A Personal History of Psychiatry in Iraq: A Biography of War and Conflict

Date of publication:
2022 February 12

 

د. مها سليمان يونس
ترجمة وتحرير: صفاء خلف 

تكشف الشهادة النادرة لأستاذة علاج الامراض النفسية في كلية طب بغداد، د. مها سليمان يونس، التي نشرتها مجلة (Global Psychiatry) المتخصصة بالطب النفسي، عن تاريخ تطور الاستشفاء النفسي في العراق، عبر سرد تجربة أول طبيبة نفسية عراقية أكملت تدريبها وتخصصها محلياً عبر المجلس العراقي للطب النفسي ضمن برنامج تأسس العام 1988 لمنح شهادة البورد العراقية. 

عبر هذه الشهادة تروي يونس الكيفية التي تدهور بها قطاع الخدمات النفسية بعدما كان حقلاً يحظى باهتمام الدولة العراقية، ليتحول الى منطقة منسية بدءاً من اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية وما تلاها من حروب وحصار اقتصادي مُدمر، وانتهاءً بالغزو الأميركي – الدولي لإسقاط نظام صدام حسين. يونس ايضاً تضيء بشهادتها على الإهمال المتراكم لتخصص العلاج النفسي، والعزوف الكبير عنه من قبل دارسي الطب في البلاد، فضلاً عن الصعوبات التي واجهت وتواجه المتخصصين، فيما تؤكد حقيقة ان العراق لا يمتلك الا عدداً محدوداً من الاطباء النفسانيين بما لا يتناسب مع عدد السكان المتزايد والذين يعاني اغلبهم من اضطرابات الإجهاد اللاحق للصدمة. 

الرابط المباشر: https://www.globalpsychiatry.co.uk/article_1355_3d785ec9d0772ef8656a64383548a0b7.pdf
نص الشهادة 
على مدى أربعة عقود من الحرب والعنف في العراق بين عامي 1981 و2003، تلقيت تدريبي الطبي في الطب النفسي. اخترت هذا تخصص استجابة لمعاناة النساء الثكالى في العراق عبر هذه الأوقات العصيبة. تبحث هذه المقالة في التاريخ الشخصي من رحلة تخصصي في الطب النفسي خلال فترة الثمانينات والتسعينات، وتجربة كوني أول طبيبة نفسية أكملت تدريبها من خلال المجلس العراقي للطب النفسي عبر برنامج تأسس العام 1988. 

أتأمل كيف كان الطب النفسي ليس التخصص الذي تختاره الطبيبات مما خلق نقصاً في المجال. هذه الصدمة الأنثوية الشديدة التأثير على الضحايا الذين فضلوا أن يعالجوا من قبل طبيبات نفسانيات. منذ الخمسينيات إلى 1988، زادت نسبة الأطباء النفسيين في البلاد من 0.2 إلى 0.5 لكل 100،000 من السكان. ومع ذلك، فقد شهد التخصص انخفاضاً كبيراً بسبب موجتي هجرة بين عامي 1991 و2003. واعتبارًا من عام 1998، انخفضت نسبة الأطباء النفسيين في البلاد إلى 0.1 لكل 100000 من السكان. 

السعي نحو تطوير هذا التخصص تعطل بسبب الحرب والغزو والعقوبات الشاملة. أنظر في التأثير الاجتماعي والاقتصادي لهذه الأحداث على المجتمع ككل، وبوجه الخصوص على مهنة الطب. هذه الورقة تروي قصة حياتي بتلك الأوقات الصعبة، وجهودي لأصبح مثالاً لجيل جديد من الطبيبات النفسيات.

تأسست الحكومة العراقية لأول مرة في نهاية فترة الاحتلال البريطاني (1917-1921). وخلال السنوات اللاحقة من الاضطرابات السياسية بين عامي 1921، وتأسيس المملكة العراقية المستقلة بالكامل في العام 1932، أسست العديد من المؤسسات مثل الجيش ووزارة التربية ومؤسسات التعليم العالي، وأنشئت ايضاً أقدم كلية طب في البلاد، كانت ببغداد، وتأسست حينها على يد الطبيب العسكري البريطاني السير اتش سي ساندرسون بمساعدة أطباء عراقيين شباب.

بعد فترة وجيزة، تأسس أول مستشفى للأمراض العقلية (دار الشفاء) في العام 1922 لتقديم خدمات رعاية المرضى الذين يعانون من أمراض نفسية حادة ورعاية صحية بدائية سيئة. لم يتم تقديم المفهوم الحديث لتدريب وتدريس خدمة الصحة العقلية حتى العام 1934 من قبل الطبيب النفسي اليهودي الرائد، د. ج. عبود.

أدى إدخال المنح الدراسية الممولة من الحكومة للتدريب والتخصص في الطب النفسي في الخارج إلى زيادة عدد الأطباء النفسيين العراقيين؛ وبحلول العام 1940، كان في البلاد ما مجموعه 15 طبيباً نفسياً متخصصاً، مما يمثل نسبة 0.2 لكل 100.000.

في العقود التالية، تنامت الجهود المبذولة لإنشاء وتطوير خدمات الصحة العقلية، تمثل ذلك بانشاء مستشفى الأمراض النفسية الكبير بسعة 1300 سرير في العام 1953 على أطراف بغداد (يعرف اليوم بمستشفى الرشاد)، تلاه مستشفى آخر للأمراض النفسية بسعة 70 سريراً للاضطرابات النفسية الحادة (مستشفى ابن رشد). في العام 1970، تعزز واقع الخدمة الصحة النفسية في العراق عقب إنشاء الجمعية العراقية لأطباء الأعصاب والأطباء النفسيين.

كانت بداية الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) بمثابة بداية تدهور تطور وتحديث قطاع الطب النفسي في العراق، حيث عُلق برنامج المنح الحكومية لتدريب الأطباء النفسيين العراقيين، فيما حرم النقص في ميزانية الصحة العديد من مراكز الطب النفسي من التوسع والتطوير، فضلاً عن تراجع توافر الموارد البشرية بسبب تجنيد العديد من الأطباء المتخرجين الجدد في الخدمة العسكرية. 

ازداد التراجع في خدمات الصحة النفسية بعد حرب الخليج العام 1991. ولم ينجم الضرر فقط عن عنف الحرب القصيرة التي استمرت 40 يوماً، بل عن سنوات العقوبات الاقتصادية الشاملة الأكثر شدة (1990-2003)، والتي أثرت بشدة على أفقر شريحة من السكان.

أدت العقوبات الدولية التي فرضتها الأمم المتحدة إلى نقص حادٍ في الأدوية الأساسية واستنزاف العقول في البلاد من الأطباء النفسيين الأكثر خبرة، مما عطل على نحو ملحوظ ممارسة الطب النفسي، فضلاً عن تدمير محطات الكهرباء والخدمة والطرق والجسور والاتصالات نتيجة القصف المستمر في الفترة بين 17 كانون الثاني/ يناير إلى 22 فبراير/ شباط ١٩٩١، فتعرض نظام الرعاية الصحية الى شلل عام.

زاد عدد المُعالَجين النفسيين في العيادات الخارجية من 197.000 في العام 1990 إلى 220.000 في العام 1994 ثم ارتفع إلى 507.000 في عام 1998. وعانى معظم العراقيين من اضطرابات الإجهاد اللاحق للصدمة (Post -traumatic stress disorder) وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فيما بلغ العدد الإجمالي للأطباء النفسيين المشتغلين داخل العراق حوالي 108 في العام 2001، لينخفض إلى 90 في عام 2003. تشير اشارت تقديرات دولية إلى أن حوالي 10٪ من سكان العراق يعانون من اضطرابات نفسية. 

أحدث الغزو العسكري واحتلال العراق بقيادة الولايات المتحدة في آذار/ مارس 2003، ضربة كبيرة لنظام الصحة العقلية، حيث قادت أعمال العنف والنهب والتخريب إلى موجة جديدة من هجرة الأدمغة. 


التدريب الأساس

المرة الأولى التي التقيت فيها بمريض يعاني من مرض عقلي كانت في العام 1979، في اول جلسة تدريبية في الطب النفسي السريري، حين كنت طالبة طب في السنة الخامسة في جامعة الموصل. خلال تلك الجلسة، تعرفت على العلاج بالصدمات الكهربائية (ECT) مع حقن جرعة من عقار (Diazepam) في الوريد لمريض ذهاني مضطرب. سألتنا استاذتي، وهي طبيبة نفسية رائدة حينها: "كم منكن ترغب بأن تصبح طبيبة نفسية؟" لم يرد أحد منا بـ"نعم".

في كلية الطب بالموصل، أنشئت وحدة للطب النفسي في أوائل الستينيات من قبل الدكتور فاضل الدباغ، الذي كان طبيبا نفسيا رائدا في المدينة، وأصبح فيما بعد عميدا لكلية طب الموصل. من خلال جهوده لتطوير قسم نفسي حديث، ألهم العديد من المتدربين لاختيار الطب النفسي كمهنة. حصل بعضهم فيما بعد على منح ممولة من الحكومة للتدريب في المملكة المتحدة والحصول على (FRCPsych).

نادرًا ما اتبعت الطبيبات تخصص الطب النفسي في العراق، ومع ذلك، فإن استاذتي، الدكتورة نجاة الصفار، التي كانت أول طبيبة نفسية مؤهلة على مستوى البلاد، قد ألهمتني في وقت مبكر لمتابعة ذلك كتخصص مستقبلي.

تخرجت من كلية الطب بالموصل العام 1981، في بداية الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، بصفتي متدربة، وشاهدت تأثير الصدمات المرتبطة بالحرب على العائلات. تشير التقديرات إلى أن مليون شخص عراقي قتلوا أو أصيبوا بجروح خطيرة أو سُجنوا خلال هذه الحرب. حرم الصراع، العراق من الشباب العاملين الذين تم تجنيدهم للحرب، بما في ذلك خريجي الطب والأطباء المتخصصين، الذين قضى بعضهم خمس سنوات في الجيش. تسبب تجنيد القوى العاملة الطبية الشابة في الجيش بنقص شديد في عدد الرجال في المستشفيات، وخاصة من الأطباء الشباب، مما أدى بدوره إلى زيادة عبء العمل على الطبيبات في جميع انحاء البلاد، وارتفعت ساعات العمل الطويلة المفروضة حديثا على المتدربين إلى يوم عطلة واحد في الأسبوع.

بعد إتمام السنة التأسيسية في ثلاثة مستشفيات عامة في بغداد العام 1982، تم إيفادي من قبل وزارة الصحة للعمل في قرية كبيسة الريفية بمحافظة الأنبار (180 كم غرب بغداد). كان هذا وفقا للائحة وزارة الصحة الخاصة بنشر الأطباء المقيمين للعمل في المناطق الريفية لمدة عام واحد أثناء تدريبهم كممارسين عامين. كانت قرية كبيسة موطنا طبيعيا لابن آوى والضباع، مما سبب لي عواءهم الليلي أرقاً وضيق، علاوة على ذلك، كانت وسائل الراحة المنزلية، كالماء الساخن وأنظمة التدفئة والتبريد، غير كافية. عملت مع اثنين من الممارسين العامين في العيادة الخارجية الريفية وكان يسمح لي بعطلة نهاية أسبوع واحدة في الشهر للسفر إلى عائلتي ببغداد.

في نهاية ذاك العام، عندما كنت على وشك العودة إلى بغداد، بدأت أفكر في الطب النفسي كتخصص دقيق. في زيارة مفاجئة العام 1983 قام بها وزير الصحة العراقي الدكتور صادق علوش لتفقد جودة مراكز الرعاية الصحية في محافظة الأنبار، أعرب عن إعجابه باهتمامنا وتفانينا في تقديم رعاية صحية عالية الجودة في الكبيسة. تردد صدى الالتزام بجودة الخدمة في جميع أنحاء البلاد على الرغم من التكلفة البشرية والمالية للحرب العراقية الإيرانية المستمرة. أقرت منظمة الصحة العالمية (WHO) بأن نظام الرعاية الصحية في العراق هو أحد أفضل الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط في ذلك الوقت. سألني الدكتور علوش حينها عن اهتمامي المستقبلي بالتخصص، ووعدت بأن آخذ في الاعتبار طموحي بالتخصص في الطب النفسي في المملكة المتحدة كجزء من المنح الدراسية التي تمولها الحكومة.

التدريب في الطب النفسي

في بغداد، تم تأسيس مستشفى ابن رشد للأمراض العقلية الرائد من قبل وزارة الصحة في بغداد العام 1968، وكان يحتوي على 70 سريراً، بما في ذلك 12 سريراً لمرضى اضطراب تعاطي المخدرات. كان المستشفى مجهزا على نحو كافٍ، وشمل عيادة استشارية للعلاج والمتابعة، إضافة الى وحدة متخصصة لطب الأطفال النفسي، وفريقا خاصا للعلاج بالصدمات الكهربائية المعدل، وقسما متخصصا للأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين. ايضاً كان هناك قسم خاص لأنشطة المرضى الترفيهية وصيدلية توزع الأدوية بالمجان، فيما مجموع الغرف الخاصة في المشفى كانت 10 غرف. 
وفقا لمعايير ذلك الوقت في العراق، كان هذا المستشفى النفسي مركزًا علاجيًا من الدرجة الأولى. انضممت إلى مستشفى ابن رشد لبدء التدريب في تشرين الثاني/ نوفمبر 1983. في أول يوم تسجيلي فيه، شعرت بخيبة أمل عندما أعطتني الإدارة إحدى غرف المرضى الخاصة للإقامة فيها، حيث كان المستشفى يحتوي فقط على مهجع للأطباء الذكور. أخبرني المدير بأنني كنت أول امرأة مقيمة في المستشفى، ولم يكن هناك سوى أربع طبيبات نفسانيات في البلاد. لم يكن لدي خيار سوى شغل غرفة المريض في السنة الأولى.

توزع عبء العمل على طبيب واحد أو اثنين من الأطباء المتواجدين حينها في المشفى. استلزم نظام المستشفى يوم عطلة واحد اسبوعيا. كان هناك خمس ممرضات وثلاث ممرضين فقط يخدمون المرضى في المستشفى بأكمله. حيث أعفي اثنين من الممرضين الذكور من الخدمة العسكرية بسبب إعاقتهما، حيث تم تسجيل معظم الممرضين الذكور في البلاد في الخدمة العسكرية الإجبارية. أما بقية الموظفين الإداريين فجميعهم موظفات، مع عدد قليل من الموظفين الذكور المسنين الذين تم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية.

استخدمنا قاعة الطبيب لاستشارة المرضى الداخليين. كان هناك ثلاثة استشاريين مؤهلين، تبدأ الجولات في الصباح الباكر، برفقتهم أنا والطبيب المقيم والممرضة والأخصائي الاجتماعي. وفي المساء، تبدأ الجولات مع الطبيب المقيم والممرضة. لم تكن هناك خدمة للمرضى الخارجيين بعد ساعات العمل الرسمية، فعينتي إدارة المستشفى لهذه المهمة.

كانت قاعة الطبيب مخصصة للوجبات والقراءة والترفيه التلفزيوني، حيث اقتصرت على عرض أخبار الحرب والأحداث السياسية. كان طعامنا محدودًا ومقنناً. مكثت في المستشفى عاماً. وفي الشهر الأخير منه، خدمت بلا اجازة مع استدعاء المتدربين الذكور إلى الجيش. شكوت إلى المدير طالبة يوم عطلة واحد لرؤية عائلتي، وقد ساعدني عبر تعيين أحد المقيمين من مستشفى قريب، لتغطية واجباتي لمدة 12 ساعة فقط لزيارة عائلتي. بعد فترة، أصبح مستشفى ابن رشد منزلي. مكثت في المستشفى طوال الأسبوع، مستمتعة بعملي مع المرضى وتعلم مهارات المهنة والتخصص.

في نهاية العام 1984، انتقلت إلى مستشفى اليرموك التعليمي لمواصلة تدريبي في قسم الطب النفسي لمدة عام آخر. كنت سعيدة هناك بسبب إقامتي الخاصة في مهجع الطبيبات. تم إنشاء وحدة الطب النفسي في العام 1977، وهي مخصصة للمرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية. كان يحتوي على 40 سريراً وعيادة خارجية وصيدلية ووحدة للعلاج بالصدمات الكهربائية المعدل. كان هناك أربعة مستشارين نفسيين مؤهلين (MRC)، فيما كنت انا المتدربة المسجلة الوحيدة بينهم.......لقراءة المزيد