي والثقافي في العراق. وهو أحد أبناء رجل الدين الشيعي محمد محمد صادق الصدر (المعروف بلقب الصدر الثاني) (2). وكان جده، محمد حسن الصدر، رئيس وزراء العراق في العام 1948، خلال الفترة المعروفة بالعهد الملكي. أما عمه آية الله محمد باقر الصدر (المعروف بلقب الصدر الأول)، فقد تم إعدامه على يد صدام (3). أما تربية مقتدى الصدر الدينية فقد أشرف عليها والده (الصدر الثاني) في العام 1988. وقد توقف عن الدراسة بعد اغتيال والده وشقيقيه في العام 1999. ونجا هو من الاغتيال وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى سقوط النظام في 2003 (4).
في 9 نيسان 2003 حاصرت القوات الأميركية بغداد. وكان من نتائج الاحتلال وعملياته العسكرية أن أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة العراقية. فقد تم حرقها ونهبها بسبب الفوضى التي اجتاحت البلد. كما كان هناك فراغ في النظام الأمني للبلد.
بعد الاحتلال الاميركي مباشرة برز اسم مقتدى الصدر وارتفع عاليا بفضل خطابه الذي كان موجها لأنصاره في النجف. فقد تضمن خطابه دعوة صريحة لمقاومة وإنهاء الاحتلال الأميركي بالوسائل السلمية؛ مع الاحتفاظ بالوجود العسكري. لقد ورث الصدر أتباع والده في المناطق الشعبية الذين يكثر وجودهم الرئيسي في أطراف المدن الشيعية الفقيرة: النجف والناصرية والعمارة. وكانت أهم تلك المناطق مدينة الصدر (المعروفة سابقاً بمدينة صدام) في بغداد. وقد عانى سكان هذه المدن خلال حكم نظام صدام، وما زالت معاناتهم مستمرة من الفقر والجهل والإهمال (5).
لقد فاجأ ظهور الصدر بمثل هذا العدد الكبير من الأتباع في هذه المدن كل الأطراف المهتمة بالسياسة العراقية في ذلك الوقت. وتسبب بالصدمة للقادة السياسيين والدينيين الشيعة العراقيين على حد سواء. فاللاعب الجديد في المشهد العراقي خلط جميع الأوراق السياسية.
كان الموقف السياسي للشيعة تجاه الاحتلال منقسما إلى جهتين. الأولى كانت ممثلة بسياسيين محبوبين وصلوا على ظهر الدبابة الأميركية. أما الجهة الأخرى فيمثلها الشيعة من أتباع السيستاني الذي تبنى الوسائل السلمية لإنهاء الاحتلال العسكري مستخدمة الحل السياسي. ووجدت كلتا الجهتين في الاحتلال فرصة لبناء نظام جديد، لكي يكون للشيعة الدور الأساس في صنع القرار العراقي السياسي. ويهدف هذا النهج إلى تجنب الأخطاء ذاتها التي ارتكبها الشيعة في العهد الملكي، عندما ثاروا على البريطانيين في بغداد، وبعد ذلك تمت إزالتهم من المشهد السياسي.
هذه الرؤية السلمية لإنهاء التداخل والانشغال بين النخبة الشيعية السياسية والدينية وقوات التحالف كانت قصيرة الأمد. فقد شكل ظهور الصدر تحديا كبيرا لهم. إذ إنه اتهمهم بالتعاون مع المحتلين الأميركان، ومن خلال زرع بذور الشك فيما يتعلق بشرعية هذه الجماعات، ليس فقط من الناحية السياسية بل من الناحية الدينية أيضاً، حقق الصدر هدفه وجعل نفسه منافسا للنخب الشيعية الأخرى.
لم يصبح الصدر مرجعا دينيا للشيعة في العراق لأنه لم يكمل دراسته الدينية. وهكذا، ولغرض الحفاظ على موقعه كزعيم ديني، استخدم آية الله الحائري (6) كمظلة شرعية لتبرير سلوكه وقراراته (7). ووجد الحائري، المقيم في إيران، الفرصة لمنح الغطاء الديني وتقديم بعض الامتيازات للصدر كوكيل له أو ممثله في العراق. وفي المقابل، يتطلب من الصدر أن يدعو أنصاره لدفع الخمس إلى الحائري في إيران (8).
لم يكن للصدر الثاني (والد مقتدى) إيمان بمبدأ ولاية الفقيه (نظرية السلطة) في إيران مثلما هو إيمان إبنه بها(9). وبالمقابل، كان الصدر الثاني يدعو إلى وجود مرجعية شيعية عربية محلية. وكان يقول إن دور الدين هو التشاور وليس التدخل المباشر في السياسة كما هو الحال في إيران. ومع ذلك، فإنه لا يعني الابتعاد عن السياسة، بل معارضتها وتصحيح مسارها، ومن ثم التمرد عليها في النهاية، إذا ما لزم الأمر ذلك. ولم يكن هدف التيار الصدري هو الحكم وإنما تقييم الحكم الحالي لمعرفة ما إذا كان موافقا للشرع أم لا. لقد تصور مقتدى (10) خلق مدينة صدرية فاضلة يمكن له أن يؤثر عليها.
منذ العام 2003، استخدم مقتدى الصدر هذا النهج تجاه جميع الحكومات العراقية، والأنصار، والشخصيات الدينية في النجف. ففي 10 نيسان 2003 قُتِل عبد المجيد الخوئي في النجف. كان الخوئي من أبناء آية الله (ابي القاسم الخوئي) (11). وبعد ثلاثة أيام تعرض منزل المرجع الأعلى للشيعة علي السيستاني للمحاصرة. ورداً على ذلك قرر أنصار السيستاني القيام بحمايته. لم يكن السيستاني هدفاً سهلاً، على العكس من الخوئي. ومن الطبيعي أن ينفي الصدر كل التهم الموجهة ضده من قبل الاحتلال، لذا دعا أنصاره للابتعاد عن بيوت النجف الدينية (التي تضم كبار الشخصيات الشيعية) والتوجه لمحاربة الاحتلال (12).
لم يكن الصراع بين الخط الصدري والقادة الشيعة الآخرين نتيجة لظهور التيار، وإنما يعود الأمر إلى منتصف التسعينيات عندما أعلن الصدر الثاني وبصورة علنية معارضته لنظام صدام واتهم رجال الدين الشيعة الآخرين بالخضوع وعدم الشجاعة. وبشكل غير مباشر، أسس الصدر الثاني ما سميت فيما بعد بالحوزة الناطقة (13). ونتيجة لذلك، قسم الصدر الثاني المؤسسات الدينية في النجف إلى جهتين. الأولى كانت هي المعارضة النشطة ممثلة به وبأنصاره. والجهة الثانية كانت غير نشطة، وأطلق عليها الحوزة الصامتة، ويمثلها علي السيستاني (14).
على الرغم من أن مقتدى نفى علاقته بمقتل الخوئي وحصار منزل السيستاني، لكن كلا الحدثين كانا بمثابة ناقوس خطر على أبواب الزعماء الدينيين التقليديين، مثل محمد باقر الحكيم (1939-2003). ولدى عودته من منفاه في إيران دخل الحكيم العراق بقافلة من الرجال المسلحين حتى لا يواجه نفس مصير الخوئي. وشكلت تداعيات هذه الأحداث تحديا للزعماء الشيعة الدينيين والسياسيين (15).
سياسياً، دعا الصدر إلى معارضة الاحتلال الأميركي والقادة السياسيين لقوات التحالف. وفي أول رد فعل له على إنشاء "مجلس الحكم العراقي" في تموز 2003 من قبل سلطة التحالف المؤقتة، دعا الصدر إلى مظاهرة تندد بشرعية مجلس الحكم العراقي واتهم أعضاءه بأنهم وكالة تابعة للمحتلين. ومن بين الشعارات التي رددها المؤيدون خلال التظاهرة: "عاش.. عاش.. عاش الصدر". وكان هذا التحدي الأول لكل من النخب الشيعية وسلطة التحالف المؤقتة على حد سواء. فقد هدفت التظاهرات لسحب شرعية النخب الشيعية وإحراجها أمام أتباعها (16).
بالنسبة لسلطة التحالف المؤقتة، كانت تظاهرة الصدر تعني رفضا دينيا لوجودهم في العراق من قبل أقرب حلفائهم الشيعة في العراق. تشير كلمة "كفر" إلى رفض ديني لشرعية هذه القوى وتثير ضدها حجة مواجهتها عسكريا. ونصحت النخب الشيعية الصديقة، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الأميركان بعدم التفكير بجدية في تهديدات الصدر. إن حقيقة كون الصدر ليس زعيما دينيا للشيعة، أو حتى لمؤيديه، يدل على أن الشعار كان في الأساس لعبة سياسية وليست دينية. كان هدفه عرض الصدر كلاعب سياسي فاعل في المعادلة السياسية. 
أما معارضو الصدر فقد إتهموه بالتهور وقلة الخبرة لأنه استغل اسم عائلته الديني العريق. وأنه قام بذلك ليقود الجماعات المتطرفة غير المتعلمة لغرض تفتيت وحدة الشيعة وتقويض جهودهم لبناء نظام ديمقراطي. وأقنعت هذه الاتهامات أتباع الصدر بشكل غير مباشر بأن الحوزة الصامتة التي يمثلها السيستاني والأحزاب الداعمة لها ما زالت تواكب الحكومة بغض النظر عن شرعيتها. وبينما ينظر للتيار الصدري كحركة معارضة ديناميكية وغير تقليدية، إلا أنه يهدف إلى تعزيز قيم التضامن بين جميع الشيعة، بغض النظر عن طبقاتهم الاجتماعية المختلفة أو وضعهم السياسي في المجتمع (17) .
ومن الأسباب التي أدت إلى رفع مكانة الصدر شفافيته في رفض الاحتلال ومشروعه. هذه الشفافية التي كانت لها نتائج ايجابية للصدر وحركته، استهدفت استقطاب العديد من المؤيدين في مناطق بغداد الجنوبية والشرقية. شكلت هذه المناطق النواة الأولى لأنصاره، ليس لأسباب دينية بل اجتماعية. وكانت هذه المناطق مبتلاة بالفقر والجهل والإهمال منذ التسعينيات. فكانت الأسلحة تباع علنا في الشوارع. وفي أيار 2003، بيعت أسلحة متوسطة وثقيلة في سوق مدينة الصدر. وهي اسلحة الجيش المتروكة بعدما احتلت القوات الأميركية بغداد. ولم يكن التوزيع العشوائي للأسلحة نتيجة للاحتلال وحده، لكن جذورها تعود إلى الانتفاضة التي شنها الشيعة ضد نظام صدام عام 1991، وأعقبتها اضطرابات العام 1999 بعد اغتيال الصدر الثاني (18) .
في أيار 2003 ، تم تشكيل سلطة التحالف المؤقتة تحت قيادة بول بريمر. استندت هذه السلطة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1483، الذي شرّعن رسميا احتلال العراق (19). وقد رفض الصدر الاعتراف بهذه السلطة وشكل حكومة ظل موازية لها. كان هدف حكومة الظل أولاً تحدي شرعية الاحتلال الأميركي، وثانياً، سحب البساط من تحت أقدام النخب الشيعية التي أيدت قرار الاحتلال (20).
في تموز 2004، خاطب الصدر أنصاره بشأن مجلس الحكم العراقي في النجف قائلا: "لا يضم هذا المجلس مؤمنا واحدا". ورداً على إنشاء مجلس الحكم العراقي، أنشأ جيشا عقائديا أطلق عليه اسم "جيش المهدي" (21). وكان إعلانا رسميا للصدر عن تطوير تنظيمه العسكري، بدأ فيه أعضاء التنظيم نشاطهم نهاية العام 2003 في مدينة الصدر ببغداد (22).
كل هذه العوامل ساعدت الصدر على حصر القيادة الدينية في النجف الى حد الانعزال. ومهدت الطريق له ليصبح مؤثرا رئيسيا وأحد صناع القرار الأساسيين للمشهد السياسي في بغداد.
كيفية التحول من رجل دين إلى سياسي؟
استند التحوّل المحير في المخطط الذي قاد الصدر إلى أن يصبح شخصية سياسية، مع مجموعة متزايدة من الأتباع، على أربع حقائق هي: (1) نوع صنع القرار الذي تتبعه سلطة التحالف المؤقتة فيما يتعلق بمعاملة الصدر، كهدف عسكري. (2) عدم فهم الوضع الاجتماعي لانصار الصدر وتأثيرهم على البلاد. (3) قرار بريمر باغلاق جريدة "الحوزة" في النجف. (4) اعتقال احد مساعدي الصدر في بغداد (23).
وردا على الأسباب المذكورة خرج أنصار الصدر بمظاهرات رافضة لاحتلال بعض المدن العراقية. (الناصرية، والكوت، والعمارة). فقوبلت الاحتجاجات بالعنف وأسفرت عن مقتل أكثر من 200 فرد على يد القوات الأميركية والإسبانية في النجف. أدرك الصدر أن التظاهرات عقيمة، وأعلن الحرب على هذه القوات. واندلعت اشتباكات عسكرية بين الجانبين في بغداد ومعظم مناطق جنوب البلاد. وفي بغداد، ورغم مقتل 35 عنصرا من جيش المهدي و500 مدني عراقي، لم تتمكن القوات الأميركية من دخول مدينة الصدر لكنها قامت بمحاصرتها.
في 28 حزيران 2004، تم حل مجلس الحكم العراقي، ومنحت سلطة التحالف المؤقتة العراق تسليم السيادة (24). وتم تشكيل أول حكومة عراقية برئاسة إياد علاوي. وأبدى الصدر استعداده لمساعدة حكومة علاوي بتقديم جيش المهدي للقيام بحماية مؤسسات الدولة. لكن فلاح النقيب؛ وزير الداخلية في حكومة علاوي رفض مبادرة الصدر، وقرر الاشتباك مع جيش المهدي.
كانت الحكومة العراقية غير راغبة في حل هذه الأزمة بالطرق السلمية بسبب ضغوط السفير بريمر. فقد رفض بريمر وغيره من الشيعة المعارضين للصدر أية مبادرة طرحها على طاولة المفاوضات لأنها ستقربه في النهاية من الحكومة العراقية (25).
ربما تكون سياسة بريمر تجاه الصدر قد نتجت عن قناعته بأنه يجب هزيمته. الى جانب ذلك فإن معارضي الصدر عبروا عن كرههم له لأسباب اجتماعية وعقائدية. فالسبب الإجتماعي، لأنه قاد الطبقة الفقيرة وغير المتعلمة، أما السبب العقائدي، فلأنه كان يمثل تيارا دينيا ثوريا مستوحى عن والده.
في كتابه (سنتي في العراق)، نقل بول بريمر عن أحد مساعدي إبراهيم الجعفري خلال اجتماع في بغداد قوله: "إذا قامت سلطة التحالف بتطوير الاقتصاد العراقي، فسيفقد مقتدى دعم أتباعه". فعلق بريمر: (من فضلك لا تعطيني خطبا عن أهمية الاقتصاد، فلدي ألف متطوع يعملون..، لإصلاح الاقتصاد وليس لمواجهة مقتدى)". وبدا أن بريمر لم يدرك أهمية وخطورة مقتدى وحركته السياسية، بل على العكس اعتبرها تظاهرة عسكرية ضد الوجود الأميركي في العراق. وفيما بعد، أثبت هذا الرأي أن الولايات المتحدة كانت قصيرة النظر في التعامل مع الصدر. إذ كانوا في حالة إنكار لدوره وطبيعة حركته الاجتماعية (26).
بعد ستة أشهر من إغلاق صحيفة "الحوزة"، سمح رئيس الوزراء علاوي للصحيفة باستئناف عملها. ووجه الصدر نقده، في أول تصريح صحفي عبر جريدة الحوزة، لسلطة التحالف المؤقتة وللحكومة العراقية. جاء هذا الإعلان ردا على رفض حكومة علاوي للمبادرة التي أطلقها الصدر. وردا على تصريحات الصدر، وصف بعض مسؤولي الحكومة العراقية أتباع الصدر بأنهم مجرمون. وكانت هذه التصريحات دليلا على نية الحكومة شن حملة عسكرية على أتباع الصدر في المدن التي يسيطرون عليها. لكن المواجهة المتوقعة لم تكن بين الصدر وقوات الاحتلال كما حدث سابقاً. وبدلا من ذلك، حصل على فرصة كبيرة يمثلها معسكر للمتمردين بقيادة الصدر من جهة، والقوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة من جهة أخرى (27).
في آب 2004، حشد إياد علاوي الجيش العراقي (الذي كان يسمى الحرس الوطني). وبدعم من مشاة البحرية الاميركية وقام بمحاصرة مدينة النجف. فتوافد أتباع الصدر من عدة محافظات عراقية بأسلحتهم الثقيلة والمتوسطة لمحاربة ما أسموه (الحرس الوثني)، أي الحرس الوطني.
ورغم أن المارينز كانوا متفوقين في العمليات العسكرية، إلا أنهم فشلوا في اعتقال الصدر والقضاء على أنصاره. وكانت القوات العراقية ضعيفة في ذلك الوقت وغير قادرة على كسب المعركة. في الوقت نفسه، واجهت قوات المارينز مشكلة في ساحة المعركة، تمثلت بأن النجف مدينة مقدسة للشيعة في العراق والعالم.
وفي وسائل الإعلام، استغل أنصار الصدر نقاط الضعف هذه، ووضعوا أنفسهم على مقربة من مرقد الإمام علي ومقبرة النجف. عسكريا، ونتيجة لحصار النجف، واجهت القوات الأجنبية قتالا عنيفا ليس فقط في مدينة النجف ولكن أيضا في العديد من المناطق ذات الأغلبية الشيعية التي تدين بالولاء للصدر، مثل الناصرية والكوت والمناطق الشرقية من مدينة بغداد (28).
بحلول 26 آب 2004، عاد آية الله علي السيستاني من رحلة طبية إلى لندن. وبعد مشاورات مطولة مع الصدر وقادة دينيين آخرين في النجف، وافق الصدر على وقف القتال وتسليم أسلحة جيش المهدي الى الحكومة العراقية. وبهذا فقد خدم إنهاء النزاع المسلح في النجف الطرفين. كما حقق الصدر هدفه بإرغام سلطة التحالف المؤقتة والحكومة العراقية على التخلي عن فكرة اعتقاله. وتخلصت سلطة التحالف المؤقتة من المقاومة في المناطق الشيعية، وذلك لأن قوات التحالف كانت تشارك في قتال ضد التمرد السني في مدينة الفلوجة (29).
في العام 2005، خاض الصدر أول انتخابات عامة للجمعية الوطنية. وبشكل غير مباشر من خلال دعمه للنخب والكتل الوطنية المستقلة، فاز بمقعدين وزاريين. وحصلت كتلة الصدر على وزارات خدمية كالنقل والصحة. كانت هذه الوزارات ضرورية له، لأن معظم الوظائف الحكومية تدخل في هذه الوزارات. وقد ساعده ذلك في جلب العديد من الشيعة الفقراء إلى مناصب حساسة في الدولة، التي كانت لفترة طويلة محصورة بالمناطق الغنية لبغداد، مثل الكرادة والأعظمية في شرق بغداد، والمنصور والحارثية في غربها (30).
في العام 2006، أعلنت منظمة القاعدة السنية مسؤوليتها عن تفجير مرقد الإمام العسكري الشيعي في مدينة سامراء. وتشكلت فرق الموت في بغداد لتصعيد العنف الطائفي. وأعلنت هذه الجماعات قتل أنصار نظام صدام واتهمتهم بدعم وتمويل الإرهاب السني ضد الشيعة. اشتعلت الحرب الأهلية في العراق، وعاد جيش المهدي إلى مسرح الأحداث بحجة القضاء على حاضنات أنصار القاعدة في بغداد.
ولغرض حل هذه المشكلة، قسم الجيش الأميركي بغداد إلى مناطق سنية وشيعية من خلال تطويقها بجدران إسمنتية، وأصبحت بغداد شبيهة جدا بتقسيم الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ومع ذلك، فإن الحرب بين السنة والشيعة لم تكن عرقية، ولا حتى دينية. فكان السبب الحقيقي وراء العنف هو أن النخب السياسية (السنية والشيعية) لم يتوصلوا إلى اتفاق حول تقاسم السلطة. بعبارة أخرى، كان صراعا وتنافسا سياسيا يهدف للحصول على أكبر عدد من المناصب العليا في الوزارات والمؤسسات العراقية (31).
كان من آثار العنف الطائفي تنامي نفوذ الصدر في مؤسسات الدولة وظهور شعبيته بين أتباعه. ففي مدينة البصرة الجنوبية الغنية بالنفط، سيطر أنصار الصدر على حقول النفط. على العكس من طبيعة الصراع السياسي والحرب الأهلية في بغداد، كان الصراع في البصرة يجري بين النخب الشيعية. ومن الجدير بالذكر أن مالية مدينة البصرة تدعم 80 بالمئة من موازنة العراق (32).
لم يجعل انخراط الصدر في الحرب الأهلية زعيما دينيا وخصما للاحتلال فحسب، وإنما جعله أيضا بطلاً مقبولاً لدى غالبية الشيعة في العراق (وإن كان ذلك مؤقتا)، لأنه كان الوحيد الذي حارب بشكل مباشر تنظيم القاعدة وبقايا حزب البعث، وهما الطرفان المتهمان بارتكاب فظائع ضد الشيعة.
في المقابل، ركزت استراتيجية الميليشيات الشيعية المسلحة المتحالفة بشكل وثيق مع إيران على ترسيخ حكم الأغلبية الشيعية في البرلمان ومؤسسات الدولة. شكلت هذه القوى العسكرية كتائب سرية شاركت في الحرب الأهلية. في 20 أيار 2006، أصبح نوري المالكي رئيساً للوزراء، وأعلن خطة بغداد الأمنية لإنهاء الحرب الأهلية في بغداد واستعادة البصرة من خلال انتزاعها من مافيا النفط. في بغداد، استطاع المالكي الحد من التفجيرات والقتل الطائفي اليومي. وفي البصرة، أعلن رئيس الوزراء حملة "صولة الفرسان" للقضاء على مافيا تهريب النفط وانعدام القانون في المدينة. كان الهدف الأساسي هو إبعاد أفراد جيش المهدي. وكان رد فعل الصدر على هذه الحملة منقسما بين رفض الحملة، لكونها استهدفت التيار الصدري وحده، وبين تأييدها، لأنها خطوة تفيد تكتيكه لاستبعاد بعض قيادات التيار الذين كانوا منحرفين عن مساره (33).
في 10 كانون الثاني 2007، أعلن الرئيس جورج بوش أن الولايات المتحدة سترسل 20 ألف جندي إضافي لزيادة عدد القوات الأميركية في العراق. كان الهدف هو إنهاء العنف في بغداد ومحافظات أخرى. فعززت زيادة القوات الأميركية موقف الحكومة العراقية من خلال التصدي لفرق الموت في بغداد. وكان الصدر، بدوره، قد أصبح في حاجة ماسة لتهدئة الوضع منذ أن سيطر على الكثير من الجماعات المسلحة الشيعية. وكانت أعمال العنف في المدينة مركزة بشكل رئيسي ضد الشيعة، مع تفجيرات شبه يومية في مناطقهم. ومن المهم الإشارة إلى أن الكثير من الشيعة قد اتهموا السنة بدعم الإرهاب في مناطقهم. فقد جاء التخطيط والدعم اللوجستي لعمليات تنظيم القاعدة من المناطق ذات الأغلبية السنية في حزام بغداد (34). وكانت هذه المناطق تابعة لمنظمات دينية متطرفة متحالفة مع فلول البعث لإفشال المشروع الأميركي في العراق (35). 
في صيف العام 2007، تصاعد التنافس بين الصدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق على النفوذ في المناطق الشيعية الواقعة جنوب العراق. ولكي يفوت على خصومه الفرصة، قام الصدر مرة أخرى بتجميد جيش المهدي لمدة ستة أشهر. ثم أعلن تخليه عن السياسة وغادر إلى إيران لمواصلة تعليمه الديني.
والحقيقة، أن الصدر لم ينسحب من السياسة كما زعم، لكنه جمد حركته لسببين: الأول، هو الظهور أمام خصومه بأنه لا يهتم بالسياسة بقدر اهتمامه بالدين. والثاني، هو إيصال رسالة إلى أنصاره، مفادها أنه يريد الحفاظ على سمعة التيار الصدري واستبعاد الميليشيات التي لم تتبع تعليماته. ونتيجة لهذه القرارات تشكل التيار الصدري السياسي. إن ما يميز الصدر عن غيره من الفصائل الإسلامية هو مرونته وتكتيكاته في اتخاذ القرار. كان تجميد الجناح العسكري للتيار الصدري أو حله أكثر من مرة لاستخدامه للمصلحة السياسية. فيمكن جمع الأسلحة المستخدمة خلال الصراع في العراق بسهولة بسبب وفرتها لدى جميع المنازل العراقية. ومن المنظور التنظيمي، يمكن تمييز أنصار الصدر عن الحركات الإسلامية الأخرى من خلال خضوع أفراده التام لقرارات زعيمهم (الصدر). هذه الميزة أعطت الصدر فائدة تكتيكية في اتخاذ القرارات، أو تغييرها.
خلال حكومة المالكي الأولى (2006-2010) ، قدم الصدر قائمة بالمنشقين عن حركته واتهمهم باستخدام إسمه لأغراض سياسية ومادية. وبهذه الخطوة حقق الصدر هدفين: الأول، هو عزل الأشخاص الذين لم ينصتوا لتعليماته. وبدلا من ذلك، كانوا يتلقون أوامر من إيران. والثاني، هو أن هذه الخطوة أبعدته عن تحمل المسؤولية عن عنف هذه الجماعات وسرقاتها، وبالتالي برأته من اللوم الذي نسبه إليه متهموه.
إن أبرز المنشقين عن التيار الصدري كان من أقرب المقربين للصدر، لكنه انشق عن التيار ولم يتخلى عن ترسانة أسلحته. وهكذا نجح الصدر في إقناع مؤيديه بأنه لا يتبع إيران، على عكس النخب الشيعية، مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أو حزب الدعوة.
بعد العام 2007، تحول الصدر من الشرعية الثورية كرجل مقاومة إلى الشرعية السياسية ودخل المشهد الديمقراطي. وبدعم من الصدر، تم تأسيس كتلة سياسية تسمى حركة الاحرار المستقلة. كانت هذه الكتلة تمثل التيار الصدري ولكن ليس لها الحق في مخاطبة الصدر مباشرة. كما دعم الصدر الكتلة لكنه لم يكن مسؤولا عن الحركة. وفي انتخابات مجالس المحافظات لعام 2009، فازت الكتلة بنحو عشرة بالمئة من الأصوات. وفي انتخابات 2010 البرلمانية، تحالفت الكتلة مع التحالف الوطني العراقي ضمن كتلة واحدة وحصلت على 39 مقعد من أصل 325 (36).
من المعارضة الى السلطة بعد العام 2011
بعد مفاوضات مكثفة بين العراق والادارة الاميركية في 18 كانون الاول 2011، أعلن باراك أوباما انسحاب القوات الأميركية من العراق تحت مبرر أن العراقيين اصبحوا قادرين على إدارة بلدهم. وأن الحكومة العراقية اصبحت تتصرف بشكل مستقل في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية. ورافقت عودة الصدر من إيران الانسحاب الاميركي. ورغم تحالفه مع المالكي في كتلة برلمانية واحدة، ومشاركة كتلة الأحرار في الحكومة التي ضمت عدة وزارات حيوية، إلا أن دور الصدر الجديد في الحكومة لم يستبعد دوره القديم كمعارضة (37).
اتسمت سياسة الصدر مع حكومة المالكي بأنها قائمة على التكتيك والمناورة. فقد شارك التيار الصدري في الحكومة والبرلمان وكان له عدة حكومات محلية وسفراء، إلا إن هذه الحركة (التيار) مثلت في الوقت نفسه كتلة المعارضة في البرلمان.....لقراءة المزيد

 

 


Legal Note:

Publishing this material has been funded by Rewaq Baghdad Center of Public Policy; however the views expressed in this document do not reflect the Center’s official policies nor its opinions.
تم تمويل نشر هذه المادة من قبل مركز رواق بغداد للسياسات العامة. لكن الآراء الواردة في هذه الوثيقة لا تعكس سياسات المركز الرسمية ولا آراءه.