هل ستتكوّن المعارضة الجماعية في مجلس النواب العراقي؟

تاريخ النشر:
2022 أيار 17


طالب كاظم عودة
 توطئة:
   للمعارضة السياسية داخل المجلس النيابي أدواراً عديدة وضرورية، فهي تارة ناقدة بموضوعية لقرارات الحكومة ورئيسها، وتارة أخرى متعاونة معها لتحقيق الاستقرار والوفاء بالالتزمات المطلوبة، وتارة ثالثة متّهمة للمسؤول التنفيذي أياً كان، من خلال استجوابه وسحب الثقة منه، وقد يصل الحال إلى حجب الثقة عن الحكومة ورئيسها إذا تضامنت مع المسؤول التنفيذي المستجوب، فهي - وبعبارة موجزة - كفة الميزان الأخرى المقابلة للأغلبية داخل البرلمان، وبما أنّنا بصدد مناقشة المعارضة في (مجلس النواب العراقي)، فلابدّ من إعطاء لمحةٍ تاريخيةٍ عن المعارضة ومتى استُعمل هذا المصطلح في المجالس النيابية؟  وما هي الحاجة الضرورية لوجودها؟ 
  يرجع  استعمال عبارة "المعارضة" إلى النائب في مجلس العموم البريطاني (جون هوبهاوس) سنة 1826 على أثر نقاش دار في البرلمان البريطاني لمصطلح معارضة صاحب الجلالة الموالية، وقد كان المقصود بها أنّ أعضاء البرلمان في الهيأة التشريعية للبلد قد يعارضون سياسات الحكومة آنذاك التي تتألّف عادةً من برلمانيين من الحزب الذي يتمتّع بأكبر عددٍ من المقاعد في المجلس التشريعي المنتخب – مع الحفاظ على    الاحترام للسلطة الأعلى للدولة وإطار أكبر تعمل ضمنه الديمقراطية( ).
أمّا الحاجة إلى وجودها، فللمعارضة وظيفةٌ ضروريةٌ في البرلمانات، متى كانت فاعلةً ولا تتهيّب من التشكيك بولائها للبلد أو اتهامها بالخيانة، وقد وُجدت المعارضة الموالية في العديد من دول الكومنولث، حيث يُطلق عليها رسمياً معارضة صاحب (صاحبة) الجلالة المُخلصة.
وقد عبّر عن ذلك زعيم المعارضة الموالية السابق في مجلس العموم الكندي النائب (مايكل أجناتيف) في خطابٍ ألقاه سنة 2012 في جامعة ستانفررد بالآتي( ):
"تؤدي المعارضة وظيفية عدائية حاسمة للديمقراطية نفسها... ليس للحكومات الحقّ في التشكيك بولاء أولئك الذين يعارضونها (أحزاباً كانوا أو نواباً) فيظلّ الخصوم مواطنين لذات الدولة ورعايا مشتركين لنفس السيادة وخدام للقانون نفسه...".
  ويمكن الحديث عن تجربة العراق خلال المدة الماضية من عُمُرَه السياسي بعد سنة 2003 وفق ثلاث مراحل:
 
المرحلة الأولى:  مرحلة الـتأسيس:
وُلد النظام الديمقراطي في العراق بعد سنة 2003 على أنقاض حكمٍ استبداديٍّ لا يقيم وزناً لآراء الناس أو توجّهاتهم وحريتهم في تأسيس الأحزاب والدخول في اللعبة السياسية، وقد بُنيت المعارضة والممانعة لهذا النظام على رفضه ومقارعته واجتثاثه بالقوة، وقد اتخذت مقراتها خارج العراق بفعل القمع والتصفية والتهجير، ومارست نشاطها في الخارج والداخل عبر مؤيدين وأنصار لها، وقد مهّدت تلك المعارضة لانهيار النظام الدكتاتوري الصدامي بفعل الغزو الأجنبي - بقيادة أمريكا والدول المتحالفة معها - للعراق في 9/4/2003 ، وكانت تلك المعارضة السياسية ممثلةً بتنظيماتٍ حزبيةٍ وعسكريةٍ، وشخصياتٍ نافذةٍ ومنظماتٍ إنسانيةٍ تحت مسمّيات عديدة، واتّخذت مقرات جديدة لها، وبدأت مرحلة الـتأسيس لنظامٍ جديدٍ لوجود تفاهماتٍ سابقةٍ مع الولايات المتحدة، وبالفعل تمّ الاعتراف بها من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والسلطة التي أُوكلت لها مهمّة إدارة شؤون العراق (Coalition Provisional Authority)، أو (سلطة الائتلاف المؤقتة)( ) خلال الفترة الانتقالية، وجرى تشكيل مجلس للحكم الذي مثّل أقطاب تلك المعارضة السياسية بألوانها العرقية والأثنية والمذهبية، وفيما بعد تطوّر تمثيل هذه المجموعات الحزبية المعارضة في مجلسٍ وطنيٍّ مؤقّتٍ مؤلّف من مئة عضو، من ضمنهم أعضاء مجلس الحكم الذي تمّ استحداثه في 1/6/2004( ).
وقد مارست سلطة التحالف (CPA) إدارة الحكم في العراق خلال الفترة الانتقالية الممتدة لغاية انتقال السيادة إلى المؤسسات العراقية، إذ أُجريت انتخابات الجمعية الوطنية العراقية في 2005 وتمّ تشكيل الحكومة الانتقالية استناداً لقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، ولم تكن الجمعية الوطنية العراقية (سلطة التشريع التأسيسية للدستور) - والتي أغلب أعضائها من أحزاب المعارضة السياسية للنظام السابق بالإضافة إلى عددٍ من المستقلين - قادرةً على إيجاد معارضة في عُمرها الزمني المحدّد بموجب توقيتات قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية؛ نتيجة قصر فترة الولاية النيابية وانشغالها بكتابة الدستور والاستفتاء عليه والإعداد للانتخابات النيابية القادمة.

المرحلة الثانية: مرحلة بناء البرلمان:
بعد الاستفتاء على الدستور أصبحت السلطة التشريعية - بموجب النظام الديمقراطي البرلماني وفق دستور 2005 الذي أصبح نافذاً - متكونةً من مجلسين (مجلس النواب) الذي جرى انتخابه في 15/ كانون الأول /2005، وهو المجلس النيابي الأول  للدورة الأولى  2006 – 2010، و(مجلس الاتحاد) الذي نصّ عليه الدستور في المادة (65) منه، وأحال موضوع تنظيم هذا المجلس وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكلّ ما يتعلّق به إلى قانون يشرّعه مجلس النواب، يسنّه بأغلبية ثلثي أعضاءه لاحقاً، ولم يظهر هذا المجلس إلى الحياة السياسية، فلا يزال وجوده دستورياً فقط، أمّا المجلس الأول (مجلس النواب) فقد بدأ الحياة السياسية والنيابية ممارساً لاختصاصاته من التشريع والرقابة، وكانت المعارضة أثناء العمل النيابي في الدورتين الأُولى والثانية من عُمر مجلس النواب ولجانه متمثلةً بأصواتٍ فرديةٍ منتقدةٍ لأداء المسؤولين التنفيذيين، واتّهامهم بالتقصير في أداء وظائفهم والسعي لاستجوابهم، حيث كانت معارضةً مواليةً للحكومة الائتلافية من أحزاب السلطة المتوافقة، وهي في ذات السياق غير قادرةٍ على تشكيل جبهةٍ أو كتلةٍ بديلةٍ تطمح لسحب الثقة من الحكومة الموجودة وتشكيل الحكومة بنفسها.

 المرحلة الثالثة: مرحلة الانتقال من المعارضة الفردية إلى الجماعية ومحاولات تكوين جبهة معارضة قويَّة ورسمية:  
  خلال الدورتين الثالثة (2014-2018 ) والرابعة (2018-2021 ) من عُمر مجلس النواب العراقي جرت محاولتين لتشكيل معارضةٍ قويةٍ داخل مجلس النواب، وسوف نتناولها وفق سياقها السياسي والتاريخي كما يأتي: 


    محاولة تشكيل جبهة معارضة في الدورة الثالثة لمجلس النواب (2014- 2018):
جرى على أثر الاحتجاجات والتظاهرات( ) على سوء الخدمات والكهرباء وتفشي الفساد والرشوة نتيجة للمحاصصة في مؤسسات الدولة العراقية عام 2016 ، حراكٌ نيابيٌّ داخل مجلس النواب مؤيّدٌ ومتضامنٌ مع هذه الاحتجاجات ومتناغم معها؛ إذ اعتصم عددٌ من النواب المؤيّدين لها داخل قبة مجلس النواب، وشكّلوا مع نوّابٍ آخرين ممتعضين من الوضع السياسي وسوء الوضع الخدمي، جبهةً نيابيةً قوامها (174) نائباً من مختلف الكتل والاتجاهات النيابية، وقد عقدوا اجتماعاً داخل قاعة الاجتماعات العامّة في مجلس النواب امتداداً للجلسة الاستثنائية المفتوحة في 13/ نيسان / 2016، واعتبروا عدم حضور رئاسة المجلس أو الرئيس سليم الجبوري أو أحد نوّابه إلى منصة إدارة الجلسات - رغم الاتفاق معه على الحضور - أمراً معرقلاً لعمل المجلس ومُضيّعاً للوقت، فتمّ الاتفاق على ...لقراءة المزيد