مسرح الاعتراض ... نسق الصراع الاعلامي في العراق

تاريخ النشر:
2022 أيار 18


حيدر زوير

        إبان المشهد الرمزي والاستثنائي في التأريخ السياسي العراقي، في 9 نيسان 2003 حين اعتلى جنود أمريكيون تمثالاً حجرياً يجسّد رئيس النظام العراقي صدام حسين وسط العاصمة بغداد، وجروه بعد ذلك ليتهشّم على الأرض، مؤشراً على لحظة وصورة التحول، كان هنالك حفل صامت للعراقيين، تُعجِزهم لغتهم السياسيّة للتعبير عن تلك اللحظة وذلك الموقف، (فالحشود التي تجمعت في التاسع من نيسان في بغداد لم تكن قادرةً على أن تنطق شعاراً سياسياً واحداً، ولهذا غدت الرموز الثقافية الخرساء وسيلة لاظهار الهويّة) ، فصحيح أنّ شعارات "أبد والله ما ننسى حسيناه" أو "لا اله إلا الله" هي تعبير عن الهوية والعقيدة السياسية، لكنها في الآن ذاته، هي كل ما يملكونه من معجم لغوي وسلوكي.
فعلى مدى عقودٍ من الزمان من الاضرار بـ(الروح الوطنيّة)، استعاض الجميع بالهويات المباشرة قومية أو دينية، وفي لحظة البوح الأكبر لم يكن في الميدان غير الكلمات المختنقة لهذه الهويات، وهي بعد ذلك من تسيّدت المشهد تنميطاً اجتماعيا وسياسيّاً.
لن يكون مسرح التمثال المنهار لصدام حسين، الخشبة الوحيدة للمعارضة، فبعد ذلك التأريخ، في كلّ مرةٍ ينتظر الاعتراض والمعارضة من يقيم له خشبة أو منصة من أجل أن يقول أو يعبّر بطريقةٍ ما عن ما يريد أو ما يريد غيره، وفي أحايين كثيرة كان هنالك من يتحدث بالنيابة عنه، خاصة إذا كان مدار الحديث عن المعارضة الشعبية. 

الاعلام والمعارضة.. الوظيفة السياسية هي كل شيء
       بدأت المعارضة المعاصرة في العراق بعد 2003، من قبل طرفين، هي قوى قومية "بعثية" ودينية سنية، ومن قبل السيد مقتدى الصدر، وتكرّست وقتذاك حول موضوع الاحتلال والعملية السياسية المرتبطة به. وسرعان ما تمّ احتواء هاتين المعارضتين عبر دخول أبرز قياداتها إلى العملية السياسية. لتُنقل المعارضة بعد ذلك إلى مراحل الخلافات السياسية والايدولوجية. 

حكومة 2010 ـــ 2014 الإعلان الجاد
 ما خلا الموقف الراديكالي من الاحتلال العسكري، والمواجهة بين القوات الرسمية والمقاتلين الصدريين في العام 2008 في الجنوب العراقي، لايمكن التأشير على محطة تتموضع في أي صنف من أصناف المعارضة سياسياً أو شعبياً.
بيد أنّ معالم المعارضة كانت قد بدأت تبرز بسياقٍ ما، في حكومة 2010 برئاسة السيد نوري المالكي، حيث رفض المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة السيد عمار الحكيم - الذي كان قد خلف أبيه مؤخراً، إذ توفي السيد عبد العزيز 2009 - المشاركة في تلك الحكومة. وعمل عبر مؤسساته الإعلامية - خاصة قناة الفرات الفضائية - على التركيز على إخفاقات الحكومة وإبراز الاحصائيات السلبية المتعلقة بالفقر والبطالة وسوء الخدمات، وكرس المجلسيون وقت ذاك متحدّثيهم والعاملين معهم من الصحفيين لإشاعة نقد حكومة المالكي. 
وفي ذات الصعيد تموضعت معارضة قوى سياسية للمالكي لسحب الثقة عن حكومته، تمثلت باجتماع خمس قادة وهم: "مقتدى الصدر، مسعود البارزاني، جلال الطالباني، أسامة النجيفي، أياد علاوي"، عُرف باجتماع اربيل 2012" لكن سرعان ما تشتّت هذا الهدف تحت مطرقة المفاوضات الجانبية بين حكومة المالكي وأطراف منفردة من هؤلاء الخمسة.
على صعيدٍ آخر، كانت هنالك معارضة قد بدأت بالتبلور مؤخراً، بيد أنّها لم تعلن عن نفسها إلا في العام 2011، وهي المعارضة التي يقودها مجموعة من الصحفيين والمثقفين الليبراليين، فعلى الرغم من أن أول تظاهرة لهم كانت في العام 2008، إلا أنّ التظاهرات التي نظّموها خاصّةً بعد قتل الصحفي الاذاعي الجريء هادي المهدي، كانت هي الأكثر وضوحاً عن هذه الايدولوجيا النخبويّة، وقد حظيت بدعمٍ قويٍّ من قبل قناة الشرقيّة الفضائية، التي حوّلت شعاراتها إلى برنامج ساخر بصيغة Animation بث في شهر رمضان في تلك السنة. خاصة الشعار البارز "جذاب جذاب.. نوري المالكي" ، وهكذا الدعم والتغطيات الكبيرة التي أفردتها قناة البغدادية. وهما قناتان لرجلي أعمال، كانت لهما علاقة بالنظام الصدامي، ولهما موقفٌ سلبيٌّ من النظام السياسي الجديد.
امتازت معارضة المثقفين الليبراليين عن غيرها بأنّها مشكّلةٌ من كتّاب وصحفيين محترفين، يعمل كثيرٌ منهم في صحف وإذاعات وقنوات عربية ومحلّية،  فضلاً عن دورهم في التعليق السياسي ضمن البرامج التلفزيونية. ومن جانبٍ آخر فهي المعارضة التي لا تحمل صبغة بعثيّة، وليست ضمن النظام السياسي فتُوصم بأنّ معارضتها تعبّر عن خلافات على المصالح والمكاسب. 
إلا أنّ تلك المعارضة كانت تعاني من عدم قدرة تفريق نفسها عن معارضين سياسيين آخرين، أبرزهم المرتبطين بسعد البزاز صاحب قناة الشرقية وعون الخشلوك صاحب قناة البغدادية، ومؤسسة المدى التابعة لمسعود البرزاني، وهو ما أتاح استهدافها وموضعتها وسط هؤلاء. 

المعارضة ... الحدود العراقية للمفهوم...لقراءة المزيد