الظاهرة الصرخيّة في العراق جدل الاجتهاد الديني والتنافس السياسي ما بعد 2003

تاريخ النشر:
2022 أيار 14

 

علي المدن
المحتويات
تأطيرٌ منهجي: الولادة الثانية وجدل الدين والسياسة    
تمهيد: احتدام الفواعل السياسية    
الصدر وخريجو مدرسته    
صدمة التغيير عام 2003    
الصرخي فقيهاً    
أولاً: التلقي والتحصيل    
ثانياً: الاجتهاد والمرجعية    
الصرخي سياسياً    
أولا: المرجعية السيستانية    
ثانياً: القوى السياسية    
الصرخي تشرينياً    
الصرخي عقائدياً    
أولاً: نقد تراث التطرف    
ثانياً: نقد الطقوسية الباطنية    
ثالثاً: الإجماع والتراث المنتقى    
خاتمة: صراعات السياسة على الوجدان الديني    

تأطيرٌ منهجي: الولادة الثانية وجدل الدين والسياسة
الإطار المنهجي الذي تنطلق منه هذه الورقة أنَّ ما تعيشه الساحة الدينية/ السياسية العراقية الشيعية هو مِن تداعيات الانقسام الحاصل في تكوين الإسلام السياسي الشيعي. والفكرة الأساس لِلتحليلات القادمة أنَّ ثمة ولادتَين لهذا الإسلام السياسي، ولِكلّ ولادة أب خاص. الأب الأول لِلإسلام السياسي الشيعى العراقي هو محمد باقر الصدر، المنظّر الأكبر للإسلام السياسي في عقدَي الستينيات والسبعينيات مِن القرن الماضي. والأب الثاني لهذا الإسلام هو محمد الصدر، المرجع الديني وزعيم الحوزة العِلمية في النجف في عقد التسعينيات.
شهد المشروعُ الأول نهايةً مأساوية في الداخل على يد صدام حسين كان ذروتها إعدام محمد باقر الصدر في عام 1980، ولم تبقَ مِن كوادره إلا ثلة صغيرة نجت بنفسها عبر الخروج من العراق ثم استطاعت جمع شملها في تنظيم جديد مطلع الثمانينيات في إيران أخذ على عاتقه، بمصاف قوى سياسة أخرى، معارضة نظام صدام. أما في الداخل، فلم يعد لهذا المشروع وجود اجتماعي حقيقي.
في فترة الثمانينات سادت في الداخل حالةٌ مِن السكون بسبب القسوة والقمع البعثيَين المنقطع النظير، ولكن مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين وما دشّنه هذا العقد من دخول القوات العراقية إلى الكويت ثم خروجها منه تحت ضربات قوات التحالف الدولي وانطلاق انتفاضة آذار/ مارس ثم بدء الحصار الاقتصادي على العراق؛ تنفّس هذا الإسلام بعض الصعداء فانبثقت الولادة الثانية على يد محمد الصدر الذي اغتيل في عام 1999.
تكشف بعض الوثائق التي كتبها محمد الصدر، كما في مراسلاته مع تلميذه محمد اليعقوبي، أنه لديه بعض التحفظات على الأفكار وأساليب العمل في المرحلة التأسيسية الأولى، وقد برز ذلك أكثر حين تصدّى بنفسه لِلمرجعية، وخصوصاً فيما يتعلّق بمكانة البُعد الوطني في منظومة الأفكار الإسلامية الأممية التي طبعت المرحلة السابقة.
إن التنافس على تقاسم تركة محمد الصدر انعكس على عدّة تيارات "صدرية" دخلت جميعها بعد عام 2003 في مواجهة مع ممثلي تيارات التأسيس الإسلامي الأول، إلا أن الجامع المشترك لتلك التيارات هو ظهورها كتمثّلات أو إعادة اكتشاف لفكر الصدر الثاني. مِن أبرز تلك التمثلات هو فهمها لمعنى الاجتهاد في الدين ومحدداته في سياق المجال العراقي. لم يعد الاجتهاد مجرد صناعة فقهية تحتكرها فئةٌ خاصة تنحدر مِن أسر دينية معينة، بل مجالاً أوسع يستجيب لإشكاليات الحياة واحتياجات المجتمع الوطني العراقي مفتوحاً أمام جميع العراقيين على اختلاف الأوساط الاجتماعية التي ينحدرون منها.
في هذا السياق تحديداً تكتسب محاولة محمود الحسني الصرخي أهميتَها ومعناها الخاص في المجال الديني/ السياسي العراقي. وهو ما سنحاول إيضاحه في الفقرات القادمة مِن هذه الورقة. 


تمهيد: احتدام الفواعل السياسية
في سياق الحديث عن تطورات الساحة السياسية العراقية ما بعد احتجاجات تشرين عام 2019 (وقبلها احتجاجات البصرة في تموز 2018) تناولتُ في عدّة مقالات سابقة أهم الانقسامات والتحديات الحاصلة أو تلك المتوقّعة في المرحلة المقبلة . لكنني أجّلت التطرق إلى أحد الفواعل الدينية المؤثرة في المشهد الثقافي/ السياسي العراقي العام والذي يمثّله مقلّدو وأنصار التيار الصرخي (نسبةً إلى المرجع الديني السيّد محمود الحسني الصرخي)، وقد كان سبب التأجيل أنَّ أتباع هذا التيار بالرغم مِن نشاطهم الواسع ومواقفهم الكثيرة والصريحة مِن أغلب القضايا السياسية التي وقعت في السنوات الماضية، بدءاً مِن التغيير عام 2003 وبناء العملية السياسية، ومروراً بمواقفهم مِن الحرب الأهلية ومظاهرات 2011 وما تلاها من حملات اعتقال تعرضوا لها عام 2014 وحتى مشاركتهم البارزة في احتجاجات تشرين عام 2019، إلا أن صمتهم في السنوات الثلاثة الأخيرة وتواريهم عن الساحة خلق انطباعاً بتراجعهم وانزوائهم، إلى أن عادوا إلى الحضور بتاريخ (15-4-2022) في صلاة الجمعة التي يقيمونها في العديد مِن مدن الوسط والجنوب في العراق. إن المواقف الراديكالية العنيفة التي قوبِلوا بها مِن قبل بعض القوى السياسية وحملات التحريض المباشر ضدّهم وما أعقبها من نزول بعض المحتجين الغاضبين وتدميرهم وحرقهم لمكاتب ومساجد هذا التيار يدفعنا إلى إعادة النظر في هذا التأجيل والسعي إلى تسليط الضوء على هذا الفاعل الديني الذي بات التغافل عنه يشكّل نقصاً كبيراً في فهم المشهد العراقي الراهن.
في مقال (المسار التصادمي لِلفواعل السياسية في العراق) قسمتُ الفاعل السياسي الديني الشيعي إلى قسمَين: الفاعل السياسي الشيعي الداخلي، والآخر الخارجي. وقصدت بـ"الداخلي" الزعامات والخطابات السياسية والدينية المكوّنة أو المنبثقة مِن الفضاء الشيعي داخل العراق قبل عام 2003، و"الخارجي" الزعامات والخطابات السياسية والدينية المكونة في خارج العراق أو بدعم منه. كان التقسيم المشار إليه بمثابة مقترح إجرائي لفهم خلفيات الاختلاف والتنافس بين مختلف التيارات الشيعية الناشطة في المجال الاجتماعي الشيعي. وقد ركزت في المقال المذكور على التيار الصدري كممثل لِتيار الداخل ولكن ليس بوصفه الممثل الوحيد لِلفضاء الشيعي العراقي الداخلي، بل لأنَّ هذا التيار هو الأكثر نشاطاً داخل العملية السياسة منذ سنوات حتّى بلغ به الوضع اليوم، وخصوصاً بعد حلّ حزب الفضيلة، إلى امتلاك الأغلبية في تمثيل الشيعة تحت قبة البرلمان. قلتُ في المقال المذكور إنَّ هذا الفاعل السياسي الشيعي الصاعد لم يعد يحسب كثيراً حساب الفاعل السياسي الشيعي القادم مِن الخارج أو المتكون بدعم منه، وإنما يهتم إلى فاعلٍ سياسيٍ آخر انبثق من احتجاجات تشرين يمثله حالياً تيار المستقلين. إن هذا التقابل بين التيارَين (التيار الصدري والتيار التشريني) والتركيز عليهما لا يعني أنَّ هذين التيارين يحتكران الساحةَ السياسية الشيعية، وإنما يشير فقط إلى واقع المساهمة الحالية في العملية السياسية والحضور الفعلي في البرلمان. وإذا ما خرجنا عن هذا الواقع والحضور إلى آفاق مستقبلية أوسع فإن ثمة أطراف أخرى "شيعية"، وإن لم تشارك في العملية السياسية حتى الآن، لها نشاطاتها السياسية والدينية التي مِن الممكن تناميها وصعودها في المرحلة المقبلة. إنَّ تيار مقلّدي وأنصار الصرخي يمثل واحداً مِن تلك التيارات وما سنحاوله في هذا المقال هو دراسة نشأة وتطوّر هذا التيار وتحليل حجم الفرص المتاحة له . 

الصدر وخريجو مدرسته
يبدو غريباً لأول وهلة استهلال الحديث عن الصرخي بالعودةِ إلى المرجع الديني الراحل السيد محمد الصدر. إلا أنني أرى أن العودة لِلصدر أكثر من ضرورية، ليس من أجل منح الصرخي مشروعية دينية كدارس لِلعلوم الشرعية وخريجٍ من معاهدها التقليدية، وإنما لِفهم بعض أهم الأفكار التي يتمسّك بها أتباع التيار الصرخي لدعم مواقفهم في السياسة والثقافة الدينية.
هناك ثلاث أفكار رئيسية لاقت رواجاً كبيراً في مرحلة ظهور مرجعية السيد محمد الصدر:
الأولى: الأعلميّة. وقد تبنّت مرجعية محمد الصدر أن على الشخص الذي يتصدى لِلشؤون الدينية كمرجع ديني أعلى لِلطائفة الشيعية أن يكون الأعلم بين الفقهاء، ولاسيما في مجال علم أصول الفقه الذي يعد الأساس المنهجي لِعملية استنباط الأحكام الفقهية. وفي اعتقاد الصدر أن أرقى مستوى علمي بلغَه هذا العِلم تمثله أبحاث الفقيهَين: السيد أبو القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر. لذا لا يكون الأعلم إلا مِن بين مَن حضر أبحاثهما أو درس تلك الأبحاث بالتحليل والنقد والمراجعة وخطى بها وتطوّرها خطوة إلى الأمام. ومع أن العادة جرت في الحوزة العلمية بالاحتكام إلى شهادة أهل الاختصاص بتفاضل أو تقدّم الفقهاء المرشحين لِلمرجعية، إلا أن الصدر لم يضع ثقته بتلك الشهادات، القابلة للانحياز، بقدر ثقته بالإنتاج العلمي للشخص المنشور على شكل كتب ومؤلفات.
الثانية: المرجعية العراقية. في سياق الخلاف على إدارة الحوزة في ظلّ النظام السابق، تبنّت مرجعيةُ الصدر فكرة أن الحوزة طالما كان مقرّها على أرض العراق وتنشط بنحوٍ خاص في الوسط الاجتماعي الديني العراقي فإنَّ أولوية التصدي لها يجب أن تكون لأشخاص مِن داخل العراق. وبما أن الصدر كان داخل العراق وينتمي إلى عائلة عربية فقد فهم موقفه هذا على أنه دعوة لتقديم المرجعية العراقية/ العربية على من سواها أو على الأقل منع احتكار وهيمنة غير العراقيين على المرجعية.
الثالثة: النقدية الجريئة. كتب محمد الصدر في خاتمة مقدمة كتابه "اليوم الموعود" قائلاً: «إنَّ طريق التوصل إلى النتائج الكاملة، دائماً، هو تلاقح الأفكار والسعي في سبيل النقد البناء. والحقيقة بنت البحث». وقال في موضع آخر من الكتاب ذاته: «إنَّ النقاش ليس عاراً على أية نظرية أو فكرة، بل إنَّ الحقيقة دائماً بنت البحث، وأحر بالفكرة الصائبة أن تثبت جدارتها وعمقها عن طريق النقاش». (ص 50) هذه الكلمة التقليدية، المعززة بواقع الممارسة العِلمية داخل أروقة الحوزة حيث يوجد فضاء كبير مِن الحرية في نقد الآراء الفقهية والأصولية والتشجيع على هذا النقد، أضفى عليها منهج محمد الصدر وشخصيته مسحةً خاصة.
منهجياً تميز أسلوب محمد الصدر في الكتابة بما يسميه بنظام "الأطروحة"  حيث يعمد في كلّ موضوع إلى طرح جميع الأفكار المحتملة فيه، ثمَّ يركز على جمع كل القرائن المتوفّرة على صحة كلّ فكرة، لينتهي أخيراً إلى الترجيح بين الأفكار على أساس ما تحصل عليه مِن قرائن مؤيدة. وهذا الأسلوب يظهر واضحاً في جميع الموضوعات التي تناولها في كتاباته، حيث يكثر مِن التشقيقات والتفريعات، وعلى مستويات عدّة.
وشخصياً تميّز محمد الصدر بشجاعة الباحث الذي لا يتردد في إعلان النتائج التي يتوصّل إليها، مصحوبة بشحنة من التقوَية الدينية المشككة بتواضع كبير بصحة تلك النتائج. لقد كان يكرر وصف نفسه، وأحياناً يذكّر به كأحد المواصفات التي تتطلبها بعض المعالجات العلمية وغير العلمية، بأنه يتمتع بـ(قوة القلب)، والحقيقة أنه كان كذلك فعلاً حتى في المجال العلمي وليس السياسي فقط. ولأنّه كان يعيش في ظرف سياسي صعب ومعقّد في ظل النظام السابق فإنّه كان يستعجل الكثير مِن الأمور ويتوقع دائماً نهايته السريعة والمأساوية .
هذه الخصائص الثلاث المهمة في تقديرنا سوف تستمر لدى خريجي مدرسة الصدر حتى بعد رحيله، إلا أنها ستكتسب معان جديدة أوسع وأكبر مما كانت عند الصدر أو أملته عليه الظروف السياسية والاجتماعية التي عاش في كنفها.

صدمة التغيير عام 2003
لقد كان رحيل محمد الصدر عام 1999 حدثاً مباغتاً ترك فراغاً كبيراً جداً في إدارة الحوزة النجفية وعند عموم الجماهير الشيعية الدينية في العراق، وفي غضون أقل من خمس سنوات وقع حدثٌ كبير آخر، وعلى مستوى دولي هذه المرة، تمثّل بتغيير النظام السياسي في العراق عام 2003. لقد دخل العراق بأكمله، وجميع العراقيين في الخارج، في صدمة لم يكن أحد مهيّئاً لها.
إنَّ الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي رافقت أو نتجت عن هذا الحدث باتت معروفة لِلجميع، كما أنَّ التركة التي خلّفها النظام السابق وراءه كنتيجة لسياساته وحروبه وفترة الحصار المرعب الذي فرض على العراق ضاعفت من حجم التحديات، وليس مِن أغراض هذا المقال سرد كلّ ذلك أو تحليله، إلّا أن مِن المهم الإشارة إلى عدّة أمور لها علاقة بظاهرة أنصار التيار الصرخي:
الأولى: عودة المعارضة من الخارج
إن الفاعل السياسي الشيعي الذي هيمن على قيادة هذه المرحلة كان أحزاب المعارضة الشيعية، وتجلّى هذا بنحو خاص في (مجلس الحكم الانتقالي) الذي أسسه الأمريكيون، وفي (كتابة الدستور) الذي سيحمل أهمّ ملامح صيغة الحكم الجديد. وفي ذروة الشعور بنشوةِ الحكم لم تمنح هذه الأحزاب فرصةَ المشاركة لِلقوى الموجودة داخل العراق، وربما لم تكن تلك الأحزاب تستوعب حجمَ تلك القوى ومدى توغّلها في الأوساط الاجتماعية العراقية.
الثانية: الاختلاف على وراثة الصدر
في جانبٍ آخر كانت القوى الدينية والسياسية في الداخل تشكو مِن انقسام حاد في وراثة مؤسسها محمد الصدر، ولم يحصل اتفاقٌ بينها في الالتفاف حول شخص واحد. وفي غمرة الأحداث المتسارعة برزت إلى السطح أسماء شخصيات عدّة كانت لها مواقف متباينة مِن التغيير وكيفية التعامل معه؛ على رأس القائمة كان السيد مقتدى الصدر (ابن المؤسس السيد محمد الصدر)، والشيخ محمد اليعقوبي (أحد أهم وأبرز تلامذة الصدر)، والسيد محمود الحسني الصرخي الذي كان أحد التلامذة والأتباع المميزين لِلصدر، وإلى جوار هذه الأسماء الثلاثة ظهرت أسماءٌ أخرى ولكنّها كانت تنشط في المجال الديني أكثر من السياسي ولم تنجح في خلق تيار اجتماعي/ سياسي مِن الأتباع والمؤيدين.

الثالثة: نشوب الحرب الأهلية
كان القرار بحل الجيش والشرطة والبدء بتطبيق مبدأ اجتثاث البعث واحداً من أكبر التغييرات الحاصلة بعد 2003، وقد فسحت هذه السياسةُ المجالَ لِلكثير مِن ضبّاط الجيش ومنتسبي الأجهزة الأمنية إلى تنظيم أنفسهم على شكل مجاميع مسلّحة أخذت على عاتقها محاربة الطرفَين: الأمريكان بوصفهم محتلين، والقوى السياسية الحاكمة بوصفها قوى سياسية عميلة. ولكن مع دخول الكثير من التيارات الدينية في هذا الصراع تحوّل الاستهداف إلى مجالات اجتماعية أوسع وخصوصاً من المدنيين.كان ذلك إيذانًا ببدء الحرب الأهلية التي ستستمر لسنوات ويشارك فيها الجميع بلا استثناء. 

الرابعة: هيمنة الفاعل الدولي الإقليمي على مجريات الساحة العراقية
كان واضحاً منذ الأيام الأولى لِلتغيير أنَّ أحزاب المعارضة السياسية التي تشكّلت في الخارج تكوّنت في ظلّ مديونية سياسية لِلحواضن التي كانت تنشط فيها، وما بدى في أول الأمر استشارات صديقة في التجربة السياسية الفتية تحول إلى توجيه شبه مباشر في صناعة أهم السياسيات التي تتبعها تلك القوى. ظهر ذلك في أجواء كتابة الدستور والأفكار المهيمنة عليه كفكرة تقسيم العراقيين على أساس المكوّنات الدينية والمذهبية والإثنية، وفي فكرة المحاصصة التوافقية في تشكيل الحكومات، واختيار صيغة الحكم الفيدرالي لإدارة الدولة العراقية.. إلى غير ذلك من توجيهات مباشرة لاقت قبولاً عند القوى السياسية الشيعية الصاعدة تواً إلى السلطة. ولكن فيما كانت هذه الأدوار المساندة والداعمة لِلفاعل السياسي الإقليمي تقتصر على تلك الجهات السياسية الصديقة له والمهيمنة على الحكم، كانت الأدوار الأخرى وخصوصاً محاربة الأمريكان ودعم المسلّحين المتطرفين مجالا اشترك فيه جميع الفواعل السياسية الإقليمية كلاً بحسب القوى الموالية له على أرض الواقع والمستعدة لخدمة أجندته الخاصة.

الخامسة: الفشل في إدارة الدولة ومعالجة المشاكل الناجمة عنها
نتائج هذا الفشل تحدثت عنه جميع تقارير المؤسسات الدولية، ويلمسها المواطن العادي في العراق يومياً. إذ ثمة إخفاق واضح بتبديد مليارات عوائد النفط دون أن تنعكس على تحسين حياة المواطنين وبناء البُنى التحتية وتوفير الخدمات وتطوير الاقتصاد والصحة والتعليم والطرق والمساكن وغيرها. كان هذا الفشل سبباً مباشراً لتنامي مشاعر البؤس والتعاسة لدى العراقيين، وهو ما قاد إلى انطلاق أكبر مسيرات احتجاج عرفها العراق في تاريخه الحديث منذ احتجاجات البصرة في تموز عام 2018 التي مهدت لانطلاق الاحتجاجات الأوسع في تشرين مِن عام 2019 والتي عمَّت أغلب مدن العراق.
هذا التوصيف السريع، والمعروف في الغالب، لأهم التطورات التي حصلت بعد التغيير سنة 2003، إلى جانب الخصائص الثلاث لخريجي مدرسة الصدر والتي ذكرناها آنفاً، سيمنحنا فرصةً أفضل لفهم المناخات التي ظهر فيها تيار السيد محمود الحسني الصرخي وصنعت مساراته اللاحقة.

الصرخي فقيهاً

أولاً: التلقي والتحصيل
ولد محمود الحسني الصرخي عام 1964 في منطقة الحرية التابعة إلى مدينة الكاظمية في العاصمة بغداد. درس الهندسةَ المدنية في جامعة بغداد وتخرّج عام 1987. لا تتوفر الكثير مِن المعلومات الموثقة حول دراسته الدينية المبكّرة، ولكن يظهر من السيرة الموجزة المتوفرة على موقعه الرسمي على الإنترنت أن بداية دراسته كانت عام 1990 في الكاظمية وبجهود ذاتية خاصة، ثم تفرّغ كاملاً لِلدراسة الدينية بعد ذلك عند انتقاله إلى مدينة النجف عام 1994. وبحكم معرفته السابقة بالشيخ محمد اليعقوبي، وكونه عديلاً لِلشيخ، واشتراكهما بدراسة الهندسة في جامعة بغداد فقد حصل على تزكية جعلته مقرّباً مِن السيد محمد الصدر. ليس مِن الواضح ماذا حضر مِن دروس في تلك الفترة، ولا متى بدأ الاشتراك بدروس الصدر، ولا حتى مجال ومستوى تلك الدروس، إلا أنه يقول، وهذا ما يؤكّده معاصرون له، إنّه اشترك في السنوات الأخيرة من حياة الصدر في حضور دروسه العليا (المسماة بالبحث الخارج) في علم أصول الفقه وكتب بعضاً منها في مباحث الأوامر والضد، عرضها على الصدر ونالت استحسانه إلا أنها ظلّت محدودة التداول. مضافًا لذلك اشترك أيضاً ولمدّة وجيزة بالحضور في دروس الشيخ محمد إسحاق الفياض والسيد علي الحسيني السيستاني، لكنَّ الصرخي يصرّح أنه حضر أبحاث الأخير بناءً على توصية من محمد الصدر وأنه انتهى إلى قناعة بعد سنتَين من المشاركة بعدم الفائدة من هذا الحضور نظراً لِفقر المحتوى العلمي لتلك الدروس. بعد رحيل السيد الصدر شرع الصرخي بإلقاء مجموعة من الدروس في (مسجد الرأس) في شرح كتاب أصول الفقه لِلشيخ محمد رضا المظفر، وهو مِن المتون الأصولية الكلاسيكية مخصص لِلمرحلة الوسيطة في دراسة هذا العلم (تمهيداً لمرحلة أعلى يدرس فيها كتاب الكفاية لِلشيخ كاظم الخراساني تسبق درسَ الخارج) أعتبرها لاحقاً "دروساً عُليا في علم أصول الفقه". وفي عام 2012 بدأ بإلقاء بحثه الأصولي في شرح الحلقات لِلسيد محمد باقر الصدر واعتبرها محاضرات "ممهدة" لمستوى البحث الخارج و"مفتوحة" لِكلّ مَن يحب المشاركة والحضور تمتد لِعشر سنوات حتى تأتي مرحلة البحث الخارج وتكون المحاضرات فيها موسعة ومخصصة لِنخبةٍ مِن الطلاب.
يتكرر هذا الإرباك ونقص المعلومات في مجال الفقه أيضاً، فلا توجد أي توضحيات -حتى على الموقع الرسمي للسيد الصرخي- بشأن تلقّيه دروسَ الفقه ومستواها ومدتها وأساتذتها. وكلّ ما موجود في قسم مؤلفاته الفقهية هو رسائل مختصرة، إحداها (حول نجاسة الخمر)، وأخرى عبارة عن تعليقات نقديّة (مع استدراكات متفرّقة في موضع آخر) حول ما كتبه الشيخ محمد اليعقوبي في بحثه (القول الفصل في أحكام الخل).

ثانياً: الاجتهاد والمرجعية
شهدت السنوات اللاحقة على رحيل محمد الصدر عام 1999 عدّة محاولات مِن الصرخي لإقامة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، إلا أنه لم يوفَّق لتحقيق ذلك، فأقامها لمرات معدودة في بيته تحت مراقبة مِن السلطات آنذاك. كانت المشاركة من الناس محدودة وتنطوي على مغامرة في ظلّ تلك الرقابة، لذا كفَّ عن إقامة صلاة الجمعة، واكتفى، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، بإلقاء دروسه في شرح كتاب أصول المظفر. المرة الأخرى التي ظهر فيها الصرخي إلى العلن كانت بعد عملية تغيير النظام السياسي في العراق عام 2003 وهنا بدأت مرحلةٌ جديدة له حيث قدّم نفسَه كفقيه ومجتهد يدعو الناسَ إلى تقليده بوصفه مرجعاً دينياً.
وفقاً لِلتقاليد السائدة في الحوزة العلمية، سواء في النجف أو خارجها، تُعَد هذه المبادرة خطوةً جريئة مِن الصرخي لا سابق لها إلا في حالة السيد محمد الشيرازي (1928-2001) الذي بدأت بوادر تصديه لِلمرجعية في كربلاء في وقت مبكّر بعد رحيل أبيه (مهدي الشيرازي) عام 1961، وفي ظلّ وجود مرجعيات كبيرة كالسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي وغيرهما مِن الفقهاء المشهورين في النجف. إذ جرت العادةُ أن لا يتصدى الأشخاص لشؤون الإفتاء إلا بعد قطع شوط طويل مِن الدراسة وإلقاء الدروس في العلوم الشرعية حتى يحصل على اعتراف رسمي (خطّي أو شفهي) بأهليته لممارسة هذا الدَور.
بالعودة إلى الخصائص الثلاث التي ذكرنا رواجها في صفوف المنتسبين لمرجعية السيد محمد الصدر يمكن أن نفهم السياق الذي قاد الصرخي إلى هذه الخطوة الجرئية. فإنَّ القناعة بأولوية علم أصول الفقه في تحديد أهلية الفقيه وأعلميته، والنظر إلى أبحاث أبو القاسم الخوئي ومحمد باقر الصدر كأرقى مرحلة بلغها هذا العلم، شجّعت الكثيرين من خرجي مدرسة محمد الصدر على القول بأهليتهم دون سواهم لِلتصدي إلى شؤون الإفتاء، واعتبروا ما تردد في كلمات محمد الصدر مِن أن نقد أبحاث الخوئي والصدر يمثّل خطوةً متقدّمة عليهما ينطبق أيضاً على أبحاث محمد الصدر نفسه، فنقدها من قبلهم يمثل خطوة أعلى وأكثر تقدماً مما كتبه الصدر وتمثل معياراً في إثبات أهليتهم في التصدي لِلشؤون الدينية العامة.
بالرغم من أن أولوية علم أصول الفقه وتطور أبحاث بعض أساتذته على مَن سواهم تبقى مسألة اجتهادية مختلَف عليها في الحوزة، إلا أن رأي محمد الصدر في ذلك كان مدعوماً بممارسة بحثية طويلة نسبياً (تلقّياً وتدريساً وتأليفاً)، وهو ما ليس عليه الحال عند خريجي مدرسته، الذين هم في الغالب حديثو عهد بالدراسة وفقاً لِلمعايير الزمنية لِلدراسة في الحوزة، ولكن الشيء الذي حصل أن هؤلاء الخريجين الجدد أضفوا على موضوع (معيارية أصول الفقه وأفضلية أبحاث الخوئي والصدر) أبعادًا أخرى تتعلّق بوراثة أو إدامة مدرسة الصدر؛ (أولاً) بوصفهم استمرارًا ل«الحوزة الناطقة» الإصلاحية في مقابل المرجعيات الأخرى التي انتقد الصدرُ في التسعينيات عزلتَها عن الشؤون الاجتماعية العامة ووصفها بـ«الحوزة الصامتة». و(ثانياً) بوصفهم ممثلين لِلمرجعية العراقية/ العربية الأجدر بتمثيل المجتمع الديني العراقي.
نقطة أخرى ساعدت على المبادرة الصرخية هو تفسيرها نقد السيد محمد الصدر لِلأعراف الحوزوية حول احتكار البيوتات المعروفة في المعاهد الدينية لِلتصدي لِلمرجعية واعتماده سياسةً جديدة في توسعة قبول الطلاب المتقدّمين لِلانضمام إلى صفوف الدراسات الشرعية مِن المدن العراقية كافة والسعي إلى إعدادهم وتأهيلهم علمياً لممارسة الأدوار التقليدية التي كانت محصورة بتلك الأسر الدينية. ساعدت كلّ هذه الأفكار على تولّي خريجي مدرسته زمام المبادرة وإعلان مرجعيتهم الدينية.
أخيراً إنَّ شجاعة الصدر الفكرية وحسّه النقدي الجسور في تناول الأفكار والآراء، وحديثه المستمر عن «قوّة القلب» عنده، وضرورته لدى المتصدين لِلشأن الاجتماعي الديني في المرحلة التي عاشها، مع ما يعنيه ذلك من دَور بطولي في تحمل عواقب الرسالة التي كرّس نفسَه لها، فهمها خريجو مدرسته كمهام تضحوية يقومون بها لِضرورات دينية إصلاحية.
مِن الواضح أن مناخات كلمات الصدر ومواقفه في التسعينيات مختلفة عن مناخات إعادة تأويلها مِن قبل المنتسبين لمدرسته بعد 2003، وبالرغم من ذلك، وربما بسببه، لاقى هذا التأويل تجاوباً عند شرائح اجتماعية واسعة قبلت بتلك المرجعيات الناشئة واتبعتها بإخلاص، بل إنَّ بعض تلك المرجعيات (كمرجعية الشيخ محمد اليعقوبي) استطاعت أن تحصل على اعتراف علمي داخل المعاهد الدينية التقليدية خصوصاً بعد تخليها عن العمل الحزبي وانخراطها في الأجواء البحثية السائدة في تلك المعاهد من خلال إلقاء الدروس ونشر المؤلفات المعنيّة بالمعرفة الدينية المتداولة.
انطلاقاً مِن هذه النقطة الأخيرة فإنَّ انغماس السيد محمود الصرخي في الشأن السياسي والعقائدي، وهو ما سنتحدث عنه لاحقاً، لم يتح له فرصة لِتكوين انطباع جدّي لدى متابعيه حول أهليته لِلتصدي لشؤون الإفتاء. يركّز الصرخي هنا، وبنحوٍ خاص، على أهمية كتابه في أصول الفقه (الحبل المتين) كمؤشّر على جدارته العِلمية، ويعتبره أحياناً ك "تمهيدٍ" أو "مدخلٍ" لأبحاث قادمة أكثر توسعاً وتطوراً، إلا أنَّ هذا الكتاب وبالرغم من وجود إلماعات ذكية فيه يشكو مِن أمرين:
الأمر الأول: إنَّ التعليقات النقدية فيه لا تعكس رؤيةً منهجيةً واضحةً لدى صاحبها، بل هي في الغالب تعليقات نقضية متفرقة تكشف عن فطنة صاحبها دون أن تثبت ترابطاً ذهنياً يجمع تلك التعليقات في اتجاه فكري بيّن المعالم. 
الأمر الثاني: تعاني تلك التعليقات مِن اضطراب فنّي في التنسيق ككتاب موحَّد، ويوجد الكثير مِن التداخل بين المتن، الذي يكون مِن تأليف أشخاص آخرين (كالشيخ الفياض في الجزء الأول والثاني، أو السيد محمد الصدر في الجزء الثالث، أو السيد كاظم الحائري في الجزء الرابع) والهامش الذي يكون لِلسيد الصرخي.
إنَّ الأسلوب الذي يسير عليه السيد الصرخي لا يتضمّن تحليل الموضوعات الأصولية وطرح النظريات فيها ثم نقدها، وهو الأسلوب المتداول في الأروقة البحثية في الكثير من معاهد المعرفة، في الحوزة أو خارجها، إنّما يسير على الأسلوب القديم في قراءة المتن ثم التعليق على محل النقاش فيه، وهذا الأسلوب الأخير، وإنْ كان ينمّ عن بعض المواهب والمهارات، لكنّه ليس كافياً في التدليل على استيعاب صاحبه لتلك الموضوعات المدروسة كوحدة واحدة وتحديد موقف فكري موحد منها. وهذه ملاحظة منهجية سيّالة في جميع أبحاث الصرخي المنشورة على موقعه الرسمي على اختلاف المجالات التي يتناولها سواء في علم الأصول أو الفقه أو المنطق أو العقائد. ولم تغب هذه الملاحظة حتى عن تلك الكتابات المنشورة بعنوان "تقريرات" يدونها تلامذته، إذ يستولي أسلوبه غير المتماسك فنياً على كتابات هؤلاء المدونين الذين يسهل افتقادهم لِلمهارات الأسلوبية في الكتابة.

الصرخي سياسياً
بعد ثلاثة عقود مِن السياسات القمعية لأيّ نشاط سياسي مغاير استطاع حزبُ البعث الانفراد بإدارة السلطة في العراق بشكل مطلَق. إلا أن فترة التسعينيات التي شهدت انفراجاً نسبياً بالسماح لِلحوزة في النجف بالعودة إلى ممارسة فعالياتها التدريسية والدينية فسح المجال لتكوّن فاعل ديني مؤثر مثّلته مرجعية السيد محمد الصدر، ولكن باغتياله عام 1999 وسقوط النظام عام 2003، ظهر إلى المشهد الديني والسياسي (الشيعي) خريجو مدرسته بوصفهم الممثلين الوحيدين لِقوى الداخل. بالرغم مِن اختلاف المسارات التي ذهب فيها هؤلاء الخريجون إلا أنَّ ثمة نقطة واحدة مثّلت قاسماً مشتركاً بينهم عام 2003 وهي التحفظ على قوى الاحتلال الأمريكي والأطراف السياسية القادمة معه. كان الممثل لِلطرف الأكثر براغماتية بينهم هو الشيخ محمد اليعقوبي الذي لم يذهب، كما فعل الآخرون، إلى خيار المواجهة المسلّحة وبقي يناور مِن أجل الحصول على دَورٍ أكبر في الوضع السياسي الجديد. وقتها أعلن اليعقوبي اجتهادَه وبدأ يتحدّث باسم الحوزة والمرجعية دون أن يحدد بالضبط ما كان يقصده من (المرجعية) التي يكرر ذكرها. كان اليعقوبي، ومثله مقتدى الصدر، يحاولان الوفاء لوصية محمد الصدر التي أشار فيها إلى كاظم الحائري بوصفه الأعلم بين الفقهاء الأحياء، لكن سرعان ما شقَّ الطرفان (اليعقوبي والصدر) طريقهما بمعزل عنه. الأول بتأسيسه "جماعة الفضلاء" التي ستتحول لاحقاً إلى حزب سياسي مرتبط به دينياً اسمه "حزب الفضيلة"، والثاني بتزعمه فريقاً آخر مِن أتباع والده سيُعرفون فيما بعد بالتيار الصدري. الصرخي هو الوحيد الذي كان جسوراً بما يكفي ليُعلِن نفسَه "مرجعاً دينياً" يوجّه خطابَه لِلعراقيين كافة بدون أن يستند إلى مرجعية دينية يعتبرها أعلى منه.
منذ تلك اللحظة والصرخي لا يخفف، فضلاً عن أن يتراجع، عمّا بات يشكّل ثابتاً مِن ثوابت خطابه السياسي في النقد الصريح واللاذع لمرجعية السيد السيستاني والطبقة السياسية القادمة مِن الخارج وجميع السياسات والقرارات التي سارت عليها العملية السياسية. وهنا سأشير إلى بعض مواقفه في جملة من المسائل:
أولا: المرجعية السيستانية
أشرنا سابقا إلى انطباع الصرخي عن المكانة العِلمية التي تتمتع بها دروس السيستاني في فترة دراسته عنده في التسيعينات. لن يتغير موقفه هذا بعد عام 2003 بالرغم مِن محاولته بعض الأوقات أن يكون دبلوماسياً في حديثه عنه بوصفه (أستاذه) أو (مرجعاً) مِن مراجع الدين. لقد تطور موقفه السابق باتجاهين: 1/ نقد وسائل الإعلام التي تقدّم السيستاني كممثل ديني حصري لأغلبية الشيعة العراقيين وتفسير ذلك بأنه محاولة لِعزل الرافضين للاحتلال والمقاومين له وتطويقهم. 2/ اتهام السيستاني بركوب الموجة واستغلال ما حققه رموز المدرسة الصدرية، لاسيما محمد باقر الصدر، فكرياً واجتماعياً مِن أجل التظاهر بكونه مرجعاً إصلاحياً فيحصل بسبب ذلك تخادم مصلحي بينه وبين الطبقة السياسية الفاسدة. الدعاية والترويج لِصالح طرف، والتغطية وامتصاص النقمة الاجتماعية لصالح الطرف الآخر. ومن أجل أن لا أثقل هذه الورقة بالاقتباسات يمكن ملاحظة الاتجاه الأول في أول بيانَين أصدرهما الصرخي بتاريخ (6-7-2003 و 1-8-2003) . أما الاتجاه الثاني فأكتفي بنقل هذا النص المطوّل الذي يتحدّث فيه عن محمد باقر الصدر ويغمز فيه بنحو واضح في السيستاني:
قال: (وليكن مثالنا السيد المعلّم الأستاذ الشهيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)؛ فإنَّ منهجه وسلوكه ونظريته الرسالية الأخلاقية الاجتماعية أرغمت الخطّ المقابل (المضادّ الفكري والخصم الديني. المؤسَّسة الدينية الانتهازية) أنْ ينتهج، ظاهراً، نفس النهج والمنهج والسلوك الذي يدّعيه ويسير عليه المرجع القائد المُصلح ومؤسَّسته الإصلاحية، ويكون ذلك النفاق والانتهازية بتأمين ومبارَكة السلطة الحاكمة ودعمها بكافَّة الوسائل لتحقيق ذلك من أجل امتصاص نقمة المجتمع وتهدئته وتخديره بالدعم والترويج أو بصنع مرجعية تابعة لِلدولة يصبّ عملَها ومنهجها وسيرتها في مصلحة السلطة الحاكمة وإدامة ظلمها وتسلطها. […] إذن فالمجتمع ارتبط فكرياً ونفسياً مع منهج ونظريات الصدر الأول، وعندما توفّرت الظروف السهلة السلسة المُريحة للقطب الانتهازي الصامت الساكت الحوزوي، وبدعم مِن الحكومة المتسلطة وقوى احتلال، فإنَّ هذا الخط الانتهازي النفعي استغلّ الظروف فركب الموجَ فوظّف تضحيات المُصلِح الصدر الأول ومنهجه لصالحه؛ فأظهر سلوكاً ظاهرياً نفاقياً مِن أجل خداع المجتمع وجعله يُصدّق أنَّ هذا الخط المرجعي الساكت يمثّل نفس الخط والمنهج الصدري الرسالي أو هو امتداد له) .
يكشف هذا النص أنَّ الصرخي وحتّى بعد مرور ثمان سنوات على سقوط النظام في العراق لم يغادر بعدُ النزاعات التي عاشها في مرحلة التسعينيات بانقسام الحوزة بين أتباع السيد الصدر الذين أطلقوا على أنفسهم «الحوزة الناطقة» وأتباع السيد السيستاني الدين وصِفوا مِن قبل الفريق الأول بـ«الحوزة الصامتة». إنَّ مَرارة العزلة التي يشعر بها نتيجة لاختلال توازنات القوى الدينية عمّا عرفه سابقاً واعجابه الكبير بشخصية وأفكار السيد محمد باقر الصدر التي تعود إلى فترة صعود الإسلام السياسي الشيعي في الستينيات والسبعينيات مِن القرن الماضي جعلته يتصور أن مكتسبات المرحلة الحالية، الدينية أو السياسية، تعود إلى تثقيف وتضحيات الصدر، وأنَّ السيستاني يموضع نفسه، بدون حق كما يرى الصرخي، كممثل لذلك الخط أو امتداد له. فالواقع لا يبدو أن السيستاني يحصل على هذه المكتسبات بفضل هذه المناورة كما يظن الصرخي، بل إن السيستاني يصر على تمييز نفسه عن، وأحياناً يصل الأمر إلى حدّ القطيعة مع، ما يمثله تيار الإسلام السياسي. ودون أن نغفل حجم المكانة الرمزية التي كان يتمتع بها السيستاني أمام خريجي مدرسة الصدر القريبة العهد بالانضمام إلى الحوزة فإنَّ الجانب الأهم في المسألة أنَّ الفاعل السياسي الشيعي القادم من الخارج هو مَن اختار عن سابق إصرار تجسير علاقته مع السيستاني فقط وتجاهل غيره. وهذه نقطة ظلّت محلّ انتقاد لدى القوى الدينية والسياسية في الداخل ضدّ القادمين مِن الخارج، وبنحوٍ أخف ضد المرجعية الدينية أيضاً، على حدّ سواء. كتب اليعقوبي ذلك بلهجة أقل حدّة مما صرّح بها الصرخي فقال (بتاريخ 21 - 4 - 2007): (كان مِن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الأمريكان والساسة الذين تقاسموا الأدوار معهم في مؤتمرات لندن وصلاح الدين وغيرها إقصاء الشعب العراقي الذي بقي داخل العراق). ثمَّ تحدّث عن العراقيين الذين غادروا العراق وعادوا بعد 2003 فقال: إنهم (أوهموا قوى الاحتلال أن العراق هُم، وتقاسموا المناصبَ بينهم واستغلوا طيبةَ الشعب العراقي وحسن ظنّه السابق بهم واستظلوا برداء المرجعية ليواصلوا تهميشهم لهذا الشعب المظلوم بكلّ ما يزخر به من كفاءات وطنية مخلصة تضاهي ما في أكثر دول العالم تقدماً) .
ثانياً: القوى السياسية
لاحظنا في النقطة السابقة كيف أنَّ الصرخي يبني موقفَه مِن السيستاني على أساس تواطؤ الأخير مع القوى السياسية القادمة مِن الخارج. ومن هنا سيكرس جميع بياناته اللاحقة لمهاجمة تلك القوى السياسية وانتقاد سياساتها وتحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأمور. وهنا يمكن أن نشير إلى جملةٍ مِن مواقفه مِن تطورات العملية السياسية ...لقراءة المزيد