الاقتصاد العراقي  (1950-2010)

تاريخ النشر:
2019 أيار 14

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf

 

تأليف: عباس النصراوي                              قدمه ولخصه: رأفت البلداوي


مثل الكتاب إطاراً ووثيقة تاريخية لفترة مهمة كونت فيما بعد معالم العراق الحديث اقتصادياً، وهي بداية استخراج النفط من الأراضي العراقية وما تبعها من حصول العراق على واردات عالية تضاف الى الواردات الزراعية بالغالب آنذاك. وقد ظهرت هذه المعالم ابتداءً من تأسيس شركة البترول التركية عام 1925 والتي سميت فيما بعد (شركة نفط العراق)، فضلاً عن إبرام العديد من الاتفاقيات مع الشركات الأجنبية كـ (اكسون، شل، البترول البريطانية، موبيل، تكساسو، وشركة البترول الفرنسية) الخ، مروراً بتشكيل مجلس الاعمار بغية استغلال الواردات النفطية بشكل حصيف وتأميم النفط وما تبعه من أحداث كثيرة أهمها الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) والاجتياح العسكري لدولة الكويت عام 1990 وانتهاءً بعام 2003 الذي شهد سقوط النظام السابق والذي قاده حزب البعث المنحل لفترة قاربت الـ 35 عاماً.
لقد رسمت الأحداث السابقة وما مر به العراق من منعطفات خطيرة وأساسية شكل الاقتصاد العراقي وطبيعته التنموية فضلاً عن طريقة إدارة الحكم، إذ امتازت الفترة السابقة وبالخصوص بعد عام 1958 بالتوجه نحو الريعية شبه الكاملة وربط معظم الايرادات بالنفط كمصدر أساس في تمويل موازناته التشغيلية والاستثمارية، متجهاً شكل الدولة نحو قطاع عام نشط اقتصادياً في ظل تراجع أعمال القطاع الخاص، كما ان هذا الشكل يزداد حدة كلما شهد النفط تصاعداً في أسعاره وكذلك زيادة في الانتاج.
كما شكل هذا الاعتماد الكبير على النفط بالتزامن مع نمو سكاني عال مشكلة حقيقية أخرى، إذ على الرغم من تصاعد انتاج وأسعار النفط العالمية إلا أن النمو السكاني المتسارع أدى إلى بقاء معدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي منخفضاً وهو يساوي في كثير من الأحيان دخل الفرد في دول فقيرة لا تمتلك من الموارد الطبيعية شيء يذكر، إذ ارتفع عدد السكان من (5,2) مليون نسمة عام 1950 الى (18,9) مليون نسمة عام 1990 والى (37) مليون نسمة عام 2010 حسب تقديرات وزارة التخطيط.
لقد بين الكتاب تاريخ نشوء صناعة نفطية وطنية في العراق بعد سن الحكومة آنذاك قانون رقم (80) لعام 1961 والذي مكن الدولة من إحكام السيطرة على الأراضي غير المطورة والتي شكلت (99,5%) من الاراضي الخاضعة لسيطرة الشركات الأجنبية العاملة ليشهد فيما بعد تأسيس شركة النفط الوطنية (انوك) عام 1964 والتي حملت الأهداف العامة لسياسة نفطية مستقلة، الا ان هذه الشركة قد أخفقت في سنواتها الأولى بسبب ضعف الصلاحيات المتاحة لها مقارنة بالأهداف المناطة بها، مما دفع الحكومة آنذاك الى تشريع قانون خاص بالشركة عام 1967 ليمنحها صلاحيات وحقوق واسعة لاستغلال وتطوير الاحتياطيات النفطية.
بدأ العراق بجني الثمار الحقيقية لاستخراج النفط فعلياً إبان تشكيل مجلس الإعمار 1950، إذ تضمن قانونه جانباً مهماً وهو توجيه الإيرادات النفطية بالكامل إلى ميزانية المجلس مما أدى الى اعتماد برامج تنموية حقيقية وجهت إلى تخطيط وتنفيذ المشروعات الانمائية بضمنها انشاء السدود ومشاريع الري والبزل والصناعات التحويلية والنقل والمواصلات وغيرها، إلا إن هذه المشاريع رغم أهميتها أدت إلى تراجع في قطاعين مهمين وهما قطاع الزراعة الذي كان يشغل ثلثيّ الأيدي العاملة فضلاً عن قطاع الصناعة.
لكن الأمر لم يستمر هكذا بعد قيام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم عام 1958 وتأسيس الجمهورية العراقية مما أدى الى سلسلة تغيرات اقتصادية واجتماعية عنيفة، إذ جاء النظام الجديد بأهداف مغايرة عن تلك الأهداف إبان الحكم الملكي بدءاً بالانتقاد الحاد تجاه مجلس الإعمار الذي اتهم بالتبعية والانحياز ومنح الامتياز للشركات الأجنبية وكذلك الخبراء الأجانب فضلاً عن التخلخلات الهيكلية في هيكل الاقتصاد العراقي، فجاءت بذرة التغيير بتشريع قانون الاصلاح الزراعي وتحديد سقف أعلى لملكية الأرض ومنع الاحتكار من قبل طبقات معينة إضافة إلى فك ارتباط الدينار العراقي بالجنيه الاسترليني وإقامة علاقات سياسية واقتصادية مع الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية مع التوكيد على أهمية التنمية الصناعية لا سيما الصناعة النفطية منها. ان الانتقاد الحاد من قبل النظام الجديد نحو مجلس الاعمار أدى إلى الغائه وتشكيل لجنة وزارية مؤقتة عوضاً عنه وأكدت اللجنة آنذاك على الاستمرار بمشاريع المجلس لحين إعداد خطة جديدة ومن هنا جاء تشكيل وزارة التخطيط عام 1959 ومجلس التخطيط الاقتصادي.
استمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 1963 والذي شهد انقلاباً آخر ليأتي نظاماً جديداً بقيادة الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف حتى عام 1968، استمر النظام الجديد بتنفيذ الخطة الاقتصادية التفصيلية السنوية لعهد قاسم والتي كانت تعدها آنذاك وزارة التخطيط حتى قيامه بتقديم خطة اقتصادية خمسية جديدة للسنوات (1965-1969) تبنت خلالها العراق كدولة اشتراكية يستمد نظامه من التراث العربي وروح الاسلام وان القطاع العام والخاص ركيزتان أساسيتان لعملية التنمية من أجل زيادة الانتاج وتحسين المستوى المعيشي واحترام حقوق الملكية الخاصة وغيرها من المبادئ التي تمخضت عنها مجموعة من الاهداف فيما بعد تمثلت بزيادة المستوى المعيشي للسكان والتنويع الاقتصادي وتقليص التركيز على النفط كمصدر أساس للدخل ليكون الأداء الاقتصادي متبايناً محققاً الاهداف في جوانب ومخفقاً في جوانب أخرى.
جاءت بعدها مرحلة جديدة ونظام جديد عام 1968 إذ شهد العراق انقلاباً ثالثاً على يد حزب البعث قاده الى تولي السلطة في البلاد والذي كان مفتقراً الى برنامج اقتصادي محدد مما دعاه الى تنفيذ خطة النظام السابق بكافة مساراتها لغاية صدور خطة التنمية القومية (1970-1974) والتي صيغت بشعارات ثورية مخترقةً كافة مستندات التخطيط، وقد تميزت هذه الخطة بشيء واحد مهم جداً وهو ان هذه الخطة أعدت ونفذت بكافة مساراتها تحت ظل ذات الهيكل السياسي للسلطة بعكس الخطط الأخرى التي شهدت تغيرات سياسية واقتصادية وهيكلية.
شهد الاقتصاد العراقي في المرحلة السابقة وبالخصوص النصف الثاني من السبعينات تطورات واسعة محققاً معدلات نمو عالية وغير متوقعة سواء في إنتاج النفط او في ارتفاع حصة الفرد من الناتج المحلي الاجمالي وكذلك الصناعات التحويلية والبناء والتشييد وغيرها، كما حقق تراكم احتياطي عالي من العملات الأجنبية قاربت الـ(40) مليار دولار حتى بدأت الحرب مع إيران عام 1980 والتي أدت الى انخفاض صادرات النفط العراقية بنسبة 72% فضلاً عن الزيادة في النفقات العسكرية من 38% عام 1980 الى 66% عام 1981 و57% عام 1982 و59% عام 1983 نسبة الى الناتج المحلي الاجمالي، وانخفض الانتاج الزراعي من 66% عام 1980 الى 37% عام  1981 نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، اضافة الى مقتل ما يقارب 105 الف وإصابة ما يقارب 700 الف من العراقيين فقط، وقد قدرت خسائر حرب الثمان السنوات بـ(453) مليار دولار تقريباً كانت كافية لنقل العراق نقلة نوعية وتكوين تراكمات رأس مالية مهمة تجعله في مقدمة دول المنطقة اقتصادياً.
انتهت الحرب في آب 1988 واستقبل العراق عهده الاقتصادي الجديد بمنشآت نفطية معظمها مدمرة أو مغلقة أو محاصرة وشريحة كبيرة من القوى العاملة ما زالت تحت الإرادة العسكرية وقطاع صناعي مترهل فضلاً عن قطاع زراعي راكد اتجهت عمالته إما إلى التعبئة العسكرية أو انتقلت إلى مراكز المدن، وعمالة أجنبية مستوردة شكلت عبئاً لا يستهان به على الاقتصاد، وتوقفت عملية التخطيط فضلاً عن ديون خارجية عالية لا يستطيع بالغالب سدادها.
ورغم كل هذا الدمار الذي لحق الدولة والاقتصاد إلا إن النظام آنذاك أوقع العراق في فخ أكبر ضمن محاولاته لتعويض الخسائر التي نتجت عن الحرب وتسديد ديونه الخارجية ليجد صيداً سهلاً حين قامت القوات العراقية باجتياح دولة الكويت في آب 1990 مستغلة انكشاف الكويت العسكري ومحدودية قدراتها الدفاعية، ليلحق الاجتياح أضراراً كبيرة أخرى إذ أقرّ مجلس الأمن قراره المرقم (660) بشجب العدوان مطالباً العراق بسحب قواته من الكويت وقررت كل من الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا تجميد الأرصدة العراقية والكويتية وأوقف الاتحاد السوفيتي الامدادات العسكرية، ثم لحق القرار السابق لمجلس الأمن قراراً جديداً فرض بموجبه العقوبات الاقتصادية والمقاطعة الدولية الالزامية على العراق والكويت المحتلة لينخفض بعدها انتاج النفط بنسبة 86% وتقلصت المستوردات بنسبة 90% والصادرات بنسبة 97% فضلاً عن مقتل 82 الف من العراقيين العسكريين فقط و(5-10) الف من المدنيين الأمر الذي مزق الاقتصاد ونشر العوز بين السكان. ليستمر الوضع على ما هو عليه خلال السنوات التي عرفت بسنوات الحصار الاقتصادي حتى سقوط النظام البعثي عام 2003.
شهد  عام 2003 تغيرات كبيرة وعنيفة حيث دخول القوات الأمريكية الى العراق واعلان سقوط النظام الصدامي ليشهد العراق انفتاحاً اقتصادياً كبيراً بعد سنوات من الانقطاع عن العالم الخارجي وتفتح الاستيرادات على مصراعيها بشتى أنواع البضائع الأساسية وغير الأساسية تحت قيادة الحاكم العسكري الامريكي بريمر والذي استلم زمام الأمور لحين تشكيل حكومة عراقية مؤقتة وكتابة دستور جديد للبلاد، فقام الحاكم العسكري بسلسلة تغييرات أولها حل الجيش العراقي وتغيير قانون الادارة المالية والدين العام وقانون الخدمة المدنية وقانون الرواتب وقانون البنك المركزي وقانون المصارف وغيرها من القوانين ذات الأثر المباشر على الوضع الاقتصادي، كما دخلت الشركات الأجنبية للاستثمار من جديد في القطاع النفطي وقد تزامن هذا مع ارتفاع مهم في أسعار النفط عززت موازنات العراق بمبالغ طائلة من الأموال.
لكن مع هذا الارتفاع المهم في أسعار النفط ارتفعت هيمنة النفط على الاقتصاد بشكل أكبر حتى وصلت نسبة مساهمته في ايرادات الموازنة العامة 95% تقريباً ساهمت بإنشاء الكثير من المشاريع إلا أن الأوضاع لم تسير كما خطط لها حيث استمرت التهديدات الامنية ونشوء المجاميع الارهابية وانتشار السلاح خارج القانون ونشوب الحرب الطائفية ودخول تنظيم داعش الارهابي الى الاراضي العراقية عام 2014 واحتلاله ما يقارب ثلث الأراضي العراقية فضلاً عن الفساد الكبير الذي رافق إدارة الدولة والذي يعد معوقاً أساسياً لتقدم البلاد وازدهارها لغاية اللحظة.
ويمكن القول ان الاقتصاد العراقي بسياساته وقطاعاته المختلفة كان يسير ويتغير بشكل متوازٍ مع التغيرات السياسية العامة والعنيفة في البلاد وان التحولات السياسية والانقلابات وظهور أنظمة جديدة أدى الى انتهاج سياسات وخطط اقتصادية مختلفة لم تستطع أن تنجح إحداها بالكامل إما بسبب الظروف السياسية أو المالية أو المدد الزمنية للتنفيذ بسبب تسارع التغيرات السياسية.