لِمَ لا يجب القلق مِن تطور الأحداث في العراق؟

Date of publication:
2019 May 14

اضغط هنا لتحميل المقال pdf

 

عبد الله رمضان زاده
 المتحدث باسم حكومة الاصلاحات (حكومة الرئيس الأسبق محمّد خاتمي)
المصدر: صحيفة «شرق» الإيرانية؛ 10 تشرين الثاني 2019

تتوسع رقعة الاحتجاجات العراقية ضد الفشل والفساد المتفشي في المؤسسات الحكومية يوماً بعد يوم. ورغم تدخل قوّات الأمن الداخلية وتحريضات الدول الخارجية، لاسيما اسرائيل والسعودية، ولكن يجب ألّا نشكّ في أن لهذه الاحتجاجات أسباب داخلية، وأنها ناتجة عن الفساد المتفشي في الأجهزة الحكومية العراقية.
لم تنجح المؤسسات الحكومية العراقية التي تمتلك بعد السعودية أكبر نسبة من أرباح النفط في منظمة الأوبك، لم تنجح في جلب الرضا الجماهيري طوال السنوات الماضية. (عائدات النفط العراقية في السنوات الخمسة عشر الأخيرة تُقدَّر بنحو تريليون دولار، وهو ما يعادل مجمل عائدات النفط الإيرانية منذ اكتشاف البترول في إيران إلى الآن. بمعنى أن مبلغاً يعادل كلّ أرباح النفط الإيرانية كان بيد القوى السياسية العراقية طوال السنوات الماضية.) لم يتحقق رضا الجماهير حتّى بين الداعمين التقليديين والعقائديين لهذه القوى السياسية، ومِن الذين قدموا تضحيات لا تُنسى في سبيل وصول الحكّام الحاليين إلى رأس السلطة. وعليه فإن احتجاج العراقيين أمر طبيعي، وكلّ مجتمع واع من شأنه أن يُبرّز مثل هذه الاحتجاجات.
الأمر المهم في هذا المضمار هو الموقف الإيراني بإزاء هذه الاحتجاجات. وبصرف النظر عن كون جذور هذه الاحتجاجات وأسبابها تعود لقضايا داخلية، بيد أن الفئة التي تخاطبهم لغة الاحتجاج الراهنة إنما هي فئة تبدو في الظاهر حليفة لإيران، إذ يُعوَّلُ على دعمهم في التطوارات الإقليمية (منطقة الخليج، سوريا، لبنان واليمن).
يتناول هذا النصّ القصير انعكاسات التطورات الداخلية في العراق على السياسة الإيرانية في إطار تحليل سلوك اللاعبين على مستوى القضايا الداخلية، والعلاقات الثنائية، والاقليمية والدولية، لتتبلور النتيجة التي تفيد: «يجب عدم القلق من الحراك الشعبي في العراق.»

أ. السياسة الداخلية الإيرانية: عملت بعض الأطراف والتيارات في السنوات الأخيرة بترسيخ فكرةٍ لدى الرأي العام تفيد بأنَّ الحكومة العراقية لا تشرب الماء مِن دون إذن إيران، وإن إيران تنشط وتفعل داخل العراق كيفما تشاء. وفي المحصّلة النهائية يجب أن يأتي يوم تصطدم فيه إيران بجدار الواقع. وكلّما كان حصول هذا الأمر بنحو أسرع وفي وقت مبكّر كلّما كان الأمر في صالح البلد وحتّى في صالح أصحاب القرار.
في الوقت الراهن على الجميع أن يذعن بأن الشعب العراقي كسائر شعوب العالم لا يبدّل استقلاله بأيّ أمرٍ آخر، ولا يسعه أن يتصوّر عمالة من يدير بلده. (مسألةُ طبيعة مكوّنات الشعب العراقي هو موضوع آخر). وعليه فإن التطورات الأخيرة في العراق واحتجاجات النّاس، ولا سيّما احتجاجات شيعة العراق الرامية إلى إثبات السيادة الوطنية من خلال إرادة النّاس، وعلى وجه الخصوص حين لاقت دعماً ضمنياً من المرجعية الشيعية في العراق، كلّ ذلك يجب ألّا يشكّل قلقاً لإيران؛ لأنَّ هذه التطورات من شأنها أن تزيح كلّ مَن يقدّم معلومات ناقصة أو خاطئة على أنّها الأمر الواقع، وتُقصيه عن مراكز القرار والإعلام في السياسة الخارجية الإيرانية، ليتسنّى لأصحاب القرار الرئيسيين أن يطّلعوا على الواقع بنحوٍ أفضل. هذه الآلية تشمل الجهاز الإعلامي والإذاعة والتلفزيون الرسميَين أيضاً، إذ ستتضح عجز هذه الأجهزة والمؤسسات عن تسيير الأهداف السياسية الخارجية. وهذا الأمر بحدّ ذاته يدفع بأصحاب القرار إلى اتخاذ قرارات جديدة. ولكن ما يجب الاكتراث به هي الآصرة بين الشعبَين الإيراني والعراقي التي تتبلور جليّاً في المحلمة العظمى في أيّام زيارة أربعينية الإمام الحسين، وقتئذ نشهد الشيعة بين البلدَين كيف يلتقون ويتعايشون بكلّ محبّة ونقاء، بعيداً عن الأدوار التي يؤدّيها اللاعبون السياسيون يأتلفون فيما بينهم ويؤدّون طقوسهم الدينية، ويرسمون أروع صورةٍ من صور تلاقح الشعوب. ولذا يجب الحذر من أيّ مبادرة وحتّى أيّ فكرة تخدش مثل هذه العلاقة. ومِن المتيقّن بأن كثيراً من العراقيين الذين استقبلوا الإيرانيين في زيارة الأربعين وضيفوهم، نزلوا إلى الشوارع في الاحتجاجات الأخيرة؛ ولذلك يتحتّم التمييز بين ضرورة تعزيز الأواصر الدينية بين الشعبين، وبين مساندة السياسيين الفاسدين.
ولذلك يجب عدم القلق من هذه الاحتجاجات، وليس هذا فحسب، بل يجب دعمها. فمثل هذه المواقف تعزز الأواصر الشعبية بناءاً على الواقعيات وليس على الأوهام، وتضمن مصالح البلد على المدى البعيد بنحوٍ أفضل.
ومن الواضح جدّاً بأن الشعب العراقي لا يثق بأيّ قوّة أو طرفٍ من الأطراف السياسية العراقية الراهنة، والعراقيون يرون بأن الجميع غير قادرين على البقاء في السلطة، وإن الاتكال على مثل هذه الأطراف إنما هو هواء في شبك.

ب. مستوى العلاقات الثنائية:
لقد تأثّرت البُنى التحتية ومفاصل الدولة الوطنية العراقية جرّاء الاحتلال الأمريكي، ولم تنجح التطورات السياسية وتدوال السلطات المتعاقبة حتّى الآن في ترسيخ سلطة موحدة وثابتة في العراق. يعود جزء من هذا العجز إلى طبيعة الاجتماع السياسي والتاريخ السياسي العراقي وطبيعة تكوين الدولة الحديثة في هذا البلد، وجزء آخر منه يعود سببه إلى التدخلات الخارجية والدولية والدول المجاورة. إن طبيعة تدخل اللاعبين غير العراقيين مرهونة بطريقة تحليل مصالحهم؛ وعلى هذا المستوى، وفيما يتعلّق بآلية تحليل المصالح القومية الإيرانية لا يوجد إجماع بين المحللين السياسيين.
يمكن عرض ثلاثة تحليلات مقتضبة بهذا الصدد:
1- تحليلٌ يرى ضرورة استغلال ضعف الحكومة الوطنية في العراق، والهيمنة على الدولة والسلطة في العراق بأقصى ما يمكن؛ وتحقيقاً لهذا الهدف يجب دعم القوى الموالية لإيران من خلال تعزيز دورهم في هيكلية السلطة، للتحكّم بمراكز اتخاذ القرار العراقي وسَوقه نحو تأمين المصالح القومية الإيرانية. يغفل هذا التحليل العواقب المترتبة على ردّة فعل الشعب العراقي، وقد أصيب أصحاب هذا الرأي بالتخبّط عند مواجهة الاحتجاجات الأخيرة. لأنَّه إذا ثَبُت وجود مثل هذا الوضع، أو حتّى إذا ما تصوّرنا وجود مثل هذه الفكرة لدى الشعب العراقي، ستكون الاحتجاجات موجّهة إلى مَن يدعم هذه الحكومة الفاشلة والفاسدة. وقد شوهدَت مثل هذه المواقف والتوجهات في الحكومات الأولى التي جاءت بعد الاحتلال، والتي كانت مدعومة من تركيا والسعودية.
2- يرى التحليل الثاني بأنَّ العراق في الفترات الأخيرة كان أكثر دولةٍ جارة مثيرة للمشاكل، وإن الاستقرار في العراق يُعني إثارة المشاكل لجيرانه، بما في ذلك إيران. ولذلك يجب عدم المساعدة لخلق الاستقرار في العراق. وبالنظرِ إلى الطبيعة الاجتماعية للشعب العراقي والفوارق التاريخية لدى طوائف ومكوّنات هذا الشعب يجب ترك هذا البلد على حاله لتعمّ فيه الفوضى الدائمية، وبالتالي يمكن التخلّص من شرّ هذا الجار المزعج بنحوٍ دائم. إن تطورات العراق بموجب هذا التحليل إنّما هي شؤون داخلية، ويوصي أصحاب هذه الفكرة باتخاذ جانب الحياد الكامل في التعامل مع هذا البلد. النواقص الكامنة في هذا التحليل تكمن في تقليله طبيعة العلاقة مع البلد الجار إلى مستوى الدول فقط، ويغفل الواقع القائم في العالم الحديث والتلاقح الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين المجتمعَين. إن ظهور داعش في العراق، وقبله قضيّة الزرقاوي ومخاطر انتقال التدهور الأمني إلى الحدود وحتّى إلى داخل إيران، كلّ ذلك يؤكّد عدم إمكانية تجاهل الأحداث الداخلية في العراق. فضلاً عن ذلك فإن الفراغ الذي سيتركه التجاهل الإيراني للداخل العراقي سيستغله المنافسون الإقليميون لإيران، وهذا ما يشكّل تهديداً أخطر وأكثر جديّة للأمن القومي الإيراني. لأنَّ المنافسين سيتمكنون من استغلال الفوضى العراقية لإيجاد الفوضى في إيران، مثلما فعلوا ذلك في فترات سابقة عند دعمهم المجموعات الإرهابية المعادية لإيران.
3- يفيد التحليل الثالث بأن الموقف إزاء التطورات في العراق يجب أن ينطلق من رؤية مسؤولة، سعياً لإيجاد الاستقرار في هذا لبلد، وأن تتم مساندة الحلفاء العراقيين (الحلفاء الفعليين والمحتملين معاً) مِن دون التدخل المباشر. وفي الوقت الذي يُفصَح عن حسن النوايا لدعم الأغلبية في الشعب العراقي، يتم العمل على التصدّي لتدخل المنافسين في العراق. وبموجب هذا التحليل يكون الاستقرار في العراق، والمبتني على المنجزات ودعم المطالب الشعبية أفضل خيارٍ لتأمين المصالح الإيرانية. وبناءً على ذلك يكون العجز الراهن لدى القادة السياسيين العراقيين قضيّة بديهية قد تركت أثراً كبيراً على الحياة النّاس اليومية، وأدّت إلى هدر موارد البلد والمال العام. إن وجود دولة كبيرة تمتلك أزيد من سبعة ملايين موظف داخل بلدٍ تبلغ نسمته 37 مليون شخصاً، وكذلك اعتماد الريع في توزيع الثروات والموارد لا يضمن مصالح الشعب العراقي؛ وليس هذا فحسب، بل إن مثل هذا البلد لا يسعه أن يكون حليفاً موثوقاً لأيّ دولةٍ جارة، بما فيها إيران. (مَن لا يخدم مصالح بلده كيف له أن يساعد مصالح بلدٍ آخر؟)
طبقاً لهذا التحليل نحتاج إلى إعادة النظر في سياسة الصبر الاستراتيجي الإسلامي حيال هيكلية القوى والخارطة السياسية في العراق. والملحَظ الذي تجب إضافته حول هيكلية القوى السياسية العراقية هو الدور البارز للشباب العراقيين الذين يعتمدون نمطاً جديداً من الحياة، وهو ما لَمْ نشهده بين السياسيين العراقيين. في هذه النظرة الجديدة يجب الاعتناء بالدور اللافت الذي يلعبه العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أُغفِل في إيران أيضاً.

ج. المستوى الاقليمي:
يستحيل تحليل الاحتجاجات العراقية الأخيرة من دون الالتفات إلى تعقيدات العلاقات الخارجية والداخلية في دول الخليج وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. إن كلاً من الدول الإقليمية المهمة، أيْ إيران والسعودية وتركيا ومصر، قد حددت لنفسها مصالح معينة في العراق. وبالإضافة إلى ذلك هنالك دولٌ طموحة جديدة مثل الإمارات وقطر، لها مطامع للحصول على حصّةٍ من هذه المائدة، كما أن سوريا أيضاً كان لها دور سابق في هذه التعقيدات.
يجب الالتفات إلى التحسس المشترك والعام لدى العالم العربي وإسرائيل إزاء النفوذ الإيراني في أيّ دولةٍ عربية. إن الوقوف على مجمل العوامل آنفة الذكر تمنع المحلل السياسي مِن تبسيط الأسباب وتسطيح الأمور وإرجاع المشكلة إلى عامل واحد. يجب الإقرار بالمصالح الجمعية، وأن يُقرأ مسرح الأحداث بنحوٍ يمكن مشاهدة مصالح كافة اللاعبين. وفي حال عدم تأمين المصالح سيعمل اللاعب المتضرر بقدر استطاعته على إفساد اللعبة أو عرقلة مصالح الآخرين. خلاصة الأمر إن مستقبل العراق مِن دون تعاونٍ إقليمي مبنيّ على التفاهم والتحاور لا يكون نافعاً لأيّ أحد إلا إسرائيل التي تكون الرابحة الدائمية جرّاء أيّ أزمة في المنطقة.

د. المستوى الدولي:
وللاعبين الدوليين البارزين أيضاً (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، أوربا) مصالح في العراق. تُحدد الولايات المتحدة لنفسها مصالح حصريّة في العراق لدورها المباشر والمنفرد في إسقاط نظام صدّام، وفي الظروف الاعتيادية الراهنة لا تقبل بأيّ شريك في هذه المصالح. وروسيا بوصفها بلد قد فقدت حليفها السابق (صدّام حسين) لا زالت تسعى إلى إستمرار حضورها السابق في مستقبل العراق. أمّا الأوربيون الذين لم يتحالفوا مع الولايات المتحدة في حربها ضدّ العراق، يعملون على إيجاد طريقٍ للحضور في العراق؛ والصين تسعى إلى تولّي القطّاع النفطي والبنية التحتية الخاصة بالنفط العراقي. إن كلّا من هؤلاء اللاعبين يسعون إلى بسط نفوذهم في العراق، سواء أكان ذلك لوحدهم أو من خلال لاعب إقليمي ينوب عنهم. ومِن الطبيعي أن يكون لكلّ لاعبٍ دور في التطورات الأخيرة في العراق، وكلٌّ منهم حاول استغلال الاحتجاجات الأخيرة لصالحه. فعلى سبيل المثال لنا أن نتذكّر الموقف الروسي في عملية الاستفتاء الأخيرة التي جرت في كردستان العراق، فقط كان الروس في حينها يمثلون القوّة الوحيدة التي لم ترفض تقسيم البلد. وفي الوقت الراهن أيضاً لا يسمح هؤلاء اللاعبون الدوليون بسهولة أن يخضع بلدٌ مهمّ مثل العراق للهمينة الإيرانية المباشرة. ولذلك فإن أيَّ موقفٍ منّا بخصوص مستقبل العراق يجب أن يعنى بالقوى العظمى أيضاً. إن حكومة السيد روحاني في السنوات الست الماضية أثبتت إخفاقها في الدبلوماسية الإقليمية، إذ يعود السبب في ذلك إلى عدم الاكتراث بأهميّة الأمر. وفي الأشهر الماضية كانت مبادرة حكومة السيّد الروحاني في تقديم مقترح السّلام في مضيق هرمز وتعزيز التعاون الإقليمي باعثة للأمل، إذ تبلورت رؤيةٌ يمكن من خلالها نبذ التوتر والسجال وإفساد المصالح، واعتماد الحوار والتعاون وتأمين المصالح المشتركة. إن هذا الحوار والتفاوض يجب أن يشمل مستقبل العراق أيضاً وبنحو جاد، ليتسنّى استثماره للاستقرار الاقليمي ولاستقرار ذلك البلد.
وبعبارةٍ موجزة يجب عدم التخلّي عن العراق وتركه على ما هو عليه، ويجب عدم الدفاع عَمَّن أهدر واحد تريليون دولار من العوائد النفطية العراقية، ويجب عدم الوقوف بالضد من الغليان الشعبي والاحتجاجات العراقية؛ ويجب ألا نقصر نظرتنا على مصالحنا وألا ننظر لمصالح الآخرين على أنّها أمور واهية. ويجب ألا نغفل عن فساد وفشل الساسة العراقيين. إن استقرار العراق هو نتاج التعاون المشترك بين القوى الاقليمية، إلى جانب الاعتناء بمطالب الشعب العراقي الرامية إلى تحقيق المنافع مِن خلال الموارد والثروات العظيمة المتوافرة في هذا البلد. ما يمكن قوله حول مطالبات الشعب العراقي هو أنّهم «يعلمون بالأمور التي يرفضونها»، ولكنّهم غير ملمّين بخصوص «ما يريدون»! فَلنساعدهم على المطالبة بما يحقق مصالحهم ومصالحنا معاً.